وعد امي

وعد امي

32 0

الحيّ الصغير \.\.\. في بيت صغير يقع في نهاية الحي، تقابله العديد من الدكاكين التي تعمل بأشغال مختلفة، منها دكان أبو أحمد للخياطة، وبجانبه دكان الحلويات الذي يشغله العديد من الزوار يوميًا بسبب حلواه الشهية، كما يصفها الناس\. وفي جانبه الأيمن تصطف المنازل المتهالكة التي على وشك أن تقع على رؤوس أصحابها، وحيطانها كثيرة الألوان بسبب الكتابة الكثيرة التي يتركها الأطفال المشاغبون تعبيرًا عن مشاعرهم عن طريق رسم رسومات غير مفهومة، والعديد من الخربشات، مع وجود القليل من الأحرف التي يتركها المراهقون تعبيرًا عن مشاعرهم التي لم تنضج بعد \. تقف فتاة بجانب النافذة الكبيرة التي يوجد بها كسرٌ كبير في الأعلى، خلفه أطفال الحي بسبب كرتهم البالية منذ زمن\. تنظر إلى الأطفال الذين يلعبون كرة القدم، وآخرين يرسمون على حيطان المنازل كعادتهم\. يتطاير شعرها الواضح من تحت الغطاء الذي يغطي شعرها الأسود، كسواد الليل وظلمته، وكثافته التي تجعل فتيات الحي يشعرنَ بالغيرة منه\. وجهها الأبيض وعيناها الكبيرتان والمسحوبتان للخلف، اللتان تغطيهما رموشها الطويلة، تجعل كل من يراها يتمنى أن تكون من نصيبه\. ولكن ليس الجمال هو ما يحدد أقدار البشر وحظهم، فهناك القبيح، ولكنه يمتلك حظ الدنيا بأكملها، كأنه تعويض عن قبحه، وهناك من امتلك الجمال، لكنه لم يمتلك الحظ والرفاهية التي يسعى الجميع من أجلها\. باختصار، إن امتلكت الأول، فلن تمتلك الآخر، ولكن هناك من كسر هذه القاعدة، وهم الذين يسعون دائمًا لتحقيق مرادهم وإثبات أنفسهم\. ولكن في حقيقة الأمر، هم أناس امتلكوا الجمال والحظ في آنٍ واحد\. أما هي، فقد امتلكت الجمال، ولكن الحظ لا يزال غير واضح\. كانت خائفة من المستقبل الخفي، ووجهها تَمثَّلت عليه آثار التعب والإرهاق والجوع، التي لا تعترف بها\. تُعرف في الحي الذي تسكنه بأنها الفتاة القوية الهادئة، رغم كثرة مشاكلها العائلية التي لا تهدأ\. فجميع من في الحي يعرف أنها تعاني من والدها، ولكن من يستطيع الكلام في مجتمعٍ ذكوريٍّ يقودها من أجل مصالحه وشهواته؟ تقف هادئة، تفكر وهي مغمضة العينين: من سيساعدها على تحقيق حلمها بعد أن رُفضتها المنحة التي علَّقت أحلامها بها؟ كيف؟ وأين؟ ومتى؟ هناك الكثير من الأسئلة التي تشغل دماغها الصغير، ولا تعرف لها أي إجابة\. تريد أن تبكي، ولكنها تكره أن تبكي، تكره أن تشعر بالضعف والإرهاق أمام نفسها وأمام الآخرين، فهي الفتاة القوية\. تنهدت بصوتٍ خافت وطويل، كأنها تريد أن تصرخ بصوت عالٍ، ولكن هناك من يراقبها، لذلك يجب أن تكون حذرة\. تفتح عينيها ببطء، وتنظر عن قرب، فإذا بها ترى صديقتها جوهرة، طويلة القامة والمرحة، التي يعرفها الحي بمشاغبتها منذ الصغر، وبمشاركتها الأطفال في لعب كرة القدم، في مجتمعٍ خصَّصها للأولاد فقط\. فلا يجوز للفتيات أن يشاركن فيها أو أن يمرحْنَ في الشارع، فعلى الفتاة أن تقف في المطبخ، ولكن جوهرة لم تكن تستمع لهذه الخرافات\. اعتاد الناس في صغرها أن يذهبوا إلى عائلة جوهرة ليشتكوا لأمها ووالدها، ولكن عائلتها لم تكن مثل أي عائلة في الحي، فقد عُرفت بانفتاحها وتشجيعها لابنتهم\. فعندما كان يأتي الناس ليشتكوا منها، كان والدها يهزأ بها أمامهم، ويقول لهم: "لن تعيد الكَرَّة مرة أخرى\." ثم ينظر إلى فتاته العابسة، التي تعرف أنه فقط يمزح معها، فيقول لها: "أليس كذلك، يا صغيرتي؟" فترد هي بصوتٍ خافت، يدل على الخوف في وجه الناس: "حسنًا، يا أبي\." ولكن عندما يعطي الناس ظهورهم لهم، ينظر إليها مرة أخرى، ويقول لها: "انظري إليَّ، صغيرتي، كلامهم لم ولن يؤثر، ففي النهاية، سيعطيكِ الناس ظهورهم، سواء فعلتِ شيئًا جيدًا أم سيئًا\. افعلي دائمًا ما يقوله لكِ قلبكِ، لأنه لن يخطئ أبدًا\." تضحك هي الأخرى، وترد عليه بصوت عالٍ: "أمرك، يا أبي\!" ثم ترفع يدها للأعلى، ليعرف أنها تريدُ أن يحملها، فيحملها على ظهره العريض، ويبدأ بالمشي وغناء أغنيته الشهيرة:ّّ "من أمتلك سواها؟" في نهاية الشارع، كانت هناك طفلة تقف من بعيد، وتنظر إلى ما تتمناه من بعيد، ولكنها لم تمتلك هذا الأب الذي يقف معها في السراء والضراء\. فكانت تمتلك أبًا شديد القسوة، دائمًا غاضب الوجه والقول\. كانت تشعر بالخوف منه أكثر من خوفها من الغرباء\. كانت تدعو دائمًا في صلاتها أن يموت، وفي مرات عدة، يلين قلبها لوالدها الذي لا يعرف معنى الرحمة، فتدعو الله أن يكون كل هذا مجرد حلم، وأن تستيقظ فتجد لديها الأب الذي تتمناه\. ولكن دائمًا، كان هناك ما يقطع صوت دعائها\. تقفز مسرعة إلى فراشها المتمدد على الأرض الصلبة، فتغطي رأسها، وتسمع صوت أمها التي تبكي في المطبخ المضيء في زاوية المنزل المتهالك، وصوت والدها الغاضب، الذي لا يتغير أبدًا\. فتغمض عينيها بشدة تحت الغطاء، وتضع أصابعها الصغيرة المتشققة في أذنيها، تحاول أن تحجب صوت أمها، الذي يشعرها بالقلق والخوف عليها، وصوت والدها، الذي يشعرها بالخوف والقلق منه\. فتدعو في قلبها بصوت عالٍ: "يا رب، أبي لن يتغير، أرجوك، خذه بعيدًا، فأنا لم أعد أحبه\!" لم تكن حياتها مثالية كطفلة، فقد عاشت هذا المشهد المتكرر كثيرًا، في طفولةٍ كان من المفترض أن تكون بريئة\. تقترب سلمى من الفتاة الغامضة فترد السلام، فتقول: "السلام عليكم أيتها الجميلة\. أنا اليوم تحت خدمتك" من أمام النافذة، حاملةً معها كيساً من الحلوى التي كانت من المفترض أن تكون هدية قبولها في المنحة الألمانية\.بعد دخولها للمنزل تقف أمامها فتعبس هي آخرُ وتضع رأسها على النافذة فتصدر أصواتاً مزعجة كعادتها، فتقول: "حسناً، هناك الكثير ممن يريدونك أن تكوني في جامعتهم\. لن نحزن، حسناً؟ فأنا أشعر بأن هناك شيئاً أجمل في انتظارك\." فترسم على وجهها ابتسامة كبيرة، فتزيل رأسها عن النافذة وترفع شعرها المتطاير عن وجهها، ثم تقف وقفة الشرطي الذي ينتظر الأوامر\. ولكن لا توجد أي استجابة من الفتاة الغامضة، فتقترب منها أكثر وتمسكها من كتفيها، فتهزها هزة كبيرة، فتشعر الفتاة الغامضة بالانزعاج، فتقول: "اتركيني، أريد أن أبقى لوحدي\." فتزيل يدي صديقتها من كتفيها وترجع إلى وضعها القديم\. تذهب جوهرة لتمشي في الغرفة التي حفظت كل سانتي منها، وتقف في نهايتها، ثم تجلس على الكرسي القديم الذي يشبه حالة المنزل\. وتبدأ بأكل الحلوى التي في يدها بشراهة كأنها أول مرة تأكلها، ولكن في الحقيقة، هي دائماً ما تأكلها عندما تأتي إلى منزل صديقتها المكتئبة\. فتقول لها: "لماذا لا نحاول مرة أخرى؟ هناك العديد من الفرص\. أنا لا أمزح\." فترد عليها صديقتها، وهي تستدير لتنظر إلى وجهها متكتفة الأيدي، فتقول: "كيف أحاول مرة أخرى؟ إن لم أنجح هذه السنة، سأتزوج برجل لا أعرفه طوال حياتي، وبين ليلة وضحاها سأجلس معه كأنه من سنين عديدة نعرف بعضنا البعض\. لقد حاولت في الكثير من المنح، ولكن حلمي لن يتحقق\. فحظي لا يقف معي\." فترد عليها صديقتها، التي تكاد أن تختنق من كلام صديقتها أكثر من الحلوى التي تملأ فمها، فترد عليها وهي ترفع يديها تشير لها إلى الماء الذي يوجد على الطاولة في منتصف الغرفة\. فتفهم عليها صديقتها الغامضة، فترسم ابتسامة صغيرة على وجهها من غباء صحبتها\. تقترب منها فتعطيها الماء، وهي تقول: "على هونك، الحلوة لن تطير\." فتقول جوهرة بعد أن شربت الماء: "أنتِ على هونك، قلت جملة صغيرة فرددتِ بجملة أطول مني\. دعيني أقول لكِ شيئاً: هناك أمل بأن تذهبي لتكملي حلمك في دراسة الطب\. أنها المنحة الكورية، لقد سمعت عنها الكثير، وهناك مزايا كثيرة تنفعنا إذا تم قبولنا فيها أكثر من المنحة التي تبكين عليها\. والآن، قولي لي، هل أنا ذكية؟" توقفت الفتاة الغامضة تفكر، ولكن ارتسمت معالم الخوف عليها\. فجلست بالقرب من صديقتها ونظرت إلى وجهها، فقالت: "أنا لا أنكر أنكِ ذكية، ولكن أشعر بأنها ستكون صعبة\. بالحقيقة، كوريا لم أسمع عنها كثيراً\. أنا أشعر بالخوف منها\." تنظر إليها سلمى نظرة استغراب، فتقول وهي واقفة على أرجلها الطويلة من الصدمة: "كيف لم تسمعي عن كوريا؟ هي بلد الجمال والغناء والمسلسلات التي لا أحد يعيش دونها\!" فتصمت وتنظر إلى صديقتها التي لا تعرف عما تتكلم عنه\. جوهرة تسحبها صديقتها التي لا تكاد أن تفهم شيئاً لتجلس بجانبها\. فتقول: "اهدئي قليلاً، فأنتِ مزعجة\." فتجلس الفتاة الغاضبة اللطيفة وتشرح لها عن كل شيء في المنحة وعن المزايا التي تقدمها للطلاب المقبولين\. تنظر إلى صديقتها فتقول: "ما الذي يخيفك في المنحة الكورية؟ لقد سجلتِ في المنحة الألمانية والتركية\." فتنظر إليها وتقول: "لكن المنحة الألمانية والتركية، لقد سمعت عنهما الكثير، وهناك العديد من شباب الحي الذين تم قبولهم فيها\. والجميع قالوا إنها فرصة العمر\." فنظرت إليها سلمى وقالت: "ربما أنا وأنتِ نكون مختلفين عنهم، ونفتح الباب للعديد من المختلفين أمثالنا\. دعيني أقول لكِ شيئاً: هناك فرصة كبيرة أن نقبل بها\. فما رأيكِ؟ أنا سأذهب غداً وأسجل فيها إن أردتِ\. قولي لي غداً، يفتح التسجيل، من يسجل أولاً يُقبل أولاً\." فأبتسمت ابتسامة لطيفة على وجهها الذي يمتلئ بالأمل، ووقفت للذهاب إلى منزلها\. عندما اقتربت من الباب للخروج، قالت لها الفتاة التي لا تزال خائفة، ولكن شعاع الأمل بدأ يمر في عيونها كأنها تقول: سأحاول للمرة الأخيرة\. "قفي أيتها الفتاة الجميلة\. مري لي غداً لنذهب سوياً\." قفزت جوهرة من السعادة فطار شعرها البني الطويل للأعلى معها، فقالت وهي تؤشر بعلامة القبول بكل سعادة\. فضحكت صديقتها التي بدأت تشعر بالأمل من جديد، وذهبت تركض وهي تصرخ في الحي: "سأذهب إلى كوريا، أنا وصديقتي الغامضة ليالي\." بعد غياب أشعة الشمس عن أنحاء الحي الصغير، عادةً ما تكون "أم ليالي" التي لم تعرف السعادة يومًا في حياتها منذ أن كانت صغيرة\. متوسطة القامة، يغطي جسدها الهزيل الملابس الرثة التي اشترتها منذ زمن من الملابس المستعملة\. بعد يوم شاق وطويل، تبحث عن سعادتها الصغيرة بين زوايا المنزل، فتراها عن قرب في المطبخ الصغير، وأيدها مشغولة في إعداد الطعام المعتاد\. تنظر إليها وتقول في نفسها: ما الذي سيعطيني الدافع لأعيش إن لم تكن هي موجودة في كياني وحياتي البائسة هذه؟ اقتربت منها ببطء، وأمسكت بيديها الصغيرة والنحيلة، فقبلتها بكل حنان وقالت: "شكرًا لكِ كثيرًا\." ابتسمت هي الأخرى، ممسكةً بأيدي أمها بشدة كأنها ستطير من بين يديها إن لم ترسخ قبضتها\. فقالت: "على ماذا تشكرينني؟" فردت أم ليالي بصوتها الخافت، وهي تمسح على شعر ابنتها الناعم بلطف: "على وجودك معي في هذه الحياة\." ابتسمت ليالي في وجه أمها وقالت: "وأنتِ أيضًا\." ثم أرخت يديها عن يدي أمها وقالت بصوت لا يكاد يسمع دعينا الآن ننهي عملنا قبل أن يأتي الوجه الغاضب، ثم بعد ذلك أريد أن أقول لكِ شيئًا\. هزّت أم ليالي رأسها وأزالت الغطاء الذي كان يغطّي شعرها الأبيض، الذي دلّ على التعب والإرهاق وليس العمر، فعمُرها لم يتجاوز الثلاثين\. أخذت السكين من الرف الذي يقابل رأسها وبدأت تقطع بالجزر الذابل الذي أكمل أسبوعين في المنزل\. وبدأت تغني أغنيتها المتكررة التي خصصتها خصوصًا لطفلتها الصغيرة: "طفلتي أنتِ يا من أراكي في كلِّ مكان، أنتِ\.\.\." فبدأت طفلتها الصغيرة التي كانت تعانقها من خلف ظهرها بالغناء معها: "أنتِ حياتي التي لا أبتسم دون أن أراكِ تبتسمين قبلي، أنتِ قمري المضيء في سمائي التي خلت منها النجوم\." بعد انتهاء أغنيتهما، بدأت شهقات الضحك تعلو في المنزل الكئيب، ولكن لم تدم تلك الضحكات طويلاً، فهناك من قد طرق باب المنزل المتهالك\. بدأت دقات الباب تعلو بدلًا من الضحك\. ابتعدت ليالي عن أمها وبدأت تشعر بالخوف، وبدأ قلبها ينبض بسرعة فيعلو صوته يطلب النجدة من أي مكان، ولكن لم يكن هناك من يسمع هذا الخوف الذي يطلب المساعدة\. فحتى الخوف أراد أن يصبح شجاعًا، ولكن قُدّر له أن يكون جبانًا\. أدارت رأسها لتشغل قلبها بالسكين التي كادت أن تقطع يدها من جذورها\. ذهبت أم ليالي تقترب من الباب، وفي كل خطوة تخطوها، تدعي بأن يكون أحدٌ آخر\. أمسكت قبضة الباب المتهالك، وأغمضت عينيها، وبدأ صدرها بالارتفاع أكثر ليصل إلى فمها المتشقق من كثرة التعب والإرهاق، وبدأ جسدها بالارتعاش من الخوف\. فتحت الباب ببطء، فسمعت الصوت الذي يهز كيانها\. دفع الباب بقوة في وجهها، فصرخ قائلاً: "أليس أنتِ بطيئة بشدة؟ لماذا لا أجعلكِ أشد سرعة من النسر الطائر؟ فهو معروف بسرعته، صدقيني ستسبقينه\." ارتسمت ابتسامة خبيثة على وجهه، وبدأ يقترب من الطاولة التي تتوسط أنحاء المنزل الحزين\. أخذ حافظة الماء الساخن التي أعدتها ليالي قبل قدوم والدها، فصرخ بشدة وهو يحمل الماء الساخن قائلاً: "ادخلي وأغلقي الباب جيدًا خلفكِ واقتربي، فأنا أشتاق إليكِ يا زوجتي العزيزة\." أغلقت أم ليالي الباب وهي تحكم القبض على مقبضه كأنها تقول: "أرجوكِ ساعدني، أيها الجماد\." ذهبت تقترب ببطء من الرجل الذي يتوسط الغرفة وهو يبتسم بابتسامته الخبيثة التي تكاد أن تشق وجهه\. فصرخ بغضب شديد وكأنه عُضَّ من عقرب في قدميه: "أسرعي\! لماذا أنتِ بطيئة؟ لن تتعلمي شيئًا أبدًا\." بدأ يقترب منها هو الآخر، وبدأ يتمتم بكلمات لا تفهم\. وعندما اقترب منها بشدة، وقفت أم ليالي وهي مغمضة العينين، وكأنها تريد من روحها أن تخرج في هذه اللحظة\. أمسك حافظة الماء التي لا تزال ساخنة بشدة، وبدأ يسكبها على شعرها الذي أورثته لابنتها\. بدأت تصرخ من شدة الألم، فوقعت على الأرض الصلبة التي لا يغطيها شيء\. اقترب منها زوجها المريض كما تسميه في نفسها ببطء، وقال وهو يمسح على شعرها ببطء ويقربه من أنفه ليشمه: "إنه يؤلمك، أليس كذلك؟ لا حاجة للرد، فأنا أعرف ذلك\." أزال بعض الخصل التي تغطي وجهه المحمر من حرارة الماء، وبدأ يمسح دموعها من خديها، وأمسكها من يدها وأوقفها على قدميها ببطء، ثم دفعها على الأرض بسرعة وقوة كبيرة\. صرخ قائلاً وهو يمسح يده بقميصه الأبيض الذي تغطيه زيوت السيارات: "أريد العشاء أن يكون جاهزًا بسرعة\. أريد أن أخرج من هذا المنزل الذي يجعلني أشعر بالغثيان\." ذهب يمشي وهو يتمتم بكلماته التي لا تفهم باتجاه الحمام الذي يشغل الزوايا في يمين المنزل، فدخل وأغلق الباب بكل قوة أوتي بها\. كانت هناك طفلة تقف بصمت وهدوء، وعيناها تنهمر منهما الدموع بشدة، كأنها نهر جارٍ على خديها الحمراوين\. بدأ أنفها بالاحمرار، وشعرت بغضب يشتعل داخلها، وبدأت نيران الغضب تتأجج بشدة، لكنها لم تحرك ساكنًا لأنها لم تكن تعرف ما الذي تفعله لمساعدة أمها، التي تجلس في الغرفة المقابلة لعينيها\. رأت أمها تبكي وهي تمسح الماء الساخن الذي غطى ملابسها وبلل شعرها الكثيف، الذي يغلب عليه اللون الأبيض أكثر من سواده\. بدأت ليالي تقطع الجزر المسكين بغضب، وهي تمسح دموعها من عينيها، ثم قالت في نفسها: "لن أبكي، ولن أجعل أحدًا يراني أبكي، فأنا ليالي، وأنا واثقة بأن هناك ليالي صعبة تمر بنا، ولكن هناك ليالٍ أسعد تجعلنا ننسى ما مررنا به في ليالينا الصعبة\." لكن دموعها بدأت تنهمر مرة أخرى، فقالت في نفسها: "أنا أكذب على نفسي\.\.\. لم تكن لدي ليالٍ سعيدة، فكل لياليا كانت وستبقى ليلًا كسواد قلبه\." كانت تجرح نفسها دون أن تشعر، وكأنها تقول: "مررتُ بالألم الأكبر، فلماذا سأتألم من سكين تنغرس في لحمي؟" اقتربت أمها منها مسرعة، وهي تمسح دموعها بيديها، ثم أخذت السكين من يدها بقوة، وقالت بصوت مرتعش: "لماذا فعلتِ ذلك؟" ابتسمت ليالي في وجه أمها، التي بدأت ملامح الخوف تظهر عليها\. اقتربت من أمها وعانقتها بشدة، ثم همست بصوت خافت يرتعش من الخوف: "دعينا، يا أمي، نموت سويًا\.\.\. أرجوكِ، تعالي معي\." لم يكن جسد ليالي قادرًا على الوقوف، فبدأ جسدها النحيل بالارتعاش، ثم سقطت على الأرض بين يدي أمها بقوة\. همست أمها هي الأخرى: "لن نموت، بل هو من سيموت\! أنا واثقة بأن هناك الأجمل بانتظاركِ، لن أدعكِ تموتين الآن\. دعينا نمسك بأيدي بعضنا ونتخطى ما مررنا به\." ردّت ليالي بصوت مرتعش، تتخلله شهقات بين كل كلمة: "لم أعد أستطيع التحمل بعد الآن، يا أمي\.\.\. أرجوكِ\! هذه الأيام السعيدة التي تتحدثين عنها ليست من قدرنا\.\.\. نحن أناس قد كُتب لهم أن يموتوا في تعاستهم\. أرجوكِ، يا من لا أستطيع أن أذهب دونها\!" عانقتها أمها بقوة وهمست في أذنها الصغيرة: "لن نذهب إلى أي مكان، سنعيش بحال أفضل، أنا وأنتِ معًا\. لن أدعكِ ترحلين من هذا العالم دون أن تذوقي جماله، إنها أمنيتي لكِ، حسنًا؟" شدّت يديها حول خصر ابنتها، وكأنها تريد أن تعيدها إلى مكانها الوحيد الذي شعرت فيه بالأمان، لكن من يستطيع أن يعيدها حقًا؟ وقفت أم ليالي وهي تسحب يدي ابنتها لتساعدها على الوقوف، ثم أمسكت وجهها بين يديها وقالت: "كل شيء سيكون بخير، حسنًا؟ كوني واثقة\." ابتسمت في وجه طفلتها، التي لم تستطع فتح عينيها من الدموع التي ملأتها\. مسحت ما استطاعت من دموعها، ثم همست في أذنها بسرعة: "أعدي العشاء، سأذهب لأمسح الماء وسآتي لأخذه، حسنًا صغيرتي؟" هزّت ليالي رأسها خاضعة لما تعيشه من خوف\. بعد دقائق\.\. انفتح باب الحمام بقوة، فخرج الرجل الملقب "بأبي السيف"، الذي لم يتجاوز الثلاثين، يتمشى في المنشفة التي تغطي جزءه السفلي، وبدأ الماء ينقط من جسده\. صدره مغطى بالشعر الأسود، وذقنه المصلوع، وعيناه الكبيرتان اللتان أورثهما لابنته أو لفأر المنزل كما يصفها\. اتجه نحو الغرفة المجاورة للمطبخ الذي يشغل زاوية المنزل من اليسار، فدخل الغرفة وسرعان ما خرج منها\. اقترب من المطبخ ووقف عند الباب، يراقب الفأر الصغير\. قال بصوت ساخر: "مرحبًا يا فارتي الصغيرة، ألا تريدين إلقاء السلام على والدك؟" استدارت إليه وعيناها تغرقان في الأرض بنظرة مليئة بالكراهية\. اقترب منها وأمسكها من شعرها المفرود وقال: "ارفعي رأسك، وانظري إليّ عندما تتكلمين معي، حسنًا يا ابنة أمك؟" فردت عليه وهي مغمضة العينين من الألم: "حسنًا\." فزاد من قوة قبضته على شعرها، وقال: "أنتِ مثل أمك، لن تفهمي\." فتحت عينيها فجأة، ونظرت إلى أعماقه، وقالت: "مرحبًا، تريدها كذلك؟" أفلت شعرها من يده، فابتسم وقال: "نعم، هكذا تشبهين والدك\." رسمت ابتسامة تنكر ذلك، وقالت في نفسها والغضب يعصف بها: "مريض نفسي، لن أصبح مثلك\." دخلت أم ليالي، وهي تنظر إلى ابنتها لتتجنب الوقوع بين يديه القاسية\. ابتعد عن باب المطبخ واقترب من النافذة التي تطل على شارع الحي الصغير، فبدأ يغني قائلاً: "أليس حياتنا جميلة؟ لدي فتاة كالقمر وزوجة عزيزة\." ثم استدار ونظر إلى زوجته التي تعد العشاء له، فصرخ بهدوء: "زوجتي، اقتربي مني، دعينا نرقص رقصةً، فمنذ زمن لم نرقص معاً\." لم تكن أم ليالي تريد الاقتراب، لذلك انشغلت بخبز الخبز الحار\. وقف ينظر إليها بصمت، ثم نطق بصوته الذي يخيف قلوب من في المنزل: "زوجتي، ألا تريدين أن تشاركي في رقصتي؟"\- ارتسمت ضحكة على جانب فمه الكبير، فبدأ يقترب منها ببطء، فتشعر بالخوف الذي يملأ كيانها\. بدأت تقترب هي الأخرى، فامسك يدها ووضع يده الأخرى على خصرها النحيل\. توقف للحظة وقال بهدوء: "أتذكرين عندما رقصنا في زواجنا؟ كنتِ جميلة جدًا، أما الآن فلا أرى من الجمال شيئًا، لكنكِ تبقين زوجتي\. ما الذي يجب أن أفعله؟ يجب أن أتودد إليكِ، أليس كذلك؟" فصمت المنزل وأصبح هادئًا كهدوء الليل\. نظر إليها وهي مغمضة العينين، ودموعها تنهمر من تحت رموشها الطويلة، فقال ساخرًا: "زوجتي حساسة جدًا"، ثم ضحك ودفعها إلى الأرض\. ذهب ليجلس على الكرسي المخصص له بجانب الطاولة، وصرخ قائلاً وهو ينشف شعره الأسود "الن نأكل الليلة "\. جمعت أم ليالي نفسها، وقامت بالتحرك باتجاه المطبخ، وهي تراقب طفلتها التي كانت تشعر أن نهايتها اقتربت\. اقتربت منها وقالت: "أنا بخير، دعينا نقدم الطعام له ليذهب\." هزّت ليالي رأسها بعينين لا تدلان على الحياة\. قدمت أم ليالي الطعام لزوجها المدعي، وجلسوا معًا على الطاولة\. من يراهم قد يظن أنهم عائلة صغيرة لطيفة تخلو من المشاكل، ولكن الحقيقة غير ذلك\. هو كان جالسًا يفكر في شهواته خارج المنزل، بينما كانت ليالي وأمها تفكران في متى ستنتهي معاناتهما مع هذا الشخص المريض\. الخوف كان يملأ قلب ليالي من صوت والدها الذي لا يتعب، فهو يبقى يغني بأغاني يركب كلماتها بشكل عشوائي، لا يبالي بأي خطأ قد يرتكبه\. كأنه يقول: "سأفعل أي شيء، ولكن لن أصمت ولن أدع الخوف يغادر قلوبكم\." وقف فجأة من الكرسي وألقى به بعيدًا عن الطاولة قائلاً: "طعامك لا يقبل كوجوهكم\." أخذ محفظته التي كانت تحتوي على القليل، واقترب من الباب وهو يحاول ترتيب ملابسه\. أخذ معطفه الأسود الطويل، وضعه على يده اليسرى، وفتح الباب بقوة، ثم خرج وأغلقه وراءه بعنف\. أصبح البيت هادئًا، تمامًا كما أصبحت نبضات ليالي\. أمسكت أم ليالي يد ابنتها، ونظرت في عيونها، وقالت بهدوء: "كنتِ تريدين أن تقولي لي شيئًا قبل أن يأتي\. فما هو?" نظرت إليها ابنتها، وضعت يدها الأخرى على يد والدتها وقالت: "أمي، لم أنجح في المنحة الألمانية والتركية، ولكن هناك أمل في المنحة الكورية\. أمي، دعيني أسجل للمرة الأخيرة\. أريد أن أصبح طبيبة لكي نهرب منه، لنعيش حياة أفضل بعيدًا عنه\. لنتنفس دون خوف، لنشعر بالحياة\." أغمضت عيناها ببطء، وبدأت الدموع تتساقط من عينيها\. مسحت بيدها دموعها، وأكملت قائلة: "لم أعد أحتمل\. أرجوك، لماذا لا نهرب منه الآن؟ أنا خائفة\. لم أعش يومًا جميلًا\. أليس الجمال للجميع؟ والحياة للجميع؟ إذن لماذا نعيش نحن هكذا؟ أريد أن أموت، يا أمي\." بدأت تبكي بشدة، وضعت رأسها على الطاولة، وهي تكرر: "لم أعد أحتمل\." وفي كل مرة تعيدها، تأتي معها شهقة، كأنها الشهقة الأخيرة\. كانت أم ليالي صامتة، لا تعرف ماذا تفعل\. نظرت إلى ابنتها التي كانت تتألم، فنهضت بسرعة، سحبت رأس ابنتها باتجاه خصرها، وعانقتها بشدة\. مسحت على رأسها وقالت " ابكي يا صغيرتي اخرجي ما بداخلك أعدك بأننا سنرحل من هنا أعدك "\.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

ارادهُ قلبي ولم يردهُ عقلي

المؤلف LovFant.44
2025/07/20 مستمرة
قائمة الفصول (2)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة