عانقتني المرأة بحرارة، وكأنها تتشبث بظلٍ يوشك أن يتلاشى، وهمست بصوت مغمور بالشجن، يتسلّل إلى أعماقي كنسيم باكٍ: «أرجوك، لا تجهد نفسك، الطبيب سيصل حالًا.» حاولت استيعاب الموقف، لكن وجهها بدا كأنه لوحة لم أرها من قبل. لا شيء فيها يوقظ ذاكرتي. ملامحها غريبة، بل مُنفّرة في غرابتها، تشبه الغربة ذاتها حين تسكن المألوف. حاولت استجماع شتات صوتي وقلت، بصوت بالكاد خرج من حلقي المتعب: «من أنتِ؟» شهقت كأن السؤال خنجر غُرس في قاع طاقة تحملها، غطّت وجهها بكفّين مرتجفين، ثم انسابت دموعها كجدول حزنٍ مكتوم، قبل أن تهمس بخفوتٍ مأساوي: «رجاءً.. لا تنساني. لقد وعدتني أننا لن نفترق أبدًا، مهما تقدّم بنا الزمن.» مسحت دموعها بسرعة مرتبكة، تحاول انتزاع بعض التماسك من هشيم الانهيار، ثم ناولتني كوب ماء قائلة بلطف مرتعش: «اشرب قليلًا، سيمنحك بعض القوة.» نظرت إليها بتمعّن، باحثًا في عينيها عن ومضة أمل، عن خيط يقودني لفهم ما يجري. سألت، متلعثمًا، كأنني أخشى الإجابة: «هل.. أنتِ زوجتي؟» ارتسمت على وجهها ابتسامة شاحبة، متآكلة بالحزن، لكنها مشبعة بدفء الذكريات، وأجابت برقة كأنها تهمس للروح لا للأذن: «فريدريك.. أرجوك، لا تجهد نفسك بهذه الأسئلة الآن.» اتسعت عيناي في ذهول. فريدريك؟ من هذا؟ بدأت أنفاسي تتسارع، كأنها تُطارِد نفسها، شعرت بثقل يجثم على صدري. بحثت في الغرفة عن أي شيء مألوف، عن خيط يربطني بعالمي القديم. سألتها بلهجة حادّة، أقرب إلى الصراخ: «ما هذا؟! من هو فريدريك؟!» تحرّكت يدي بلا وعي، أبعدت الكوب عني. ارتطم بالأرض محدثًا صوت تحطمه كصرخة مكتومة، وتبعثرت شظاياه في أرجاء الغرفة كقطع من هذا الواقع المتشظي. رفعت المرأة نظرها إليّ، لم تغضب، لم تصرخ، اكتفت بقول خافت: «لا بأس.» جحظت عيناي أكثر. لا يمكن أن يكون هذا حقيقيًا! لا شيء يُفسّر هذا الجنون! قبل أن أستوعب ما يحدث، اندفع شاب في أواخر العشرينات إلى الغرفة، يحمل على وجهه ملامح القلق كأنها وُلدت معه، اقترب وهتف بصوت يتهدّج: «أبي! هل أنت بخير؟!» تجمّدت في مكاني. أبي؟! اجتاحتني رغبة عارمة في الصراخ، في تمزيق هذا الواقع الزائف، لكن لم يكن لدي القوة الكافية حتى لأبكي. شعرت بحلقي يجف، فسعلت بعنف، كأنني أختنق بكذبة تتجسد أمامي. وعندما نظرت إلى يدي، وجدت الدماء تلطخها، حمراء قانية كألم الحقيقة. شهقت المرأة، وارتجف الشاب، لكن نظرتهما لم تكن مرعوبة عكس الرعب الذي سرى الى دماغي يريد به الانفجار،نظراتهم قلقة، كأنهما يعرفان هذا المشهد جيدًا، كما لو أنه تكرّر مئات المرات. أمسك الشاب بيدي، وبدأ يمسح الدماء بمنديل من جيبه، وصوته مبحوح، محشوّ بالرجاء: «لا تقلق يا أبي، سأجد لك أفضل طبيب. ستتحسن، أعدك بذلك.» شعرتُ بالانفجار داخلي، سحبت يدي بعنف، وقلبي يتخبّط داخل صدري. أردت أن أصرخ في وجهه، أن أخبره أنني لا أعرفه، أنني لست أبًا لأحد، لكن شيئًا داخلي قال لي: انتظر... ربما هو كابوس، وسأستيقظ منه، لكن الخنقة التي في صدري، الألم في مفاصلي، هذا الخدر الذي يلف أطرافي، يؤكّد لي أنني في قلب الكارثة، لا على هامشها. غارقًا في ذهولي، دخل رجل في متوسط العمر، بملامح الطبيب التي لا تخطئها العين. اقترب بهدوء، ثم قال بثبات: «عليكما الخروج، سأفحصه الآن.» تحركت المرأة بسرعة وكأنها تخشى أن يُغلق الباب دونها، اقتربت منه وهمست برجاء موجوع: «حالته تزداد سوءًا، حتى الدواء الذي وصفته لم يعد يجدي!» تأملها الطبيب طويلًا، ثم رد بصوت ناعم يخفي صرامة دفينة: «سفيد أخبرني بكل شيء. انتظراه في الخارج، إنه بحاجة إليكما.. لا تزيدا من ألمه.» أومأت برأسها، ثم التفتت نحو الشاب، وضعت يدها على كتفه في صمتٍ يشبه الوداع، وسحبته معها خارج الغرفة. وبقيت وحدي. الطبيب يراقبني بعينين لا تخفيان القلق، ثم بدأ بالفحص. لم أكن بحاجة إلى سماع كلماته، كانت ملامحه وحدها تحمل الحقيقة العارية: الوضع خطير. يا إلهي.. متى ينتهي هذا الكابوس؟ حاولت أن أستجمع أنفاسي، والتفتُّ إليه بنظرةٍ تائهة، تنشد يقينًا واحدًا يُطفئ جنون الشك في داخلي. لم يُجب على الفور، بل زفر تنهيدة طويلة، كأنها تحمل كلّ الحزن الذي راكمته السنين، ثم جلس إلى جواري وربّت على كتفي برفق، وقال بصوت خافت تُثقله المرارة: «فريدريك... عليك أن تتحلى بالصبر، من أجل زوجتك، من أجل أبنائك. كنتَ تعلم منذ البداية، لكنك رفضت العلاج، اخترت أن تبقى بينهم، تعيش ما تبقّى من أيامك في دفئهم، لا في غرف المستشفى الباردة.» أومأت برأسي في استسلامٍ مغمور،رغم الجنون الذي يصارع نفسه داخلي، فابتسم الطبيب ابتسامة خافتة، يخفي خلفها شعورًا لا يخدع. لم يكن بحاجة لأن يقول المزيد، فصمته كان أبلغ من كل الكلمات. أسندت ظهري إلى الوسائد، أراقب جسدي الذي بات ينهار بهدوء. تأملت ذراعيّ الهزيلتين، وأصابعي التي ترتجف بلا طاقة، كأنها تودّع الحياة شيئًا فشيئًا. مسحت وجهي المبلل بالعرق، وكل خلية فيّ تصرخ بالوهن. لقد سئمت هذا العذاب المستمر، هذا الألم الذي ينهشني ببطء كما ينخر السوس خشبًا عتيقًا. أخرج الطبيب ورقة وراح يدون شيئًا، بينما قال بنبرة حاول أن يكسوها بالاطمئنان: «أنت مصاب بالحمى، وصفت لك دواءً قد يخفف وطأتها.» لم أُجبه. الكلمات كانت عبثًا في حضرة هذا الانهيار الجاثم بين طيات تساؤلاتي، مضى الطبيب، وبعد دقائق، دخلت المرأة التي تدّعي أنها زوجتي. كانت عيناها تلمعان بمزيج غريب من الحنان والقلق والشفقة، كأنها تُجاهد كي لا تنهار. قالت بصوت حنون: «سأُحضّر لك حساءً دافئًا، عليك أن تتناوله قبل أن تأخذ دواءك.» غطّتني بلحافٍ ثقيل، رغم أنني لم أشعر بأي برد، وكأنها تحاول احتوائي من بردٍ داخليّ لا يُدفّأ. ثم انسحبت بهدوء، تاركةً خلفها صمتًا كثيفًا، غلف الغرفة بسكينة مُربكة. أغمضت عيني، واستسلمت لوهن الجسد. غفوت، أو لعلني انسحبت من هذا الواقع الذي لم أعد أفقهه. فتحت جفوني ببطء، لا زال الثقل يخنقني، وأنفاسي قصيرة، حشرجة تتسلل إلى صدري مع كل شهيق. أردت البكاء، ظننت أنني عندما أستيقظ من نومي سأجد كل هذا مجرّد كابوس، لكن الحقيقة كانت أعمق، أكثر ألمًا، وأكثر التصاقًا بي. «كيف لي أن أكون فريدريك؟ من هؤلاء؟ أين أنا من هذا العالم؟» أنا مجرّد طالب في المرحلة الثانوية، بالكاد بدأتُ أفهم الحياة، فكيف أستيقظ لأجد نفسي في جسد رجل مُسن، غريب عني حدّ الفزع؟ نظرت إلى الطاولة القريبة، ورأيت إطارًا لصورة. لا هو بالكبير ولا الصغير. مدت يدي المرتجفة، وانتشلتها بأصابع لا تطاوعني. رجل وامرأة يبتسمان في الصورة. المرأة تُشبه تمامًا تلك التي تزعم أنها زوجتي، لكنها أصغر، أكثر إشراقًا. بينهما طفلان، أحدهما الشاب الذي ناداني بـ«أبي»... نفس العينين، نفس الملامح. لكن ما جَمّد الدم في عروقي لم تكن الصورة، بل انعكاسي الذي ارتسم على زجاج الإطار... رجل عجوز، وجهه مترهل، غارق في الشحوب والتجاعيد، نظراته باهتة كذكرى قديمة. شهقت، وسقطت الصورة من يدي، فتحطمت على الأرض، كما تحطمت رغبتي بمعرفة المزيد. ارتعد كياني بأكمله. تحسست وجهي، وكأنني أريد التأكد أنني ما زلت أنا.. لكن ملامحي لم تكن ملامحي، وصوتي لم يكن صوتي. صرخت، بصوتٍ مخنوق، متألم: «ما الذي يحدث لي؟!» اندفعت المرأة إلى الغرفة، تتبعها خطوات سريعة. كان الشاب الذي رأيته من قبل، ومعه شاب آخر يشبهه كثيرًا. كلاهما كان مذعورًا، وعيناهما مليئتان بالفزع. صاحا بصوتٍ واحد: «أبي! هل أنت بخير؟!» رفعت وجهي إليهما، وأنا أرتجف من الداخل. شهقت بحرقة، وتوسلت بصوت متحشرج: «أقسم أنني لا أعرفكما! الرجل الذي رأيته الآن...» توقف صوتي عند حنجرتي. شعرت بضيق في التنفس، وقلت بصوت متقطع: «إنه.. ليس أنا.» اقترب أحدهما، وجثا على ركبتيه، عانقني بشدة كأنما يحاول أن يشدّني من هاوية الانهيار. كان يبكي بحرقة، وصوته يتشقق بالألم. لكنني لم أعد أحتمل. جسدي استسلم، رأسي تدلى على الوسادة، ونفَسي صار هزيلاً، بالكاد أشعر به. جلس الشاب إلى جانبي، يمرّر يده على رأسي برفق، وقال بنبرة تُخفي انكسارًا: «لا بأس إن نسيتنا.. لكن أرجوك، لا تنسَ نفسك.» لم أملك طاقة للرد، حتى الكلمات هربت مني. كنت غريبًا عن نفسي حتى اقتربت المرأة وسألت بصوتٍ منخفض: «هل أُحضر له الحساء؟ أعددته البارحة، لكنه كان نائمًا ولم أشأ إيقاظه.» أجاب الشاب، وهو لا يزال يمسح على رأسي: «دعيه الآن.. لا أظنه قادرًا على الأكل.» أومأت باستسلام، لكنها ظلّت تراقبني، وداخل عينيها غيمٌ ثقيل من الحزن. عينيّ صارتا ضبابيتين، كل شيء من حولي تشوّه، حتى ملامحهم باتت بلا وضوح. استسلمت لهذا التعب الذي لا يُقاوم، وأنا أشعر بنظراتهم تحاصرني، وكأنهم يخشون أن أفلت منهم في أية لحظة. بعد برهة، همست المرأة: «عزيزي، يجب أن تأكل قليلًا حتى تتناول دواءك.» رغم وهن الجسد، كنت أعلم أنها لن تتراجع. أشرت برأسي، بالكاد. جاءت تحمل صحن الحساء، فاقترب الشاب وجلس إلى جانبي، أسندني برفق، وبدأ يُطعمني ببطء، كما يُطعم الأم طفلها المريض. لم أشعر بطعمه، لم يكن أكثر من سائلٍ يتسلل إلى حلقي، بلا نكهة، بلا معنى. كنت أبتلعه كأنني أُطيع لا لأنني جائع، بل لأنني عاجز عن الرفض. بعد بضع لقمات، قال الشاب بهدوء: «يكفي..أعطيه دواءه.» خلطت المرأة الدواء بالماء وناولته لي، يدها ترتجف قليلًا، وعيناها لا تفارقان وجهي المرهق. تناولته بصمت، أرجو أن يحمل معه بصيص تحسن، ولو كان ضئيلًا. لكن شيئًا لم يتغير. مرت الساعات كأنها دهرٌ ثقيل، تنساب ببطء قاتل. لم يدخل جوفي سوى رشفات من الماء، وكلما أغفو قليلاً، يتملكني رعب أن يكون ذلك آخر نفس لي، أن يخذلني قلبي فجأة دون إنذار. كانوا حولي، يراقبونني بصمت مشوب بالحزن، خطواتهم في الممر تُحدث صدى خافتًا في أذني، يدخلون الغرفة ويغادرونها، يعودون إليّ مرة بعد أخرى، يمسكون بيدي، يضغطونها برفق، وكأنهم يودعونني دون كلمات. ثم دخل الشاب الذي أطعمني سابقًا، يدفع أمامه كرسيًا متحركًا، ملامحه متماسكة زورًا، وابتسامة باهتة ترتسم على وجهه، قال بصوت يحاول أن يكون مرحًا: «أبي، لا يمكنك الاستلقاء طيلة الوقت، الهواء النقي قد ينعشك قليلًا. سأخذك إلى الحديقة.» لم أستطع الرد، فقط أومأت برأسي، مستسلمًا. لا قوة تعينني على الاعتراض. تهللت ملامحه، بادر فورًا بمساعدتي على الجلوس، ثم غطاني ببطانية خفيفة، وكأنه يخشى أن يلسعني النسيم البارد. جثا على ركبتيه، وأسند رأسه على كتفي، وصوته المرتجف يشق الصمت: «إن حدث لك شيء..سأموت من بعدك، يا أبي. أنا اعيشها لأجلك، ولا تنسى أنك قدوتي فيها.» أردت أن أبتسم، أن أضع يدي المرتعشة على شعره، أن أقول له إن كل شيء سيكون على ما يرام، لكنه لم يكن كذلك... جسدي خذلني. فجأة، عصفت بي نوبة سعال عنيفة، تهتز لها أضلعي، شعرت أنني أختنق، أن شيئًا ما في داخلي ينكسر، قلبي توقف...أو هكذا خُيّل لي. تشنج جسدي، لم أعد أحتمل، ثم انزلقت من على الكرسي كجسد خالٍ من الحياة. ارتطمت بالأرض، ولفظت السعال دمًا داهمني بغزارة، أدفأ فمي بلزوجة مخيفة. رفعت يدي المرتجفة، أتأمل بقع الدم القانية على راحتي، كنت أراه يتسرب من بين أصابعي كما تتسرب روحي. أنفاسي تضيق.. الأصوات تخفت من حولي، كأنني أُغرق في ماءٍ ساكن. الوجوه تتلاشى، الدفء يغادر أطرافي واحدة تلو الأخرى. هذا هو الموت.. صافحني أخيرًا. أغمضت عيني ميتًا يتبع...
حنان محمد