شاطئ الخراب

شاطئ الخراب

27 0

الفصل الأول \_شاطئ الخراب كانت خطواتها تتعثر فوق رمال الشاطئ المبلّلة، وكأن الأرض ترفض احتضانها\. لا تدري ما الذي يحدث، وعيها شبه غائب، وكل ما حولها مشوّش\. مظهرها كان أشبه بشاهد حيّ على فاجعة؛ فستانها الأبيض الذي كان ذات يوم رمزًا للفرح، بات اليوم ممزقًا ومُلطخًا بالوحل والدم\. شعرها الطويل، بلونه البرتقالي المائل للنار، التفّ حول وجهها ككومة من الصوف المتسخ، وساقاها الحافيتان غطّتهما خدوش دامية بفعل السقوط المتكرر\. وجهها الشاحب كان يحمل ملامح متعبة، لكنّ النمش الذي زيّن أنفها ووجنتيها أضفى عليها مسحة براءة، زادها تألقًا تحت ضوء الغروب المنعكس من البحر، الذي تشابهت زرقة عينيها به\. تابعت سيرها كأنها تائهة في حلم ثقيل، إلى أن خانها جسدها، فانهارت فوق الرمال الخشنة، التي احتضنتها ببرود لا رحمة فيه\.\.\. \-\-\- في قلب الظلام – اجتماع الذئاب في الطابق العلوي من الفيلا القديمة، جلس بهدوء فوق كرسيه الجلدي، وأمامه طاولة فاخرة تحيط بها عيون لا تقل خطورة عن الذئاب الجائعة\. لكنهم لم يجرؤوا على الاقتراب، فهو ليس فريسة\.\.\. بل أسد\. أمال رأسه نحو الباب حين دخَل ذراعه الأيمن، يرافقه امرأة مسنّة ذات ملامح غامضة\. ارتسمت ابتسامة خبيثة على شفتيه، ثم نظر إلى صديقه الجالس بجانبه وأشار له أن يتحرّك\. نهض الأخير بخفة، وراح يدور حول الطاولة ببطء، يرمق الحاضرين بنظرات صارمة، قبل أن يفتح الحديث: – "سيد ماريو، لا يمكننا تجاهل هذه الصفقة\.\.\. إنها مربحة للغاية\." سكت المكان\. ساد صمت ثقيل، ثم جاء صوت ماريو ببرود قاتل أربك الجميع: – "هل تظنّني أحمقًا لأصدق وعود أولئك الأوغاد؟" التفت إليه المتحدث مرتجفًا: – "لكنهم\.\.\. يضحّون بأغلى ما يملكون، بل وبدأوا بتهديدنا أيضًا\.\.\." \_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_ تقدم ماريو بخطى ثقيلة ونظراته تشتعل غضبًا، ثم انقضّ على الرجل الجالس أمامه وأطبق قبضته على عنقه بقوة جعلت وجهه يتلون بألوان الاختناق\. ارتفع صوته مدوّيًا وسط القاعة: «إيّاك أن تكرر تلك الترهات مجددًا\.\.\. وإلا قطعتك إربًا وقدّمتك ولِيمة لكلابي\.\.\. لم يُولد بعد من يهدد ماريو روسي\! هل تسمعونني؟\!» ترك عنق الرجل يتهاوى نحو الأسفل وهو يلهث، ثم استدار ببطء ناظرًا إلى من حوله بنظرات نارية، كمن يهدد الجميع دون أن ينطق بكلمة\. توقفت عيناه عند امرأة في منتصف القاعة، قبل أن يعود أدراجه إلى مقعده بجانب لوكا، وعلامات الاستفهام تعلو وجهه\. همس بصوت خافت وهو يحدّق في المرأة: «من هذه؟» ردّ لوكا على الفور وهو يطالع تعبير وجه ماريو: «زوجة ألبيرتو ماركوس، سيدي\. هو لم يحضر منذ شهرين، وهي كانت تمثله في جميع الاجتماعات السابقة\. الآن\.\.\. هي من يتخذ القرارات مكانه\.» رمقها ماريو بنظرة باردة خالية من أي اهتمام، ثم التقط ملفها الموضوع على الطاولة أمامه وفتحه ببطء\. لم يكن يثق بأحد، ولذلك قرأه بدقة\. وما إن انتهى حتى ارتسمت على شفتيه ابتسامة خبيثة مريبة\. رفع عينيه إليها وقال بنبرة ساخرة: «سيدة جوري ماركوس\.\.\. ما رأي زوجك في الصفقة التي ناقشناها قبل شهرين؟» تصلّبت ملامح المرأة، ثم اعتدلت في جلستها وردّت بصوت حادّ لا يخلو من التحدي: «درست الصفقة جيدًا\.\.\. وأنا الآن من يقرر\. لن أوافق عليها\. إنها صفقة خاسرة، تستنزف المال والوقت\. ولن أسمح بالخسارة مجددًا\.» انقبض فك ماريو وتحركت عضلات رقبته بانفعال، لقد كان ينتظر هذا اليوم بفارغ الصبر، اليوم الذي يضع فيه حدًا لكل تلك الفوضى ويعود إلى إيطاليا ليستعيد عرش المافيا\. أومأ برأسه نحو لوكا بصمت، ففهم الأخير الإشارة فورًا وقال بصوت عالٍ: «إذن لنصوّت\. من يعارض الصفقة فليرفع يده، ومن يؤيدها فليظل مكانه\.» لم تمضِ ثوانٍ حتى ارتفعت جميع الأيادي\.\.\. صدمة عابرة خيمت على وجه لوكا، قبل أن يلتفت إلى ماريو هامسًا: «لقد\.\.\. لقد رفضوها جميعًا\.» ساد صمت قاتم للحظات، ثم رفع ماريو رأسه ببطء وقال ببرود قاتل: «لقد وقّعوا حكم موتهم بأيديهم\.» نهض من مكانه بثقة لا تهتز، ثم سحب كومة من الملفات السوداء من حقيبته الجلدية، وبدأ بتوزيعها عليهم واحدًا تلو الآخر\. كانت ملفاتهم\.\.\. مليئة بجرائمهم، فضائحهم، فسادهم\.\.\. وما إن بدأوا بتصفحها حتى فُغرت أفواههم من الذهول، وبعضهم بالكاد تمالك نفسه من السقوط\. تقدّم بخطوات ثابتة نحو السيدة ماركوس، وألقى ملفها أمامها ببرود\. التقطته بتردد، وما إن قرأت أولى الصفحات حتى شحب وجهها تمامًا، لترتجف يدها من الصدمة\. اقترب منها ماريو حتى بلغ مستوى أذنها وهمس بنبرة مميتة: «ماذا سيقول السيد ماركوس حين يرى خيانة زوجته\.\.\. وقذارة أعمالها؟» سقط الصمت مجددًا كالكفن فوق المكان، ليعود ماريو إلى مقعده، يطفئ جمرة الغضب في صدره بكلمة واحدة: «الآن\.\.\. فلنعد التصويت\. فقد أوشك صبري على النفوذ» \_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_ استفاقت تلك الزهرة البرتقالية الذابلة على وقع صوت مرتفع لفتاة تهتف وتتمشى بقلق أمامها، حاملة هاتفها بين يديها\. رفّت جفنيها المثقلين وفتحت عينيها ببطء، فرأت ظلًا يتحرك جيئة وذهابًا، وصوتًا غاضبًا يخترق سكون الغرفة\. تأملت المكان حولها\.\.\. الجدران البيضاء، الأجهزة الطبية، والخيوط التي تلتف حول ذراعها… لقد كانت في مستشفى\. أدارت رأسها ببطء نحو الطاولة الصغيرة، تبحث عن كأس ماء، وحاولت أن تنهض لتتناوله… لكن الألم صفع جسدها بقسوة\. أطلقت أنينًا مكتومًا، فانتبهت إليها تلك الفتاة التي كانت تصرخ، فأغلقت الهاتف على عجل واندفعت نحوها وقد ارتسم الخوف على ملامحها: «أخيرًا استيقظتِ\! يا إلهي، كم أنتِ جميلة\.\.\. هل تحتاجين شيئًا؟» همست الفتاة بصوت مبحوح: «ماء\.\.\. أريد ماء\.» أحضرت لها كوب الماء وساعدتها على الشرب بحنان، ثم غادرت الغرفة بسرعة لتستدعي الطبيب\. وبعد دقائق قليلة، دخل الطبيب بخطوات هادئة، قام بفحصها، ثم ابتسم قائلاً: «إنها بخير الآن\. لقد تخطّت مرحلة الخطر، وستتمكن من الخروج قريبًا\.\.\. الحمد لله على سلامتها\.» خرج الطبيب من الغرفة، وجلست الفتاة بجانب السرير تراقب ملامحها المتعبة، ثم خاطبتها بالإنجليزية: «ما اسمك؟ ومن أين أتيتِ؟» أجابت بصوت خافت: «اسمي\.\.\. سينا\. سينا القابسي\. جئت من تونس\.» رفعت الفتاة حاجبيها بدهشة: «من تونس؟ إذًا أنت تعلمين أنكِ الآن في إيطاليا؟» هزّت سينا رأسها بالإيجاب، لكنها ترددت قبل أن تتابع: «نعم\.\.\. أعلم\.\.\. لقد\.\.\.» لكنها ابتلعت بقية الجملة\. لم تكن تعرف من تكون تلك الفتاة حقًا، ولم ترد أن تبوح بكل ما في جعبتها\. اكتفت الأخرى بالابتسام، وقالت بنبرة مطمئنة: «لا تقلقي، انسِ كل ما مضى\. الآن، دعيني أُعرّفك على نفسي\.\.\. اسمي تريكسي موريتي، أنا إيطالية وأعيش هنا منذ ولادتي\.» قالت سينا بخجل: «تشرفت بمعرفتكِ، تريكسي\.» لكن لحظتهن لم تدم طويلًا، إذ فُتح باب الغرفة فجأة، ودخل شرطيان بزيّ رسمي\. ارتبكت سينا، وتراجعت إلى وسادتها بخوف، بينما طُلب من تريكسي الخروج\. جلست الشرطة على الأريكة المقابلة، وأخرج أحدهما دفتر ملاحظات وبدأ التحقيق: «أنتِ مهاجرة غير شرعية، حسب ما لدينا من معلومات\. جئتِ من بلد عربي، هل كنتِ بمفردك؟» هزّت رأسها بسرعة وهي تقول: «لا\.\.\. لا، كنت مع والديّ وأختي أيضاً\.\.\.» تبادل الشرطيان نظرة سريعة قبل أن يردف أحدهما: «نحن آسفون\.\.\. لقد عثرنا على جثّتي والديك على شاطئ البحر\. أما أختك\.\.\. فلم نجدها بعد، لكننا نبحث عنها\. لا تقلقي\.» ساد الصمت، قبل أن يتحوّل إلى صرخة موجعة\.\.\. سينا لم تتمالك نفسها، فبدأت بالبكاء والنحيب والصراخ، كأن قلبها تمزق في لحظة واحدة\. تسارعت خطوات الممرضات إلى الغرفة، ودخلن ليحقنّها بمهدئ، فما لبث جسدها أن بدأ يترخّى، حتى غفت جفونها مجددًا في سباتٍ مرير\. خرج الشرطيان من الغرفة ووجدا تريكسي بانتظارهما في الممر، فنظر إليها أحدهما سائلاً: «هل لديها مكان تقيم فيه؟ أقارب هنا؟» هزّت رأسها نافية: «لا أعلم أحدًا غير أمّها\.\.\. وإن لم تجد ملجأ، فستبقى معي\.» نظر إليها الشرطي بعين جادّة وقال: «حسنًا، عندما تستفيق، قومي بواجبك\.» ابتسمت تريكسي ابتسامة شكر خفيفة وقالت: «شكرًا لك\.» غادر الشرطيان، فعادت تريكسي إلى الغرفة\. جلست بجانب سرير سينا، وعيناها البنيتان تلمعان بالدموع وهي تتأمل تلك الفتاة الغارقة في نومٍ ثقيل، مثقلة بالجروح والتعب\. Flashback كانت تريكسي تتنزه مع زميلها مايكل على الشاطئ، يتبادلان أطراف الحديث والضحكات، حين لمحت من بعيد شيئًا ملقى على الرمال\.\.\. اقتربت بخطوات سريعة، وما إن اتضحت ملامحه حتى شهقت: «مايكل\! تعال بسرعة وساعدني\!» ركض مايكل نحوها، ليرى فتاة ممددة على الرمال، بملابس ممزقة وجسد يكسوه الرمل والدماء\. «يا إلهي\.\.\. من هذه؟» «لا أدري\.\.\. لكنها لا تتحرك\! علينا أخذها إلى المستشفى حالًا\!» حملها مايكل بين ذراعيه، وأوقف سيارة أجرة بسرعة، وضعت سينا في المقعد الخلفي بجوار تريكسي، بينما ركب مايكل في الأمام وأعطى السائق عنوان المستشفى العام\. End Flashback

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

Devil's Maid

المؤلف A1cha123
2025/07/18 مستمرة
قائمة الفصول (2)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة