مجهُول

مجهُول

17 1

كنت في أحلامي فكيف ظهرت؟ أكُتب لحلمي أن يتحقق! #فريدة ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ جلسَت فتون في المقهى، عيناها تتابعان حركة الشارع من وراء الزجاج، تُفكر في المكالمة التي أجرتها للتو. أمجد كان محور الحديث دائمًا، حتى لو لم يكن حاضرًا. كان هناك شيء غريب في حياته مؤخرًا، شيء لم تستطع فهمه بالكامل. فجأة دخلت أرين، بابتسامتها الهادئة، لكنها كانت تحمل قلقًا واضحًا. فتون: "بصراحة يا أرين، أنا مش عارفة أمجد مالو الفترة دي. فيه حاجة غريبة بتحصل معاه وأنا مش قادرة أفهمها." أرين (تتنهد): "أنا كمان مش فاهمة. هو بيتكلم عن حاجات مالهاش أي منطق... بيقول إنه بيشوف حاجات في أحلامه، حاجات غريبة جدًا، ومرتبطة بوحدة اسمها فريدة. بس المشكلة مش بس في الأحلام، ده واضح عليه في الشغل كمان." فتون: "فريدة؟ مين دي؟ أنا عمري ما سمعت عنه يتكلم عن حد بالاسم ده." أرين (بحيرة): "دي البنت اللي بتظهر في أحلامه. فجأة طلع الاسم ده وبدأ يتكلم عنه كأنها حقيقة. هو كان دايمًا عنده مشاكل مع النوم، بس المرة دي الموضوع زايد عن حده." فتون: "أنتِ كلمتيه عن الموضوع ده؟ حاولتي تفهمي منه؟" أرين: "حاولت. بس مش سهل. كل ما أسأله يقول لي إنها مش مجرد حلم، وإنه بيحس إنه جزء من حياته مش فاهمه." فتون (بقلق): "وأنتِ شايفة إيه؟ يعني ده ممكن يكون علامة على حاجة أخطر؟" أرين: "مش عارفة. هو طبيب نفسي بنفسه، وده بيصعب الأمور أكتر. لو كان حد تاني، كان ممكن أقول إنه محتاج مساعدة. بس هو اللي المفروض يساعد الناس... هو اللي المفروض يبقى عارف، بس المرة دي هو اللي ضايع." بينما كانت أرين تتحدث، كانت فتون تشعر بأن هناك شيئًا أعمق من مجرد قلق. أمجد كان يعيش دائمًا حياة معقدة، لكن هذه المرة الأمور أخذت منحى مختلفًا. شعرت بأن فريدة هذه تحمل مفتاحًا لمعرفة ما يجري. فتون: "طيب... وفريدة دي، إيه علاقتها بموضوعه؟ هو بيقول إيه عنها بالضبط؟" أرين (بتردد): "هو مش بيقول كتير، بس من كلامه واضح إنها مش مجرد شخصية في حلم. بيحس إنها بتتواصل معاه، زي ما تكون هي اللي بتقوده لحاجات هو مش عارفها. وكل ما يتكلم عنها بيبقى مرتبك أكتر." فتون: "يا لهوي... يعني الوضع بقى لدرجة دي؟" أرين: "أيوه. المرة الأخيرة لما اتكلمنا، قال إنها الحالة الجديدة، في الواقع مش في حلم." فتون (مصدومة): "إيه؟!" أرين (بتوتر): "أيوه... قال إنها الحالة الجديدة اللي يحيي سلمها له و ان مفيش غيره يقدر يتعامل يعني طلعت موجودة بجد." الجو في المقهى بدأ يتغير، الغموض يزداد حول فريدة. كيف يمكن أن تكون هناك شخصية في الأحلام، وتظهر فجأة في الواقع؟ هل كان أمجد يهلوس أم أن هناك شيئًا أكثر تعقيدًا يحدث؟ فتون (بدهشة): "طب وأنتِ عملتي إيه لما قالك كده؟" أرين (بتردد): "الصراحة، مكنتش عارفة أقول إيه. حاولت أهديه وأقوله إن دي ممكن تكون مجرد هلوسة بسبب الضغط اللي عليه، بس هو كان مقتنع إنها كانت حقيقية." فتون: "معقولة؟ طب ممكن يكون فيه تفسير علمي لحالته؟ يعني زي الحلم الواعي أو حاجة؟" أرين: "ممكن، بس اللي بيقلقني إنه بيبقى مقتنع جدًا بكل حاجة بيشوفها، وكأنه فعلاً عايشها." فتون (تفكر): "طيب، وفريدة دي، ممكن تكون شخص حقيقي كان يعرفه في الماضي؟" أرين: "معرفش... هو مذكرش حاجة عن الماضي، بس لما بقولك هو بيحس إن الموضوع أكبر من مجرد حلم. حسيت كأن في حاجة شخصية بتربطه بيها." الموضوع أصبح أكثر تعقيدًا. فتون بدأت تشعر أن أمجد قد يكون على حافة شيء خطير، وأن فريدة هذه ليست مجرد شخصية في الحلم. ربما هي تفتح له بابًا إلى ماضٍ لا يعرفه، أو ربما هي رمز لشيء أعمق بكثير مما يظهر. فتون (بقلق): "طب وإحنا المفروض نعمل إيه دلوقتي؟ نكلمه؟ نواجهه؟" أرين: "أنا بفكر إننا نسيبه شوية... يمكن هو بنفسه يلاقي حل أو يفهم الموضوع. بس لو زاد الوضع أكتر، لازم نتدخل." فتون (بتوتر): "طيب، بس خلي بالك، الموضوع ده لو طلع أكبر من مجرد حلم، أمجد ممكن يكون في خطر حقيقي." أرين: "عارفة... وده اللي مخوفني." بينما كانتا تتحدثان،لاحظت فتون أن هناك شخصًا غريبًا يجلس على بُعد منهما داخل المقهى شعرت عندها فتون بوخزه في قلبها عندما رأته ولم تكن تتحدث الي أرين ووجدته أختفى وفي تلك الاثناء رن هاتف أرين وكان المتصل جاسر ---------------------- كان اليوم يبدو هادئًا، لكن في منزل أمجد، الأجواء كانت مختلفة. كان الجميع يستعد للتجمع المنتظر، ولسبب ما، كان الأمر يتخذ طابعًا غير عادي. سناء، والدة أمجد، كانت تجهز البيت لاستقبال يحيى وجاسر وفتون وأرين، أصدقاء أمجد، بينما الأخير لم يكن على علم بأنهم يخططون لمفاجأته. جاسر (متهكمًا وهو يكلم يحيى): "يا بني إنت متأكد إن ده وقت مناسب نروح له؟ أمجد يا دوبك لسه فايق من اللي حصل معاه المرة اللي فاتت." يحيى (ضاحكًا): "متأكد! يا عم ده أمجد أكيد مشتاق يشوفنا، ده شكله بقاله كتير مشافش ضحكة زي دي." جاسر (ساخرًا): "أه، أكيد لما يشوفك هيفتكر النكد. إنت كمان بتجيبي له الطاقة السلبية." يحيى (مستاء): "يا سلام! إنت بقى اللي دايمًا مبهج؟" السرد بالفصحى: على الجانب الآخر، كانت سناء تنشغل في تجهيزات المنزل، رغم أنها لم تكن تتوقع هذا العدد الكبير من الزوار. لكنها كانت تعلم جيدًا أن أمجد بحاجة لبعض المرح والراحة من أصدقائه المقربين، حتى لو لم يعترف بذلك. فجأة، رن الهاتف. الحوار بالعامية: سناء (بابتسامة): "أيوه يا جاسر، إنتوا فين؟" جاسر: "إحنا جايين في السكة يا طنط، بس يحيى مصر نجيب له كيكة في السكة... بيقول إن أمجد محتاج سكر." يحيى (بصوت عالي): "لا بقولك إيه، ده مش ليه، ده لي أنا!" سناء (ضاحكة): "طب يا جاسر ما تجيبوا اللي يريحكم، أنا هنا مستنياكم.وفتون وأرين معاكم؟ " جاسر: "ماشي يا طنط، خمس دقايق ونكون عندك.لا هتصل عليهم أشوفهم فين" لم تمضِ دقائق قليلة حتى وصل جاسر ويحيى إلى المنزل. عند دخولهم، كانت سناء تقف بانتظارهم بابتسامتها المعتادة، تلك الابتسامة التي كانت تمنحهم شعورًا بالراحة كلما زاروا بيت أمجد. سناء: "أهلاً أهلاً، نورتوا البيت.وأرين وفتون فين؟ " وما كادت تكمل جملتها حتى سمعت صوت أرين يصدح في الاجواء " أنا جيت يا بشر" يحيي (ساخرًا): "اهي جاءت حضرتها شرفت بصوت البلاعات بتاعها ده" أرين (بغضب): "بتقول حاجه يابن حليمه اصل مش سمعاك" جاسر (ساخرًا) : " اتفضلو ادخلو مش ناقص اطلع علي قنوات الاعلام زي كل مره " فتون (بغباء): "تقصد اي هاا؟ " سناء: "هتدخلو ولا اصحي امجد يشوف الدنيا معاكم زي المره الفاتت" يحيى (بحماس): "الله ينور عليكي يا طنط سناء، البيت ده دايمًا ريحته حلوة." جاسر (ساخرًا): "ده عشان كل مرة تيجي تاكل!" يحيى: "إنت مالك؟ مش المفروض إننا هنا نرفع من معنويات أمجد؟" فتون (ساخره) "لا و انت الصادق يا بني" سناء (بضحكة): "يا ولاد، كفاية خناق بقى. طيب، فين الكيكة اللي قلتوا هتجيبوها؟" جاسر (بتهكم): "على الاقل مش كل بمشي ورا كل خناقه انشرها علي قنوات الاعلام زي ناس. " يحيى (مدافعًا): "أنا جيبت كيكة علشان نبقى مجهزين، مش علشان الأكل بس!" بينما كانوا يتبادلون التلقيح علي بعضهم البعض ، جاء صوت أمجد من الغرفة المجاورة. بدا وكأنه لم يكن على دراية بما يحدث في الخارج، لكنه شعر بأن شيئًا غير عادي يحدث. أمجد (بصوت مرتفع من بعيد): "إيه الخناق ده؟ حد في البيت؟" سناء (بنبرة حنونة): "أيوه يا حبيبي، تعال شوف مين جه يزورك." أمجد (مستغرب وهو داخل): "إيه ده؟ جاسر ويحيى و أرين وفتون؟ إنتوا جايين فين؟" يحيى (بابتسامة): "إيه يا بني، إحنا لازم ناخد إذن عشان نجي لك؟" جاسر (ضاحكًا): "أصلًا إنت فاكر إن إحنا هنا عشانك؟ إحنا جايين علشان طنط سناء." أرين" حصل جاسر معاه حق " أمجد (بنبرة ساخرة): "أيوه، واضح." بدأ الجو يتغير بشكل طبيعي، كان الحوار بين الأصدقاء والأم يأخذ طابعًا كوميديًا وخفيفًا، لكن سرعان ما تخللته لحظات من الجدية. كان واضحًا أن هناك شيئًا ما يحاولون تجنبه، شيء يتعلق بحالة أمجد النفسية. جاسر (بجدية): "أمجد، بصراحة إحنا جايين نسألك عنك... الفترة الأخيرة كنت غايب كتير." أمجد (بقلق): "أيوه، كنت مشغول شوية." يحيى: "مشغول؟ ولا الموضوع له علاقة بالحاجات الغريبة اللي بتحصل معاك؟" أمجد (متردد): "إيه اللي جاب سيرة الحاجات دي دلوقتي؟" أرين (بقلق): "أمجد، إحنا بس قلقانين عليك. جاسر ويحيى كمان بيقولوا إنك مش بتتكلم كتير معاهم." بينما كان الحديث يتحول إلى موضوع أكثر جدية، بدا أن أمجد يحاول تجنب النقاش، لكن جاسر لم يكن من النوع الذي يترك الأمور تمر دون أن يفهم ما يجري. جاسر: "أمجد، بصراحة أنا مش عايز ألف وأدور، إيه اللي حصل؟ ليه بقيت غريب كده؟" أمجد (بتوتر): "جاسر، الموضوع معقد، ومش هينفع أتكلم فيه دلوقتي." يحيى (محاولًا التخفيف): "بص يا عم، إحنا مش جايين نضغط عليك، بس على الأقل طمنا إنك بخير." أمجد (مبتسمًا بتوتر): "أنا بخير، بس في حاجات... بتاخد وقت عشان أفهمها." فتون (بقلق): "ربنا معاك يا .امجد إحنا معاك مهما كان." رغم الحوارات الكوميدية التي غلبت على اللقاء، لم يكن يخفى على أحد أن أمجد يمر بفترة صعبة. الجو كان يتأرجح بين المرح والجدية، كما لو كان الجميع يحاولون التهرب من الحقيقة الواضحة. ------------------- جاسر (محاولًا تخفيف الجو): "طيب يا أمجد، ما علينا، خلينا في الأهم... هنأكل إيه بقى؟" يحيى (ضاحكًا): "أيوه يا عم، عايزين نعرف طنط سناء عاملة لنا إيه النهارده؟" سناء (بابتسامة) وهيا تدلف الي الغرفه: "أنتوا بس قولوا إنتوا عايزين إيه وأنا أجهزلكم." أمجد (ساخرًا): "أيوه، عشان هما جاين يزوروا المطبخ مش يزوروني." تحولت الأجواء مرة أخرى إلى المرح، وأخذ الجميع يضحكون من جديد. لكن خلف تلك الضحكات، كان هناك شعور بأن شيئًا غير مكتمل، وأنهم جميعًا يحاولون الحفاظ على بعضهم البعض في مواجهة شيء مجهول --------------------------- كان الليل يلف المستشفى بظلامه الثقيل، يتسلل إلى غرفة فريدة رقم 705 بصمت مُريب. النور الشاحب المنبعث من مصباح السقف بالكاد يضيء أطراف الغرفة. شعرت فريدة بظلال غامضة تزحف نحوها، وكأن الغرفة تضيق شيئًا فشيئًا. كانت تجلس على السرير، تتأمل النافذة المغلقة بعينين متوترتين، ثم فجأة، سمعت صوتًا قادمًا من العدم، صوتٌ ثقيل، مُهدد: "إنتِ لسه مُصرّة على اللي في بالك؟ لو فضّلتِ ماشية في الطريق ده، مش هيفضل حد جنبك عايش." ارتجفت قليلاً، وحاولت السيطرة على نفسها. نظرت حولها، ولم ترى أحداً. "إنت مين؟ عايز إيه؟" سألت وهي تصارع الخوف الذي يتملكها. الصوت جاء أقرب، وكأن صاحبه واقف بجوار سريرها: "معقوله نسيتي صوتي يا فريدة. المهم إنك لو فتّحتي بقك وقلتي اللي عاوزة تقوليه، هيموت كل اللي بيحاولوا يساعدوك. قريب قوي، هوصل للشخص اللي بيحاول يخرجك من هنا... وهموته." التقطت أنفاسها بصعوبة، وبدأت تتساءل عن مصيرها ومصير من يحاولون مساعدتها. لكنها لم تستسلم، نظرت بعناد نحو الصوت، وكأنها تحاول تحديه: "مهما عملت، مش هتقدر تخليني أسكت! والله ما هسيبك! هكشفك وهقتلك، فاهم؟!" الظلام ازدادت كثافتها، وكأن الغرفة تبتلعها. الصوت أصبح أكثر قسوة، تملأه نبرة استهزاء باردة: "إنتِ لسه مش فاهمة... مفيش هروب، ومفيش كشف. في النهاية، الكل هيموت." ثم ساد صمت مميت، وكأن الحضور الغريب اختفى كما جاء. لكن الخوف ظلّ يحيط بها، يخنق أنفاسها. الغرفة كانت ساكنة من جديد، إلا أن الهواء فيها أصبح أثقل، وكأن شيئًا خفيًا يجثم فوق صدرها. قلب فريدة كان يخفق بعنف، لكنها لم تسمح للخوف أن يتملكها بالكامل. نظرت حولها في الظلام، محاولةً التقاط أي حركة أو همسة، لكنها لم تجد إلا السكون. حاولت استجماع شجاعتها من جديد. "انت فاكر إنك هتقدر تخوفني؟" تمتمت بصوت متقطع. "مش هسكت. أبدًا." الصوت عاد، هذه المرة وكأنه ينبعث من كل زاوية في الغرفة، يغلفها. "الخوف مش هو مشكلتك، يا فريدة. مشكلتك إنك لسه فاكرة إنك عندك خيار." صوت خطوات ثقيلة على الأرضية. كأن الشخص المجهول يقترب. أنفاسها تقطعت، لكنها قاومت رغبتها في الصراخ. "قريب جدًا، يا فريدة... اللي بتحاولي تطلبي منه المساعدة، خلاص قرب نهايته. وهيبقى بسبَبِك." صرخت هذه المرة، لم تعد قادرة على كتمان الرعب الذي يتزايد بداخلها: "مش هسمحلك؟! تقتله؟! أنت عارف السبب كويس أوي!" لكن الصوت ضحك، ضحكة خافتة، باردة كالجليد، جعلت قلبها يغوص في أعماق الخوف. "مش هتعرفي غير لما يكون الوقت فات." فريدة ارتجفت، لكنها فجأة شعرت بالغضب يتصاعد داخلها. كيف يُسمح لهذا الشخص الغامض بأن يسيطر عليها بهذا الشكل؟ كيف يمكنها أن تبقى ساكنة وهي تعرف أن هناك من يحاول إنقاذها، وربما يُقتل بسببها؟ نهضت من السرير، تقدمت نحو المكان الذي بدا فيه الصوت آخر مرة. "أنا مش خايفة منك! هعرفك مين أنا! هكشف كل حاجة وهقتلك بإيدي!" الصمت عاد مرة أخرى، لكن هذه المرة كان مختلفًا. كأنه انتصار مؤقت للشخص المجهول، وكأن الظلام يبتلع كل شيء، حتى صوتها الظلام في الغرفة أصبح ثقيلًا لدرجة شعرت بها فريدة وكأنه يغلف جسدها بالكامل. كان الصمت عميقًا ومربكًا، ولكن قلبها لم يهدأ. برغم تهديدات الصوت الغامض، كان بداخلها شعور آخر ينمو - مزيج من التحدي والغضب. "فاكر نفسك قوي، صح؟" همست فريدة في الهواء، وكأنها تتحدث لشيء غير مرئي. "لكن الحقيقة هتظهر، مهما حاولت تمنعها." صوت ضحكة مكتومة عاد، لكنه بدا أبعد قليلاً هذه المرة، كما لو أن الشخص الغامض يتراجع خطوة للوراء. "إنتِ اللي فاكرة إنك قوية. بس في الآخر، ماحدش بيخرج من هنا... حي." حاولت فريدة أن تبقي أعصابها ثابتة، لكنها شعرت بوخز الخوف في صدرها. كان الشعور بأنه ليس هناك مفر يتسلل ببطء، يسيطر على عقلها. أدركت أن الشخص الغامض لم يكن مجرد تهديد. كان جزءًا من شيء أكبر، شيء أخطر مما كانت تتخيل. "إنت بتهددني، بس أنا مش هسيبك! أياً كان اللي بتحاول تعمله، والله ما هسيبك تعيش! هكشفك وهخلّص الناس منك!" صرخت فجأة، صوتها يتردد في الجدران، لكنه بدا وكأنه يتلاشى في الفراغ. "نشوف بقى مين اللي هيقدر يخلص على التاني الأول..." الصوت الآن بدا بعيدًا، كأنه يغيب تدريجيًا مع الظلام الذي كان يُخيّم على الغرفة. تراجعت فريدة إلى الوراء، جلست على حافة السرير وهي تحاول أن تستوعب ما حدث. كانت الغرفة هادئة مرة أخرى، لكنها لم تكن تشعر بالأمان. كانت تعلم أن هذا لم يكن النهاية، بل مجرد بداية لنهاية أمجد وأصدقائه. جلست فريدة على حافة السرير، صدرها يعلو ويهبط بتوتر، لكنها لم تكن قادرة على الهدوء. الظلام في الغرفة بدا وكأنه يزداد كثافة مرة أخرى، والأصوات المجهولة التي لاحقتها بدأت تتلاشى، لكنها كانت تعلم أن تهديدات الرجل المجهول لم تنتهِ بعد. فجأة، تذكرّت أمجد الذي أشار إليه الغريب، الشخص الذي يحاول إخراجها من هذا الجحيم. وكيف أنه سيقتله بسببها؟ قلبها غمره الخوف والقلق على مصره. ولكن كان هناك شيء واحد تعرفه جيدًا - لن تدع أحدًا يُقتل بسببها. "لازم أخرج من هنا، لازم أعرف الحقيقة!" همست وهي تقبض على أطراف السرير بعصبية. نظرت إلى الباب المغلق، شعرت أن أي محاولة لفتح الباب الآن قد تكون خطرة. ثم عادت الأفكار تتدفق إليها - ماذا لو أن الشخص المجهول لا يزال قريبًا؟ ماذا لو أنه يراقب كل خطوة تقوم بها؟ ولكنها لم تعد تهتم، شعورها بالخطر كان أقل من شعورها بالغضب والرغبة في النجاة. نهضت بسرعة وتوجهت نحو الباب بخطوات سريعة لكنها حذرة. كان الظلام في الخارج مخيفًا، والممرات تبدو فارغة بشكل غير طبيعي. قلبها كان ينبض بقوة وهي تفكر فيما ينتظرها في الخارج. هل ستجد ذلك الشخص الذي يحاول مساعدتها؟ أم أن الموت قد سبقها؟ أخذت نفسًا عميقًا، فتحت الباب ببطء، وخرجت إلى الممر، تحدق حولها في ظلام المستشفى. كان المكان يبدو كأنه معزول عن العالم، كما لو أن كل شيء توقف. صدى خطواتها الخافتة كان هو الصوت الوحيد الذي يقطع الصمت المميت. فجأة، سمعت حركة خفيفة في نهاية الممر، صوت أشبه بقطرات الماء المتساقطة، أو ربما شيء أكثر خطورة. توقفت لثوانٍ، جسدها متوتر، ولكنها قررت المضي قدمًا. مع كل خطوة تخطوها، كانت تشعر بأنها أقرب إلى مواجهة مصيرها. تسارعت أنفاس فريدة وهي تحدق في الظل الذي لا يزال واقفًا في مكانه. كانت قد فقدت شعورها بالزمن والمكان، وكأنها في كابوس لا ينتهي. لم تستطع أن تتحرك، قدماها عالقتان في الأرض، والخوف أصبح كابوسًا يعيش بداخلها. همست لنفسها محاولة استجماع شجاعتها: "لازم أتحرك... لازم أخرج من هنا قبل ما يحصل حاجة." الظل أمامها بدأ يتحرك ببطء، يقترب منها كأنه شبح قادم من عالم آخر. قلبها كاد يتوقف، لكنها كانت تعلم أنه لا مفر من المواجهة. تراجعت خطوة للخلف، ثم تقدمت مرة أخرى، محاولةً مواجهة ما ينتظرها. وفجأة، الصوت الذي سمعته من قبل عاد، لكن هذه المرة كان أوضح وأقرب: "إنتي فاكرة إنك هتهربي؟ مفيش مهرب، يا فريدة." بدأت ترتجف، عيناها تلتفتان في كل اتجاه، لكنها لم تستطع رؤية الشخص الذي يتحدث. كان الصوت يأتي من كل مكان ومن لا مكان في نفس الوقت. صرخت فريدة في الظلام: "انت أي يا أخي؟ عايز مني إيه؟!" لم تحصل على إجابة فورية. بدلًا من ذلك، بدأ الظل يتلاشى ببطء، كأن من يقف أمامها يذوب في الهواء. لكن قبل أن يختفي تمامًا، همس بصوت مخيف: "اللي بيحاول يخرجك... خلاص قرب. موته هو وصحابه مسألة وقت." تراجعت فريدة إلى الوراء، تشعر بيدها ترتجف وهي تضعها على جدار الممر لتستند عليه. كانت تعرف أن الخطر أصبح أقرب مما توقعت، وأن أمجد الذي يحاول مساعدتها قد يكون بالفعل في خطر مميت. كان الظلام من حولها يبتلع كل شيء، كأن المستشفى نفسها تتحول إلى فخ محكم. لم يكن أمامها سوى طريق واحد: أن تستمر في البحث عن مخرج، أو تجد الشخص الذي يُحارب لإنقاذها. قررت ألا تتراجع. نظرت إلى الأمام، وبدأت في السير بخطوات سريعة نحو النهاية المجهولة. كانت الأضواء تومض أكثر فأكثر، وكأن الكهرباء نفسها في المستشفى تتعرض لتشويش. وقبل أن تصل إلى نهاية الممر، سمعت صرخة مكتومة، صرخة كأنها خرجت من أعماق شخصٍ يتعرض لأقصى درجات الألم. توقفت، جسدها متجمد في مكانه، والعرق يتصبب من جبينها. "يا رب، مين اللي صرخ؟!" تساءلت بخوف، وهي تنظر حولها عاجزة. أدركت حينها أن الشخص الذي يسعى لإنقاذها قد يكون على وشك الموت، وأنها إذا لم تتحرك الآن، فقد تكون السبب في نهايته. "لازم أتحرك، مهما كان الثمن!" همست وهي تستجمع آخر قوتها، ثم ركضت في الممر دون النظر إلى الوراء. كانت خطوات فريدة حذرة، تتسلل في الممر الطويل كأنها تسير على حافة الهاوية. المكان كان يبعث شعورًا ثقيلًا بالخطر، الهواء بارد وكأن كل ذرة فيه تحمل تهديدًا غير مرئي. وكلما اقتربت من نهاية الممر، كانت الأصوات تتلاشى وتعود كأنها تأتي من عالم آخر. نظرت حولها بحذر، تلمح ظلالًا متحركة على الجدران، لكن لا يوجد أثر لأي شخص. فجأة، توقف قلبها للحظة عندما سمعت صوتًا مكتومًا، كأنه همسة غامضة قادمة من خلفها. تجمدت في مكانها، عيناها اتسعتا وهي تحاول أن تدرك مصدر الصوت. "إنتي مش هتخرجي من هنا، يا فريدة..." الصوت كان خافتًا، لكنه اخترقها كالسهم، جاء من خلفها مباشرة. استدارت بسرعة، تبحث بعينيها في كل اتجاه، لكن الممر كان فارغًا تمامًا. لا يوجد شيء أو شخص. ومع ذلك، كان الإحساس بوجود شيء ما يتسلل إلى كل خلية في جسدها. "مين هنا؟!" صرخت فريدة بصوت متقطع، صوتها يرتجف رغم محاولتها للتماسك. لا إجابة. فقط الصمت الثقيل والمبهم. بدأت تتحرك بسرعة أكبر، خطواتها تتسارع، وعيناها تراقبان كل زاوية، كل جزء من الظلام المحيط بها. كان عليها أن تجد طريقًا للخروج، أن تصل إلى الشخص الذي يحاول مساعدتها قبل فوات الأوان. لكنها شعرت كأن الظلال تحاصرها من كل جانب، وكأن الجدران تضيق حولها. وصلت إلى مفترق طرق في الممرات، توقفت للحظة، تتردد بين الذهاب إلى اليمين أو اليسار. ثم، من بعيد، سمعت صوتًا آخر، أقرب هذه المرة. كان شيئًا مختلفًا، أشبه بصوت سحب أقدام على الأرض، وكأن هناك شخصًا أو شيئًا يتحرك في الظلام. قررت الاتجاه نحو الصوت، لا تعرف إن كانت تسير نحو الخطر أو النجاة. كانت الأضواء في الممرات باهتة، بعض المصابيح تومض بشكل متقطع، مما زاد المكان رهبة وغموضًا. ومع كل خطوة نحو الصوت، كان قلبها ينبض بعنف. فجأة، توقفت عندما رأت ظلًا يتحرك أمامها، يكاد يكون مرئيًا بالكاد. "مين هناك؟" نادت مرة أخرى، لكن هذه المرة بصوت أكثر ضعفًا، وكأن الخوف بدأ يتمكن منها. الظل لم يتحرك، فقط ظل واقفًا هناك، وكأنه ينتظر. --------------------------- #سـمـوم

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

أونوماليا

المؤلف سـمـوم 'ﮮ
2024/10/21 مستمرة
قائمة الفصول (3)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة