حِينَ يَبْدَأُ الْجَحِيمُ مِنَ الْمَهْدِ

حِينَ يَبْدَأُ الْجَحِيمُ مِنَ الْمَهْدِ

16 1

               حِينَ يَبْدَأُ الْجَحِيمُ مِنَ الْمَهْدِ   لم يُمهلني القدر لحظة تنفّس، وُلدتُ لأفتح عينيّ على كفٍ لا تعرف الحنان، وصوتٍ لا يشبه حكايات الأمهات. لم أكن طفلة، كنتُ مشروع خيبة… في بيتٍ اجتمع فيه الغياب والخذلان في الثالث عشر من أكتوبر وُلدت. قالوا إن والديّ كانا سعيدين، كما يقول الناس دومًا حين يولد طفل. ضحكوا، وزغردوا، وأحضروا الحلوى. لكن قصتي لم تبدأ يوم ولادتي… قصتي بدأت يوم التقى والديّ. يوم اختار الخطأ أن يتكاثر. أبي؟ رجل لم يُخلق ليكون أبًا. ربما يصلح زوجًا… ربما. لكنه لا يعرف كيف يحمل طفله دون أن يُسقطه معنويًا، ولا كيف يقول “أنا فخور بك” دون أن تخرج منه بمرارة. أما أمي… فهي كانت تعرف وأنا متأكدة من ذلك أنها لا تصلح أن تكون أمًا. لكنها قررت أن تلدني على أي حال. وكأن الحياة لعبة نرمي فيها الأرواح دون استعداد. أنا كنت الأولى. أول الغرقى، أول الضحايا. وفي البداية، كانت طفولتي عادية، أو هذا ما أقنعتُ نفسي به. إلى أن بدأ كل شيء يتغير… أظن أنني كنت في الرابعة من عمري… عندما بدأت تعاستي الحقيقية. في البداية، كانت تفاصيل صغيرة. نظرات غريبة، نبرة مختلفة، تغير مفاجئ في وجه أمي كلما غادر والدي. كنت أظن أنني أتوهم — فالطفلة ذات الأربع سنوات لا تُجيد التفسير، لكنها تلتقط الخوف بسرعة. وكنت خائفة. صوت أمي لم يعد صوتها… كان يتحول فجأة، إلى شيء خشن، بارد، لا يشبهها. وكلما غادر والدي للعمل، ظهر ذلك الصوت. كنت أهرب منه، من أمي، من المنزل. أبحث عن الأمان في حضن جدتي، أو في اللعب مع ابنة عمتي. بينما كانت أمي تبكي بصمت. لم أكن أفهم لماذا تبكي، لكني كنت أعرف أنني السبب. أو هكذا خُيّل لي. كيف لطفلة أن تفهم أن الأم هي من تتحوّل إلى كابوس، ثم تبكي لأن ابنتها تهرب منها؟ وفي كل مرة حاولت فيها الاقتراب، في كل مرة حاولت أن أُمسك يدها، أو أضع رأسي على صدرها… كان ذلك الصوت الخشن يظهر، ويقول لي بوضوح: "لا تقتربي. أنا أكرهك." لكن في يومٍ ما، قررت أكون شجاعة. كنت مشتاقة لها، رغم خوفي منها، وطفلة، مهما صار فيها، ستضل بحاجة لحضن أمها… اقتربت منها، ببطء، وأنا أرجف. مددت يدي، عانقتها… رغم أن ذلك الصوت الخشن كان لا يزال حاضرًا. كنت أرتجف وأنا أضع رأسي على كتفها، أردت أن أصدق أنها ما زالت أمي… أنها لن تؤذيني. لكنني كنت مخطئة. لم يمر ثوانٍ، حتى شعرت بقبضتها تدفعني بعنف، وصوتها _ أو صوته_ يصرخ: "قلت لك لا تقتربي! أنا أكرهك" دُفعت على الأرض، بكيت دون صوت، وظهري يؤلمني من الضربة، لكني لم أصرخ… كنت قد تعلمت أن الصراخ لا يُنقذ أحدًا. منذ ذلك اليوم، قررت أن لا أعانق أحدًا مجددًا. مرت قرابة السنة  بعد تلك الحادثة… كبرتُ سنة، أو ربما كبرتُ ألف سنة من الداخل

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

إِبْنَةُ اَلْثَالِثْ عَشَرْ أُكْتُوبَرْ

المؤلف Om_RO7_13.novlar
2025/07/03 مستمرة
قائمة الفصول (3)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة