لا أذكرُ مَتى دَخلتُ هذه البلاد… ولا كيف أصبحتُ أعيشُ في بيتٍ لا أنتمي إليه تمامًا، ولا أرفضه تمامًا. كأنّني سقطتُ من سَطرٍ في حكايةٍ مجهولة، واستيقظتُ فجأةً في منتصفِ جملةٍ لا أُجيدُ قراءتها. قِصصُ النّشأة، لحظةُ الوصول، الأسماءُ الأولى، الرّوائح، الألوان، الأيدي التي حملتني ذاتَ خَوف… كلّها ضبابٌ كثيفٌ لا يُفسّر، لا يُمسَك، ولا يُروى. كلُّ ما أعلمه أنّني كنتُ هناك… ثُمّ لم أعُد. يقولون عنّي "لاجئة"، لكنّ هذه الكلمة تُشبِه قفصًا لغويًّا ضيّقًا لا يسعُ روحي. لا أُجيدُ تعريف نفسي بهذه المفردة الجاهزة. ما أنا عليه يتعدّى مفاهيمَ النُّكران والانتماء. هناك فُصولٌ من حياتي… مسروقة. كُتبَتْ في الظّلام، ومُزّقت قبل أن أقرأها. وكلّما حاولتُ أن أسترجعها، أتوهُ أكثر. كأنّ ذاكرتي نفسها تَخافُ الحقيقة. كلَّ ليلة، حين يَسكنُ العالم، يبدأُ داخلي بالاحتراق. كوابيسُ لا تشبهُ الأحلامَ العابرة، بل تشبهُ الحياةَ ذاتها… حياةً أخرى، مدفونة، مُحرّمة عليّ. أرى نارًا تسقُطُ من السماء كالمطر. أشخاصًا يُقتَلون أمامي بلا سبب. جُدرانًا تنهار، أبوابًا تُخلع، وعيونًا تُطفأ إلى الأبد. وكلّ ذلك، يحدثُ وأنا هناك… أصرخُ ولا صوت، أركضُ ولا مفرّ، أبكي ولا أحدَ يَمسح دمعي. ثمّ أستيقظُ… وأُقنعُ نفسي أنّهُ كان مجرّد حُلمٍ لا أكثر. أُخفي الرّجفةَ تحتَ الغطاء، أُخفي الغصّةَ تحتَ ابتسامة، وأبدأُ يومي كما لو أنّني لم أمُت ألف مرّة في نومي. يقولون إنّني قوية، لكنّهم لا يعلمون أنّ القوّة أحيانًا هي مجرّد فنٍّ في تَجميل النُّدوب. قوّتي قناعٌ أحمله، لا لأخدعهم… بل لأحمي نفسي من نظرات الشفقة. فأنا لا أحتمل أن أبدو ضعيفةً في عالمٍ يلتهمُ الضعفاء دون رحمة. رُبّما الألمُ لا يُعرِّفنا، لكنّهُ يُشكّلُ طريقةَ نُطقنا، صمتنا، مشيتنا، وحتى كيف نُحبّ. في داخلي نورٌ صغير، لا أعرفُ من أين أتى، لكنّه يرفضُ أن ينطفئ. صوتٌ خافتٌ يقول لي كلّ صباح: "لا تَستسلمي… ليس بعد." أنا لا أتذكّر من أنا، لكنّني أعرف من أُريد أن أكون: يدًا تمتدّ حين لا يجرؤ الآخرون. كتفًا يُسند حين يَنهار الجميع. نورًا بسيطًا يُضيء زاويةً مُظلمةً في قلبِ شخصٍ غريب. أمشي في الطرقاتِ بهدوء، أُراقبُ النّاس… أبتسمُ لطفلٍ باكٍ، أعدّلُ وشاحَ عجوزٍ ترتجف، وأتظاهرُ أنّ الحياةَ بسيطةٌ، حتى لو لم تكن كذلك. يظنّ البعض أنّني هادئةٌ أكثر من اللازم. لكنّ الحقيقة؟ أنا أُخفي عاصفة. أُخفي ذاكرةً تَصرخُ من الأعماق، ولا أحد يسمعها. وأحيانًا، في زحمةِ الحياة… أشعرُ بنظرةٍ تُلاحقني. تفصيلٌ غريب… تقلّصٌ في الوقت… صدى قديمٌ في رُكنٍ لا أدري لِمَ يبدو مألوفًا. كأنّ هناك من يَعرفني… كأنّ شيئًا يُراقبني بصمت، ينتظرُ اللحظةَ التي أستعيدُ فيها ذاتي الضّائعة. لكنّي لا أتذكّر. وأكره أن أتذكّر. كلّ ما لديّ الآن، هو هذا القلبُ الذي يُقاوم، وهذا الجسدُ الذي يَنهضُ في كلِّ مرّةٍ يَسقطُ فيها. رُبّما لم أختر هذه الحياة، لكنّني أُقسمُ كلَّ يوم، أن لا أسمحَ لها بأن تَختار نهايتي. وأُؤمن، أنّ اللحظةَ التي سأستعيدُ فيها كلّ شيء… قادمة. ربّما ليست اليوم، لكنّها تقترب، وأنا… أستعدُّ لها. "فحَتّى الظلُّ لا يظهر دون ضوء".