الساعة السادسة مساءً "Giardino dell'Onda Alta" في الساعة السادسة من المساء، حين يستوي الزمان على حافّة الزوال، خُلع ستار النهار عن وجه السماء كأنّها تستعدّ لمراسيم الغُسل. الغروب ليس حدثًا، بل كائنٌ ناريّ يُنصِّب نفسه كاهنًا فوق أعمدة الأفق، يغمس المشهد في صِباغٍ من السُهْد والسُهاد. تُوشّح السماء بألوانٍ لا اسم لها، مزيج من القَرمُزِ الرامز، والعَصْفُرِ المُعقّد، واللازورد المُمَزَّق بأنياب الضوء الأخير، كأنّ الكون يتجلّى بلغةٍ لا تُقرأ إلا بالنبض. كانت الشمس تُقرّب جبينها من البحر كما يفعل الناسك حين يُلثِم التراب، ثم تتلوّى في انحدارها كجسدٍ أصابه وجعُ الاعتراف. حديقة " Giardino dell'Onda Alta"، تلك المربوعة على كتف الأدرياتيكيّ كأنّها زنّار في عنق مدينةٍ منسيّة، كانت تشهق في حضرة الغروب، تزهر بشغف الراحلين. أشجارها تتثنّى كراقصاتٍ خَرْس، وأوراقها تتمايل بأداءٍ موقوت كأنّها تؤدي رقصة وداعٍ من زمنٍ ميتافيزيقي. أرضها لم تكن ترابًا، بل رُخامًا فِكريًّا، تترسّب فيه خطوات البشر كوشومٍ لا تُمحى، والهواء يُشبه نشيدًا عتيقًا نُسج من أنفاس آلهةٍ نسوها في الفجر الأول. وحين دخلت "بياتريس"، لم تكن امرأة تسير، بل هالة بشرية تُجسّد التوازن الأخير بين الحواس والسكينة. في هيئتها شيءٌ من النُبْل القديم، كأنّها سُلالة من كاهنات الرُخام الرومانيّ، لكنها ترتدي سترة من كَتّانٍ مائيّ وفستانًا بلون الغُسق المُقَمَّش. شَعرُها المسدول يحمل لون التُّبر إذا نضج على كفّ ريحٍ شرقية، وعيناها واسعتان، كأنّ الله صبّ فيهما شيئًا من نبيذ الأنبياء، فيه وعيٌ لم يُقال، وفيه جهلٌ مأهول بالعاطفة. رفعت بصرها إلى الأفق، ثم تمتمت بصوتٍ فاترٍ كأنه خرج من ضلعٍ نائم: "كأنّ النهار يُساق إلى نهايته في عرباتٍ من ذهبٍ محترق..." مرّت يدُها على ورقة زيتونٍ كأنها تواسيها، ثم مشت على الممشى المبلّل بندى المساء، وكأنّ الأرض تحفظ خطاها كرقيمٍ يتلوه الصامتون. لم يكن في ملامحها حزن، بل جمال بارد، كمن ذاق الحزن كثيرًا فأصبح لا يَغمره بل يمرّ من تحته. وفي عينيها ضوءٌ لا يُشبه الضياء، بل شفرة بين البصيرة والحنين. كل شيء في الحديقة يُشبهها. حتى الطيور التي مرّت فوقها كانت تحلّق بنظامٍ يُشبه خطّ يديها وهي تكتب. وحتى الغروب، بدا كأنّه ينتظر عبورها ليُكمِل طقسه. وفي لحظةٍ نادرة، نظرت إلى البحر وقالت: – "أحسّ أنّ السماء تُطفئ نورها على مهل... كما تُطفئ الأمُّ قنديلًا في كفّ طفلٍ نائم." ثم التفتت، رفعت الساعة المُعلّقة على عنقها بسلسلة نحاسيّة قديمة، تمعّنت في عقاربها وهي تقول: "السادسة... حان وقت التقرير." ومشت نحو جناح الإدارة، بصمتٍ عميق، لا تسمعه إلا النباتات، كأنّ الطبيعة كلّها تحتفظ لها بالممرّ. كانت الساعة تشير إلى السادسة وخمس عشرة دقيقة حين وصلت "بياتريس" إلى المبنى الإداريّ القابع على الطرف الشرقيّ من حديقة ، والذي يتماهى بناؤه الحجريّ القديم مع لون الشمس الآفل، حتى ليبدو كأنه جزءٌ من الصخرة لا من المعمار. صعدت الدرجات الثلاث المؤدية إلى الرواق، تمرّ أصابعها بخفّة على الدرابزين الحديديّ الذي خَضبَته السنون بلون الأخضر المؤكسد، كمسبحةٍ مهجورة لا تزال تحتفظ بحرارة أصابع مَن مرّوا بها. فتحت الباب الخشبيّ الثقيل ببطء، ودلفت إلى الداخل، فلفحها هواء مزيجٌ من عبق الورق المُهترئ ورائحة الخشب العتيق، كأنّها عبرت من الزمن الطبيعيّ إلى أرشيفٍ حيّ يتنفّس الذكرى ويحتفظ بالخطى القديمة. كان "السيّد لورينزو" جالسًا وراء مكتبه الغارق بالملفات والخرائط. رجلٌ في أواخر الخمسين، ممتلئ الجبهة، ذا شاربٍ كثّ كأغصان الزيتون المتشابكة، ونظرةٍ توحي أنّه رأى من الطبيعة أكثر مما رأى من البشر. رفع رأسه فور أن لمح ظلّها على الزجاج المعتم. لورينزو، بنبرة خفيفة ساخرة: ــ تأخرتِ، آنسة الحديقة... هل كنتِ تودّعين الأشجار أم تنتظرين أن تغنّي لكِ الزنابق قبل المغادرة؟ ابتست ببياتريس بصفاء وتضع ملفًا سميكًا على الطاولة: ــ بل كنتُ أُنهي جرد الأشجار الجديدة في القسم الجنوبيّ، وأرصد حالة الرطوبة حول السور الشمالي... ثم، لن أنكر أني توقّفت لحظةً عند الغار. لورينزو، يرفع حاجبه: شجرتك المدلّلة؟ بياتريس، بنبرة فيها شغف دفين: هي ليست شجرة... بل ذاكرة. مدّ يده إلى الملف وفتحه بتأنٍ، وبدأ يقلب الصفحات بعينٍ فاحصة، يحرّك شفتيه أحيانًا كأنّه يتهجّى لغةً لا تُقرأ، بل تُحَس. لورينزو: "معدل الأملاح ارتفع في التربة المحاذية للممرّ الغربيّ؟ غريب... لم تهطل أمطار مالحة مؤخرًا، هل تفقدتِ شبكة الريّ؟ بياتريس: نعم، لكنها سليمة... أعتقد أن السبب يعود لتكثف الرذاذ البحريّ، خاصّة مع الرياح الجنوبية الأخيرة. أومأ برأسه، ثم أغلق الملف ببطء، ورفع نظره إليها كمن يريد أن يقول شيئًا أبعد من سياق العمل. لورينزو، بنبرة أخف، شبه شاردة: أتعلمين، بيارتيس؟ منذ ثلاث سنوات، وأنتِ تحملين هذا المكان كما لو كان ابنكِ... لكني أخشى عليكِ من أن تذوبي فيه حتى لا تعودي ترين نفسك. بياتريس، تضحك بلطف: وهل تظنني شمعًا؟ أنا أزرع لأتجلّى، لا لأذوب. سكت لورينزو، ثم ابتسم ابتسامة صغيرة، فيها مزيج من الإعجاب والحذر. ناولها ورقة مطوية: ـهذا خطاب توصيةٍ منّي... إن أردتِ التقدّم لفرصة التدريب في توسكانا. أعتقد أنكِ نضجتِ بما يكفي لحدائقٍ أكبر من هذه. وقفت "بياتريس" لحظةً، بين يدها الورقة، وعيناها تغيم فيها مسافة من الصمت. بياتريس، بصوت متردد قليلاً: ـلستُ أدري إن كنتُ مستعدة لترك "فيورينا"... هنا، كلّ شيء يعرفني. حتى الحجارة. لورينزو، يردّ وهو ينهض من كرسيه: لكن هل تعرفين أنتِ نفسكِ؟ أحيانًا، لا تُولد الجذور إلا إذا اقتُلعتْ أولًا. لم تُجب. فقط نظرت إلى النافذة، حيث الغروب استحال الآن إلى لُجينٍ داكن، والبحر في الأفق يبتلع آخر شرارات الضوء كما يبتلع السرّ أفواه العشّاق. طوت الورقة ببطء، وضعتها في حقيبتها الجلدية السوداء، وأومأت له بإيماءة صغيرة، ثم استدارت خارجة، دون أن تُغلق الباب تمامًا خلفها. كأنّها تُبقي للاحتمال متّسعًا... أو للحنين منفذًا صغيرًا ليتسلّل منه. تركت بياتريس حديقة Giardino dell'Onda Alta كما يترك المرء مقطوعة موسيقية معلّقة في وترها الأخير، خطواتها على الرصيف المبلّل بدموع الغروب، أشبه برقصة هادئة تنسلّ من نايٍ مجنون. الهواء لا يزال مشبعًا برائحة التراب المبتلّ والطحالب المبعثرة على حوافّ النوافير، والضوء الأخير يتكئ على الجدران كعجوز تعب من الحكايات. رفعت رأسها إلى السماء، الشمس تودّع الأفق بأسنان من ذهب مغسول بالمرارة. بدا الغروب كأنّه تجاعيد ملوّنة على وجه إلهٍ يوشك أن يبكي. تمتمت لنفسها وهي تُعدل حزام حقيبتها الجلديّة: «هذا المساء يشبهني... مُشبعٌ بالصمت واللون والاشتعال البطيء.» ابتسمت لنفسها، تلك الابتسامة التي لا يراها سواها، حيث يتجمّع الحنين في زاوية الشفتين ولا يغادر. شعرت لوهلة أن كل شيء على ما يرام... أن الساعة المعلّقة في مكتب مدير الحديقة لم تخذلها حين أعلنت السادسة مساءً، وأنها قامت بواجبها نحو كل زهرة وكل ظلال عاشقة في المشتل. واصلت سيرها خارج البوابة الخلفية للحديقة، مارّةً تحت القوس العتيق المحفور عليه عبارة لاتينية غامضة: "In tenebris, florebit anima." "في الظلمات، ستزهر الروح." همست مبتسمة: «بل ستزهر فقط إذا سُقيت بحنان....» أغمضت عينيها قليلًا، تنشّقت عبق الياسمين المنثور على السور الحجري، وأكملت طريقها المتّجه إلى الزقاق الجانبي المؤدي نحو منزلها. كانت تحدّث نفسها بصوت خافت، كأنها تعقد مؤتمرًا سريًّا داخل قلبها: «هل أخبر المدير غدًا بفكرتي عن الزهور الليلية؟ ربما يسخر كعادته... لكن ماذا لو وافق؟ سأجعل الزوّار يرون الحديقة حتى بعد المغيب...» «متى آخر مرة كتبت فيها؟ لمَ لا أدوّن كل هذا الجمال؟» «وربما... فقط ربما... عليّ التفكير جديًّا بالسفر إلى البندقية. زيارة قصيرة، لا أكثر. شيء لتغيير الرتابة.» ثم توقفت فجأة، حين وصلت إلى أول الحي المتقاطع مع الزقاق المعروف بـ Vicolo dei Ciclopi. ألقى الظلّ الطويل للمبنى المجاور بثقله فوق الرصيف، والهواء هناك كان أثقل، وكأنّه يحمل في أكمامه قصّة لم تُروَ بعد. قالت لنفسها: «غريب... لم تكن الرائحة هنا دائمًا هكذا... كأن الهواء فُرِكَ بمعدن صدئ.» ثم جاء الصوت. صوت رجوليّ مكسور، تائه في الحنجرة، كأنّه صدى دعاء تائه خرج من جسدٍ مثقوبٍ بالخوف: «دومينيك... لا... بالله عليك... لقد انتهيتُ من كل شيء...» اتسعت عيناها، توقفت أنفاسها لوهلة. تراجعت نصف خطوة. ثم استجمعت شجاعتها، وتمتمت: «هل أتخيّل؟ لا... لا يمكن...» اقتربت بخطوات محسوبة من الزاوية، حيث تفتح بوابة معدنية صغيرة تؤدي إلى قبوٍ غير مأهول. الباب نصف مفتوح، يُصدر أزيزًا خافتًا وكأنّه يئنّ هو الآخر. كان الصوت من الداخل، صوت رجل يتوسّل، يبكي، يتمزّق بالكلمات: «أخبره فقط... أنني لم أعد كما كنت... أنني لم أعد ذلك الحيوان... أن صوفيا ماتت، وأنني أعيش منذ سنوات تحت جلد العار...» كانت بياتريس تصغي، مبهورة، مشدوهة، متيبّسة. كأنّ الزمن ألقى عليها طلسمًا قديماً من طينٍ ودهشة. حدّثت نفسها: «دومينيك؟ من هذا؟ هل هذا... اسم؟ أم لقب؟» «هل يجب أن أهرب؟ هل عليّ أن أُبلغ الشرطة؟ لكنني لم أرَ شيئًا... فقط سمعت... ربما لا شيء هنا...» «لكن صوته... إنه لا يكذب... إنه رجل يُجَزّ بأسنانه.» أزاحت طرف السترة عن كتفها، تشعر بأن الهواء يلسع جلدها، ليس بردًا، بل إنذارًا. وعادت تسمع الصوت: «افعلوا بي ما شئتم... فقط دعوني أراه مرّةً قبل النهاية... دومينيك... لقد كنتَ أخي قبل أن نُصبح ذئابًا...» ارتجف جسدها كأن أحدهم لمس عمودها الفقري بعظمٍ بارد.. «دومينيك... من فضلك... لا تفعلها... لقد خُدعتُ... لا أعرف شيئًا عن الملف... أقسم بشرف الموتى، أقسم!» الصوت المتهالك لـ "روبرتو" كان كأنينِ حجرٍ يُطحن ببطء تحت عجلة. لكن دومينيك لم يكن من أولئك الذين يتزحزحون بقسم. ولا يرقّ قلبه لبكاء رجلٍ نكث عهدًا مقدّسًا. كان واقفًا، كأنّ قدميه جذور، وسيفه — لا، ليس سيفًا — بل شفرة طويلة نحيلة، تُشبه لسان الموت، في يده. شفرة تُشعّ بلونٍ بارد، قادمٍ من قارةٍ لم تُكتشف بعد. نظر إلى روبرتو، لا بعينين، بل بجمرتين، كأنهما تطلان من فوهة جحيمٍ خاص. «روبرتو...» قال، صوته كخريرٍ في سردابٍ مهجور، «حين تُخون دم الأخوّة، لا يبقى لك في هذه الحياة إلّا موتٌ بطيء. أنا لا أقتل لأني أكرهك... أقتلك لأنّي أحبّ القواعد.» بياتريس كانت ترقب، وصدرها يُمزّق القفص شيئًا فشيئًا. أرادت أن تصرخ. أن تفرّ لكنّ لسانها تحجّر، وقلبها اعتُقل. ثم... انغرزت الشفرة. ببطءٍ، كأنها تُمارس طقسًا طقوسيًّا قديمًا. صدر روبرتو انفجر بحركةٍ خافتة، لا صراخ، فقط نفَسٌ أخيرٌ طويل، كأنّه يُسلم ذاته للعدم. ثم سقط. ارتطم بالأرض، لا كما يسقط جسد، بل كما تنهار مملكة. الدم تسرّب تحت أوراق الحديقة اليابسة، واتخذ شكل وردة حمراء، كبيرة، كأنّها خُتمَت باسمه. ودومينيك... لم يتراجع. وقف لدقيقةٍ كاملةٍ ينظر إلى الجسد، ثم انحنى ببطء، أخرج من جيبه شيئًا صغيرًا، قطعة ورق، طواها ووضعها في فم الضحية. بياتريس لم ترَ ما كُتب عليها، لكنها علمت: كانت تلك "رسالة". ربما اعتراف، ربما تحذير، ربما مجرّد توقيعٍ من قاتلٍ فخم. ثم، بصمتٍ مهيب، التفت دومينيك، واتّجه نحو مخرج الحديقة الآخر. ** بياتريس بقيت جاثية في مكانها. كل شيءٍ فيها قد انقلب. كانت تشعر أنّ العالم لم يعد كما هو. كانت تبكي بلا دموع. عقلها يصرخ. قلبها يصفّر، كأنّه جُوّف من معناه. «لقد رأيتُ... لقد رأيتُ...» تمتمت كمن يُعيد جملةً ليقنع نفسه أنها لم تحدث. لكنّ الأرض قد شربت الدم، والأوراق تشرب الهمس. والعالم الذي كانت تؤمن به... انهار. «آاااه!» صرخت ليلى. كأن شيئًا ما انفجر في صدرها، كأنّ حبلًا سُحِب فجأة من قصبتها الهوائية، فانفتح كل شيء داخليّ فيها دفعةً واحدة: الرعب، الذهول، إنكار الواقع. استدار القاتل ببطء. يده ما زالت تقبض على النصل الدامي، ووجهه... وجهٌ بلا ملامح، سوى عينين داميتين، وشفةٍ تمضغ الجنون. تراجعت خطوة. ثم أخرى. ثم انفجرت ساقاها بالهرب، كما تنطلق الأرنب من فم الثعلب، لكنها لم تكن تعرف إلى أين. ركضت. ركضت وسط الزهور التي كانت في الصباح تعني لها الحياة، والآن صارت تُطعن بها. كل وردةٍ بدت لها كمصيدة، كل عطرٍ صار نَفَسًا خانقًا، وكل شجيرة كأنها تُخفي قفصًا. «اركضي… اركضي… لا تلتفتي!» قال صوتها الداخلي، وهي تتعثر بظلّ شجرة زيتون عملاقة، ساقاها ترتجفان، صدرها يصعد ويهبط كأرجوحة مذعورة، عيناها تتشبّثان بالمجهول، وشفاهها تبتهل دون صوت: "لن أموت....لن أموت..." وفي غمرة الهروب، علِقت يدها بمقبض حقيبتها، فانسحب منها شيء وسقط خلفها دون أن تدري… بطاقتها المهنية، تلك التي طُبع عليها اسمها الكامل بخطٍّ دقيق: "Beatrice D. Fernaro – مهندسة النباتات الزخرفية" سقطت على التراب، وعلى طرفها بقعة دم من الأرض التصقت بها، كأنّ القدر أراد لها أن تترك بصمتها، دون قصد. في زاوية الحديقة العامة، كان يقف دومينيك. مستندًا إلى تمثال رخامي لامرأة تحمل فانوسًا مطفأ. كان يرتدي بذلة داكنة، شعره مبلل من العرق أو من الليل، ويداه في جيبيه. وعيناه… تلك العينان… ليستا بعينَي قاتل، ولا بعينَي منقذ. بل بعينَي حاكمٍ يُراقب فوضى شعبه. تابع ركضها، دقّ قلبه مرة، ثم توقف. لم يُحرّك ساكنًا، لكن الضوء الخافت ارتدّ عن حدقة عينيه كوميض حاد، وكأنه رأى ما لا يُرى. كانت بياتريس في تلك اللحظة، كمن فقد الذاكرة وبقي فقط جسده يتصرّف. قميصها الأبيض تلطّخ بتراب الحديقة، يدها تخمش صدرها، تحاول أن تتنفس فلا تقدر، لسانها ثقيل، وعقلها يرفرف كالحمامة داخل قفص حديدي. صرخت مجددًا، لا لتطلب النجدة، بل لتُفرغ نفسها من الرعب المتراكم فيها. وحين عبرت ممرّ "lanterne cadute"، تعثرت بحافة جدار حجري منخفض، كادت تسقط على وجهها، لكنها تماسكت بآخر رمق. ركضت، وركضت، حتى صارت الحديقة خلفها لا تشبه المكان الذي كانت تحبّه. لم تعلم كم ركضت. لم تعلم كم بُعدًا اجتازت بين لحظة الجريمة ولحظة هروبها. لكنها كانت تعرف شيئًا واحدًا: أنها الآن لم تعد تلك التي كانت عند الغروب. في الزاوية الغربية من الحديقة، عند تمثال المرأة التي تحمل فانوسًا مطفأ، وقف دومينيك. الدم على يده اليسرى لم يجفّ بعد، لكنه أخفى آثار الجريمة كما يُخفى الغيمُ نصل البرق. قميصه تحت البذلة مبلل، لا من العرق… بل من بقعة دمٍ اخترقت وقتًا ما الزمن. عيناه ثابتتان على الفتاة التي كانت تركض كأنها تنسلخ من جسدها. لم يبدُ عليه التعب. لم تترجرج في عينيه ذرة ندم. بل شيء آخر... نظرة تعود لرجلٍ فعل ما يجب، رجلٍ أنزل حكمًا، لا طعنة. تأمل ركضها وهي تتعثر وتصرخ، شفاهه تحركت بحروفٍ لم يسمعها أحد. ربما كان يعدُّ الثواني التي سيأخذها الهلع كي ينهش عقلها. وحين اختفت خلف ممر "lanterne cadute"، أدار رأسه ببطء، ومشى. لم يتلفت إلى الجثة، لأنه يعرف موقعها، شكلها، اتساع عينيها وهي تموت. هو من صنع تلك الملامح. لكنّ شيئًا على العشب أوقفه. بطاقة، ملقاة قرب المكان الذي تعثرت فيه بياتريس، كأنّها تركت سِرّها خلفها دون أن تدري. انحنى دومينيك، رفعها بين إصبعيه، ورأى الاسم: بياتريس د. فيرنارو عيناها في الصورة هادئتان، لا علاقة لهما بالرعب الذي غمر وجهها قبل دقائق. تمتم بصوت لا يكاد يُسمع: «بياااتريييس…» ثم صمت. في تلك اللحظة، تغيّر شيء في وجهه، كأن عقله دوّى بخطة جديدة، كأن معرفته باسمها جعل من الجريمة بداية لا نهاية. وضع البطاقة في جيب سترته، ضغط عليها بباطنه كمن يخفي وريقته الرابحة. ثم مشى مبتعدًا عن الجريمة التي تركها، وكأن كل شيء فيها قد كُتب من قبله، حتى صراخها. وترك خلفه حديقة، ودمًا، وتمثالًا لا يشهد، لكنّه لا ينسى. الطرقات التي اعتادت أن تُسلِمَ لها خُطاها، غدت الآن مقلوبة الروح، كأنّها مرسومة بريشة رسّام أعمى لا يُبصر إلّا خياله. عتمةٌ لا تنبع من الظلمة، بل من خواءٍ ينخر في الهواء نفسه. كل شيء حولها يشبه الشيء ولا يكونه. لم تكن تمشي... بل تُجرّ، كأن الليل قد قبض على طرف ثوبها وجعل يسحبها رويدًا، كجثةٍ تُسحب في جنازة صامتة. الهواء كان يمرّ على وجهها، باردًا لا ينعش، بل كأنّه نَفَسُ ميّتٍ يُلهبُ عنقها بأنفاسٍ مسمومة. الأرصفة امتدّت أمامها كألسنةٍ من حجر، تُوشك أن تلعقَ أثر قدميها، لا حبًّا بل شهوةً للندم. قدماها تخونانها، وكلّ خطوةٍ منها تقول: "عودي" هناك، في مكانٍ ما خلفها، دمٌ لم ينشف، ونظرة لم تُغلق، وصوت لم يُطلق. كانت تحاول ألا تفكّر، لكنّ عقلها تمرّد. فالعقل حين يخاف، لا يصغي. عينا ذلك الفتى... المتسعتان، الباقيتان، المُفجوعتان، تومضان في رأسها كالبرق في ليلٍ غابر. تُفتحان، تُغلقان، ثم تُفتحان... وتبقيان، وصوتٌ في داخلها يصرخ، لكنها لا تمنحه فمًا. كان في قدرتها أن تجري، لكنها خافت أن يبدو الهروبُ اعترافًا. وكان في وسعها أن تصرخ، لكنها خافت أن يُجابَه صوتها بأسئلةٍ تُجلد بها. فاختارت الصمت، ذاك الثوب الأسود الفضفاض، الذي يُخفي كلّ شيء، ولا يُدفئ شيئًا. ** حين وصلت إلى الزاوية التي تفضي إلى حارتها، رأت عمود الكهرباء الذي طالما استندت إليه بانتظار والدها، لكنّه بدا اليوم كشاهد قبرٍ، أو كحارسٍ أخرس على بوابة حتف. ابتلعت أنفاسها كما يُبتلع الحُزن، ورفعت رأسها كمن يتحدّى الطعنة. همست بين شفتيها كمن يُرقي نفسه من كابوس: — "لا شيء... لا شيء قد حدث..." كررتها مرارًا، كأنّ التكرار يُحيل الذكرى إلى نسيان، وكأنّ الكلمات، إن لبستها المِعطف الكافي، يمكنها أن تُضلّل قلبها. ** وقفت أمام باب المنزل، كان أشبه ببوّابة عالمٍ لا ينتمي إليه ما رأته الليلة. أدخلت المفتاح بصعوبة، يدها ما تزال ترتجف، رغم أنها خبّأتها طوال الطريق في جيب معطفها، كأنها تُخفي الدليل. حين فُتح الباب، تنفّس الخشب صوتَه المُتداعي، واستقبلها ضوءٌ أصفر قديم من مصباحٍ يتدلّى كجُرحٍ لم يُخَط. في الداخل... كل شيء كان كما تركته، الكنبة المُهترئة، الساعة التي لا تُخبر بالوقت بل تُذكّرك بأنه يمر، ورائحة الكزبرة اليابسة التي تسللت من المطبخ كذكرى قديمة لا تموت. سمعت صوت والدها ينادي: "بياتريس؟ عدتِ؟" ردّت بسرعة، كمن يسبق الحقيقة: — "نعم... قررت العودة قبل أن يزدحم الليل." ظهر والدها من خلف الباب، بملابس نومه، عيناه نصف مغمضتين، وفي يده منشفة بها بقايا لهب وموقد. — "لم تخبريني بنيّتي بالعودتك." قالت وهي تخلع معطفها، كمن يخلع همًّا لا يسقط: — "لم أخطط لذلك... لكن بيت صديقتي كان خانقًا. اشتقت إلى سريري." ابتسم وأشار بيده إلى المطبخ: — "كنت أعدّ شيئًا خفيفًا... شاي بالنعناع؟ أم تفضلين الزعتر؟" اقتربت منه، وابتسمت ابتسامة لا تملك إلا نصفها: — "أيّ شيء... فقط دعني أساعدك." كانت تريده أن يتكلم... أن يُكثر من الحديث، أن يُغرقها في التفاصيل، لأنّ في الفراغ كلمة، وفي الكلمة احتمال البكاء، وفي البكاء انكشافٌ قد لا يُصلَح. ** في المطبخ، وقفت بجانبه. تناولت حزمة البقدونس، وراحت تُقطّعها. شفرة السكين حكّت اللوح الخشبي كأنّها تنحت اسمًا على قبر. قال والدها بعد صمتٍ قصير: — "كنت أفكّر بالسفر... أسبوع فقط، أزور خالك، أسترجع شيئًا من هواءٍ افتقدته." أومأت برأسها، دون أن تلتفت: — "فكرة جيدة. البيت بحاجةٍ إلى قليل من الفراغ، أحيانًا." ضحك، ضحكة رجلٍ أدمن خفة الظل، لكن الليلة... بدت ضحكته كصوت حجر يسقط في بئر. ** جلسا لتناول العشاء، لكنها لم تشعر بشيء. كل لقمة كانت تمر في فمها كأنها حفنة من رماد. والشاي... دافئ، لكنّه لم يلامس شيئًا في داخلها. ** حين انسحب والدها إلى غرفته، أوصاها ألا تسهر، ثم أغلق النور، وترك خلفه رائحة النعاس. أما هي، فبقيت وحدها. جلست في الصالة، الضوء خافت، وصوت عقارب الساعة يشقّ الصمت طعنةً بعد طعنة. كانت على وشك الانفجار، لكنها لم تفعل. قامت، جمعت الصحون، وغسلتها، ثم نظّفت الرخام، وأعادت ترتيب الكراسي، كأنّها تُنظّف دمًا لا يُرى، أو تُمحّي أثر الذعر من جلد المكان. ** قُرع الباب. ارتعد قلبها، لكنها سمعت الصوت: — "بياتريس؟ افتحي، نحن!" كانوا أصدقاءها، أربع وجوه ضاحكة، يحملون أكياسًا فيها فشار، ومشروبات، ووسائد. — "فاجأناكي، اليس كذالك؟"— فتحت الباب ،ابتسمت. دخلوا دفعةً واحدة، ضاحكين، بأقدامٍ لم تُدرك بعد أنها تطأ أرضًا تئنّ من ذكرى طريّة. كانت وجوههم تحمل من العفويّة أكثر مما تحتمل جروحها الصامتة. تقدّمت جولييتّا، تخلع حذاءها وتخطو نحوها كمن يُحاول أن يمشي على حافة دمعة: — "كفى يا بياتريس، الحزن كالأفيون... يُخدّر ثم يخنق. هلمّي بنا، نخرج قليلًا. نستنشق شيئًا غير الذكرى." هزّت بياتريس رأسها، بصوت خافت كأنها ترفض حتى الرفض: — "لا... أشعر بالإرهاق. سأبقى." لكن كليو، من خلفها، لوّح بمفتاح السيارة كما لو أنه يحمل راية الانعتاق: "السيارة في الخدمة، والموسيقى جاهزة، وإيزابيلا أحضرت آيس كريم بالفستق الحلبي! بالله عليكِ، لا تُحطّمي هذه الخطة السماوية." قهقهت إيزابيلا وهي تلوّح بكيس المثلجات: — "رفضك الآن... يُعتبر خيانة مدنية في عرفنا!" رفعت بياتريس عينيها إليهم، رأت فيهم أملًا لا تدري هل هو حيّ أم منتحر. تُريد أن ترفض، نعم... لكن في الرفض صراع أشدّ من القبول أحيانًا. تنهدت واستسلمت: "خمس دقائق... أبدّل ثيابي فقط." تهلل وجوههم، وصفّق كليو كما لو أنّه كسب جولته الأخيرة في شطرنج الحياة، لكنهم ما دروا أنهم اقتادوا امرأة من على حافة هوّة، إلى هاويةٍ أعمق. خمس دقائق مضت. خرجت إليهم مرتدية كنزة رمادية وسروال جينز، ولفّت على جسدها سترة سميكة، كأنها تحاول أن تتمنطق ضد صقيعٍ لا يأتي من الطقس، بل من داخلها. ركبوا السيارة. إيزابيلا جلست إلى جانب كليو في الأمام، فيما التصقت جولييتا بـ بياتريس في الخلف، كمن يُريد أن يحميها من التبعثر. وما إن استدار المفتاح في المحرّك، حتى دوّت الأغنية الإيطالية: "Sarà perché ti amo..." "È un'emozione che cresce piano piano..." رفّت عينا بياتريس، كأن النغمة سحبتها من زمنها، وألقت بها في ذاكرة لا تملكها. ذكرياتٌ ليست لها، لكنّها شعرت أنها كانت ينبغي أن تكون. حياةٌ تُفترض، ولم تأتِ. ضحكت إيزابيلا وهي تقلّد الكلمات بطبقة صوت نشاز: — "Che cosa c'è di più normale…" صفّر كليو وقال بحماس: — "هذه النغمة يجب أن تُمنح وسام الدولة الإيطالية... نشيد الحب العالمي بلا منازع!" ضحكت جولييتّا وقالت ساخرة: — "أو نشيد الندم... كلٌ يغنّي على ليلاه." ضحك الجميع، أما بياتريس، فضحكت معهم، لكنّ ضحكتها كانت مثل قطرة مطر على رماد... لا تُنعش، ولا تُطفئ. ** مرت السيارة بين أزقّة المدينة، الأنوار تنسدل على زجاج النوافذ مثل أطيافٍ شاحبة، كأنّ الشوارع نفسها تنام، ولكن الحزن لا ينام. في داخل بياتريس، كان هناك شيء يركض، شيء يشبه حصانًا مذعورًا في ميدان مغلق. نظرت عبر النافذة. المدينة لم تكن كعادتها. أو لعلّها، هي، التي لم تعد كما كانت. والأغنية تواصل خيانتها للواقع: "E vola vola si va..." "Sempre più in alto si va..." أغمضت عينيها لحظة، وتمتمت في سرّها: — "نعم... نعلو، نعلو، حتى نسقط من ارتفاعٍ وهمي." ** لا ينتهي." ساد الصمت، حتى كأن الزمن نفسه توقّف. ثم قال كليو محاولًا تخفيف الأجواء: — "لو زُرنا مدينة الآن... ما أول مدينة ترغبين برؤيتها، بياتريس؟" أجابت، ولأول مرة عيناها تبتسمان: — "فلورنسا... فيها حدائق تذكّرني أن الحياة يمكن أن تنبت حتى بعد الحريق." ضحكت إيزابيلا وقالت: — "طبعًا! أنتي عندك ميول نباتيي! يمكن تزوجين شجرة قبل ما تجدين حب حقيقي." كانت عقارب الساعة تقترب من العاشرة حين توقفت السيارة قرب حديقة عامة تقع على أطراف المدينة. أضواؤها باهتة، لكن كافية لترى فيها الأرصفة الملفوفة بالأشجار، والمقاعد الخشبية القديمة، ومساحة عشبية في المنتصف، كأنها قلب ينبض بالسكينة في صدر الليل. ترجّلوا تباعًا، ضحكاتهم تتطاير مثل فقاعات صابون ملونة، لا تدوم إلا لحظة... لكنها تكفي لإخفاء ما لا يُقال. قال كليو وهو يشير إلى الرقعة العشبية: — "هنا مناسب! هيا، افردوا البطانية. جولييتا أخرجت بطانية مقلمة، فرشتها بخفة، وجلست وسطها كملكة صغيرة، بينما ايزابيلا وكليو ركضوا إلى العربة الصغيرة لشراء البيتزا والمشروبات الغازية. بياتريس جلست بتردد، ضمّت ركبتيها إليها، كأنها تتكئ على نفسها، تُسند قلبًا ما عاد يقوى وحده. عادت ايزابيلا أولًا، تحمل في يدها كرتونة بيتزا تفوح منها رائحة الجبن الذائب والريحان، وقالت مازحة: — "إيطاليا أهدتنا مزاجها الليلة... بيتزا وأغاني، لم يبقَ إلا أن نغني أوبرا." ضحكوا، وجلست جولييتا تفتح العلبة وتقول: — "قسّموها بالعدل. أنا أكلتي صغيرة، لكن عيناي مفجوعتان." بياتريسأخذت قطعة صغيرة، راقبت البخار المتصاعد منها، ** بعد الأكل، تمدّد كليو على العشب وقال: — "ماذا عن لعبة؟ جرأة أم حقيقة؟" جولييتا صاحت فورًا: — "أنا أول واحدة! اختبروني إن استطعتم!" نظر إليها كليو بخبث: — "جرأة أم حقيقة؟" — "جرأة، طبعًا." ابتسم بمكر، ثم قال: — "اذهبي واقطفي وردة من الشجيرة هناك... لكن يجب أن تركضي وتغني بأعلى صوت: 'أنا جولييتا... وردة الحب الإيطالية!'" انفجروا ضحكًا، بينما ركضت جوليا بالفعل، بثقة مسرحية، وغنّت وهي تنتزع الوردة بشقاوة طفلة لا تخاف شيئًا. قالت ايزابيلا: — "دوري... جرأة." أجابها كليو: — "اعترفي لنا... كم مرة تصنّعتِ الفهم في محادثة، بينما كنتِ تائهة تمامًا؟" ضحكت ايزابيلاوقالت: — "بصراحة؟ كثيرًا جدًا... حتى الآن، لا أفهم لما ذا نضحك." ** حين وصل الدور إلى بياتريس، خفّ الضحك فجأة. الجميع حدّق بها بلطفٍ مترقب. قال كليو بنبرة أخفّ من النسيم: — "جرأة أم حقيقة، يابياتريس؟" رمشت، كأن الجواب عالق في جفنها، ثم قالت بصوت خفيض: — "حقيقة." جولييتا سألت دون تفكير: — "هل أحببتِ أحدًا من قبل؟" سكتَ الجو. حتى الأشجار بدت كأنها تحبس أوراقها خشيةَ الصوت. ابتسمت بياتريس، ابتسامة مرتعشة، وقالت: — "ليس الآن... ليس بعد." ضحكوا، لكنها ضحكت كمن يبتسم أمام مرآةٍ مكسورة... ضحكة من زجاج شفاف، لا يظهر ما خلفها لكنه ينكسر إن نُظر إليه طويلًا. ** استمرت التحديات، بعضها طفولي، وبعضها أكثر جرأة: – كليو طُلِب منه أن يرقص رقصة غريبة أمام تمثال نافورة قديم. – جولييتا أجرت مكالمة عشوائية وقالت للشخص على الطرف الآخر: "أنا أحبك، حتى لو لا أعرفك." – ايزابيلا مشت على الحافة الدائرية للنافورة، كأنها تمشي على وترٍ مشدود. – بياتريس طُلِب منها أن تغني مقطعًا من أغنية تحبها. تنفست بعمق، ثم همست: — "Sarà perché ti amo… E il mondo mi sembra più bello..." غنّتها بخفوت، وصوتها ارتجف كجناح عصفور ابتلّ بالمطر. كانت الأغنية جرأتها الوحيدة... ونافذتها على ما لا يمكن أن يُقال. ** بعد قليل، تمددوا جميعًا على البطانية. البيتزا التهمها الوقت، والمشروبات تفرغت، والليل أخذ يبتلع دقائقهم رويدًا. قالت جوليتا وهي تحدق في السماء: — "انظروا إلى النجوم... كأنها ثقوب في لحاف الليل، يتسرّب منها نور قديم." قالت بياتريس، تنظر إليها بعينين نصف مغمضتين: — "وأحيانًا... أشعر أنها عيون من رحلوا، تراقبنا بصمت." قالت ايزابيلا مبتسمة: — "أنتِ شاعرة حقيقية... كل كلمة منك لها صدى." ضحكت بياتريس، وقالت: — "ربما لأن الحزن... لا يصمت داخلي." كان الوقت يلامس منتصف الليل حين وقفت أمام باب منزلها. خفتت ضحكات أصدقائها مع صوت محرك السيارة الذي ابتلع المسافة، وابتلع معها بعض الدفء. أدخلت المفتاح ببطء، التفتت خلفها مرة، لا أحد. الهدوء ينزّ من جدران الشارع كعسل ثقيل، لكن في عمق روحها... كانت هناك ضوضاء لا تُسمع. دخلت. الرواق مظلم، عطر الياسمين يتسلل من الحديقة الداخلية، وضوء المصباح الصغير يرتجف على الطاولة كقلب عجوز. نزعت حذاءها، مشَت بخفّة. لا صوت سوى صرير الخطوات على الأرض الباردة. توقفت لحظة عند المرآة... رأت وجهها. لكن لوهلة… بدا لها أن ملامحها تتحرّك. كأن ظلًا آخر يسكن خلف عينيها، يحدّق بها، لا منها. هزّت رأسها، خافت من التفكير. "تعب فقط، تعب يا بياتريس..." قالتلها داخلها. صعدت إلى غرفتها، استبدلت ثيابها ببيجاما قطنية ناعمة، غسلت وجهها، ثم ارتمت على السرير كغريق يعود إلى اليابسة. أغمضت عينيها... وبدأ الكابوس.--- في البداية، كان كل شيء أبيض. أرض بيضاء. سماء بيضاء. حتى جسدها بدا كتمثال من رماد. ثم... صرخة. شقّت الصرخة السماء، وظهر من بعيد ظل فتاة تهرول، شعرها مبلول بالدم، فمها مفتوح كهاوية، وصوتها يخرج دون هواء. بياتريس حاولت أن تصرخ: "انتبهي!" لكن صوتها كان محبوسًا في صدرها، كجناح مكسر. ثم... جاء هو. الرجل. ذلك الذي رأته خلف الشجيرة. لكن وجهه في الحلم لم يكن واضحًا، كلما حاولت التركيز، تبدّدت ملامحه كدخان في الماء، لكن عيناه… آه، عيناه. كانتا مثل بركتي جليد في صيف متوحّش، باردتين… أكثر مما يحتمل عقلها. اقترب منها، وفي يده سكين لا تلمع، بل تنزف. نعم… السكين تنزف، وكأنها حية، كأنها تعرف الجريمة، وتبكيها. اقترب أكثر. هي تتراجع، قدماها لا تلمسان الأرض، كأنها تطفو في فراغ لا نهاية له. ثم تحدث. لكن صوته لم يكن صوت إنسان، كان مثل احتكاك الحديد بالزجاج، كصوت قبور تُفتَح. قال: — "أنتِ رأيتِ ما لا يجب أن يُرى..." حاولت أن تصرخ. لكن فمها امتلأ بالزهور. نعم، زهور! أقحوان، ياسمين، ونرجس… كانت تخرج من فمها كأنها لعنة ناعمة. كلما أرادت أن تقول: "اتركني!" خرجت وردة. وكل وردة… كانت مغروسة في قلب. ** ثم تغير المشهد. فجأة، هي في نفس الحديقة. ليل. هواء ثقيل. لكن كل الأصدقاء موتى. جولييتا، ايزابيلا، كليو… يضحكون. نعم، يضحكون وهم جثث. دموعهم من دم، وأصابعهم تشير إليها. ثم صوت، ليس منه، بل من نفسها، يهمس: — "أنتِ السبب. أنتِ وحدكِ." فجأة، عاد الرجل. لكن هذه المرة، جلس قربها على الأرجوحة. قال: — "بياترس… هل تعرفين ما هو أجمل من القتل؟" صمتت، قلبها يطرق مثل مطرقة نجار في جنازة. ابتسم وقال: — "الخوف… الخوف أطول عمرًا من أي موت." مدّ يده نحوها، أراد أن يمسك عنقها، اقترب… لكن حين لامسها… استيقظت. ** استيقظت وهي تلهث. الوسادة مبلّلة، جبينها يغلي. قلبها يقرع في صدرها كما تقرع الطبول في موكب جنائزي. جلست على طرف السرير، وضعت كفها على فمها. ما زالت تشعر بطعم الأقحوان. نظرت إلى النافذة… كان الفجر ينسلّ ببطء خلف الزجاج. صوت طائرٍ غريب غنّى لحنًا لا يُفهم. مرّت لحظة… ثم همست: — "ما الذي يحدث لي؟" لكن لا إجابة. فقط صمت كثيف... وصوت قلبها، كأنه يحفر في جدار الزمن. . --- 7:30 كان الضوء يزحف عبر الستارة الخفيفة كزائر ثقيل الظل. تلوّن خيوط الشمس الباهتة سقف الغرفة بدرجات العاج، لكنها لم تكن دافئة، بل كانت كأنها أصابع باردة تفتح عينيها عنوة. تقلّبت ليلى في سريرها، شعرها منكوش كعش طائر هجره النوم، وثوب نومها ملتصق بجلدها كما لو كانت نائمة في عرقها. رفعت رأسها بصعوبة، جسدها كأنه مغموس في رمل. — "صباح؟" قالتها كأنها تتذوق الكلمة لأول مرة. تحسست عنقها، لا أثر ليدٍ ضغطت عليه، لكن الألم… حاضر. أخرجت قدميها من تحت الغطاء، البرد لدغ كعبيها، كأن الأرض ترفض استقبالها. خطت نحو الحمام ببطء، خطوة... تتبعها خطوة كأنها تخشى أن ينفجر الحلم تحت قدميها. نظرت في المرآة. وجهها؟ شاحب. عيناها؟ أشبه ببقعتين من الفحم الغارق في الحليب. اقتربت أكثر. همست: — "أنا بخير...؟" لكن المرآة لا تجيد المجاملة، ولا تعرف الكذب. تنهّدت، فتحت الماء، جعلته بارداً عن قصد، كأنها تطلب الصفعة من الطبيعة ذاتها. غسلت وجهها مرارًا، ثم جففته بمنشفة بيضاء ناصعة... وصارت رمادية بعد أول مسحة. ** جلست أمام خزانة ملابسها. نظرت إلى التنسيقات المعلّقة: البيج؟ كلا، يبدو خائفًا. الأسود؟ لا، يثير الذكريات. الأخضر؟ ربما. أخذت بنطالًا زيتوني اللون، وقميصًا أبيض بأزرار صغيرة لؤلؤية. ارتدت ملابسها بهدوء، حركة بعد أخرى، كأنها تلملم شظاياها. ** جلست أمام طاولة الزينة. وضعت بعضًا من خافي العيوب تحت عينيها، لكن كل ضغطة كانت كأنها محاولة لتغطية جرح… لا كدمة. مرّ طيف الحلم في ذهنها فجأة: السكين التي تبكي، الزهور التي تخرج من فمها… ارتجفت يدها. أسقطت قلم الكحل على الأرض، فانكسر. حدّقت فيه مطولاً، ثم تمتمت: — "هشّة... مثلي." ** فتحت النافذة. الهواء الصباحي داعب وجهها، لكنه لم يكن عليلاً، كان يحمل في طيّاته طعم الصدأ. كأن المدينة كلها تشيخ. من بعيد سمعت صوت بائع الخبز ينادي، وعصافير تتشاجر على فتات. كل شيء… كالمعتاد. وهي؟ كأنها شُطِبت من قائمة الطبيعي. ** في المطبخ، سكبت القهوة في كوب خزفي عليه نقش لاتيني باهت: "Omnia vincit amor" (الحب ينتصر على كل شيء). ضحكت بسخرية، شربت جرعة، ثم شهقت من مرارتها. ربما هذا ما تحتاجه. مرارة تذكرها أنها ما زالت حيّة. ** جلست على الأريكة، وضعت الكوب على الطاولة، حدّقت في اللاشيء. كان عقلها يلهث، يذكّرها بكل تفصيلة: الدم على أوراق الزنبق. صرخة لم يُنقذها أحد. عينان مثل ثقبين أسودين يسحبان الضوء. والرجل... ذلك الذي يراقب بصمت، بارد كتمثال، ثابت كلعنة. ** رنّ هاتفها. رسالة من المدير. "ليلى، موعد الاجتماع الساعة 10. لا تتأخري." أجابت دون أن تفكر: "حسنًا، في الطريق." لكن في نفسها؟ كانت تهمس: — "أي طريق؟ أنا تائهة." ** وقفت، حملت حقيبتها، وقفت أمام الباب، يدها على المقبض. ترددت. كأن وراء الباب عالمًا آخر، أو فخًا أكبر من كابوس. لكنها فتحته. وخرجت. ** الشمس الآن أوضح، الضوء أكثر حدة. لكن ظلّ الخوف… يمشي خلفها. ** دخلت حديقة المكتب وكأن الأرض تئن تحت قدميها. كل نبتةٍ عرفتها من قبل، كل شجرةٍ ساهمت في تنسيقها، كل زهرةٍ اعتادت أن ترحّب بها... بدت صامتة، متوترة، كأنها تراقبها دون ترحيب. صوت خطواتها فوق الحصى الأبيض كان أوضح من المعتاد. كأن الهدوء قرّر أن يجلدها بصوت كل خطوة. حقيبتها تتدلّى على كتفها، ثقيلة، كأن بها حجارة لا أوراق عمل. ** وقفت أمام باب المبنى الزجاجي، انعكاسها واجهها مرة أخرى. وجه بلا لون، عينان تقاومان الدمع، وشفتان مطبقتان كأن خلفهما صراخًا يُخنق. تنفّست بعمق، رفعت ذقنها قليلًا، ودفعت الباب. ** كان الاستقبال هادئًا كما كل صباح. السكرتيرة تبتسم، تكتب شيئًا. أحد الزملاء يمرّ حاملًا مخططات، يلقي التحية. بياتريس أجابت، لكن بصوت خافت، كأنه ظلّ التحية، لا صوتها الحقيقي. ** صعدت إلى الطابق الثاني. كل درج كان كأنه يحمل فوقه ذكرى ثقيلة. وصلت إلى مكتبها. ألقت الحقيبة على الكرسي، جلست ببطء. أخرجت ملفات خطة الري الجديدة، فتحتها، لكن الأرقام ترقص، والسطور تذوب. أغمضت عينيها، ضغطت على صدغيها، همست: — "تركيز، بياتريس، تركيز…" ** — "بياتريس؟" صوت مألوف، عميق، حاد كالسطر الأخير في تقرير. التفتت. كان المدير يقف عند الباب، وجهه دائمًا هادئ، لكنه اليوم… يشبه السماء قبل العاصفة. دخل ببطء، اقترب منها، قال بلطف غير معتاد: — "هل أنت بخير؟" ابتسمت. ابتسامة مصطنعة مثل قناع مسرحي باهت. قالت: — "ليلة أرق فقط… سأكون بخير." تأمل وجهها طويلًا. رأى الهالات تحت عينيها، ارتجاف يدها على الملف، وتلك النظرة التي لا تستقر على شيء. قال بصوت منخفض: — "بياتريس ، خذي إجازة." رفعت رأسها، كادت تقول: "لا، لا حاجة" لكن شيء في صوته… في نبرته… جعل الاعتراض يبدو غبيًا. تابع وهو يفتح درج مكتبه: — "يومين. بلا نقاش. أحيانا نحتاج للراحة حتى نُعيد ترتيب كل شيء… في الداخل." صمتت. ثم همست: — "شكرًا... حقًا." جلست "بياتريس" في المقعد الخلفي للسيارة الأجرة، وضعت حقيبتها على حجرها، ضمّتها كأنها درع، كأن فيها مفاتيح النجاة أو بقايا أمان قديم. السائق، رجل في الخمسين ربما، ذو ملامح جنوبية، أطلق صوت الراديو... أغنية شعبية قديمة، لكنها لم تسمع منها سوى الضوضاء، كل شيء في أذنها صار مشوشًا. ** كانت النافذة بجانبها تفتح على شوارع المدينة، شوارع تعرفها، لكن اليوم... بدت غريبة، موحشة، كأنها تُغلق عليها لا تُوصلها. كل سيارة تمر، كل شبح ظلّ خلف عمود، كل دراجة، تبدو مشبوهة... تبدو خطرًا. ** همست لنفسها: — "اهدئي... مجرد توتر... فقط توتر." مدّت يدها نحو قفل النافذة، أغلقته. ثم نظرت إلى السائق: — "كم تبقّى لنصل؟" أجاب دون أن يلتفت: — "دقائق، لسنا بعيدين يا آنسة." لكن شيئًا ما... في نبرته، في لفظه لـ"يا آنسة"، جعل ظهرها يقشعرّ. ** التفتت إلى الطريق أمامها. مفترق طرق ضيق. أشجار كثيفة على الجانبين. "هذا ليس طريق المخفر"، فكرت. قالت بصوت فيه شكّ خفيف: — "هل هذا اختصار؟ لا أذكر هذا الطريق." أجاب، بنبرة باردة: — "أهدئي... ستصلين." تجمّدت أصابعها على الحقيبة. قلبها بدأ يدقّ كطبول قبيلة بدائية. — "أوقف السيارة. الآن." قالتها بلهجة حادة. لكن السائق لم يرد. تابع القيادة... ثم فجأة... توقّف. ** في منتصف زقاق رمادي، حيث لا كاميرات، لا أضواء، لا حياة، كان هناك حجر ضخم يسدّ الطريق. قال وهو يفتح بابه: — "ثانية واحدة فقط، سأُزيحه." ترجّل. بياتريس أمسكت مقبض الباب بجانبها، حاولت فتحه… مغلق. نظرت حولها… وفي اللحظة التالية... فُتح الباب الآخر بجانبها بقوة. ** يد خشنة، باردة كصقيع شتاء توسكانا، كمّمت فمها، شدّتها بقوة للخلف. — "ولا صوت..." همس خلف أذنها، صوت رجولي عميق، غريب... لكن لم يكن السائق. ** دُفعت إلى سيارة سوداء كانت خلفهم، لم تكن قد رأتها، كأنها خرجت من العدم. دُفعت للمقعد الخلفي، وانغلق الباب بقوة، لتجد نفسها محاصرة بين رجلين. واحد على اليسار… ملامح باردة، شعر أسود، عينان مثل ليل لا يرى فيه أحدٌ شيئًا. والآخر أمامها، يُشعل سيجارة بهدوء، وكأن خطف النساء عملٌ إداريّ روتيني. ** — "ماذا تريدون؟!" قالتها بياتريس بصوت مختنق وهي تحاول ألا تبكي. الرجل ذو العيون الباردة نظر إليها لحظة، كأنها عينة نبات نادرة يفحصها، ثم حوّل نظره إلى النافذة وقال بهدوء: — "كل شيء في وقته، آنسة بياتريس." ارتعشت. "يعرف اسمي…" شهقت. ** السيارة بدأت بالتحرك. الطريق خارج المدينة. أضواء الشوارع تتناقص. الليل يزداد سمكًا، وكأن الكون يبتلعها. أمسكت بحقيبتها كأن فيها دعاء. لكن لا دعاء يُسمع اليوم. حتى الله... بدا صامتًا. ثم… تلاشى كل شيء خلف صوت المحرك. السيارة تسير في طرق ترابية متداخلة، لا إشارات، لا لافتات، لا بشر. الظلام متواطئ، يمدّ أصابعه ليخفي كلّ شيء، كأنهم ينقلونها من عالمٍ إلى عالمٍ... من زمنٍ إلى زمن. بياتريس، جالسة في المقعد الخلفي، مربوطة اليدين بخيط بلاستيكي قاسٍ، تجلس صامتة، تحدّق في السقف كأنها تحاول تسلّق أفكارها للهرب. عينها تدمع دون صوت. خيط دمعة واحد، يتدلّى على خدها دون خجل. لا تزيحه. "لماذا أنا؟" "لماذا رأيت تلك جريمة؟" "ما الذي دخلته دون أن أدري؟" ** فجأة، انفتح أمامهم ممر حجري طويل، مُضاء بفوانيس حديدية معلّقة، ضوءها أصفر باهت، مثل ذاكرة قديمة تتنهّد. عند نهاية الممر... كان هناك قصر. ضخم. مهيب. كأنّه اقتُطع من رواية قوطية. جدرانه رمادية مشوبة بالسواد، نوافذه طويلة بلا ستائر، وأشجار السرو تحيط به كأنها جنود موتى. ** توقّفت السيارة. نزل السائق، ثم فُتح بابها. — "نزلي." قالها الرجل الطويل وهو يشير بيده دون أن ينظر إليها. تردّدت. نظر إليها من طرف عينه، فأطاعته قدماها بلا تفكير. ** خطت على أرضية القصر: حجر بارد، لامع، تحت قدميها الحافيتين الآن بعد أن أُجبرت على خلع حذائها في السيارة. كأن الحجر يسحب منها آخر دفء. ** اقتادها رجل بزيّ أنيق داخل القصر، عبَر بها بهوًا فسيحًا يتدلّى منه ثريا ضخمة بأضواء حمراء داكنة، كأنها قطرات دم مُجمّدة في الهواء. ثم عبروا ممرًا طويلاً، صامتًا، إلا من صوت خطواتها ووقع تنفّسها المتسارع. ** وأخيرًا... توقّف أمام بابٍ مزدوج، فتحه برفق. — "تفضلي... هنا ستقيمين." دخلت. الغرفة واسعة. جدرانها رمادية بلون الغيم المريض، تزينها لوحة ضخمة لبحر هائج، سرير ملوكي بغطاء كحليّ، وستائر مخملية داكنة تُغلق على النوافذ، كأن الضوء محظور هنا. ** في الزاوية... وقفت خادمة. صغيرة، سمراء البشرة، ترتدي زيًا بسيطًا لكنه نظيف، نظرت إلى ليلى بعينين فيهما شفقة لا تُقال. — "ستبقين هنا لبعض الوقت." قالت الخادمة بنبرة ناعمة. — "لِم؟ مَن أنتم؟ لماذا خُطِفت؟ أين الشرطة؟ أين أبي؟" سلسلة من الأسئلة، خرجت منها كما يخرج الهواء من رئة مذعورة. لكن الخادمة أجابت بهدوء قاتل: — "أنتِ بخير. فقط... لا ترفعي صوتك، ولا ترفضي شيئًا. وسيكون كل شيء على ما يرام." ثم اقتربت منها، فكت رباط يديها بلطف. — "تفضلي، اغتسلي، ثم تعالي… الطعام سيُقدّم بعد قليل." استدارت، خرجت، أغلقت الباب خلفها، بـ طقطقة واحدة... كأنها أغلقَت السجن. ** ليلى وقفت في منتصف الغرفة. مذهولة. كأن العالم الذي تعرفه لم يعد موجودًا. كأنها طُويت داخل كتاب لا تفهم لغته. تقدّمت نحو النافذة، أزاحت الستارة… لا شيء. سور عالٍ. غابة خلفه. ظلال طويلة لأشجار السرو… وصمت. ** همست لنفسها: — "مَن أنت...؟ من أنت أيها الغريب ذو النظرة الباردة؟ ولماذا؟" لكنها لم تحصل على جواب. فقط، شعور... أن الإجابات ستأتي. بطريقة لا تُنسى. مرّت الساعات على ليلى بثقلٍ لا يُقاس. جلست على طرف السرير، قدماها تتأرجحان كطفلة لا تعرف إلى أين ستُقتاد. يديها تمسكان طرف الغطاء المخملي، وعيناها لا تكفّان عن الارتحال في الغرفة… كأن في الجدران فمًا يراقبها. ** عند تمام السادسة — أو هذا ما توهّمته بعد أن دقّ جرس ساعة حائطية خارج الباب — دُقّ الباب ثلاث طرقات فقط، ثم فُتح، دون أن يُنتظر إذنها. دخل رجل. ** كان هو. نفسه. نفس الملامح التي رأتها من السيارة... ثم في الحلم، ثم في الكابوس. ** رجل طويل، عريض الكتفين، يرتدي قميصًا أسود دون أزرار عليا، وبنطالًا داكنًا كالغموض. في عينيه شيء يُشبِه الليل إذا قرّر أن يُفكّر. ** تقدّم خطوتين داخل الغرفة، ثم توقّف. — "كنت أعلم أنّكِ لن تصرخي." قالها بصوت خافت، صوت لا يحمل عُنفًا، لكنه أيضًا... لا يحمل طمأنينة. بياتريس انتفضت واقفة، تراجعت حتى لامست الجدار بظهرها، قلبها كأنه يقرع ناقوس إنذار. — "أنت... مَن أنت؟ لماذا أنا هنا؟ أرجوك... أعِدني للبيت." رمشت، والدمعة تتكوّن عند طرف عينها. — "هل رأيتِ شيئًا... لا يجب أن تريه؟" سألها وهو يُحدّق فيها، كما يُحدّق صيّاد في طائر نادر، قبل أن يُقرّر إن كان سيحبسه... أم يقتله. ** هي لم تجبه. خفضت عينيها، تنفّسها سريع، مضطرب. فجأة، اقترب. بخطوتين كان أمامها. رفع يده ببطء... ظنّت أنه سيصفعها، أو ربما سيكمم فمها من جديد… لكنه فقط أمسك بذقنها، ورفع وجهها إليه. — "اسمي دومينيك سالفاتوري." كأن الأرض فقدت توازنها لحظة نُطق الاسم. — "أتدرين ما يعني هذا الاسم؟" هزّت رأسها ببطء. ضحك بخفة، ضحكة خالية من الفرح. — "يعني أنكِ دخلتِ إلى حرب لا أحد يخرج منها." ** انكمشت. لكنه فجأة خفف قبضته، وأعاد يده إلى جانبه. — "أنتِ رأيتِ ما لا يُفترض بكِ رؤيته… وهذا يُعقّد الأمور." — "أنا لن أقول شيئًا! أقسم… أقسم أنني سأنسى كل شيء، فقط... فقط دعني أذهب." قالت ذلك وهي تضع يديها أمامها، تتوسل، ترجو، كأنها تصلي. لكنه أدار وجهه، ثم بدأ يتمشّى داخل الغرفة كأنه وحده. — "نسيان؟" قالها ساخرًا. — "لو كان النسيان بهذه البساطة… لما كانت الذاكرة لعنة." ** ثم توقّف. التفت نحوها مجددًا. لكن صوته الآن كان أقل خشونة. — "لن أؤذيكِ، يا بياتريس. ليس بعد." رفعت نظرها، مصدومة من ذكره اسمها. — "كيف... كيف عرفت اسمي؟" — "كنت أراقبك منذ أمس." قالها دون خجل، كأنّه يتحدث عن حيوان في محمية طبيعية. ثم اقترب منها مجددًا. عيناه تحدقان في وجهها. — "لا أحد يقترب من نار المافيا... دون أن يحترق." ** تنفّست، شَهقت، لكنها قالت: — "لماذا لم. تقتلني اذن" لأول مرة... تغيّرت عيناه. كأنها لامست فيه شيئًا مدفونًا. صمت للحظة، ثم همس: — "لأنكِ لم تهربي حين رأيتِ الجريمة... بل بقيتِ تتفرّجين." — "كنت خائفة!" — "الخوف يجعل الناس يركضون. أما أنتِ… كنتِ تتجمّدين." ** اقترب حتى كاد يلامسها. ثم همس قرب أذنها: — "أنتِ لا تعرفين بعد... من أنتِ." ثم استدار، خرج، وأغلق الباب. دون أن يترك لها فرصة لتسأل، أو حتى لتبكي. ** الساعة تمضغ الوقت ببطءٍ مملّ. الضوء الشاحب المتسرّب من مصباح جدارٍ معلق، ينسكب على الأرض كخيطٍ باهتٍ من قمرٍ يحتضر. ليلى ما زالت واقفة حيث تركها. كأنها تمثال، نُحت بنبضٍ خائف، ثم تُرك في الريح. ** صوت الخطوات خارج الباب اختفى منذ دقائق، لكن الصوت داخل صدرها… كان يطرق بعنف. قلبها لا يخفق، بل يرتجف. رفعت يدها ببطء، لامست ذراعها المرتجف كأنها لا تصدّق أنه ما يزال متصلًا بجسدها. كأنها بحاجة لتذكير نفسها أنها… حيّة. ** همست، وكأنها تكلّم شبحًا: — "ليلى... استفيقي. هذا... ليس كابوسًا." لكن الصوت في رأسها ردّ ساخرًا: — "وهل من كابوسٍ أشد من الواقع حين يُقرّر أن يجرّك من شعرك إلى الجحيم؟" ** أخذت نفسًا طويلًا، واقتربت من السرير. لم يكن سريرًا عاديًا. كان ضخمًا، فخمًا، مغطّى بغطاءٍ رماديّ تتخلله خيوط فضية دقيقة، كأن أحدًا حاكه من شَعَر القمر. ** جلست عليه بحذر، انغرس جسدها في الوسائد الكثيرة، لكنه لم يمنحها الراحة. بل جعلها تشعر وكأنها تغرق في بحر من القطن المُخنق. ** نظرت حولها… الغرفة مستطيلة الشكل، جدرانها مطلية بدرجات الرماد، لوحة ضخمة فوق السرير تُظهر امرأة بلا وجه، عيناها مطفأتان، وشفتاها مغلقتان بخيط أسود. ** همست بياتريس، بصوتٍ يشبه الزجاج المكسور: — "جميلة... ومحبوسة." ثم نظرت إلى نفسها. — "مثلي." ** قامت واقفة، بدأت تمشي ببطء نحو الجدار المقابل. يدها تلمس الجدران كأنها تفتّش عن أبوابٍ سرية في حصنٍ خيالي. ** وجدت نافذة صغيرة، عالية، ضيقة، كأنها نُحتت فقط ليمرّ منها الضوء، لا الهاربون. وقفت على أطراف أصابعها، تسلّقت كرسيًا قربها، وحين نظرت خارجها… رأت الحديقة. ** لكنها لم تكن حديقة، بل متاهة. ممرات متشابكة، شجيرات مشذبة بدقة، أضواء خافتة توحي بجمالٍ مريب. كأن شخصًا ما يحاول تجميل السجن… ليُقنع المسجونين أنهم في قصر. ** عادت تنظر داخل الغرفة. مرآة طويلة عند الزاوية. اقتربت منها، تأملت وجهها. ** كانت بالكاد تعرف تلك الفتاة المنعكسة أمامها. عينان واسعتان يغمرهما الاحمرار، شفاه جافّة، ووجنتان ناحلتان… كأنها نامت في مجرّة من البكاء واستيقظت في حفرة من الحيرة. ** همست لنفسها: — "أين أنا؟" صمت. ثم همست كمن يلوم مرآتها: — "كيف وصلنا إلى هنا؟" المرآة صمتت أيضًا، لكن داخلها… رأت ظلًّا يتحرّك خلفها. التفتت بسرعة. لا شيء. ** مشت نحو الخزانة الكبيرة. فتحتها. لم تكن فارغة. كانت ممتلئة بثياب جديدة، من كل الألوان، لكنها تشترك جميعًا في شيء واحد: لا تحمل هويّتها. ** "كأنهم يريدون إعادة تشكيلكِ من الصفر..." قالت بصوت خافت. أخذت قطعة منها — فستانًا ناعمًا بلونٍ ورديّ شاحب — وقرّبتها من وجهها. ثم رمتها فجأة على السرير. ** "أنا مش دمية." قالتها بالعامية، بعصبية، ثم ضحكت… ضحكة مشقوقة، من تلك التي تخرج من القلب حين يُكسر فجأة. ** اقتربت من الباب، تأملته. أملسته بكفّها. كان من خشبٍ داكن، بارد الملمس، ثقيل، كأنه قُطع من جذع شجرةٍ في جهنم. ** حاولت فتحه. دفعته. سحبته. لم يتحرك. ** أرادت الصراخ. لكن صوتها خائن. فكّرت: "لو صرخت، هل سيسمعني أحد؟ ولو سمع… هل سيهتم؟ وهل يمكن أن يكون من يسمع… أخطر من من لا يسمع؟" ** جلست مجددًا. ثم تمتمت: — "بياتريس... فكّري." كانت تتحدث إلى نفسها كأنها تُحاول إنقاذ جندي في معركة. ** "أنتِ رأيتِ جريمة. والجاني… ما في داعي نخمن مين. ودومينيك سالفاتوري… اسم مش بسيط. إذا صحيتِ فجأة في غرفة، واتحبستِ… معناها المسألة مش لحظة غضب. ولا مجرد تهديد. في شيء أعمق. في شيء مخفي." ** وقفت. بدأت تمشي بالغرفة جيئة وذهابًا، كأنها أسيرة في خيالها، تفتّش عن منفذ داخل دماغها، قبل أن تبحث عن منفذ في الجدار. ** "هل في كاميرات؟ هل في أحد يراقبني؟ هل هذا اختبار؟ يمكن... يمكن هم لا يريدون يقتلوني. يمكن في شيء اخر يمكن أنا... ورقة ضغط؟" ** هزّت رأسها بقوة. توقفي عن التفكير كضحية فقط. لازم تتحركي." اقتربت من مكتب صغير عند الزاوية. فتحت الأدراج. فارغة. إلا من ورقة واحدة. ** ورقة بيضاء، عليها فقط كلمة مكتوبة بخط أنيق: "الطاعة... أول أبواب النجاة." ** شهقت. ألقت الورقة بسرعة، كأنها احترقت في يدها. ** "إنهم يلعبون بي." همست، ثم التفتت إلى السرير. ذهبت نحوه. استلقت. أغمضت عينيها. ** لكن العقل لا يعرف النوم حين يكون الخوف الوسادة. ** تدحرجت، ثم تمتمت في العتمة: — "غدًا… أبدأ." — "سأكتشف هذا القصر." — "وسأعرف... لماذا لم يقتلونني مباشرة." ** نامت بعدها، لا نوم الطمأنينة، بل نوم الجنود في أول خندقٍ في الحرب. نوم العين المفتوحة… والأمل المعلّق على خيطٍ أوهى من نَفَس
assia ghe