**"تعجبني تلك صدف التي تجمعنا و كأن كتاب يحمل عنوان إسمنا "** **𝐋𝐢𝐟𝐞 𝐢𝐬 𝐣𝐮𝐬𝐭 𝐚 𝐜𝐨𝐢𝐧𝐜𝐢𝐝𝐞𝐧𝐜𝐞** \.\.\.\.\. أغلق نوفا الباب بالحجر، ثم بقي واقفًا لثوانٍ كأنّه يستمع لصوت الصمت نفسه كان الليل قد دخل بكامله، وصدى خطواتهم البعيدة لا يزال يتلاشى خلفهم تنهد ببطء، ثم التفت إليها نظراته كانت غامضة، ليست قاسية\.\.\. لكن خالية من الترحيب "ما كان من المفروض أن تكوني هنا" قالها دون أن ينتظر ردها، ثم اتجه نحو الزاوية حيث رُميت بطانية قديمة وبعض الأغراض البسيطة\. أما هي، فوقفت عند الباب، لا تدري إن كانت ضيفة أم سجينة رغم الدفء النسبي في الداخل، كانت ترتجف، ربما من البرد\.\.\. أو من الحقيقة التي بدأت تشعر بها: أنها ابتعدت جدًا عن عالمها، ولا طريق للعودة الآن "اجلسي، أو نامي\.\.\. لا يهمني" قالها بنبرة حيادية وهو يُخرج قنينة ماء نصف فارغة ويشرب منها\.\. ثم أضاف فجأة: "لكن لا تلمسي شيء\.\.\. البيت صغير، كل شي فيه له سبب" نظرت حولها، الغرفة خالية إلا من بعض الأغراض العشوائية، وعدة قطع غيار متناثرة على طاولة خشبية مكسورة، ومجموعة مفاتيح سيارات معلقة على حبل، وأدوات يدوية صدئة لكن عينيها توقفتا على شيء آخر\.\.\. اللوحة\.\.\.\.\.\.\. قد أعجبتها كثيرا كأنعا ترى أنها كنز وحيد موجود في البيت كانت لا تزال هناك، بإطارها الذهبي القديم، تُظهر شجرة فراولة صغيرة تنبت من أرض قاحلة\. همست كأنها تتحدث لنفسها: "هي الشي الوحيد النظيف هنا\.\.\." جلست على الأرض، وضمّت ساقيها، ظلت تحدّق في اللوحة سألته بهدوء، رغم علمها أنه لا يريد الكلام: "ماذا يعني لك هذا المكان؟" أجاب بعد صمت طويل: "هو الشي الوحيد اللي ما يحاول يغيّرني" ثم نهض، مشى بهدوء نحو الغرفة الأخرى، وقبل أن يختفي عن ناظريها، قال بصوت خافت: "قفل الباب بصخرة\.\.\. لكن الذي يخاف من الداخل، ليس من الخارج" واختفى وتركت وحدها، بين ظلال الجدران، ولوحة تُشبهها أكثر مما توقعت، لم تفهم كلماته شعرت بنبرة خوف منه تجلس في الزاوية، تضم ركبتيها إلى صدرها، ونظراتها تتنقل بين الباب المغلق والصمت خلف الجدران و كلماته بقيت ترنّ في رأسها: "الذي يخاف من الداخل، ليس من الخارج\.\.\." عبست قليلًا همست لنفسها: "ماذا يعني؟" ثم ارتجفت فجأة، وكأن المعنى ضرب قلبها متأخرًا\. شعرت بوخز خلف رقبتها\.\.\. فكرة خبيثة تسللت دون إذن\. هل كان يهددها؟ هل يعني أنه\.\.\.؟ التفتت إلى حيث اختفى، قلبها بدأ ينبض أسرع، تنهّدت بشدة، تحاول كتم ارتعاش صوتها، ثم نادت بهدوء يشوبه التوتر: "كايدن؟" صوت خطوات خفيفة اقترب من الممر، ثم ظهر وجهه من خلف الباب المفتوح جزئيًا\.\. "نعم؟" نظرت إليه بتمعّن، ثم قالت مباشرة دون تردد، بنبرة هادئة لكنها مشدودة: "شو تقصد لما قلت إن الخوف من الداخل؟ كنت تقصد\.\.\. إني أخاف منك؟" سكت\. رأى أن إيريسا تتمتع بالجرأء كثيرا عيناه ثبتتا في عينيها، للحظة لم يجب ثم قال بصوت منخفض، كمن يختار كلماته بعناية: "أنا لا أهدد الناس الذين يأتون فجأة من الشارع\.\.\. أنا أحذّرهم" اقترب قليلًا، لكن نبرته لم تكن تهديدية، بل صادقة\.\.\. صلبة\. "الخوف ليس مني\.\.\.\.\. الخوف من الأشياء اللي يمكن أن تطلع منك إنتِ\.\.\. عندما تنحبسين بمكان ما يشبهك" ثم أكمل، وهو يعود للخلف: "أنا لا ألمس الذين يخافون\.\.\. بس لا تتوقعي مني أكون ملاك، لأني سمّيتك ضيفة" واختفى مجددًا، لكن هذه المرة، لم تكن خائفة منه\.\.\. بل من نفسها\. تنهّدت بعمق، وكأنها تحاول طرد المعنى، لكنها لم تحتمل الصمت\.\.\. قالت بجرأة لم يتوقعها: "إن كنتَ تقصد أن أخاف من نفسي\.\.\. فأنت واهم\. انظر إليك\.\.\. مظهرك وحده كافٍ لأخاف\. شعر فوضوي، عينان مليئتان بالغضب، ودماء لم تجف بعد على قميصك\. أنت لا تبدو كأحدٍ يُمكن الوثوق به، بل كولدٍ سيء\.\.\. والولد السيء هو ما يخيف، أليس كذلك؟" رجع للوراء و ظهر أمامها مرة أخرى\.\.\.\. ظل يحدّق بها، وصمته صار أثقل من الجدران المتهالكة\. ثم خطا خطوة إلى الداخل، وصوته نزل منخفضًا لكنه شديد الوضوح: \*\*"احذري، يا فتاة\.\.\. الولد السيء لا يقول إنه سيء، ولا يطلب من أحد أن يثق به\.\.\. ولا يُبرر شكله" ثم اقترب أكثر، عينيه تتوهجان بما يشبه الغضب المكبوت: "لكن لما تقولين إنك تخافين من شكلي\.\.\. تذكري إنك اخترتِ أن تبقي\.\. وما دمتِ هنا، فأنا آخر شخص تتهمينه، لأني لو أردتُ أن أكون سيئًا\.\.\. لما كنتِ تتحدثين الآن" صمت، ثم أدار ظهره دون أن يمنحها فرصة للرد، وقبل أن يخرج من الغرفة، قال بنبرة أخيرة فيها قسوة حادة: "تذكّري\.\.\. الجحيم لا يُخيف من اعتاده لكنكِ\.\.\. ما زلتِ جديدة هنا" بقيت تنظر إلى الفراغ الذي خرج منه، ملامحها مشدودة، والنار في صدرها لا تهدأ\.\.\.\. كانت تعلم أنه غاضب\.\.\. لكنها لم تخف\.\.\. بل، على العكس، شعرت برغبة جارفة في كسر صمته\.\.\. أو كسره هو\.\.\. نهضت فجأة، مشت بخطوات سريعة نحوه، وصرخت: "إذن، أنت تهددني فعلاً؟\! تعرف، كنتُ غبية لأنني ظننتك مختلفًا\.\.\. لكن يبدو أنك مجرد نسخة أخرى من الشوارع\.\.\. ولدٌ سيء يتلذذ بالخوف\!" لم تسمع صوتًا\. ثم أكملت، بعناد طفولي خطير: "هيا\! أظهر غضبك\.\.\. اضرب الجدار\! أرعبني كما تفعلون دائمًا\! أو\.\.\. خنقني، مثلما يفعل من يشبهك\!" وقبل أن تنطق بكلمة أخرى، وجدته أمامها لم تسمع خطاه، لكنه ظهر فجأة، وجهه قريب جدًا من وجهها، وفي عينيه شيء جعل الهواء في المكان يبرد فجأة\. مدّ يده، وبحركة سريعة، دفعها نحو الجدار بقبضة على رقبتها لم يكن يخنقها حد الاختناق، لكنه أمسك بها كما يُمسَك بالسكين\.\.\. بثبات وبغضب مرعب\.\.\. اقترب أكثر حتى أصبحت أنفاسه تلامس خدها، وقال بصوت خافت، لكنه مليء بالنار: "لو أردتُ إيذاءك\.\.\. لفعلتُ ذلك قبل أن أستأذنك" عيناه كانتا موحشتين، لا تحملان تهديدًا\.\.\. بل حقيقة ثم فجأة، تركها استدارت رأسها جانبًا، تتنفس بعمق، لكنها لم تبكِ وقف أمامها لحظة، ثم قال ببرود: "لا تختبري رجلاً ما زال يحارب كي لا يُصبح وحشًا" واختفى في ظلال الممر أسندت ظهرها إلى الحائط، تتنفس ببطء، ورقبتها لا تزال تشعر بأثر قبضته\. لم تبكِ لم تصرخ كانت فقط\.\.\. تائهة رفعت يدها ولمست رقبتها، شهيق طويل خرج منها كأنها تحاول زفر كل ما حدث للتو\. لم يكن مجرد خوف\. كان اندفاعًا نحو هاوية\.\.\. وهي من قفز فجأة، اهتز جيب سترتها\.\.\.\. هاتفها نسيت أنها ما زالت تملكه\. سحبته ببطء\.\.\. الشاشة تنير في الظلام\. رسالة\. من: كلوي "تبا، أين أنتي؟\! نحن نبحث عنك\! وجدنا سيارتك متوقفة في مكان مخيف ومهجور\. هل أنتِ بخير؟ لماذا لا تجيبين؟ والدتك تنهار بالبكاء وتصرخ في وجه الشرطة\!" تحدّقت في الشاشة كلمات كثيرة\.\.\. لكنها لم تشعر بأي شيء "والدتك تبكي\.\.\." كأن الجملة لا تخصها لمست الشاشة بإبهامها، دون أن ترد\. حدقت فيها طويلًا، ثم أغلقت الهاتف ببطء\.\.\. ووضعته على الأرض بجانبها\. مرّت لحظة، قبل أن تهمس لنفسها بصوت منخفض: "أبكي يا أمي\.\.\. لكن دموعي بدأت هنا" رفعت عينيها نحو السقف، والصمت عاد من جديد\. لكن هذه المرة\.\.\. لم يكن صمتًا باردًا بل صمت بداية شيء لا رجعة فيه هادئة ظاهريًا، لكن في داخلها عاصفة\.\.\. هي لا تهرب فقط من والدتها، بل من ماضي كامل، لكنها تحاول تهدئة محيطها برسالة قصيرة، كما لو أنها تحاول شراء القليل من الوقت قبل أن تنفجر حقيقتها بالكامل حدّقت في الرسالة للحظات، ثم بدأت تكتب، أصابعها تتحرك بتردد، لكن كلماتها خرجت أكثر هدوءًا مما شعرت به في الداخل: "لا تبحثي عني أنا بخير، فقط\.\.\. أحاول تأنيب أمي\. سأعود فورًا بعد أيام لن يطول غيابي خذي سيارتك عندك في المنزل أنت تعلمين كم هي غالية عندي لكنها خانتني الليلة\.\. " توقفت لحظة قبل أن تضغط "إرسال" كأن ضميرًا داخليًا كان يهمس لها: أنتِ تكذبين لن تعودي كما خرجتِ لكنها أرسلتها\.\. أغلقت الهاتف، وضعته تحت البطانية المهترئة، ثم أسندت رأسها إلى الجدار\. لحظة صمت\.\.\. بدأت عيناها تنامان بثقلٍ، التعب يسرقها شيئًا فشيئًا، رغم الأرضية القاسية، ورائحة الرطوبة، والضوء البرتقالي المتسلل من شقوق الجدران شروق الشمس ألقى ضوءه على وجهها، ناعمًا، رغم قساوة المكان وجهها بدا مختلفًا وهي نائمة\.\.\. لا أثر للعناد، ولا للغضب فقط\.\.\. ملامح هادئة لطفلة تعبت من الجري\.\.\. دخل كايدن بخطوات بطيئة، عاري الصدر، والعرق لا يزال على رقبته\.\.\. وقف أمامها بصمت، عاينها للحظة\.\.\.\. تنهد\.\.\.\. "غريبة\.\.\." قالها في نفسه اقترب قليلاً، وانحنى دون صوت، فقط يراقب ملامحها "ليست كفتاة من عالمه\.\.\." لكنها نامت في بيته، كأنها منه\.\.\. عيناه وقعتا على شيء يتحرك تحت البطانية المهترئة مد يده ببطء، ثم سحب القماش برفق\.\. هاتف\! لم يُقاوم فضوله أمسكه بين أصابعه، شاشته ما تزال دافئة\.\. فتحه بخفة، لكن ما لفت انتباهه لم يكن الرسائل\.\.\. بل خلفية الشاشة صورة سيارة سباقات\.\. فخمة، أنيقة، حمراء، تلمع تحت أضواء الحلبة تجمد للحظة حدّق في الصورة وكأنها شيء منه "هي تعرف السباقات؟ تحبها؟ لا\.\.\. لا أظن ذلك " رفع عينيه مجددًا نحو وجهها النائم نظرته تغيرت هذه المرة، لم ير فيها مجرد فتاة متهورة ضلّت الطريق\.\.\. بل شيئًا يشبهه جمرًا تحت رمادٍ ناعم وضع الهاتف بهدوء مكانه، وسحب البطانية من جديد فوقه، بعنايةٍ غير معتادة منه ثم ابتعد جلس قرب الباب، وأشعل سيجارة\.\.\. همس في نفسه: "من أنتي بالضبط، التي أحببتِ شجرة فراولتي " بدأ كايدن يسحب من سيجارته نفسًا عميقًا، ثم نفث الدخان ببطء كأنه يحاول طرد شيء عالق داخله رمق إيريسا النائمة بنظرة طويلة، وقال بصوت منخفض بالكاد يُسمع كان هناك شيء غريب في حضورها شيء لا يشبه منظرها المتعب أو بطانيتها المهترئة\. كانت تحمل في عينيها قبل أن تنام شيئًا لم يفهمه بعد خليطًا من الذعر والصلابة، من البراءة والخطر فُتح الباب فجأة\.\. ودخل منه شاب طويل، أسود البشرة تغطي ذراعيه وشوم نارية تشبه تلك التي يحملها كايدن كان يضع سترة سوداء دون أكمام وخطى بثقة داخل الغرفة وقعت عيناه على جسد الفتاة النائمة\.\. فتوقف في مكان، وقد ارتسمت على وجهه ملامح الدهشة: "هل تمزح؟ من هذه؟" سأل وهو يشير نحوها لم يجب كايدن، بل التفت عنه قليلًا ونفث سحبته الثانية من السيجارة، ونظر إلى الفراغ بنظرة شاردة " كايدن؟ لم لا تجيب " إستمر كايدن بنفث سيجارته متجاهلا سؤاله أطلق شاب ضحكة و قال: " هل تخفي عني أمرا ما؟؟ " للحظة تكلم كايدن بصوت يكاد يبدو مكتوما متجاهلا نظر في عينيه " أراد سكار ضربها فحميتها لاشيء آخر " تغيرت ملامح الشاب و قال بنبرة دهشة " هل وصلو إليك؟ هذا ما يفسر وجهك متغير " ثم تابع كلامه " إسمع كايدن، جئت لأجل موضوع يخصهم " اقترب الشاب أكثر، وقال بنبرة جادة: "كايدن\.\.\. الليلة في سباق\. الكلّ سيكون هناك\. سكار ينتظر أن يراك، ونحن لا يمكن أن نخذله" أجابه كايدن ببرود: "لن أشارك" ساد صمت مفاجئ\.\. اقترب منه الشاب خطوة إضافية، ثم قال بصوت منخفض، كمن يذكّره بما يريد نسيانه: "هل نسيت ما فعلوه بك؟ هل نسيت كيف أدموك أمام الجميع؟ كيف جعلوك تركع؟" رمقه كايدن بنظرة مشتعلة، لكنه لم يرد\. عيناه كانتا تتجهان مجددًا نحو الفتاة النائمة\.\. شيء فيها كان يربكه\.\.\. يهدّئه، ويؤلمه في آنٍ واحد\.\. "الانتقام لا يأتي بالهروب يا كايدن، بل بالمواجهة\.\.\. بإشعال الطريق تحت أقدامهم" لكن كايدن ظلّ صامتًا تأمل بقايا دخان سيجارته تتلاشى في الهواء نظر إلى الأرض بصمت، كأن كل ما فيه يُصارع نفسه\.\.\. اقترب منه أكثر، صوته أصبح أكثر إصرارًا: "قلت لي إنك لن تسامحهم، قلت لي إنك ستعيدها لهم أضعافًا\. فماذا الآن؟ تختبئ خلف دخان سيجارتك؟" رد كايدن بهدوء، دون أن ينظر إليه: "تايرون\.\. ما عدت أرى فائدة من كل هذا" ضحك بسخرية قصيرة، ثم قال: "كأنك تتحدث عن نهاية الطريق، وأنت لم تبدأ من جديد حتى هؤلاء الذين ضربوك، تركوك تنزف، جعلوك عبرة أمام الجميع\.\.\. ينتظرون الآن أن لا تظهر ليتأكدوا أنك انتهيت" نظر إليه كايدن أخيرًا، عينيه تشتعلان بغضب مكتوم\.\. "وماذا لو عدت؟ لأجل ماذا؟ لأثبت لهم أنني لا أزال أقود؟" اقترب الشاب أكثر، وقال بجدية: "لا، بل لتثبت لنفسك أنك لم تُكسر\. السباق ليس لأجلهم\.\.\. بل لأجلك\. من كنت، ومن يجب أن تكون" ساد صمت قصير، كان شاب يدعى تايرون طويل و صاحب وشوم كثيرة لا يتنفس سوى سيارات و السباقات و يعشق المشاكل و حياة الشوارع\.\.\.\.\. كان صديق مقرب لكايدن في جميع أوقاته، لكن حدث شيء قطع الصلة كبيرة بينهم هاهو يعود ليحيي تلك القصة ثم أشار تايرون برأسه نحو الباب: "تعال\.\. لا وقت للندم\.\.\. لدينا مرآب ينتظرنا" تردد كايدن للحظة، ثم رمى بقايا السيجارة على الأرض وسحقها بحذائه "حسنًا، فلنرَ إن كانت الوحش لا تزال تتنفس" خرجا معًا من الباب الخلفي، عبرا الزقاق، وصوت خطواتهما يرتدّ بين الجدران القديمة\.\.\. توقفا أمام باب حديدي صدئ، دفعه كايدن بقوة، فانفتح على مرآب شبه مظلم جدران متآكلة، أدوات قديمة متناثرة، والركن الأبعد\.\.\. سيارة مغطاة بطبقة من الغبار\.\. قال كايدن بصوت خافت: "هنا بدأت كل الأشياء\.\.\. وهنا ستنتهي " إستند تايرون على باب المرآب، ينظر إلى صديقه بصمت بينما يزيح الغطاء عن تلك الآلة السوداء انكشف الجسد الفخم اللامع للسيارة، كأنها وحش خرج لتوّه من سباته الطويل قال تايرون بصوت متردد: "هل ستقودها الليلة؟ السباق على وشك أن يبدأ" السيارة كانت أشبه بوحشٍ معدني خرج من رماد الانتقام من نوع نادر لا يُشبه أي تصميم متداول، بل وليدة يدَي كايدن وحده، صنعت في صمتٍ وألم، وارتوت بزيتٍ أسودٍ يشبه دم قلبه كان لونها أسود قاتمًا لماعًا، يلمع تحت الضوء المقدمة منخفضة وحادة، كأنها مصمّمة لشقّ الريح دون رحمة المصابيح الأمامية رفيعة، تمتدّ كعيون مائلة تنظر بشراسة نحو الطريق، تتوهج بضوء أبيض بارد يوحي بالثقة لا بالتحذير\.\.\. هيكل السيارة عريض وصلب، ينساب بسلاسة دون تفاصيل زائدة، وكأنّ كايدن أرادها بلا رحمة، بلا زينة، بلا تردّد وفي الخلف، جناح معدني داكن، يشبه شفرة سيف، مائل قليلًا كأنّه يستعدّ للضرب، يعكس روح القتال الكامنة في داخله الإطارات ضخمة وسوداء، محفورة الجوانب، كأنّها لم تُخلق للسير، بل للركض فوق الرماد\.\.\.\.\.\.\. أما صوت المحرك، فلم يكن هديرًا، بل زمجرة\.\.\. كأن شيئًا يغلي تحته، ينتظر فقط إشارة بسيطة ليشتعل كل شيء\.\.\. في الداخل، كانت المقصورة بسيطة لكنها دقيقة مقعد واحد للسائق، كأن السيارة ترفض أن تحمل غير كايدن\.\. عجلة قيادة جلدية ملساء، أزرارها محدودة، وشاشة صغيرة وسط الواجهة، تعرض فقط ما هو ضروري\.\.\. السرعة، الحرارة، والخطر أجاب كايدن وهو يمرر يده على السطح البارد للمعدن: "نعم، سأقودها\.\.\. لكن ليس لأشارك" ارتفعت حاجبا تايرون بدهشة: "إذن، لماذا؟\!" نظر إليه كايدن نظرة هادئة، وقال: "سأذهب لأراقب فقط\. لا أريد أن يعرف أحد أنني عدت\. إن ظهوري فجأة بينهم، دون أن أتحدث، دون أن أتحدى\.\.\. سيكون أشد وقعًا من أي سباق" اقترب تايرون، وقال بإصرار: "لكنك صنعتها بيديك، هذه السيارة ليست للمشاهدة، بل للمواجهة ألا تتذكّر لماذا صنعتها؟\!" أجابه كايدن بصوت خافت: "صنعتُها حين كنت مكسورًا\.\.\. أما الآن، فقد اكتفيت بالصمت" ثم فتح باب السيارة، جلس خلف المقود، أدار المحرك، فهدر صوته في المرآب المهترئ كأنه نَفَسُ الغضب ذاته تراجع تايرون خطوة، وقال: "إذا شاهدتهم الليلة، ووقفت صامتًا، فاعلم أنّك لم تنتصر بعد" لكن كايدن لم يُجبه\. قاد السيارة خارج الزقاق ببطء، تاركًا خلفه صدى محركٍ ثقيل، ورجلاً لا يزال يؤمن أنّ صديقه سيعود للحلبة، عاجلًا أم آجلًا بدأ الضوء يتسلّل عبر نافذة مكسورة، يتخلل الغبار العالق في الهواء داخل المنزل المهجور تحركت إيريسا ببطء، ملامحها لا تزال شاحبة، وشعرها مبعثر على الوسادة المهترئة\.\.\. ارتجفت قليلًا من برودة الأرض، ثم فتحت عينيها فجأة\.\.\. زمجرة محرك سيارة حينها اجتاحت المكان من الخارج، لم تكن ضوضاءً عادية، بل صوتًا نابضًا، حيًّا، كأنّ قلبًا ميكانيكيًا قد استيقظ للتو من نومٍ عميق جلست إيريسا بسرعة، وضعت يدها على صدرها وهي تستمع، قلبها ينبض بقوة دون أن تدري السبب، اتجهت ببطء نحو أحد الأركان، اختلست النظر من فتحة في الجدار المهترئ، فرأت سيارة سوداء، فاخرة، لا تشبه سيارات الشوارع\.\.\. بل تُشبه فارسًا في ثوب من اللهب\.\.\.\.\. في تلك اللحظة، رنّ هاتف تايرون\.\.\. توقف عن مراقبة كايدن، ونظر إلى شاشة الهاتف، ثم أجاب بسرعة: "نعم، بيراس؟" كان صوته مختلفًا حين نطق باسمها، فيه شيء من الهدوء\.\.\. من الضعف غير المعتاد صوتها من الجهة الأخرى جاء قلقًا: "تايرون\.\.\. هناك شجار قرب نفق السوق، الشباب يتجمّعون، وسمعت أن كايدن قد يُستهدف إن ظهر الليلة" انكمش وجه تايرون، نظر إلى كايدن الذي كان لا يزال داخل السيارة، يعدّل المقعد بصمت أغلق الهاتف فورًا، ثم اقترب منه قال بلهجة سريعة: "كايدن، يجب أن نذهب الآن\. هناك من يخطط لأمر ما، وليان سمعت أن اسمك تردّد بينهم\.\. " لم يرد كايدن في البداية، كان شارداً، كأنّه يسمع ولا يسمع في آنٍ واحد ثم فجأة، نظر إلى الخلف، كأنّه تذكّر شيئًا\.\.\. أو شخصًا\. كانت إيريسا تلك الفتاة الغريبة، التي لا يعرف عنها شيئًا، ومع ذلك\.\.\. تشبثت في ذاكرته دون إذن، سيتركها وحيدة قال بصوت خافت: "أتركها هنا؟ وحدها؟" ضحك تايرون ضحكة قصيرة: " تلك فتاة؟؟ إن كنت ستأخذها، فخذها وإن لم تكن، فدعها وشأنها نحن نعيش في عالم لا ينتظر أحدًا" ساد صمت قصير، فقط صوت هدير المحرك كان يملأ الفراغ تردّد كايدن، قلبه في مكان، وضميره في مكان آخر ثم قال بهدوء، دون أن يلتفت: "لن أتأخر" غادر من جهة الخلفية ، وغاب صداها تدريجيًا، بينما كانت إيريسا تراقب الباب المغلق أمامها، عيناها تحملان سؤالًا لا تجرؤ على النطق به\.\.\. كان الهواء في الخارج ساكنًا، لا يُسمع سوى همسات الريح وهي تلامس حواف الزقاق القديم\.\.\.\. خرجت إيريسا من باب المخزن الصدئ، تمشي ببطء، وعيناها تتفحصان المكان بحذر لم تكن هناك أي إشارات على وجود أحد، فقط الفناء الخلفي الصامت\.\.\. وهناك، كانت تقف السيارة لم تصدق عينيها تقدمت منها، كأنها تمشي نحو شيء لا ينتمي لهذا المكان البالي سيارة سوداء، بلمعان معدنيّ كأنها قطعة من الليل نفسه، تنعكس عليها خيوط الشمس المتسلّلة، فتبدو كأنها تتنفس اقتربت أكثر، وضعت يدها على سطحها باردة، ناعمة، تنبض بالفخر كان الهيكل مصقولًا بدقة مذهلة، كلّ زاوية فيها تنطق بالقوة والانسياب مصابيحها الأمامية تشبه أعينًا حادة، الإطارات ضخمة ومنحوتة، والزجاج داكن كأنّه يخفي سرًّا عميقًا شدت باب لفتحه لكنه فتح، ربما نسي كايدن إغلاقها، نظرت إلى الداخل\.\.\.المقصورة الجلدية السوداء، لوحة القيادة الرقمية، المقود المصنوع يدويًا، وشعار صغير محفور عليه اسم كايدن بخط رفيع تمتمت بدهشة: "هل كايدن متسابق حقا؟" لكن لحظة إعجابها لم تدم طويلاً سمعت خطوات قادمة من الزقاق\.\.\. أصوات مألوفة، تقترب بسرعة كان صوت تايرون، يقول: "ها هي، قلت لك إننا لم نغلق بابها بالمفاتيح، فل نأخذها لن أسير سأتعب\.\.\. " ثم جاء صوت كايدن، هادئًا كعادته: "حسنا ، لنؤخرهم قليلًا إن استطعنا\.\.\. لنأخذها وننطلق" تجمدت إيريسا في مكانها قلبها بدأ ينبض بسرعة "لا يمكنني الخروج الآن\.\.\. ماذا لو رأوني؟ ماذا لو\.\.\.؟" دون تفكير، انزلقت إلى داخل السيارة، ثم زحفت بسرعة نحو المقعد الخلفي، وانكمشت خلفه، تختبئ بصمت فتح كايدن الباب، وجلس خلف المقود جلس تايرون إلى جانبه، وأغلق الباب بهدوء أدار كايدن المحرك، فزمجر بوحشية، واهتزت السيارة من تحتها كانت إيريسا داخلها، تتنفس بصعوبة، تحدّق في السقف الجلدي بصمت، وقلبها يخفق كما لم يخفق من قبل ولم يكن أيٌّ منهما يعلم\.\.\. أن هناك عيونًا تراقب، وأن الرحلة هذه المرة\.\.\. ليست بثلاثة فقط قرلئة ممتعة\.\. مع قبلاتي
_cruusl