لقاء صادم

لقاء صادم

22 0

كانت سينا قد دخلت منزل تريكسي المتواضع في الحي الشعبي، تتأمل جدرانه العتيقة بعينين لامعتين، وكأنها وجدت أخيرًا ركنًا آمنًا وسط هذا العالم الصاخب\. فابتسمت بعفوية وقالت: – «هل هذا منزلكِ؟» – «نعم، لكنني فقط أستأجره… ليس ملكًا لي\.» – «أوه، إنه جميل\.\.\. لم أرَ مثله من قبل\.» قهقهت تريكسي بسخرية مريرة، ومسحت دمعة لم تطلب إذنًا لتظهر: – «أحقًا تسمين هذا جميلاً؟ إنه أبشع منزل عشت فيه\. ليتني بقيت في دار الأيتام\.\.\.» تفاجأت سينا بنبرة الحزن التي تسللت إلى صوتها، فاقتربت منها بلطف، وأمسكت يدها لتقودها نحو الأريكة المتواضعة\. جلستا، ثم همست سينا: – «ما بكِ تريكسي؟ لماذا تبكين؟» لم تستطع الأخرى أن ترد، بل ارتمت في حضنها وانفجرت بالبكاء، بكاء طفلة فقدت كل شيء قبل أن تمتلك أي شيء\. كان بكاؤها مؤلمًا\.\.\. كأنها تنزف من الداخل\. مرت لحظات من الصمت والبكاء قبل أن تهمس تريكسي بنبرة مخنوقة: – «لقد اشتقت لطفولتي\.\.\.» عندما هدأت قليلاً، نظرت إليها سينا بحنان وسألتها برغبة صادقة في الفهم: – «أخبريني\.\.\. من أنتِ؟ وما قصتك مع دار الأيتام؟» تنهدت تريكسي، ووضعت وسادة على حجرها قبل أن تبدأ ببطء، وعيناها تجولان بين أركان البيت: – «أنا مجهولة النسب\.\.\. تُركت على عتبة دار الأيتام يوم ولادتي\. لا أعرف من والديّ، لم يتركوا حتى اسمي\. ترعرعت هناك وسط جدران باردة وقلوب دافئة أحيانًا\. المربية كانت قاسية، نعم، لكنها كانت تحاول\. علمتنا، ربتنا، وحاولت أن تجد لنا عائلة… لكن لم يحالفني الحظ\. كبرت وأنا أبحث عن هويتي، وعندما بلغت التاسعة عشرة، غادرت الدار\. عشت مع بعض الفتيات… كنّ صديقاتي، لكن بمرور الوقت تغيّرن… صرن يستقبلن الرجال في المنزل\. رفضت أن أكون نسخة منهن، فابتعدت\. وجدت وظيفة بسيطة في مقهى، لكني ما زلت أفتقد ذلك المكان… حتى وإن لم يمنحني اسمي، فقد منحني ملجأً\.» احتضنتها سينا بحرارة، وابتسمت رغم الحزن: – «لا بأس، أنا معكِ الآن… وسنكون أكثر من مجرد صديقتين\. سنذهب معًا إلى دار الأيتام ونأخذ الهدايا للأطفال، ما رأيكِ؟» – «فكرة رائعة\.\.\. يومًا ما سنفعلها\. والآن، جاء دورك\.» تنهدت سينا وأخذت وسادة مشابهة، وضمتها إلى صدرها كأنها تخشى انهيارها: – «وُلدت في تونس… في كوخ قصديري يتسلل منه البرد شتاءً، ويختنق منه الهواء صيفًا\. كنا نعيش مع عمي، الذي لم يكن يحتمل وجودنا\. كان يفعل ذلك فقط ليستولي على راتب والدي\. لدي أخت اسمها سيلين، تصغرني بتسعة عشر عامًا\. لم نعش طفولة طبيعية؛ كنا نبيع المناديل، ونمسح زجاج السيارات، ونتوسل المارّة في الطرقات\. والداي كانا طيبين، لكنهما مغلوبان على أمرهما… وكان عمي عائقًا دائمًا\.» صمتت قليلاً ثم تابعت، بعينين دامعتين: – «في إحدى المرات حاول ابن عمي التحرش بي، وتجاهل أبي ذلك بحجة “الدم لا يُراق من أجل العائلة”\. لكن حين حاول عمي الاعتداء على سيلين، انهارت… حاولت الانتحار\. بعدها، لم يعد لدينا خيار\. كان والدي مهددًا من الدائنين، فقرر أن نهاجر\. كنت رافضة، لكنهم أصروا\. لا أنسى تلك الليلة ونحن في قلب البحر… كأنه يعكس كل ألم عشته\. انقلب القارب، وأنا لا أجيد السباحة… ابتلعني البحر\. عندما فتحت عينيّ، كنت هنا\.\.\. وحدي\.» ساد الصمت، قبل أن تتقاطع نظراتهما المبللة بالدموع، ثم بكتا معًا\. بكاءً كان أكثر صدقًا من ألف كلمة\. نهضت تريكسي فجأة، تمسح دموعها بقوة وكأنها ترفض الانكسار: – «البكاء لن يغير شيئًا\. من الآن فصاعدًا، سنعيش معًا… ونتحدى كل شيء\. والآن، ستنامين في غرفتك\. وغدًا نبدأ رحلة جديدة…» – «رحلة؟ أي رحلة؟» – «العمل\. سأكلم مايكل، زميلي، ليجد لكِ وظيفة\.» – «أووو شكراً لكِ، تريكسي… لن أنسى هذا المعروف أبدًا\.» – «أي معروف يا فتاة؟ هذه بداية الصداقة… وسنكون سندًا لبعض\.» ابتسمت سينا بخفة، فمدّت لها تريكسي يدها وسحبتها نحو الغرفة\. كان البيت صغيرًا، يتكوّن من غرفة معيشة، غرفة نوم، مطبخ، وحمام\. وعندما دخلتا، كانت الغرفة مظلمة، تملؤها صور مغني راب وطلاء أسود\. توجهت سينا للسرير البسيط بينما قالت مازحة: – «كل شيء هنا أسود\.\.\. حتى الهواء\!» ضحكت تريكسي: – «أعلم، أنا من النوع الكئيب\. لكن لا تقلقي، سأزيل الصور من جهتك، ونطلي الحائط بلون تحبينه… ليصبح ركنك الخاص\.» – «حقًا؟\!» – «أجل… هيا الآن، نامي\. سأوقظكِ وقت العشاء\.» أغلقت تريكسي الباب خلفها، تاركة سينا تغفو في عالم جديد\.\.\. عالم لم يخلو من الألم، لكنه على الأقل، لم يكن وحيدًا بعد الآن\. \_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_ بعد يومٍ طويل من العمل المكثف، وقف ماريو خلف مكتبه الفخم، ألقى نظرة على ساعته الفاخرة ثم تمتم بضيق: «اللعنة\.\.\. إنها التاسعة والنصف\! لقد بالغت في العمل مجددًا\.» اتجه مباشرة نحو سيارته التي كانت تنتظره خارج المبنى، يقودها سائقه الخاص\. ما إن جلس في المقعد الخلفي، حتى تسللت إلى ذهنه صورة تلك الفتاة الصغيرة\.\.\. ملامحها البريئة الملطخة بالخوف، لم تغب عن باله منذ رآها\. لكنه هز رأسه بقوة كمن يحاول طرد كابوس مزعج، وأغلق عينيه بإرهاق\. قادت السيارة عبر شوارع المدينة الهادئة حتى توقفت أمام الفيلا الفاخرة المحاطة بالحراس من كل الجهات\. فتح السائق الباب الخلفي بهدوء، ودخل ماريو مباشرة\. كان في انتظاره عند الباب رئيسة الخدم، العجوز الوفية التي رافقت العائلة منذ عقود، والتي كانت والدته الراحلة تحبها كثيرًا\. قالت له بابتسامة دافئة: «مرحبًا بعودتك، بني ماريو\.\.\. وصلت في وقت العشاء تمامًا\.» رفع حاجبه بنفاد صبر: «يعني لا يزال أولئك مستيقظين؟» أومأت العجوز برأسها: «نعم، السيدة فاليريا وابنتها كاميليا\.\.\. إنهما بانتظار ضيوفٍ مهمّين\.» توقف لحظة، ارتسمت على وجهه علامات الدهشة والريبة: «ضيوف؟ ومنذ متى نستقبل الضيوف في هذا الوقت؟» «لا أعلم، سيدي\.\.\. لكنها أصرت أن أرتب كل شيء بعناية\.» خلع سترته ببطء، وقال ببرود: «حسنًا، يمكنكِ الذهاب الآن\. شكرًا يا لويزا\.» دخل إلى غرفة الجلوس، حيث كانت زوجة أبيه ترتشف قهوتها ببرود، فيما كانت كاميليا، شقيقته الصغرى، منشغلة بهاتفها\. لم تلتفت فاليريا حتى لرؤيته، وكأن وجوده لا يعني شيئًا\. تأمل ماريو أخته قليلًا قبل أن يردف بنبرة مازحة: «أظن أن الأميرة كاميليا لم تلاحظ دخولنا\.\.\.» رفعت كاميليا رأسها بسرعة، واتسعت عيناها بدهشة، ثم قفزت من مكانها كطفلة صغيرة: «أخي\!\! متى عدت؟\! ظننتك تركتني\.\.\. لقد اشتقت إليك كثيرًا\!» ضمها إلى صدره وهو يربّت على شعرها بحنان: «هل من الممكن أن أترك أميرتي وحدها؟ لا يا روحي، لن أفعل ذلك أبدًا\.» رفعت رأسها، وسألته بعتب: «لكن لماذا لا ترد على مكالماتي؟\!» تنهد وهو يبتسم: «لم أتجاهلكِ أنتِ فقط، بل الجميع\. أعطيت هاتفي لكارلوس، واشتريت واحدًا جديدًا دون أن يعرفه أحد\.» التفتت كاميليا نحو والدتها قائلة: «أمي\! هل رأيتِ؟ أخي عاد\!» ردت فاليريا بنبرة باردة، دون حتى أن ترفع عينيها: «لا يهمني\.\.\. فقط، لا تحرجني أمام الضيوف الليلة\.» رفع ماريو رأسه ببطء نحوها، كانت كلمتها الأخيرة تنزف من شفتيها وكأنها تصدر أمرًا\. وبروده المعتاد تلاشى فجأة\. اقترب منها بخطوات هادئة لكنها تحمل الكثير من الغضب المكبوت\. وقف أمامها، ثم أمسك رقبتها الممتلئة بالزينة والمكياج الفاخر بقبضته القوية\. شهقت مفزوعة وهي تحاول دفع يده عنها، لكنه صرخ في وجهها بحدة: «كيف تجرئين على إلقاء الأوامر عليّ؟\! أنا؟\! ماريو روسي؟\! هذه المرة الأولى والأخيرة\! أنا لست طفلًا\! هل فهمتِ؟\!» ثم ترك رقبتها، نفض يده منها باشمئزاز وقال: «تبًّا\.\.\. رقبتكِ لزجة تمامًا مثل ابنة أختك المدللة\.\.\.» رن جرس البوابة فجأة\. رفعت كاميليا رأسها وقالت بحرج: «أظن أن ضيوفكِ وصلوا\.\.\. أمي\.» دار ماريو بنظره إلى فاليريا، ثم اقترب منها هامسًا بأسنانه المعصورة: «عن الضيوف سنتحدث لاحقًا\.\.\. يا زوجة أبي العزيزة\.» ردت الأخيرة من بين شفتيها بصوت منخفض يقطر سمًّا: «اللعنة عليك\.\.\. ماريو\.» لكن ماريو اكتفى بابتسامة مائلة وساخرة، ثم ذهب إلى غرفة الطعام\. جلس على رأس الطاولة، لا يكترث بمن دخل أو سيأتي\. كل ما أراده هو القليل من السكون\. دوى صوت ضحكات أنثوية، تبعتها خطوات خفيفة، دخل الضيوف\. رفع رأسه ببطء، وما إن وقعت عيناه على من دخل، حتى ارتسمت على شفتيه ابتسامة ازدراء خفيفة\. قال في نفسه بسخرية: «إذن\.\.\. ضيوفها هم عائلة أختها اللعينة\.\.\. ممتاز\.» جلس كل منهم على الطاولة، محاولين كبت التوتر\.\.\. كلهم يعلمون جيدًا أن ماريو لا يطيقهم، ما عدا فتاة واحدة منهم – أريانا – تلك الانتهازية التي تدّعي حبه\. لكنها بالنسبة له مجرد طامعة في أمواله\. اقتربت منه كعادتها، محاولة أن تطبع قبلة خفيفة على وجنته\. لكنه مد يده فجأة وأمسكها بقوة\. همس في أذنها، بنبرة قاتمة: «إياكِ والاقتراب مني مجددًا\.\.\. لا أريد شفتيكِ القذرتين تلمسان وجهي\. فهمتِ؟» ارتجفت أريانا، لكن سرعان ما ابتسمت بابتسامة مصطنعة، وجلست مكانها\. مر العشاء بارداً، ثقيلاً، كالغصة في الحلق\. ما إن انتهى ماريو من آخر لقمة، حتى استقام بهدوء وقال: «سأذهب إلى غرفتي\.\.\. لا أحد يزعجني\.» صعد إلى جناحه، وخلع ملابسه الرسمية، ثم دخل الحمام واستحم بماء دافئ\. ارتدى بيجامته الرمادية، وألقى بنفسه على السرير\. أغلق عينيه، لكن\.\.\. وجهها الصغير عاد من جديد\. ابتسم رغماً عنه، ثم غرق في نومٍ عميق\.\.\. \_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_ استيقظت سينا من نومها على غير العادة، بشيء من النشاط\.\.\. الشمس تسللت من بين ستائر الغرفة الرمادية، ترسم خيوطها على وجهها الشاحب\. توجهت مباشرة إلى الحمام لتأخذ دشاً دافئًا، علّه يوقظ روحها المرهقة\. بعد ذلك، ساعدت تريكسي في تحضير طاولة العشاء\. تبادلتا أطراف الحديث، ضحكتا، وأكلتا القليل، ثم قامت سينا لجمع الصحون وغسلها، قبل أن تسحب جسدها المنهك إلى السرير، تلتها تريكسي دون كلمة\. \-\-\- في صباح اليوم التالي، تمام الساعة الثامنة والنصف، انطلق صوت المنبّه الحاد يقطع سكون الغرفة\. كان منبّه تريكسي، لكن هذه الأخيرة لم تتحرك، بل تمتمت بشيء وهي تمسك بالمنبّه لترميه أرضًا، ثم قالت وعيناها لا تزالان مغمضتين: \> "اللعنة على هذا المنبّه\.\.\. لماذا يجب عليّ الاستيقاظ كل صباح؟ أوووف\.\.\." نظرت إليها سينا بدهشة ورفعت حاجبها، ثم قالت بنبرة جدية: \> "يجب علينا العمل\! هيا قومي، الوقت يمر بسرعة\." ردّت تريكسي بتكاسل: \> "حسنًا، سنفطر في الكافيتيريا\.\.\." انسحبت سينا إلى الحمّام لتغسل وجهها، بينما قامت تريكسي بتفتيش خزانتها\.\.\. بعد دقائق، أخرجت فستانًا صيفيًا بلونٍ أصفر زاهي، ناعم الملمس، اختارته لسينا، مع حذاء أبيض خفيف، عقد بسيط فيه وردة صغيرة، وأقراط بنفس الشكل\. لنفسها، ارتدت قميصًا واسعًا وسروال جينز فضفاض، مع قبعة سوداء وضعتها بإهمال فوق شعرها الفوضوي\. خرجت سينا من الحمّام لتجد الفستان مفرودًا على السرير\. ارتدته بدهشة، ثم التفتت نحو صديقتها: \> "أوه\! ما أجمله\! لكن لماذا لا ترتدينه أنتِ؟" رفعت تريكسي حاجبيها باستهزاء، وردّت بلا مبالاة: \> "أتمزحين؟ هذا ليس أسلوبي\. صديقي السابق اشتراه لي\.\.\. لم أرغب بإرجاعه، فاحتفظت به فقط\. خذيه إن أعجبك\." ابتسمت سينا بلطف: \> "لا بأس، سأرتديه اليوم فقط\. وسأعمل، ثم أشتري ملابس مناسبة لي لاحقًا\.\.\. لكن أنتِ\! يجب أن تغيري مظهرك، تبدين وكأنك\.\.\. رجل\." قهقهت تريكسي بصوتٍ عالٍ واقتربت منها، ثم قالت ساخرة: \> "أنتِ صريحة أكثر من اللازم\! أعجبني هذا فيك، لكن لا تحلمي بتغييري\.\.\. أنا راضية بشكلي تمامًا\." بادلتها سينا ابتسامة خبيثة وهمست بثقة: \> "سنرى ذلك\.\.\. لكن قولي لي، كيف سأتحدث مع الناس وأنا لا أجيد اللغة؟" ربتت تريكسي على كتفها: \> "لا تقلقي\. اللغة بسيطة\.\.\. سأعلمك بنفسي، عزيزتي\." \-\-\- وصلتا إلى الكافيتيريا\. عند الباب، كان مايكل واقفًا بانتظارهما، ابتسم وقال: \> "تريكسي\! عدتِ أخيرًا\.\.\. تفضلا بالدخول\. سنفطر معًا\." رفعت تريكسي حاجبها، وقالت بسخرية: \> "مايكل، لا تتصنّع اللطافة\. لست نبيلًا كما تحاول أن تبدو\." تظاهر مايكل بالإحباط: \> "لماذا دائمًا تحاولين إحراجي أمام الفتيات؟" ردّت تريكسي وهي تمسك ضحكتها: \> "لأني أستمتع بذلك ببساطة\." كانت سينا تتابع الحوار بينهما بعينين متوسعتين، ثم همست: \> "أظن أن بينكما شيئًا من العداوة\!" ضحك مايكل وهو ينظر إليها، ثم قال: \> "لا تقلقي، تريكسي تحب إزعاجي فقط\.\.\. بالمناسبة، عرّفيني عن نفسك\." \> "أنا سينا\.\.\. من تونس\." تفاجأ مايكل قليلًا من رسميتها، ومن جمالها الهادئ، فسأل: \> "وكيف وصلتِ إلى هنا؟" توترت تعابير وجهها فجأة\.\.\. تذكرت والديها، والرحلة الطويلة التي أنهكتها\. قبل أن ترد، قاطعتها تريكسي بحدة: \> "مايك\! توقف عن طرح الأسئلة كأنك محقّق\.\.\. اذهب وأحضر الفطور، أنا جائعة، وسينا كذلك\." ذهب مايكل متذمّرًا\. حين ابتعد، نظرت تريكسي نحو سينا وقالت بلطف: \> "أنا آسفة\.\.\. هو فضولي جدًا، لكنه طيب\." ابتسمت سينا وردّت: \> "لا بأس\.\.\. سأضطر للتأقلم مع مثل هذه الأسئلة\." \-\-\- عاد مايكل بالطعام\. جلس الثلاثة وتشاركوا الفطور وأحاديث خفيفة\. ضحكوا كثيرًا\. سينا بدأت تلتقط بعض الكلمات والجمل، وتشعر بالراحة بينهما\. لم يكن الجو رسميًا، بل دافئًا ومليئًا بالحياة\. بعد أن انتهوا، مسحت تريكسي فمها وقالت لمايكل: \> "حسنًا، يجب أن أبدأ العمل\. هل المدير هنا؟" \> "نعم، وصل منذ قليل\." \> "رائع\.\.\. سأذهب لأتحدث معه بشأن سينا\." \_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_ طرقت تريكسي باب مكتب المدير، أنفاسها تتسارع خوفاً من أن يرفض مقابلتها، لكنها دفعت نفسها للشجاعة\. جاءها صوته الصارم من الداخل: — "تفضلي\." دفعت الباب ودخلت، لتجده منهمكاً بين أكوام الأوراق، لم يرفع حتى رأسه لنظرة واحدة\. كان رجلاً مسناً، ملامحه قاسية، يشعّ وجهه بالتجاعيد وتقطّب الحواجب\.\.\. رجل يعشق النظام ويكره الكسل، ولا يرحم في أحكامه\. اقتربت بخطى مترددة، وصوتها بالكاد يُسمع: — "سيد لويس\.\.\. هل يمكننا التحدث؟" رفع رأسه ببطء، نظر إليها بحدة، ثم وضع قلمه بقوة على الطاولة وردّ بلهجة حادة: — "وأخيراً، آنستي\! شرّفتِنا بحضورك\. أين كنتِ طوال هذه الفترة؟\!" انخفضت عينا تريكسي نحو الأرض بخجل وحرج: — "كانت لديّ ظروف خاصة\.\.\." قهقه المدير باستهزاء، ثم صرخ وهو يحدّق فيها بغضب: — "ظروف؟\! وهل أنا مسؤول عن ظروفكِ؟\! أتمزحين معي؟\!" ارتجفت من نبرته العنيفة، لم تتمالك نفسها حين نزلت دموعها، لكنها مسحتها بسرعة محاولة التماسك: — "أنا آسفة، سأعوّض تأخري\.\.\. أعدك، سيد لويس\." ضحك بسخرية وأشار نحوها بقلمه قبل أن يعود لأوراقه: — "يا لكِ من مهملة\.\.\. لولا إصرار والد مايك على توظيفك، لما سمحت لكِ حتى بالاقتراب من هذا المكان\." فتحت تريكسي عينيها بصدمة: — "مايك؟\! وما علاقة والده؟" أجاب ببرود دون أن ينظر إليها: — "ألا تعلمين أن والد مايك هو صاحب هذا المطعم؟ لا أفهم لمَ يعمل هنا، فوالده يملك ثروة لا تُعد ولا تُحصى\.\.\." كانت الكلمات كالصاعقة على أذنيها\.\.\. شعرت بخيانة تملأ صدرها، دون أن تنتظر أكثر، استدارت وخرجت بسرعة دون أن تلتفت لنداءات المدير خلفها\. في ساحة المطعم، كان مايك جالساً بجانب سينا، يتجرأ بوقاحة على لمسها\. اشتعل الغضب داخل تريكسي، وهرعت نحوهما، أمسكت يد سينا وصرخت في وجهه: — "أيها الوغد الحقير\!" نظر إليها مايك مندهشاً: — "ما الأمر، تريكسي؟ لماذا تصرخين؟" سحبت سينا جانباً وهو يلحق بهما، حتى استدارت إليه وقد بلغ بها الغضب ذروته: — "كنت أظنك أخاً، وثقت بك\.\.\. لكنك لست سوى كاذب\! تستغلني وتخفي حقيقتك\! وفوق ذلك تتحرش بهذه المسكينة\!" نظرت سينا إليها بدهشة: — "ماذا؟\! يتحرش بي؟\!" أومأت تريكسي بغضب: — "نعم، كان يلمسكِ\.\.\. بل وحاول تصويرك أيضاً، وأنت لم تلاحظي شيئاً\!" تحولت دهشة سينا إلى نار غضب، تقدمت نحو مايك وصفعته بقوة: — "لم يُولد بعد من يلمسني دون إذني\.\.\. ستندم كثيراً، أقسم لك، سأجعلك تتمنى الموت ولن تجده\!" تراجع مايك من الصدمة، يتمتم: — "لقد اقترفتما خطأً فادحاً\.\.\. وستدفعان الثمن\." اختفى من المكان، بينما سحبت سينا يد تريكسي التي كانت لا تزال مصدومة مما رأت\. لوّحت أمام وجهها حتى استعادت وعيها، فتمتمت تريكسي بإعجاب: — "من أين لكِ كل هذه الجرأة؟" ابتسمت سينا بخفة، وقالت وهي تنظر بعيداً: — "مجرد درس بسيط في الأخلاق\." — "لكننا بالتأكيد طُردنا من العمل\.\.\. ماذا سنفعل الآن؟" أجابت سينا بثقة: — "سنبحث عن عمل جديد\." — "وأنا أقول: لن نجد\!" — "تفائلي، يا فتاة\.\.\. وإن لم نجد، نعود للمنزل\." — "المنزل؟\! لااا\! سنذهب إلى الملهى الليلي ونشرب حتى ننسى\!" — "نثمل؟ فكرة ممتازة\!" انطلقتا إلى وسط المدينة، تمشّتا لساعات طويلة بحثاً عن فرصة جديدة\.\.\. بلا جدوى\. ومع حلول الظلام، جلستا على الرصيف، وقالت تريكسي متذمرة: — "ألم أقل لكِ؟ لا أحد يوظف دون مقابل\.\.\." تنهدت سينا بازدراء: — "كلهم استغلاليون، لا يختلفون كثيراً عن بلدنا\." أوقفت تريكسي سيارة أجرة، دخلتا وجلسَتا داخلها، وأسندت رأسها على كتف سينا: — "يجب أن نستعد للسهر، لقد اشتقت للحفلات\!" ابتسمت سينا، وكأن شيئاً تذكّرته: — "أتعلمين؟ مرة ذهبت إلى ملهى سري في تونس\.\.\. حاول رجل التحرش بي، فكسرت أنفه بكعب حذائي\. لا أعلم ما حدث له بعدها، ربما مات\." ضحكت تريكسي بشكّ: — "ههههه مزاحكِ رهيب، سينا\!" لكن لم تأتها أي إجابة\.\.\. التفتت إليها، ووجهها ممتقع: — "لا تقولي إنكِ\.\.\." — "أنا لا أمزح، تريكسي\. حاول التحرش بي، ولم أسمح له\.\.\. ونال جزاءه\." — "أحسنتِ\! لكن أظن أن شرطة تونس ما زالت تلاحقكِ\!" قهقهت سينا بلا مبالاة: — "شرطة تونس؟ إنهم مشغولون بجمع الرشاوي، لا أحد يهتم\.\.\." وصلا إلى المنزل، شرعتا بالتحضير للسهر، من اختيار الملابس، وتصفيف الشعر، ووضع المكياج\.\.\. وعند الساعة التاسعة مساءً، كانتا جاهزتين\. ارتدت تريكسي قميصاً أخضر قصيراً، وتنورة سوداء قصيرة، وحذاء رياضياً، مع مكياج صارخ وشعر مرفوع للأعلى\. أما سينا، فكانت كأنها نجمة هوليوودية: فستان بورغندي ضيق، كعب أسود، مكياج ناعم لكن بارز، وشعرها البرتقالي منسدلاً كالشلال على كتفيها\. صاحت تريكسي بإعجاب: — "واااو\! تبدين كأنكِ مليونيرة\.\.\. ستتزوجين صاحب الملهى حتماً\!" ضحكت سينا ومزحت: — "لا أريد الشيخ صاحب الملهى\.\.\. أريد ابنه\!" — "ههه حتى ولو كنا مرصّعتين بالألماس، لن ينظر إلينا أحد\!" في سيارة الأجرة، أكملت سينا بسخرية: — "لا بأس، فلنحلم قليلاً\.\.\. سأقع في حب لاعب بلياردو مثل الروايات\." — "وأنا سأتزوج سيارته\! ههه" ضحكتهما ملأت المكان\. وصلتا إلى الملهى، حيث الأضواء تتراقص والموسيقى تصمّ الآذان\. دخَلتا بين الزحام، وبدأتا بالشرب\.\.\. شيئاً فشيئاً، كانت الكؤوس تُملأ وتُفرغ\.\.\. حتى فقدتا السيطرة، وبدأتا بالرقص كأن لا أحد يراقبهما\.\.\. \_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_ في الزاوية المظلمة من القصر، حيث السكون يلف المكان وتنبعث رائحة البارود والرماد، وقف ماريو إلى جانب صديقه الوفي "لوكا"، يقلب بين يديه ولاعة ذهبية، يراقب وهج النار المتراقص بعيون جامدة\. قال ببرود دون أن يرفع ناظريه: – "هل أحضرتم ذلك الخائن؟" ابتسم لوكا ابتسامة ساخرة، وأجاب: – "إنه في الأسفل، داخل الجحيم\.\.\. لا يتكلم، لا يتحرك، أظنه تخلّى عن روحه\." ارتسمت على وجه ماريو ابتسامة هادئة، لكنها كانت تحمل خلفها عاصفة: – "لن أدعه يموت بسهولة\.\.\. سأجعله يتمنى الموت، ولن يراه حتى في أحلامه\." ••• الطريق إلى "الجحيم" لم يكن عادياً\. ممر طويل، إنارته خافتة، تملأه رائحة الصدأ والدم\. فتح ماريو الباب الثقيل، ودخل إلى الغرفة التي لا يعود منها أحد كما دخل\. الغرفة كانت أشبه بساحة تعذيب من العصور المظلمة، لكنها بتقنيات حديثة\. وسطها كان رجلٌ ممدداً، مكبل اليدين والقدمين، ووجهه مغطى بالكدمات\. بإيماءة من ماريو، سكب لوكا ماءً بارداً على رأس الرجل، فاستفاق وهو يلهث، وعيناه تتوسعان في رعب حين رأى ماريو واقفاً أمامه، يضع يديه في جيب بنطاله، كمن جاء ليشاهد عرضاً هزلياً\. قال ماريو بصوت منخفض لكنّه حمل ثقلاً كالصخر: – "مرحباً بك في جحيم الشيطان، إدواردو\." ارتجفت شفاه الرجل الممدد، وصوته يخرج مرتعشاً: – "سيدي\.\.\. أقسم أنني لم أخنك، لم أفعل شيئاً\.\.\." اقترب ماريو ببطء، أشعل سيجارة وأطلق زفيره على وجهه، ثم تمتم ساخراً: – "أتعلم؟ كنت سأصدقك\.\.\. لولا أنك تركت أثرك خلفك كهاوٍ لا يفهم اللعبة\." رفع قبضته فجأة وضربه على وجهه، ثم أمسك بذقنه وشدها بقوة: – "هل تظن أني أسامح الخيانة؟ لو كان بيننا شيءٌ من الشرف، لانتهى هنا\.\.\. لكنك مجرد حشرة\." – "أرجوك\.\.\. أرجوك\.\.\." قاطعه ماريو وهو ينهض: – "انتهى وقت الحديث، الآن ننتقل إلى الحكم\.\.\. لكن سأمنحك خياراً: هل تبدأ الاعتراف، أم نبدأ نحن؟" كان وقع الجملة أثقل من الحديد، فسقط إدواردو أرضاً وهو يبكي ويتوسل، وبصوت مكسور: – "ألبيرتو\.\.\. هو من أرسلني\.\.\. هددني\.\.\. أرادني أن أغدر بك\.\.\." سكت ماريو لبرهة، ثم انفجر ضاحكاً بسخرية: – "يا لكم من جبناء\. لا تملّون من اللعب بنفس الورقة؟ هل سمعت يا لوكا؟ يبدو أن ألبيرتو لا يزال يعتقد أني في متناول اليد\." من الزاوية، صاح لوكا: – "سمعت جيداً، وهل نتركه يذهب؟" توجه ماريو نحو الباب، توقف، ثم قال ببرود: – "افكوا قيده، وودعوه بطريقتكم\. اجعلوه عبرة\.\.\. أمام قصر ألبيرتو\." صرخ إدواردو: – "أرجوك\! لقد قلت كل شيء\! لا تقتلني\! لا أزال أريد الحياة\!" لكن ماريو لم يلتفت، وقال من بعيد: – "الحياة لا تليق بالخونة\.\.\. بل بالمحاربين\." ••• خرج ماريو من الغرفة، ولوكا يلحق به، ليهمس هذا الأخير: – "ألبيرتو يعمل لصالح السفاح، أليس كذلك؟ هل نعلن الحرب؟" زمّ ماريو شفتيه وهو يصعد السيارة: – "لا تذكر اسم ذلك الوغد أمامي مجدداً\.\.\. أما الحرب؟ فلتكن باردة كما أحبها\.\.\. دون إعلان\." ضحك لوكا: – "حرب أنيقة إذن\.\.\. ما رأيك أن نبدأ من الملهى؟" – "لكن لا تفتح فمك عمّا جرى داخل الجحيم، واضح؟" – "لا تقلق، سيكون سرنا\." ••• في الملهى الليلي الفاخر، حيث الأضواء تتراقص كالأشباح، وحيث الأغنياء والسلطة يتبادلون أسرارهم، وصل ماريو ولوكا وسط تصفيق وتهافت الصحفيين\. – "سيد ماريو\! هل لي بسؤال؟" – "متى نرى زوجتك؟" – "هل صحيح أنك ستعلن شراكة جديدة؟" لم يعرهم ماريو اهتماماً، بل أكمل طريقه داخل المكان بخطوات ثابتة، كأنما العالم كله صامت لأجله\. صعد إلى الطابق الخاص، وهناك، وسط الزجاج الفاخر والأرائك المخملية، جلس في الزاوية، يراقب المسرح الأحمر، حيث ترقص أجساد بلا روح، تماماً كما يحب\. \_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_ كانت الأضواء تتراقص من حولهما، والموسيقى تعلو شيئًا فشيئًا\. لم تكن سينا وتريكسي تدركان كم مضى من الوقت، فقد سلبتهما الكؤوس وبهجة اللحظة كل إحساس بالزمن\. جسدهما يتمايل مع الإيقاع، وضحكاتهما تتعالى وسط الزحام\. توقفتا عن الرقص والتفتتا نحو الطاولة، تتسلل من بين شفاههما ضحكات لا مبالية\. مدت سينا يدها نحو كأس آخر، ثم رفعت رأسها لتلمح طابقًا علويا مظلماً، يُشرف على الحفل بأكمله\. عيناها نصف مغمضتين، لكنها تساءلت بفضول: «تريكسي، ماذا يوجد هناك؟» نظرت تريكسي للأعلى، ثم ضحكت ضحكة خفيفة ممزوجة بالسكر: «ذاك\.\.\. طابق الأغنياء، النخبة\. ممنوع على أمثالنا دخوله\.\.\. كأنهم أمراء ونحن الخدم\!» نظرت سينا مرة أخرى لذلك الطابق، لتلاحظ أن الحراسة اختفت مؤقتًا\. شيء بداخلها دفعها لتكتشف المزيد، فضولها تغلب على حذرها\. أمسكت بذراع تريكسي وهمست: «لننظر فقط، لن نبقى طويلًا\.\.\.» صعدتا الدرج بصمت، تتسللان كأنهما لصّتان\. الطابق كان هادئًا، تفوح منه روائح العطور الفاخرة والخمر المعتّق\. طاولة طويلة ممتدة بألوان الطعام الراقية والمشروبات الثمينة\. انبهرت سينا، فتقدّمت دون تفكير وبدأت تتذوق بعض المقبلات\. لحقتها تريكسي وهي تضحك: «هل نحن نحلم؟» لم تكن سينا تدرك أن عيونًا كانت تراقبها بصمت\. وفجأة، تقدم شابان أنيقان، ملامحهما وابتساماتهما تحمل الكثير من الغرور\. قال أحدهما بنبرة ناعمة ومريبة: «مساء الخير يا جميلتين\.\.\. ألم تضلّان الطريق؟» نظرت إليهما تريكسي بارتباك: «من أنتما؟» «مجرد معجبين\.\.\. ونود أن نتعرف عليكما أكثر\.» ابتسم الآخر وتقدم نحو سينا محاولًا التقرب منها بلطافة مزيّفة\. همس لها: «ما رأيك في القليل من المرح الخاص؟» شعرت سينا فجأة أن الأجواء تغيّرت، وأن شيئًا ما ليس على ما يرام\. تراجعت خطوة إلى الوراء وقالت بحزم: «لا، شكرًا\. أريد فقط المغادرة\.» لكن الشاب تمادى ومد يده نحوها، محاولًا سحبها برفق ظاهري لكنه كان قاسياً\. ارتبكت سينا، ونادت بصوت مرتفع: «أتركني\! قلت لا\!» تدخلت تريكسي فورًا، صارخة: «دعها وشأنها\!» بدأت الأمور تتوتر، والشابان لم يتقبلا الرفض، حتى علا صوت سينا: «النجدة\! هل من أحد هنا؟\! النجدة\!» \-\-\- في تلك اللحظة… كان ماريو يجلس في غرفة مظلمة بالطابق ذاته، يتحدث بهدوء مع لوكا عن إحدى الصفقات، حين سمع صوتًا نسائيًا مذعورًا يخترق السكون\. التفت بحدة وقال: «هل سمعت هذا؟» لوكا تمتم بلا مبالاة: «ربما أحدهم يبالغ باللعب\.\.\.» لكن ماريو وقف فجأة، وفتح باب الشرفة المطلة على الطابق، ليجد فتاةً تتشبث بالأمل في الفرار، ويدٌ تمسك بها بقسوة\. تجمد في مكانه\. عيناه اتسعتا، وهمس لنفسه: «هي\.\.\. مستحيل\.\.\.» انطلق ماريو بخطوات واسعة، وصرخ: «أيها الأوغاد\! أتركوها الآن\!» اقترب وهو يسحب سلاحه من تحت سترته، عينيه تقدحان شررًا\. قال بنبرة حادة لا تقبل التردد: «إذا لم تتركوها الآن\.\.\. فلن تُغادروا هذا المكان واقفين\.» تراجع الشابان، وارتبكا أمام هيبة ماريو، وخلفه لوكا الذي كان قد لحق به للتو، عيناه تقدحان بالغضب\. \-\-\- لحظة الإنقاذ حين شعروا بالخطر الحقيقي، فرّا هاربين، تاركين الفتاتين خلفهما\. جلست تريكسي على الأرض وهي تلتقط أنفاسها، بينما بقيت سينا تحدق في ماريو\.\.\. كأن الزمن توقف\. قالت وهي تبتسم بخفة، رغم الصدمة: «أ\.\.\. أنت أنقذتني؟» لم يجب ماريو، فقط حدّق بها، وكأن شيئًا استيقظ في داخله\. ثم همس: «لقد وجدتُك أخيرًا\.\.\.» فجأة، فقدت سينا توازنها ووقعت أرضًا، مرهقة من الخوف والخمر\. اقترب منها لوكا ليحملها، لكن ماريو أوقفه بنظرة واحدة: «لا تلمسها\.\.\. سأحملها أنا\.» رفعها برفق، وكأنها شيء ثمين، بينما ساعد لوكا تريكسي على النهوض\. \-\-\- السيارة\.\.\. في السيارة، جلس كل منهما يحمل فتاة\. تريكسي بدأت تستفيق تدريجيًا، تتمتم: «أين نحن؟ من أنتما؟ هل اختطفتمانا؟» ضحك لوكا بخفة: «بل أنقذناكما، يا آنسة دراما\.» أما سينا، ففتحت عينيها بصعوبة، نظرت إلى ماريو، ولم تستطع كبح كلماتها: «هل أنا\.\.\. في الجنة؟» اقترب منها وهمس: «لا\.\.\. بل أنت في جحيمي، يا صغيرة\.» ابتسمت كأنها لم تفهم، ثم أغمضت عينيها مجددًا\. \-\-\- أمام بيت الفتاتين عندما وصلا، نزل ماريو وهو يحمل سينا، وساعد لوكا تريكسي على السير\. وقفت الأخيرة وقالت بعناد: «لا نحتاج مساعدتكما\.\.\. نحن بخير\.» لوكا رفع حاجبه قائلاً: «بالتأكيد\.\.\. أنتن كالعواصف\!» همّت تريكسي بالدخول، لكن ماريو بقي ينظر إلى سينا النائمة\. لامس خدّها برفق، ثم همس: «سأجدك مجددًا\.\.\. وحينها، لن أسمح لك بالهرب\.» ابتعد بهدوء، ولوكا ينظر إليه شاكاً: «ماريو\.\.\. هل تعرفها؟» رد ماريو بصوت خافت: «ليس بعد\.\.\. لكنها ستعرفني قريبًا\.» ثم استدار عائدًا إلى الظلام\.\.\. حيث تنتمي الوحوش مثل ماريو بيليني\.\.\.\. نشاله يعجبكم البارت هو طويل استمتعو و ما تنسو تابعوني وتضغطو على القلب ❤ حسابي علر انستغرام: @Aicha\_wirtes

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

Devil's Maid

المؤلف A1cha123
2025/07/18 مستمرة
قائمة الفصول (2)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة