نَسمةُ اللوتس

نَسمةُ اللوتس

33 1

كانتِ المدينةُ تستفيقُ على ضوءٍ رماديٍّ خافت، يتسلّلُ من خلفِ السُّحُب المُعلّقةِ في السماءِ الباردة. نسماتٌ مُبلّلةٌ بندى الفجر تَهمسُ في الطرقاتِ الحجرية، تُحرّكُ أطرافَ الأشجارِ الجافة وتطرقُ النوافذَ الخشبية بصبرٍ قديم. في تلك الساعة، كانت هي بالفعل مستيقظة. داخلَ القصرِ الهادئِ الذي تَقطنهُ مع عائلةِ خالتها التي احتضنتها، سادَ صمتٌ لا يُكسرهُ سوى حفيفُ القماش، وارتجافُ لهبِ المصباحِ النّحاسيّ، وضرباتُ قلبٍ يُجاهدُ ليبقى دافئًا في عالمٍ بارد. الفتاةُ، التي ما زالتِ الأجوبةُ تُعاندُها، كانت تُتقنُ فعلَ النهوضِ كما يُتقنُ المُقاتلُ الوقوفَ بعد سقوطه. وقفتْ أمامَ المرآة، بأطرافِ أصابعِها سرّحتْ شعرَها الطويل بهدوءٍ مريب، خُصلاتُه الذهبية تَسقطُ كأشعةِ شمسٍ مغتربةٍ فوقَ كتفيها. عيناها، عسليّتان تميلان إلى الأخضر، لم تَكن تَشبهان عيونَ الباقين، بل كأنّهما نافذتان إلى زمنٍ آخر، أو ذاكرةٍ ضائعةٍ خلفَ الضباب. ببطءٍ، وبتلك العادةِ الهادئة التي لم تتخلَّ عنها، فتحتْ زُجاجةً صغيرة تحتوي على رائحةِ وردةِ اللّوتس السُّكريّة. لم تكن عطراً فقط، بل طقسًا مقدّسًا. تمريرُها خلفَ أُذنيها، وعلى معصمها، ثم فوقَ قلبها… وكأنّها تُعيدُ ترتيبَ ذاتها برائحةٍ تُشبه الحُلم. هي تُحبُّ الأشياءَ البسيطة، الهادئة، المليئةَ بالأثر: لونُ الأوراقِ حين تذبل، طعمُ التفاحِ المجفف، طُرقاتُ الخشبِ، وأكمامُ الكنزاتِ الصوفية القديمة. اليوم، اختارت كنزتها الصوفية بلونٍ أخضرٍ هادئ، يُشبهُ الغاباتِ النائمة في كتبِ الأساطير. بسيطةٌ ملامحُها، لكنّ فيها شيئًا يُشبه السّر، شيئًا لا يُروى. لم تكن تعلمُ الكثير عن أصلها، لكنّها تعلّمت أن تَكون. أن تُضيءَ في عُيونِ الآخرين، أن تمدّ يدَها لمن يتعثّر، أن تُنصتَ للصمتِ وتحتويه. هي لا تتذكّر متى بدأتْ تفعل ذلك، لكنها تفعل. تُنقّي الهواء من الخوف، تَنسجُ الطمأنينة من لا شيء، كأنّها وُلدتْ لتمنحَ الدفءَ للغرباءِ، وإن كانت هي نفسُها بلا وطن. في المدينةِ القريبة، والتي كانت تستعدّ لنهارٍ مزدحم، بدأت الأصوات تتعالى شيئًا فشيئًا. عرباتٌ أنيقةٌ ومتطوّرة قليلًا تمضي بين الأزقّة، عجلاتُها تصدرُ همساتٍ رتيبة فوقَ الحصى، باعةٌ يُنادون على خُبزِ الصباح، ونَسوةٌ يَحملن سلالًا من الزّهور والأقمشة، أطفالٌ يركضون خلفَ سربِ حمامٍ أبيض، وملامحُ تعجُّ بالحياة. كلُّ هذا الضجيج، كان بعيدًا عن عالمها. القصرُ الهادئُ، الذي تَقطنه مع عائلةِ خالتها، كان على تَلَّةٍ تُطلُّ على المدينة من بعيد، يخترقُهُ الصّمتُ كما تخترقُ الموسيقى قلبًا يعرفُ البُكاء. بُنيَ من الحجارةِ القديمةِ الداكنة، تحيطُ به أشجارُ السّرو والصّنوبر، بوّابتُه الحديديّة العتيقة لا تُفتحُ إلا لمن يُجيد الطَّرْق.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

شَــجن

المؤلف وِهَاج Wihāj
2025/06/22 مستمرة
قائمة الفصول (3)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة