((مْاذا لَو كاْنَ الشْرُ أَكْثَرُ إِثْارِةً ِمن الخَيْرِ؟، مْاذا لَو كاْنَ الظَلامُ أَنْقى مِن النُورِ؟ ، مْاذا لَو كاْنَ الأسْوَدُ يَلِيقُ بِكُم أَكْثَرُ مِن الأبْيَضِ؟ ))
الشَوارِعُ فارِغَةٌ وَالبِيوتُ مُؤصَدَةٌ وَ النْاسُ نِيّامٌ، تَسَلَلَتْ خِلْسَةً مِن الغُرفَةِ تَمْشِي عَلى أطْرافِ أصَابِعِها نَزَلَتْ الدَرَجَ بِحَذرٍ وَ عِينْيها تَجُولُ فِي المَكْانِ خَوفاً مِن أنْ يَراها أحَد، مَرَتْ بِغُرفَةِ المَعِيشَةِ، بِهُدوءٍ أخَذَتْ مِعطَفَها وَ ارتَدَتْهُ وَ لَبِسَتْ حِذْاءها وَ فَتَحَتْ البْابَ بِبُطِئ وَ هِي تُغِمِضُ عِينَيّاها وَ تَزُمُ شَفَتَيِها خَوفَاً مِن أنْ يَسْمَعَ مَن فِي الدْارِ صَوتَهُ أخَذَتْ خُطْوةً إلى الخْارِج وَ أغْلَقَتْهُ بِبُطْئٍ مِثْلَما فَتَحَتْهُ أخَذَتْ تَخْطو بِخُطُواتِِ ثْابِتَةٍ خِلالَ الحَدِيقَةِ لِلسُورِ الذِي يُحِيطُها وَ يُحِيطُ المَنْزِلَ الكَبيِر، وَقَفَتْ أمْامَ السُورِ مِن الداخِل تَلَفَتَتْ يَمِيناً وَ شِمالاً
أمْسَكَتْ سيخْاً وَ زحَزَحَتْهُ قَلِيَلاً ثُمَ إقْتَلَعَتْهُ بِقَوَةَ، عَبَرَتْ مِن خِلالِ الفَتَحةِ التِي صَنَعتها فِي السُورِ إلى الخارِجِ وَ أرجَعَتْ السيخَ مَكْانَهُ، وَجَدتْ أرجُلَها تَأخُذانِها لاإرادِياً إلى الشْاطِئ، وَقَفَتْ هُناكَ تَتَأمَلُ البَحْرَ تَارَةً وَ السَمْاءَ تَارَةً أُخْرى بَينَمْا الرِياْحُ تُراقِصُ خُصَلاتِ شَعرَها وَ الأمْوُاجُ تُلاعِبُ قَدَمَيِها وَ رائِحَةُ البَحْرِ تَغزو رِئَتَيِها ، لَطْالَمْا أحَبَّتْ البَحْرَ وَ رائِحَتَهُ وَ هُدُوئَهُ وَ غَضَبَهُ وَ لَوْنَهُ الجَمْيلِ عَشِقَتْ السَمْاءَ وَ أُغْرِمَتْ بِالقَمَرِ وَ سْامَرَتْ النُجُومَ كْانَتْ السَمْاءُ مَلاذَها الوَحِيد، أحَسَتْ دائِمَاً أنَها تَنْتَمِي إليِها إلى القَمَرِ إلى النُجُومِ إلى الشَمْسِ وَ الكَوْاكِبِ، لَمْ تَعتَقِد يَومَاً أنَّ القَمَرَ وَ الكَواكِبَ مُجَرَدَ صُخُورٍ و أنَّ الشَمْسَ وَ النُجُومَ مُجَرَدَ كُراتِ غْازٍ وَ أنَّ الفَضْاءَ مُجَرَدَ عَدَمٍ، كْانَتْ تُؤمِنُ أنَّهُم أكْثَرُ مِن ذلِكَ، تَقرَأُ الكُتُبَ التِي تَتَحَدَثُ عَنْ الفَضْاءِ وَ الفَلَكِ وَ تَعشَقُها، كْانَ رُوتِينَها يَتَمَحوَرُ حَولَ هَذِه الأشْيِاءِ فَقَطْ، و حَياتُها راكِدَةٌ بَلِيدَةٌ.
فِي صَبْاحِ اليومِ التالِي، تَراقَصَتْ الأشْجاْرُ وَ أوْراقِها فِي تَنْاغُم مَعَ الرِياحِ إحتِفْالاً بِاليَومِ الجَديِدِ وَ زَقزَقَتْ العَصافِيرُ هَدِيةً لِلصَباحِ الجَمْيِلِ وَ تَسَلَلَتْ أشِعةُ الشَمْسِ مِن بَيِنِ الغِيُومِ وَ نَشَرَتْ خِيُوطَها الذَهَبِيةِ عَلى الطُرُقاتِ وَ النَوَافِذِ وَ عَطَرَتْ الزُهُورِ وَ الوُرُودِ بِأرِيجِها أجوْاءَ الحدِيقَةِ الصَغِيرَةِ ، لكْن هذا الجَو الجَميلُ لَم يَرق لَها ، لَعَنَت تَحتَ غِطائِها أشِعةُ الشَمسَ التِي أفسَدَت نَومَها.
وَضَعَتُ يَدي عَلى عَيِنْيّ أحجُبُ خِيُوطَ الشَمْسِ عَنْهُما، جَلَسْتُ أُمَطْمِطُ عَضَلاتِ يَدايّ وَ سْاقَيّ وَ التَثاؤبُ لا يُفارِقُ فَمَي، عُكِرَ مَزاجِيَ حِينَ سَمِعتُ ضَجِيجَهُم فِي الطْابَقِ السُفْلِي، يَا إلهْي مْا السْاعَةُ الآنْ؟ مْاذا! السادِسةُ أهُم دَجاج لِيَستَيِقِضُوا فِي هَذا الوَقتِ المُبَكِر، زَفَرتُ وَ كَأنَنِي أسكُنُ هُنا مُنذُ يَومَينِ ، ألَمْ أعِش حَياتيَ كُلَها هُنا فِي هَذا الكَهفِ تَعَوَدتُ عَلى هَذا الضَجيِجِ وَ الصُراخِ، لكْني سَعيدَةٌ لِأنّي سَأبني لِي حَياةً جَديدَة خارِجَ أسوارِ هذا المَيتَمِ فَقط بَعدَ أُسبوعٍ واحِد ، إنَني حَتى الآن تَحتَ تَأثِيرِ الصَدمَةِ، لا أُصَدِقُ أنَهُم قَبِلُوني فِي الجامِعةِ وَ بِمنحَةً أيضَاً، يَا إلهِي إنْ كْانَ حُلمَاً لا أُرِيدُ أنْ أستَيِقِظَ مِنه، انتَعَلتُ خُفَيَّ لِأذهَبَ إلى الخِزانَةِ المُخَصَصَةِ لِي لِأنتَشِلَ فُرشاةِ أسنانِي وَ المَعجُون وَ المِنشَفةِ، خَرجتُ مِن الغُرفَةِ لِأدُلُفَ الحَمامَ حَيثُ فَرَشتُ أسنانِي وَ غَسَلتُ وَجهِيَ بِالماءِ البارِد ، التَقَطتُ المِنشَفةَ أُمَرِرَها عَلى إنحِنائاتِ وَجهِيَ لِأشُردَ فِي المِرآةِ ، سَتَتَغيرُ حَياتِي بَعدَ أُسبُوعٍ.......أُسبُوعٍ واحِدٍ فَقط، سَأذهَبُ لِعالَمٍ آخرٍ يَختَلِفُ عَن هَذا المَيتَمِ البائِسِ وَ تِلكَ الثانَويِةِ العَفِنةَ اللَذانِ لازَمتُهُما طِوالَ حَياتِي، سَأتَعَرَفُ عَلى أُناسٍ جُدَد غَيرَ الأيتامِ وَ أولادِ الحَي، أُناسٍ يُماثِلونِي فِي التَفكِيرِ وَ الإهتِماماتِ، مَن يَعرِفُ رُبَما حَتى لا يَشبَهُونِي بَل النَقِيض لِي وَ هَذا أكثَرُ تَشوِيقاً، وَ سَأُحَقِقَ مَسعايَ وَ حُلمَ حَياتِي بِأنْ أكونَ رائِدَةَ فَضاءٍ، لاحَت ابتِسامَتي تَفتَرِشُ وَجهِي حَينَ فَكَرتُ أنَّني يَومَاً سَأُعانِقُ النُجُومَ وَ أكونَ بَينَ أحضانِ الفَضاءِ، أكادُ أُجزِمُ أنِي إنْ صَعَدتُ إلى هُناكَ لَنْ أنزِلَ إلى الأرضِ مُجَدَدَاً، رُبَما أُفَكِرَ بِبناءِ مَحَطَةِ وَ السَكَنَ فِيها وَ أقضِي البَقِيةَ مِن عُمرِي أُجاورَ الشَمسَ وَ الكَواكِبَ ، إني سَعيِدَةٌ حَدَّ الإنتِشاءِ، لِتَنزُلَ ابتِسامَتي لِلأسفَلِ حِينَ سَمِعتُ خَبطَاً غَيرَ مُنتَظِمِةٍ عَلى البابِ،
(فاليريا!،.....أرجُوكِ ألَم تَنتَهي مِن طُقُوسِ التَجميلِ خاصَتكِ، أُقسِمُ إنْي أكادُ أفعَلَها فِي سِروالِي،... ارحَميني أرجوكِ! ) قالَها فرانسس الصَغير بِنَبرةٍ يَتَخَللُها النَحِيبِ، ألا يُمكنُ أنْ أحظى بِلَحظَةِ سَلامٍ دونَ أنْ يُعَكِروها، لا يُمكنُني التَحَمُلَ رُبَما أقتُلُ نَفسيَ قَبلَ مَوعِدِ ذَهابِي، زَفَرتُ بِتَمَلمُلٍ أثناءَ فَتحيَ لِلبابِ حَيثُ سارَعَ فرانسس راكِضاً لِلداخِلِ، نَزَلتُ الدَرَجَ مُتَوَجِهةً لِغُرفَةِ الطَعامِ حَيثُ وَجَدتُ الفَوضى و الهَرَجَ كَالعادَةِ حَولَ المائِدَةِ، لِأرى شَخصِيَ الوَحِيد الذِي يُزِيلَ هَمي و يُداوِي جُرُوحي 'آني' صَدُيقَتي ، بَل أُختِي، تَرَبَينا مَعاً فِي المَيتَمِ، هَي مَلاذِي وَ أنا المَثيِلَها ، أتَساءلُ كَيفَ سَأُفارِقَها هَي وَ ابتِسامَتُها الهادِئَةُ مِثلَها، إنَها الشَيءُ الوَحِيدُ الجَيدُ فِي هَذا الجَحِيمِ، لِتَتَلاقى أعِينُنا وَ تَشِعُ إبتِسامَتُها تِلك كَنَسيمِ الرَبِيع، لِأُسارِعَ بِالجُلُوسِ بِجانِبِها،
((يَومٌ آخرُ فِي جَحِيمِ أُونَركيدز)) تَأففتُ لِ'آني' فِي امتِعاضِِ.
((تَحَمَلي إنَها آخرُ أيامِنا فِي هَذا المُستَنقَعِ البائِسِ))
أمرٌ مَقِيت أنْ تَعيِشَ حَياتَكَ فِي قَوقَعةِ و أنتَ لا ذَنبَ لَكَ، يَرسِمونَ لِآفاقِكَ حُدوداً وَ يَضَعونَ القُضبانَ أمامَ طَرِيقِكَ، مِن المُؤلِمُ العَيشَ ضِمنَ حُدودٍ لا يُسمَحُ لَكَ بِتَجاوِزِها أو حَتى تَسَلُقِ الجِدارِ لِتَرى ما خَلفَهُ يُسارِعونَ بِسَحبِكَ لِظُلُماتِهم، لِتَرقُدَ فِي سِجنِهم الوَهمِي، لِكْن فِطرَةُ الإنسانِ تَغلِبُ كُلَ شَيءٍ، تِلكَ البَذرَةَ التِي وُجِدَت فِينا مُنذُ الوِلادَةِ، إستَطاعَت النُموَ بِداخِلي لِتَغلُبَ بَتلاتِها الرَقِيقةُ أشواكِهم، امتَدَت أغصانُها لِتَصِلَ إلى تِلكَ الكُوةِ فِي أعالِي دَيجورِهم، لِتُلامِسَ دِفئَ الشَمسِ وَ نورُها وَ تَزهُرَ بَتَلاتُها الصَغِيرةَ.
نَعم، ناضَلتُ وَ حارَبتُ لِأصِلَ لِهَذهِ النُقطَةَ،لَنْ أكذِبَ وَ أقولَ كَانَ سَهلاََ وَ لَمْ يَكُن، لِأتَخَلَصَ مِن قُيودِهم كانَ عَلَيَّ صَهرُها يَومَاََ تِلوَ الآخر، وَ لِطَمسِ دَيجُورِهم كانَ عَلى رُوحي النِضالَ لِإشعالِ شَمعَةِ الأمَلِ حَتى لَو كانَ ضَوؤها خافِت، كانَ يَكفينِي لَلمُقاوَمةِ وَ الاستَمرارِ.
أفَقتُ مِن شُروديَ عَلى صَوتِ آني وَ هِي تَحمِل أطباقِها
((لَيسَ هُناكَ وَقتٌ لِأحلامِ اليَقَظةِ تِلكَ، لَدَينا يَومٌ كامِلٌ يَنتَظِرُ، ألا تَرِيدينَ أنْ تَقضِي آخرَ أيامِكِ هُنا مَعاََ، أم لَدَيكِ خُطَطاََ تَحيكِينَها مِن وَرائي))
((إن كُنتِ تَعنِينَ بِالخُطَطِ الأستِلقاءَ عَلى السَريرِ وَ الحَملَقَةُ بِالسَقفِ طَوالَ اليَومِ، فَنَعم هَذهِ خُطَتي الوَحِيدة)) قُلتُ وَ أنا ألحَقُها إلى المَطبَخِ لِأضَعَ الأطباقَ فِي الحَوضِ.
((ماذا عَنكِ؟ ما هِيَ خُطَطُكِ أنتِ، آملُ أنها لَنّْ توقِعُنا فِي مُشكِلةٍ)) قُلتُ وَ أنا أغسُلُ آخرِ صَحنٍ
((أنظُروا لِمَن يَتَكَلَم، لَيسَ وَ كأنَكِ بُؤرةُ المَشاكِلِ، حَسناً، لَدَيَ قائِمةٌ طَويلَةٌ، لِنَرى، أوَلاََ لَدَينا المَكتَبةُ وَ هُناكَ عَشَراتِ الكُتُبِ عَلَينا شِراؤها لكِنْ لَدَي مَعلُومَةٌ أنَّ هُناكَ مَكتَبَةٌ خَلفَ المُستَشفى تَبيعُ الكُتُبَ بِثَمَنٍ بَخس، وَ ثانياََ لَدَينا التَسوقُ بِالطَبعِ لَنْ نَبقى عَلى هذهِ المَلابِس البالِيةِ التِي تَأتِي مِن التَبَرُعاتِ، أعني حَياةٌ جَديدَةٌ مَلابِسُ جَديدَةُ وَ أيضاََ لَدَينا المُستَلزَماتِ الدِراسِية وَ القُرطاسِيةِ بِالتَأكِيدِ أنَها مِن الأولَوياتِ، وَ ثالِثاََ يَجَبُ أنْ نَذهَب لِذلِكَ المَحلِ، أعني مَحَلُ الحَلوى الشَهِيرَ الَذي يَجعَلُ لُعابَ المارَةَ يَسيِلُ عِندَ المُرورِ مِنه وَ هذا يَشمُلُنا أيضاََ، لِذلِكَ لنْ أذهَبَ حَتى أتَذَوقُ مِن حَلواه، وَ رابِعاََ لَدَينا التَزَلُجُ عَلى الجَليدِ هُناكَ مَكانٌ مُخَصصٌ فِي المَركَزِ التِجاري يُمكِنُنا التَسَلُلَ خِلسَةً فِي جَوفِ اللَيلِ، حَسناً، مَن يَحتاجُ إلى مُدَرِبٍ يُمكِنَنا تَدَبُرَ أمرِنا، ألَيسَ
كَذلِكَ؟، خامِساََ لَدَينا مُباراةِ كُرَةِ القَدَمِ هذا الأثنَينِ سَيَلعَبُ الفَريقُ الَذي تُشَجِعينَهُ لِذا سَنَذَهبُ هذا أمرٌ مُقَرَرٌ مُسبَقاََ، وَسادِسَاََ لَدَ.....))
((مَهلَاََ! ، مَن أينَ لَكِ المالَ لِكُلِ هذِه النَشاطاتِ، يُمكِنُنا تَدَبُرَ أمرِ المَكتَبَةِ، لكِنْ البَقيةُ لا)) قاطَعَتُها
(( مِن المُدَخَراتِ بِالطَبعِ))
((ماذااااا....!، هَل أنتِ مُتَأكِدَةٌ أنَكِ لَم تَستَبدِلي حَبَةِ بَصَلٍ بِدِماغِكِ، لَقَد تَعِبنا شُهورَاََ نَجَمَعُها بِشَقِ الأنفُسِ، و الآن بِكُلِ بَساطَةِِ تُرِيدينَ صَرفها، هذا لا يُمكِن يا آني. أبداََ!))
(( أنُظُري، نَحنُ الآنَ فِي فَترَةِ الإنتِخاباتِ ،لِذلِكَ بَدَأَ المُرَشَحينَ حَمَلاتِهم وَ لِجَذبِ أكبَرِ عَدَدٍ مِن الأصواتِ بِالتَأكِيدِ سَيَلجَؤونَ إلى الجانِبِ العاطِفي حَيثُ قَامَ الكَثيرُ مِن المُرَشَحينَ أصحابِ الكُرُوشِ الكَبِيرةَ بِتَبَُرَعاتٍ لِلمَيتَمِ وَ أنا وَ أنتِ قَد طالَنَا شَيءٌ أيضَاََ مِن هذِهِ التَبَرُعاتِ، حَيثُ أنَّ أحَدِهم تَكَفّلَ بِمَصارِيفِ إقامَتِنا فِي الجامِعةِ وَ لِأنَنا حَصَلنا عَلى مُنحَةٍ فَبِالنِسبَةِ لَهُ لَم يُكَلِفَ الكَثيرَ، لِذا، إطمَئِني يُمكِنُنا أنْ نَستَخدِمَ المُدَخَراتِ، حَيثُ أقَمتُ حِساباتِي الخاصَةَ وَ الَتي تَقولُ يُمكِنَنا أنْ نَحضى بِبَعضِ المَرَحِ هُنا قَبلَ الذَهابِ))
((وَ لِماذا أنا الآن فَقَط أعلَم بِشَأنِ هذا المُتَبَرِعِ؟ ))
((حَسَنَاً، أنا عَلِمتُ فَقَط قَبلَ ساعَتَينِ أي إنَّهُ خَبَرٌ حَصريِ، أيضَاََ تَصَرَفي وَ كَأنكِ لا تَعلَمينَ بِشَأنِهِ،إتَفَقنا؟))
((وَكَيفَ عَلِمتِ أنتِ؟))
((أسالِيبيَ الخاصَةَ))
قاطَعَتنا المُرَبِيةُ 'لوري' قائِلَةٌ،
((فاليريا!، آني!، السَيد شيلايدن يَطلُبُكما فِي مَكتَبِهِ حالاََ ))
تَبادَلنا أنا و آني النَظَراتِ، بِالتَأكِيدِ هوَ يَطلُبُنا بُشَأنِ ذلِكَ المُتَبَرِعِ، تَبِعنا المُرَبيةَ لوري بِخُطُواتٍ ثابِتةٍ، تَوَقَفنا أمامَ بابِ المَكتَبِ لِتَطرُقَ المُرَبيةَ لوري عَلى البابِ وَ تَفتَحهُ دَخَلت المُرَبيةُ وَ نَحنُ خَلفَها،
((هاتانِ فاليريا وَ آني كَما طَلِبت يا سَيدي، وَ الآن عَن إذنِكَ))
إنصَرَفَت المُرَبيةُ لوري وَ أغلَقَت البابَ خَلفَها تارِكة إيانا مَعَ السَيد شيلايدن نَتَبادَلُ الَنظَراتِ، بَاشَرَ فِي الحَديثِ،
((تَفَضَلا، اجلِسا))
أطَعنا أمرَهُ حَيثُ أخَذَت كُلََّ مِنا مَقعَدَاََ،
((حَسناً، لَدَيَ خَبَرٌ سارٌ لَكُما)) صَمَتَ قَلِيلَاََ ثُم عاوَدَ الحَدِيثَ
((سَأدخُلُ فِي صُلبِ المَوضُوعِ، هُناكَ شَخصُ ذو نُفوذٍ تَكَفّلَ بِمَصاريفِ إقامَتِكُما فِي الجامِعةِ)) ،
آمَلُ أنَّ تَعبِيرَاتِ الإندِهاشِ المُزَيفَةِ التي رسمناها أنا وآني بدَتْ مُقْنِعَةً له، استرسلَ في حديثه قائلاً:
((بِما أنَّكُما اجتَهَدْتُما وحَصَلْتُما على هَاتَانِ المَنحَتَانِ، وَهذا شَيءٌ غَيْرُ مَسْبُوقٍ في أُونَرْكِيدز، وَمن ثَمَّ هذه الفُرْصَةُ التي قَدَّمَها المُتَبَرِّعُ لكُما، آمُلُ أنَّكُما قَدَرْتُما تَحَمُّلَ هَذِهِ المَسْؤُولِيَّةِ، وَأَنَا مُتَأَكِّدٌ أَنَّكُما لَن تَرْتَكِبَا أَيَّ خَطَأٍ قَدْ يُؤَدِّي إِلَى المَسَاسِ بِمُسْتَقْبَلِكُما)).
عاوَدَ الحديثَ:
((وَأَيْضًا هُناكَ شَيءٌ آخَرُ، سَتَذْهَبَانِ قَبْلَ المَوْعِدِ المَحَدَّدِ بِأَرْبَعَةِ أَيَّامٍ وَذَلكَ لِإكْمَالِ الأُمُورِ المِتَعَلِّقَةِ بِإجْرَاءَاتِ التَّسْجِيلِ بِجَامِعَتِكُما، وَالآنَ يُمْكِنُكُما الإِنصِرَافَ)).
هذا جيدٌ وسيءٌ، الجيدُ هو أنني سَأغَادِرُ أَبْكَرَ، والسّيّءُ هو أنني سَأفْتَرِقُ عن آني، خرجنا من المكتبِ وأغلَقتُ البابَ خلفي لتُرَدِّفَ آني:
((هل سَمِعْتِ لَدَيْكِ بَقَايَا تَوَاضُعٍ حِينَها، وَالآنَ مَتَى سَنَبدأُ بِجَدْوَلِ أَعْمَالِكِ يَا آنِسَةَ آني؟)).
((الآن!)).
((الآن؟)).
((نَعَمْ، الآنَ، جَهِّزِيَ الأَشْرِعَةَ وَارْفَعِيَ المَرْسَاةَ لِنَبْحَرَ إِلَى المَكْتَبَةِ يَا عَزِيزَتِي!)).
أَمْسَكَتْنِي مِنْ يَدِي تَجْرِينِي نَحْوَ البَابِ، لِأَلتَقِطِ مَعْطَفِي وَوِشَاحِي أَلْبِسُهُمَا وَأَرْتَدِي حِذَائِي، لِتَسْبِقَنِي خَارِجَةً نَحْوَ البَوَّابَةِ وَأَنَا كَالْبَلَهَاءِ أَرْكُضُ خَلْفَهَا.
وَصَلْنَا إِلَى المَكْتَبَةِ التي ذَكَرَتْهَا آني زَاعِمَةً أَنَّهَا تَبِيعُ الكُتُبَ بِنِصْفِ السِّعْرِ، دَلَفْنَا إِلَيْهَا لِيَسْتَقْبِلَنِي عَبَقُ الكُتُبِ وَالحِبْرِ المَخْطُوطِ عَلَى الوَرَقِ الَّذِي أَسْكَرَنِي، وَالَّذِي لَا يَعْرِفُ هَذَا الشُّعُورَ سِوَى قَلَّةٍ قَلِيلَةٍ الَّذِينَ يَهِيمُونَ بِهَا، كَانَتِ المَكْتَبَةُ فَارِغَةً مِنَ النَّاسِ سِوَانَا وَالْمَالِكِ الَّذِي يَجْلِسُ خَلْفَ مَكْتَبِهِ، هُجِرَتِ الكُتُبُ وَالمَكْتَبَاتُ تَدْرِيجِيًّا مَعَ التَّطَوُّرِ، حِينَ وَجَدَ النَّاسُ تِلْكَ المُلْهِياتِ أَفْضَلَ مِنْ أَوْرَاقٍ مَطْبُوعَةٍ عَلَيْهَا كَلِمَاتٌ، إِذَا أَضْحَتِ المَكْتَبَاتُ خَالِيَةً مِنْ رُوَّادِهَا إِلَّا القَلِيلَ مِمَّنْ لَمْ يَنْسَ سِحْرَ الكُتُبِ وَضَلَّ أَسِيرَهَا.
((سَأذْهَبُ لِأَرَى إِنْ كَانَ لَدَيْهِمْ مِنْ أَعْمَالِ شَكْسْبِيرْ أَوْ مَوْلِييرْ وَالبَعْضِ مِنَ الآدَابِ المَسْرَحِيَّةِ وَكَذَلكَ كُتُبِ تَارِيخِ المَوْسِيقَى، وَالكَثِيرِ الكَثِيرِ مِنَ الكُتُبِ أَيْضًا، لَكِنْ سَأذْهَبُ لِقِسْمِ الأدَبِ الحَدِيثِ أَوَّلًا، وَأَرْجُوكِ يَا فَالِيرِيَا لَا تَغْرِقِي مِثْلَ كُلِّ مَرَّةٍ، كَمَا تَعْلِمِينَ لَدَيْنَا أَعْمَالٌ تَنْتَظِرُ أَنْ نَقْضِيَهَا مَعًا)).
أَرْدَفَتْ آني بِهِمْسٍ:
((لَا تَقْلِقِينَ، سَأشْتَرِي فَقَطِ الكُتُبِ الَّتِي أَحْتَاجُهَا)).
قُلتُ وَأَنَا مُتَيَقِّنَةٌ أَنَّنِي لَنْ أَنْفِذَ كَلَامِي، إِذَا غَرِقْتُ بَيْنَ الكُتُبِ لَا أَحَدَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَنْتَشِلَنِي مِنْ أَعْمَاقِهَا. قَصَدتُ قِسْمَ عُلُومِ الفَضَاءِ وَالفَلَكِ أَوَّلًا، لِأَهِيمَ بَيْنَ الكُتُبِ مَرَّةً أُخْرَى وَلَمْ أَنتَبِهْ لِلْوَقْتِ حَتَّى دَقَّتْ سَاعَةُ المَكْتَبَةِ مُعْلِنَةً أَنَّهَا وَقْتُ الظُّهْرِ. اِشْتَرَيْتُ العَدِيدَ مِنَ الكُتُبِ فِي الفَضَاءِ وَالهَنْدَسَةِ وَكَذَلكَ الفَلَكِ وَأَيْضًا بَعْضُ الكُتُبِ الفَلْسَفِيَّةِ وَرِوَايَةٌ بُولِيسِيَّةٌ وَاحِدَةٌ.
دَفَعْنَا المَالَ وَخَرَجْنَا مَحْمُولَتَيْنِ بِمَا هُوَ أَثْمَنُ.
((الجُوعُ بَدَأَ يَنْهَشُ مَعِدَتِي، لِنَرْجِعْ لِلْمِيْتَمِ وَنُكْمِلْ بَعْدَ الظُّهْرِ، كَمَا تَلْعمِينَ يَا عَزِيزَتِي لَا نَحْنُ سِوَى اليَوْمِ فَقَطِ، لِأَنَّ غَدًا آخِرُ أَيَّامِنَا هُنا وَسَنَقْضِيهِ فِي تَوْضِيبِ أَغْرَاضِنا لِذَا لِنَسْتَغِلَّ الفُرْصَةَ)).
لَا يُمْكِنُنِي الإِعْرَاضُ، حَتَّى أَنَا العَصَافِيرُ الَّتِي فِي بَطْنِي تَطَالِبُ بِمَا يُسَكِّتُهَا، أُومِئْتُ لَهَا بِنَعَمْ.
وَصَلْنَا إِلَى المِيْتَمِ لِيَسْتَقْبِلَنَا ضَجِيجُ الأَيْتَامِ المَعْتَادِ، أَسْرَعْنَا نَصْعَدُ الدَّرَجَ إِلَى الطَّابِقِ الثَّانِي لِندْلُفَ إِلَى الغُرْفَةِ، أَرْتَفَتْ آني بِجَسَدِهَا عَلَى السَّرِيرِ نَابِسَةً:
السلامْ،
طَيفُ غَمامْ،
ينتَظِرُ النورْ،
قَلبهُ المَأسورْ،
لِيتَخَلصَ من الشرورْ،
بَعدَ تِلكَ العُصورْ،
بعدَ رَجعةِ سَلِيلِ الظلامِ و النورْ. "
ما هذا الهُراءُ مِن الواضِحِ أنَهُ إختَلَطَ مَعَ الكُتُبِ التَي إشتَريتُها، آملُ أنَّ سِعرهُ لَيسَ بِغالٍ، وَضَعتُهُ بِالحَقِيبةِ مَعَ باقي الكُتُبِ تَجَهُزّاً لِلرَحيلِ بَعدَ غَدٍ.
بَعَدَ الظَهِيرةَ ذَهَبنا أنا وَ آني لِلتَسَوق فِي المَركَزِ التِجارِي، إشتَرَينا المَلابِس و الأحذِية وَ كَذلِك الحَقائِب، إنْ كُنتُ أنا أضْيِعُ بَيِنَ الكُتُبِ فَأِنَّ آني بَيِنَ العَلامْاتِ التِجارِيةَ و ألْوانِ الثِيابِ، بِالكْادِ إسْتَطَعتُ إخْراجَها مِن هُناك وَ نَحنُ مُثَقَلِينَ بِالأكْيِاسِ وَسَطَ تَذَمُراتِ آني عَلى أنَّ هذِه الأكْياسِ لا تَكْفِيها وَ إنَها تُرِيدُ المَزِيد،
(( يَكفْي آني لَقَد إشْتَرَينا الكَثِير، ألا تَشْبَعينْ؟)) نَبَستُ
((لا، وَ لَنْ أشْبَع إنِهُ مُتعَتِي إفهَمِي يَا فالي، إنِهُ يَحتَلُ المَركَز الثْانِي بَعدَ التَمْثيِل، كَيفْ لا يُمْكِنَكِ أنْ تَفهَمِي)) تَذَمَرتْ آني
((أنا لا أفْهَمْ مْا المُتعَةِ مِن أنْ تُبَذِري مْالكِ عَلى أشْياءٍ لَنّْ تَسْتَفادِي مِنها، حَسَناً أنا لا أقُولُ أنْ عَلَيكِ أنْ لا تَشْتَري مَلابِس لْكنْ لَيسَ بِهذا القَدِرِ)) قُلْتُ مُخاطِبةً،
((لَيسَ لَكِ الحَقُ بِالقَولِ هَذا، ألَستِ أنتِ التِي تَذرُفُ مْالَها كُلَهُ مِن أجِلِ الكُتُبِ))
(( كَيفَ أمْكَنَكِ المُقارَنَةُ يَا آني، أتُقارِنِينَ الكُتُبَ بِالمَلابِسِ و مُستَحَضَراتِ التَجمِيل؟، المَلابِسُ مَعَ الزَمَنِ تَهتَرِئ و المُستَحضَراتِ تَنفَذُ أمْا الكُتُبُ وَ مْا تَحَوِيه دائِمْةٌ بِلا زَوَالٍ، إنَها أبَدِيَّةٌ، إنَها كَشَلالٍ مِن الأحَرُفِ لِطِفْلٍ لَمْ يَنطُقَ بَعد، وابِلٌ مِن الحِبْرِ يَصُبُّ فِي بْاطِنِ جَوفِك لِيَمْلَئهُ، رِيحٌ تَعصِفُ حامِلةً كَلِمْاتٍ لِتَكْنُسَ غُبارَ رُوحِكَ، يَرُوقنِي أنْ أفْنيَ حَيِاتِي بَيِنَ أضُلُعِها، أكْتَشِفَ نَفْسِي بِها بَعدَ ضَياعٍ، مِرآةً تَعكِسُ لِي عَوالِمَ خُلِقَتْ مِن بَناتِ صانِعِيها، عَوالِمٌ تَجِدُ نَفْسِكَ فِيَها، أنا أُولَدُ مِرارَاً مَعَ كُلِ كِتابٍ أقرَؤهُ، كُلِ سَيلٍ مِن المَشاعِر يَجرِفَنِي بَعيدَاً عَنْ الواقِعِ، مَعَ كُلِ كِتابٍ أفتَحُهُ تَنْبَثِقُ خُيُوطٌ مِن جَوفِهِ تَشُدُنِي لَهُ، وَ تُقَيدَنِي فِي الزْاويِةِ بَعيدَاً عَنْ الأحْدْاتِ أُشاهِدُ فِي جَوفِ الّبَحبُعدِ شارِعينِ فَقط، أسرِعي)) ،
أخَذَت بِيدَي تَسحَبُني خَلفَها ، وَ أنا غَائِبةُ عَن الوَعي تائِهةٌ بَينَ وَساوِسِ عَقلِي.
وَصَلّنا لِلمَحَلِ، لَم يَكُنْ مَحَلاً بَسِيطاً كانَ يَبدُو عَلَيهِ رَونَقُ الفَخامَةِ وَ الطابِعُ الكلاسِيكي ، وَرَقُ الجُدرانِ الوَردي المُزَيّنِ بِزَخارِفَ ذَهَبيةِ وَ الثُرَيةَ الصَغيرَةُ تَتَوَسَطُ السَقفَ ، وَ الطاوِلاتِ الخَشَبِيةِ المُستَدِيرَةِ وَ النُقوشُ الَتي حُفِرَت عَلَيها تُحيطُها كَراسي لا تَقِلُ جَمالاً عَنها، وَ الرُفوفُ المَحشوَةَ بِأنواعِ الحَلَوياتِ يَفصِلُها الزُجاجِ عَنّا وَ رائِحَةُ الفانِيلا الَتي تُدَلِلُ أنفَكَ فَورَ الدُخولُ ، أحِسُ إني دَخَلتُ لِعالَمٍ آخرٍ وَ زَمَنٍ آخر، هَل ِآني مُتَأكِدَةٌ أنَها تَستَطِيعُ دَفعَ ثَمَنِ الحَلوى؟، سَحَبَتني آني مِن يَدي إلى الرُفوفِ لِنَختارَ الحَلوى ، بِصَراحَةٍ هُناكَ أنواعٌ لا تُحصى مِن الحَلوى الَتي يَذوبُ لَها الناظِرُ شَغَفَاً، صّفَّت فِي رَفوفٍ مِن الزُجاجِ، جُلَّ الأنواعِ ، كُلَّ ما تَشتَهِيهِ النَفسُ مِن اللَذَةِ، بَحرٌ مِن النَكهاتِ الَتي تُدَلِلُ بَراعِمَ تَذَوقِكَ ،لَدَيهم البراوني وَ الدونات وَ الماكرون ،إكلير ،تيراميسو وَ كريم بروليه
(( سَآخُذُ تِلكَ الَتي بِنَكهةِ التُوتِ الأزرَقِ)) أشارَت بِإصبَعِها ،
((وَ ماذا عَنكِ؟))
فِي هذهِ الأمورِ لا آخذُ وَقتَاً لِلتَفكِير لِأني قَرَرتُ مُنذُ وِلادَتي أنَّ لِساني لا يَستَسِيغَ أيَ نَكهةٍ إلا الشوكلاتةِ ، مُغرَمَةٌ بِها مُنذُ أنْ حَطَت أولُ قِطعَةِ مِنهُ عَلى أرضِ لِسانِي ، أؤمِنُ بِأنْ الحَلوى خُلِقَت مِن أجلِ أنْ تَكُونَ شكولاتةِ ، هذا رَأيِي، أخَذتُ وَاحِدَة بِنَكهَةِ الدارك شوكلت ، أخَذَنا إحِدى الطَاوِلات الَتي بِجانِبِ الواجِهةِ الزُجاجِيةِ وَ أنا عَقلِي ما زالَ مُعَلَقٌ مَعَ تِلكَ الحادِثَةِ، ما الَذي حَصَلَ بِالتَحديدِ ، لِماذا كانَ يُحَدِقُ فيّ وَ كَيفَ أدخَلَ كَلِماتِهِ إلى رَأسْي ، وَ ما مَعنى تِلكَ الجُملَةِ ، أعتَقِدُ إني داخِلَ فِلمَ رُعبٍ أو ما شابَهَ، رَفَعتُ نَظَريَ لِآني ، أراها فِي عالَمِها الخاصِ ، وَ الَذي يَتَضَمَنَ هِي وَ تِلكَ الكَعكَةِ، تَمتَمتُ بِصَوتٍ مُنخَفِضٍ قَليلَاً ،
((آني...)) رَفَعَت نَظَرَها إلِي
((ماذا هُناكَ ؟، ألَم تُعجِبكِ الكَعكَةُ ، لا بَأسَ أعطِنِي إيَها))
((أَوَ لَم تَقولِي إنَكِ تَهتَمينَ بِجَسَدِكِ ؟ أنتِ تَأكُلينَ كُلَّ شَيئً يَظهَرُ أمامَكِ...)) تَرَدَدتُ قَلِيلاً بِإخبارِها ، لكْنّي أُريدُ أنْ أُحَدِثَ شَخصَاً ما عَن الحادِثَةِ، شَخصَاً يُعطِيني سَبَباً مَنطِقياً يَجعَلُ مُحَرِكاتِ عَقلِي تَسكُت ،
((آن ، هُناكَ شَيءٌ حَدَثَ لِي مُنذُ قَليلٍ عِندَما كُنّا فِي وَسَطِ المَوكِبِ)) أطالَت النَظَرَ لِي مُستَغرِبَة،
((ماذا حَدَث؟، أغازَلِكِ أحدُ الشُبانِ هُناكَ ؟)) هَمَسَت بِنَبرَةٍ ماكِرَةٍ وَ هِيَ تَغمِزُ،
((لا لَيسَ الأمرُ كَذلِكَ..... كُلُّ ما فِي الأمرِ هوَ....)) نَظَرَت لِي مُحَملِقةً مُنتَظِرَة إكمالِي ،
((حَسناً، لا أعرِفُ بِالتَحديدِ ما الَذي حَصَلَ ، لكِنَهُ كانَ غَريباً وَ مُخيفَاً، عِندَما كُنّا فِي الزِحامِ رَأيتُ رَجُلاً كانَ مَظهَرهُ غَريب جِدَأ ، شَكلُهُ غَيرُ إعتِيادي ، مُرعِبٌ، كانَ يُحَملِقُ بِي دونَ أنْ يَرمِشَ ، فَقَط أنا مِن دونِ الجَميعِ ، كانَت نَظَراتُهُ مُخيفَةً لِلغايَةِ ، وَ فَجأةً إنقَطَعَت الأصواتُ حَولِي ،كُنتُ لا أقدِرُ أنْ أرمِشَ أو أنْ أُزيحَ بَصريَ عَنهُ ، وَ مِن ثُمَ سَمِعتُ صَوتَهُ بِداخِلِ رَأسْي، يَهمسُ بِجُملَةِ غَيرِ مَفهومَةِ عَن الظَلامِ وَ العَودَةِ وَ البِلادِ، نَهَشَني الصُداعُ وَ جَسَدي أصبَحَ ثَقيلاً ، وَ ظَلَّ يُرَدِد تِلكَ الجُملَة ، بَقيتُ
عَلى تِلكَ الحالِ حَتى لَمَستِ كَتِفي، عِندَما أرجَعتُ بَصَري لَهُ لَم يَكُن مَوجُوداً ، أعطنِي تَفسِيرَاً مَنطِقياً يُسكِتُ عَقلي ، أَرجِوكِ)) أردَفت راجِيةً،
((التَفسيرُ الوَحيدُ لِتلكَ الظاهِرَةِ هوَ الحُبُ مِن أوَلِ نَظرَةٍ))
((ما هذهِ الهَرقَطَةِ الَتي تَقولُها هذهِ الفَتاةُ ، أقولُ لَها كِدتُ أموتُ رُعبَاً تَقولُ لِي أولَ نَظرَةٍ، ألا تَفهَمينَ؟)) أنبَّيتُها، حَرَقَت أعصابِي ،
((فالي، لا تَقلَقي إنَها مُجَردُ هَذَيانٍ بِسَبَبِ التَعَبِ وَ التَوَتِرِ وَ لا تَنسَي أنَّ المَكانَ كانَ مُزدَحِمٌ ، رُبَما أصابَتكِ نَوبَةُ هَلَعٍ ، عَلَيكِي فَقط أنْ تُصَفِي ذِهنَكِ ، هَيا إبِتَسِمي قَلِيلَاً ، كَفاكِ عُبوسَاً)) طالَعَتني بِأعيُنِها البُنِيةِ ،
(( أنا لا أَدرِي يَا آن ، لا تَهتَمي ، فَقط إنسِ الأمرَ، هَيا لِنَذهَبَ))
بَدَأت الشَمسَ بِالنُزولِ إلَى الأُفُقِ مُعطِيةً لَنا ألوانَ الشَفَقِ كَهَديةِِ لِلوَداعِ ، كانَت الشَوارِعُ شِبهُ فَارِغَةً مِن الناسِ ، هُدُوءٌ جَميلٌ ، كُلُّ شَيءٍ مِن حَولِكَ أبيَضٍ، آن تَسبَقُني بِبِضعِ خُطُواتٍ وَ أنا خَلفَها أجُرُ أشباحَ وَساوِسي ، مَعَ التَفسِيرِ المَنطِقي الَتي ذَكَرَتهُ آن إلا إنَني لَم أَقتَنِع، أَعرِفُ كَيفَ أُمَيَز بَينَ الوَهمِ وَ الواقِعِ ، رُبَما أَذهَبُ إلَى آلفيس ، بِالطَبعِ هوَ يَعرِفُ كُلَّ شَيءٍ ، ذلِكَ العَجوزُ عِبارَةٌ عَن مَوسوعَة ، أرجُو أنْ يَجدَ تَفسِيرَاً لِما حَدَثَ ، سَأزُورَهُ غَدَاً ، وَ فَجَأةً أُنتُشِلَت الأكياسَ مِن يَدي وَ بِنَفسِ اللَحظَةِ كَوَرتُ قَبضَتِي أُوَجِِهُها لِوَجهِ أياً يَكُن مَن أخَذَها ، لكِنَها تَوَقَفت قَبلَ أنْ تَصِلَ لِوَجههِ ،
((ضَعِيفَةٌ ، تِلكَ الحَرَكاتِ الَتي تَعَلَمتِها مِن الأنتَرنَت لَنّْ تُجدِي نَفعَاً عِندَما يَكُونُ المَوقِفُ حَقيقي وَ بِمواجَهةِ لِصٍ أو قاتِلٍ مُتَسَلسِلٍ ، ماذا سَتَفعَلينَ حِينَها يا آنِسةَ فالي؟))
مَهلاً، أعرِفُ هذا الصَوتَ.... ذلِكَ الأحمَق ، وَ نَعَتَني بِالضَعيفَةِ أيضَاً ،
((ماذا تُريدُ آندرو ،أُترُكِني وَ شَأنِي لَستُ بِمِزاجٍ لِتَفهاتِكَ )) قِلت وَ أنا آخِذ الأكياسِ مِن يَدهِ قَسرَاً
((عَلى رِسلِكِ يا آنِسةُ أنا أَحتاجُ لِيَدي)) قالَ مُتَألِم،
وَضَعَ ذِراعَهُ حَولَ رَقَبَتي (( إذَا، كَيفَ الأحوال؟))
((إبتَعِد عَني ،مُغَفل)) أبعَدتُ ذِراعِهُ عَني بِعُنفٍ ،
((مَتى سَتَذهَبينَ إلَى جامِعَتِكِ؟))
((بَعدَ غَدٍ))
((حَقاً؟ ، ما الَذي حَصَلَ هَل تَغَيرَ المَوعِدُ؟)) قالَ بِنَبرَةٍ مُستَغرِبَةٍ،
((نَعم، قَدَموه مِن أجِلِ إجراءاتِ التَسجِلِ،وَ أنتَ ماذا قَررتَ بِخُصُوصِ تَخَصُصِكَ؟))
(( أتا؟ أُقَرِر؟،ساذَجَةٌ، أبي حَكَمَ عَلَيَ بِإدارَةِ الأعمالِ مُسبَقَاً ،لا جَدوى مِن المُحاوَلةِ ، تَضييعُ وقتٍ تَقَبَلتُ مَصيريَ))
((أحمَق)) قُلْتُ بِنَبرَةٍ بارِدَةٍ قَلِيلَاً ،
كُنّا ثَلاثة ،آني الجَميلةُ وَ الذَكِيةُ ،آندرو المُغَفَلُ وَ الثَري ،وَ أنا..... أنا، أنا حَقاً لا أعرِفَ مَن أنا ،
مُنذُ أيامِ الرَوضَةِ عِندَما كُنا نَتَشارَكُ الطَعامَ، ألى مُشاجَارتِ الأبتِدائِيةِ ،إلَى قَساوةِ الثانَويةِ ،لَم نَفتَرِق أبَدَاً ،آندرو كانَ نَوعَاً ما يَشَبَهُنا ،مَعَ أنَّ أبَويهِ حَييَنِ ،إلا إِنَّ لَيسَ لَهُما أثَرٌ فِي حَياتِهِ ، أما أنْ يَكونا فِي إجتِماعٍ أَخارِجَ البَلَدِ لِعَقدِ صَفقَةٍ ما أو داخِلَ إجتِماعٍ ما، وَ نَحنُ نُبتَلى بِسَذاجةِ آندرو،
كَوَرَ يَدَيّهِ حَولَ فَمِهِ وَ صاحَ بِجانِبِ أُذني،
((آنننننيييي.....!، هههاااييي......!، مارلين مورو ،إنتَظِري قَلِيلاً، قَد أقتِلُ نَفْسِي إذْا بَقيتُ مَع كُتلَةِ النَكَدِ هذِه)) وَضَعتُ يَدايَّ عَلى أُذُنايَّ أسُدُهُما،
((لا أرجُوكَ، لا تَذهَب، لا أقدِرُ أنْ أتَنَفَسَ مِن دُونِكَ ، أُغرُب عَن وَجهي مَن يَهتَمُ لَكَ ، وَ فِي المَرَةِ الثانِيةِ لا تقتَرِب مِني هكَذا وَ تَصيحَ ،كَما تَعرِف مازِلِتُ صَغيرةً عَلى أنْ أُصبِحَ صَماء)) صِحتُ بِوَجههِ، رَكَضَ نَحوَ آن ،
مَهلاً، دَعني أبدَأُ مِن جَديدٍ ،آني الجَمِيلةُ وَ الذَكيةُ، آندرو المِغَفلِ و الثَري ، وَ أنا النَكَدِيةُ وَ المُزعِجةُ، قَد أكونُ هكَذا أكرَهُ البَشَرَ وَ لا أُطيقُ التَواجُدَ مَعَهُم ، وَ لا أُحِبُ المُزاحَ وَ دائِمْاً مَزاجِيَ فِي أسوَءِ حالَاتِه ، لكْن لَيسَ لِهذِهِ الدَرَجةِ، لَدَيَ جانِبٌ آخَرٌ ، أنا قادِرةٌ عَلى الضَحِكِ وَ المُزاحِ وَ التَفاؤلِ أيضاً بِالنِهايَةِ أنا إنسانٌ.
وَصَلنا لِلمَيتَمِ مَعَ أخرِ خَيطٍ لِلنورِ ، وَ وجَدنا الآنِسةُ مارسي وَ بَعضِ الفَتَياتِ يُجَهِزنَّ طاوِلةَ العَشاءِ ،
(( آندرو؟، أين كُنت كُلَ هذِه الفَترةَ ؟))
((أخَذَني أبي مَعَهُ إلَى الشَرِكَةِ بِحُجةِ تَعلِيمي بَعضَ الأُمُورِ ،لكْن مَرَّ أُسبوعَينِ وَ أنا مِثلُ الصَنَمِ بَينِهم لا أفقَهُ شَيئاً وَ أيضاً كُنتُ أهرُب مِن طَعامِكِ المُقرِف ، عَجَباً لَم يَتَغير عَلى مَرِّ السِنينِ ،مازالَ طَعمُهُ لاذِع))
((وَ أيضاً إلى جانِبِ الأُمورِ التِي يُعَلِمكَ أباكَ إيها ، ألَم يُعَلِمكَ الاحتِرامَ؟)) وَ هكَذا بَدَأت المُشاجَرَةُ المُعتادَة ، عَدُوانِ مُنذُ الأزَلِ ،
آندرو الوَلدَ الوَحيد المَسمُوحُ لَهُ بِدُخولِ المَيتمِ ، لإنَّ أباهُ أحدُ مُمَولِينِ هذهِ الحُفرَةَ ، لِذا قَضى آندرو مُعظَمَ حياتِهِ هُنا ، حَتى هُناكَ أيامٌ عِندَما يَكونُ أبَواه مُسافِرانِ يَبيتُ هُنا مَعَ الأولادِ، أظُنهُ يَتيمَاً مِثلَنا.
أخَذتُ الأكياسَ أصعَدُ بِها لِلغُرفةِ ، رَمَيتُها عَلى الأرضِ وَ قَذَفتُ بِجَسَدي عَلى السَريرِ، رَأسْي يُؤلِمُني، الظِلالُ تَسَرَبت مِن تَحتِ البابِ ، هاجِسٌ غَريبٌ عَليَ ، تِلِكَ الجُملَةِ ضَلّت تَتَرَدَدُ فِي رَأسْي، أُغمِضُ عِنايَ ، مُرتَجيةً أنْ تَختَفي الأشباحِ ،لكْنَ هذا زادَ الأمرَ سُوءاً، وَجههُ لا يَغيبُ عَني، يَنهَشُ راحَتي و......، جَلَستُ فَورَاً أنزَعُ تِلكَ الوَساوِسَ التِي إغتَصَبَت ذِهني ، إهدَئي فالي، حَياتُكُ لا تَتَوَقفُ عِندَ لَحظَةِ ، إذْا سَمِحتي لَها سَتَضَلُ عالِقَةً هُناكَ تُطارِدُكِ، وَ هذا يَقِفُ حاجِزَاً بَيِنَ حَياتُكِ الجَديدةِ، يَجيبُ أنْ أُصَفيَّ ذِهني مِثلَما قالَت آن ، إنفَتحَ البابَ فَجأةً مِن قِبَلِ آن،
(( حرِكِ مُؤخِرَتكِ، سَيأكلُونَ حِصَتُكِ إنْ لَم تَنزِلي))
أغمَضتُ عَينيَّ ، إهدَئي سَتَتخَلَصينَ مِنهم قَريبَاً.
𝙲𝚛𝚘𝚟𝚒𝚗𝚊