سلامٌ على من كان يقرأني يومًا، وعلى من لا يزال ينتظرني بصمت، وعلى من مرّ مصادفةً من هنا… وقرر البقاء. عدت إليكم بعد غياب دام أكثر من سنة. سنة تغيّرتُ فيها كثيرًا… نضج فيها قلمي، وتبدلت رؤيتي، وتشابكت مشاعري بالحبر على نحوٍ لا أعرف كيف أشرحه، لكنني عدت، لا ككاتبة ممتازة، ولا كامرأة تملك ثقةً كاملة بما تكتب… بل كفتاةٍ تمسكت بالحروف لأن الكتابة توجعها حين تبتعد عنها. لأن الصمت بينها وبين الأوراق كان خانقًا، ولأنني لم أعد أعرف من أكون، إن لم أكتب. أعلم جيدًا أن روايتي الأولى لم تكن بالمستوى الذي يرضيكم، بل حتى لم ترضني أنا. كانت مليئة بالأخطاء والعثرات والسذاجة، تفتقر للتقنية، وتفيض بالعشوائية… لكنني لا أندم على كتابتها. بل أراها الآن بعينٍ مختلفة—كجزءٍ حيّ من رحلتي، كأول نفس تنفسته بين الحروف، كتبتها في عمر 14، بطفولةٍ صادقة، دون دراية بأساليب الكتابة أو قواعدها… لكنني كتبت من قلبي. وذلك يكفيني الآن. نعم، فكرت مرارًا في حذفها، كما فعلت مع روايات أخرى لم تُشبهني لاحقًا، لكنني لم أستطع. بعض البدايات لا تُحذف… حتى إن لم تكن جميلة. وسأعود إليها يومًا ما، ليس لأمحوها، بل لأُحسنها بما تعلّمته منذ ذلك الوقت. أما اليوم… فأنا أعود إليكم بسلسلة مختلفة. سلسلة جعلتني أعيد النظر في كل شيء كتبته من قبل، وأشعر أنها تمسّني بعمقٍ لا أعرفه، وتخرج من مناطق داخلي لم أصلها سابقًا. مشروعي الجديد… ليس أفضل ما كتبت، لكنه بكل بساطة: أقرب ما شعرت. لا أعدكم بالكمال، ولا بالبراعة، ولا بالإبهار. لكنني أعدكم بشيء واحد فقط: أن أكتب كما كنت دائمًا… من قلبي. أن أترك في كل سطر شيئًا حقيقيًا مني، حتى وإن كان بسيطًا، مترددًا، أو حتى موجوعًا. هذه المرة، أعود بقلبٍ أقوى، وقلمٍ يعرف تمامًا ماذا خسر حين سكت. وأرجو أن تجدوا أنفسكم، ولو قليلاً، في ما سأكتبه. شكرًا لأنكم كنتم هنا، أو عدتم، أو حتى بدأتم للتوّ ______ الفكرة المحورية التي أود إيصالها: لا تحكموا عليّ من خلال روايتي الأولى، مرّ على نشرها أكثر من ثلاث سنوات. واليوم… أعود بسلسلة جديدة، مختلفة جذريًا عن كل ما كتبته من قبل. أكثر عمقًا، أكثر ظلمة، أكثر صدقًا. سلسلة جعلتني أرتجف وأنا أكتبها، وأبتسم، وأبكي… وأصمت طويلًا. --- عن سلسلة "مماليك تحت الدم" ثلاث روايات مترابطة… تُحكى في زمنٍ واحد، وتتشابك شخصياتها كأنها تتنفس من رئةٍ واحدة. سنرى خيوطًا تمتد من عملٍ إلى آخر، وسنلتقي بشخصيات ظهرت في ظل رواية لتبرز في أخرى، في انعكاسٍ للعلاقات البشرية نفسها: لا أحد يرحل فعلاً… الجميع يعود، بطريقة أو بأخرى. سأطرح الروايات الثلاث في وقتٍ واحد، وبنفس عدد الفصول، كي نعيش التجربة كأنها فسيفساء واحدة: دامية، حسّية، مؤلمة، ومتشابكة. --- 1. زهرة فيورنا ماذا لو شهدتِ جريمة… فصرتِ أسيرة في قلبها؟ حين تجد مهندسة حدائق نفسها وسط مذبحة مافيا، يختطفها زعيمهم ليخفيها في قصر غامض. هناك، حيث تنمو الزهور فوق الدم، يبدأ شعور قاتل... يشبه الحب. --- 2. قيد مارفيلا) ماذا لو أجبرك أحدهم على الزواج وأنتِ لم تعرفي الحب بعد؟ رواية عن قيدٍ اختلط فيه القرب بالإهانة، والحب بالتهديد، والجامعة بميدان حربٍ خفيّة. عن فتاة عادية وجدت نفسها في عالمٍ لا يرحم، وعن رجلٍ لا يعرف كيف يُحب… إلا بالسيطرة. --- 3. رمادي توسكانا ماذا لو كان الانتقام هو الطريق الوحيد للنجاة كل شيء في توسكانا رمادي، بما في ذلك القلوب. عن رجل خسر كل شيء، فقرر أن ينتقم من كل شيء. وعن امرأة لم تُولد لتكون بطلة، بل لتشعل النهاية. إنها رواية عن الغفران الذي لا يأتي، عن الحنين الذي يُقصّر العمر، وعن الحب… حين يولد من الرماد مقدمة زهرة فيورينا حين تنمو الوردة في فم الذئب، لا تعرف إن كانت ستُفتَك... أم ستفتنه. لم تكن "بياتريس" سوى أنثى بسيطة تُربّي الأزهار كما تُربّى الأرواح في كفّ الصلاة، لكنها لم تعلم أن قدميها ستقودانها إلى حديقة مسوّرة بالموت، وأنّ بستان فيرونا ليس للورد وحده... بل للدماء التي تُسقى تحته. "دومينيك"… رجلٌ وُلد من رحم الرصاص، يحمل في قلبه مقبرة، وفي عينيه سؤالٌ لا جواب له: هل يمكن لعطر زهرة أن يخنق وحشًا اعتاد رائحة البارود؟ هي لم تحبّه… بل كرهته كراهية من ذاق الدفء ثم حُبِسَ في فم شتاء. وهو لم يعشقها… بل تملّكها كما يُمسك الليلُ برقبة الفجر، عنادًا لا شغفًا. لكن حين تتدلّى القلوب من حبال الغضب، وتنبت الأزهار على صدر القسوة، تنشأ حكاية... لا تشبه الحب، ولا الحرب… بل تشبه الجنون حين يعقل. زهرة فيورنا… حكاية من ورق مسموم، كُتبت بنَفَسٍ مبتور، عن امرأةٍ ناعمة كالماء، رماها القدر في جوف رجلٍ حادٍ كالسيف… فهل تُزهِر بين يديه، أم تذبل كما تذبل القصائد في فم جلّاد؟ بعض مقتطفات لم أحبكِ كأنكِ ملاك… أحببتكِ كأنكِ لعنة تليق بي. أنا لا أؤمن بالخلاص، لكنكِ كنتِ الشيء الوحيد الذي يجعل جحيمي أقل وحدة. كلما اقتربتُ منكِ، شعرت أنني أخون كل الجدران التي بنيتها داخلي. أنتِ لا تفتحين الأبواب… أنتِ تكسرينها. عينيكِ؟ جريمة أرتكبها كل ليلة دون ندم، وساحة حرب لا أريد أن أخرج منها حيًّا. أنا لا أملك قلبًا يصلح للحب، لكنكِ زرعتِ في صدري شيئًا يصرخ كلما ابتعدتِ. كأنكِ علّمتِ الوحش كيف يخاف. حين أنظر إليكِ، لا أرى امرأة… أراكِ وطنًا خذلني كل شيء قبله، وأخشى أن تخذليني مثله. ضحكتكِ تشبه رصاصة طائشة… تخترقني من دون إذن، وتتركني أبحث عن النزيف بصمت. أحبكِ؟ لا، هذا اللفظ صغير جدًا على ما تفعلينه بي. أنتِ الغصة التي لا تُبتلع، والإدمان الذي لا أريد علاجًا له. كنتِ الهدوء الذي يسبق عاصفتي… والسكينة التي لم أجرؤ على لمسها. لكنكِ وقفتِ على حافة جنوني، ولم تهربي. عندما تمشين نحوي، أشعر أن الخراب يمشي معي، ومع ذلك… أفتحه ذراعي. لأنكِ الشيء الوحيد الذي يستحق أن أُكسر من أجله. كلّ حبٍّ عاديٍّ يربط قلبين، إلا أنا… ربطتكِ بألمي، بماضٍ لا يُغفر، وبجحيمٍ لا يُطفأ. وما زلتِ هنا. هي لا تهمس… هي تزرع أصواتها في أضلعي، كأن صوتها ينمو داخلي شجرة مسمومة. أحببتها كما يحب الذئب القمر… من بعيد، وبعواءٍ لا يسمعه أحد. - أنا لا أحتاجها… أنا مخلوق منها، من حريقها، من عينيها، من النعاس الذي يرافق الخوف حين تكون بقربي. تجلس أمامي كخطيئة جميلة… تعرف أني سأقترفها، ___ أحببته كمن يشرب السمّ من كأسٍ مرصّعة بالألماس… عارفة أنها قاتلة، لكنها تلمع بما يكفي لتنسيني الألم. كان حضنه يشبه تابوتًا مخمليًا… ناعم الملمس، قاتل المعنى، ومغريًا بما يكفي لأن أستلقي فيه بكامل إرادتي. كلما اقترب، شعرت أن جلدي يشتعل… لا من الحرارة، بل من الخوف المغلّف بالعشق… كأن قلبي كان يركض حافيًا فوق جمرٍ بارد. لم يكن حبًا، كان لعنة تسرقني قطرة قطرة… كأنني وردة سوداء تُنبت أشواكًا كلما همست باسمه. حين نطق اسمي، شعرت أن اللغة ذاتها اختنقت… كأن الحروف نفسها كانت ترتجف من غرابة ما بيننا. قلبي لم يعد عضوًا في صدري… صار قفصًا يربّي وحشًا يتغذى على خوفه منه. أردته… لا كما تريد امرأة رجلًا، بل كما يريد الغريق المزيد من الماء… وهو يعلم أنه لن ينجو. حين نظر إليّ، شعرت أنني نقطة في لوح رملي، تكفي عاصفة واحدة ليختفي وجودي. كان ظلي يهرب مني حين أكون قربه… كأنه يعلم أنني صرت شيء لا يشبه الإنسان. أنا لا أحبّه، أنا مُصابة به… كفيروسٍ يتكاثر بصمتي، ينهشني حين أبتسم، ويُزهر داخلي ورودًا من شوك.
assia ghe