أُغْتُصِبَ صَمْتِي

أُغْتُصِبَ صَمْتِي

14 1

                  أُغْتُصِبَ صَمْتِي "بَعْضُ الْوُجُوهِ تَنْدَثِرُ، لَكِنَّ أَثَرَهَا يَبْقَى… وَبَعْضُ الْكَلِمَاتِ، وَإِنْ هَمَسَتْ، تُزَلْزِلُ عُمْرًا كَامِلًا." كنتُ في الخامسة من عمري حين دخلتُ الحضانة. وكنتُ أحمل في حقيبتي الصغيرة دفترًا ملونًا، وممحاة وردية، وخوفًا لا يُرى. لا أتذكر تفاصيل كثيرة… كأنّ ذاكرتي قررت أن تطمس أجزاءً كاملة من ذلك اليوم. لكنني أتذكر الألم. أتذكر كيف نظرتُ إلى الأرض كثيرًا، وكيف كنتُ أضم ساقيّ معًا دون وعي. أنا لا أتذكر وجه ذلك الذكر، لا أستطيع تذكر ملامحه، لكنني أذكر صوته، ونظرته، وكلماته التي قتلت داخلي ولم تختفِ. قال لي: "لو أخبرتي والدكي أو والدتك ، سيضربانكي" وقال أشياء أخرى… ما زالت تتردد كسمّ في أذني. من شدة خوفي، لم أصرخ. لم أُخبر أحدًا. حتى عندما كسر الكرسي وجعل الأمر يبدو حادثًا… سكتُّ. لأنني كنت أظن أني المخطئة. ركبت سيارة أبي في نهاية اليوم، وجلستُ بصمت. لا دموع، لا شكوى. كنتُ فقط أريد أن أنسى. لكن الألم لم ينساني. في اليوم التالي، بينما كنتُ ألعب وحدي فوق الطاولة، شعرتُ بحرقة لا تُحتمل… فذهبتُ إلى جدتي، وأخبرتها: "أسفلي يؤلمني." هكذا، بجملة بريئة من فم طفلة لا تعرف ماذا جرى لها. اتصلت أمي، جاءت مسرعة، سألتني: "شو صار؟" فأجبتها: "ما بعرف." ثم أرسلت والدي إلى الحضانة. سأل المعلمة، فأجابته: "كانت جالسة فوق كرسي، وانكسر." ورجع أبي للبيت، وأخبر أمي،أمي لم تقتنع تمامًا، أو ربما أرادت أن تطمئن ضميرها فقط. أخذتني إلى طبيبة، كانت كبيرة في السن، ترتدي نظارات سميكة، وعينها لا ترى أكثر من الظاهر. روَت لها أمي ما قيل في الحضانة: "قالوا إنها وقعت من على الكرسي، وانكسر تحته." رفعت الطبيبة حاجبها، ونظرت إليّ بنصف اهتمام. "أين يؤلمك؟" لم أستطع الرد. خفتُ، وارتبكت، وقلبي كان يخبط بجنوني في صدري. نظرت إليّ الطبيبة مطولًا، ثم قالت: "واضح إنها بس مجروحة من السقطة… ما في شي يخوّف." لم تفحصني. لم تقترب حتى. فقط كتبت في الورقة اسم دواءٍ ومعقّم، وقالت لأمي: "لا تقلقي، الأمور بسيطة." أمسكت أمي بالوصفة، شكرَتها، وغادرنا العيادة. رجعنا إلى البيت، وكأن شيئًا لم يحدث. أُعطيتني أمي الدواء، وطلبت مني أن أرتاح. لكن لا أحد عرف — ولا حتى أنا — أن ما انكسر لم يكن الكرسي… بل أنا. وأن ما تأذى لم يكن جسدي فقط… بل كل روحي. من يومها، بدأ الصمت يسكنني… وصرتُ أتظاهر أني بخير، حتى وأنا أنزف من الداخل.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

إِبْنَةُ اَلْثَالِثْ عَشَرْ أُكْتُوبَرْ

المؤلف Om_RO7_13.novlar
2025/07/03 مستمرة
قائمة الفصول (3)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة