حكاية خاتم

حكاية خاتم

1 0

الفصل الثالث والخمسون: حكاية الخاتم

توقّف طارق عند عتبة المقهى، وظلّت يده معلّقة على الباب نصف لحظة، كمن يزن ما سيجده خلفه قبل أن يكشفه. ثم التفت إلى وليد بنظرة هادئة لا تحمل أي توتر، وقال بصوت لا يكاد يتجاوز الهمس:

"ارتدِ قناعك."

لم يسأل وليد عن السبب. سحب القناع من حزامه وثبّته على وجهه بأصابع تعرف الطريق إلى ذلك الحركة، وتبع ظهر طارق إلى الداخل.

وما إن عبر العتبة حتى تغيّر الهواء.

كان المقهى أضيق مما توقّع من الخارج، لكنه أعمق وأكثر ازدحامًا، كأن جدرانه تُخفي مساحة لا تظهر للعيون. فوق الرؤوس تدلّت مصابيح خافتة بلون العسل، ترتجف أضواؤها كلما مرّ أحدهم، فتتمدّد الظلال على الجدران وتنكمش كأنها تتنفس. وتمازجت في الجو روائح كثيرة: خبز دافئ، وتوابل حادّة، وشاي معتّق، وشيء آخر لم يعرف وليد له اسمًا، أقرب إلى رائحة المطر على حجارة قديمة.

وفي كل ركن، جلس أصحاب هذه الروائح. جان بآذان مدبّبة وشعر فضي يتحدثون بصوت منخفض كأنهم يحرسون أسرارًا، وأقزام منكبّون على أكواب صغيرة يتجادلون بحماس من ينتظر نتيجة رهان، ومخلوقات أخرى لم يرَ وليد مثلها قط، لها عيون بلا رموش أو جلد يلمع كالصدف، تتحدث بلغات لا يفهمها.

لكن ما شدّ انتباهه حقًّا لم يكن المكان.

كانت النظرات.

بدأت الأعين تتوقف عند بابهما واحدة بعد أخرى. في البداية مرّت عليهما نظرة فضول عابرة، ثم تحوّلت في عيني أحد الجان إلى شيء أكثر حذرًا حين استقرّت على طارق. ارتفع حاجبان، وتوقّف حديث عند منتصف جملة، وبدأت الهمسات تنتشر بين الطاولات كما ينتشر الماء على قماش جاف.

انحنى جني إلى صديقه، وهمس بصوت وصل إلى وليد رغم ذلك:

"أليس هذا طارق؟"

"بلى..." أجاب الآخر، وقد خانته الدهشة. "لم يأتِ إلى هنا منذ زمن بعيد."

شعر وليد بابتسامة ساخرة ترتسم تحت قناعه. مال قليلًا نحو رفيقه وقال بنبرة مازحة:

"يبدو أنك مشهور هنا."

لم يلتفت طارق إليه.

"تصرّف بطبيعية."

وتقدّم بخطوات ثابتة نحو المنضدة، كأن أنظار نصف المقهى لا تلاحقه. تبعه وليد بعد لحظة، يحاول أن يُخفي فضوله وراء مشية هادئة، وهو يخمّن في سرّه كم من أسرار طارق لا يزال يجهلها.

خلف المنضدة وقفت نادلة تمسح كوبًا بقطعة قماش.

كانت جنّية بحسن لا يليق بمقهى كهذا؛ شعرها الذهبي ينساب خلف ظهرها كجدول ضوء، وعيناها بلون الزمرد تلمعان حين تلتقطان أول شعاع. ولمّا رفعت رأسها ورأت طارق، توقفت يدها في الهواء، واتسعت عيناها بدهشة صادقة.

"طارق؟ أنت هنا؟"

ابتسم ابتسامة خفيفة، من النوع الذي لا يمنحه إلا لقلة.

"نعم."

وضعت الكوب جانبًا، وأسندت يدًا إلى خصرها، وقالت بنبرة عتاب لا يخلو من الدفء:

"جئت أخيرًا... أما اشتقت إلينا؟"

أجاب طارق بهدوء:

"أنتِ تعرفين الظروف التي أبقتني بعيدًا."

تنهدت، ثم مالت فوق المنضدة حتى صارت عيناها على مستوى عينيه.

"حسنًا. ماذا تريد؟"

لم يجب فورًا. أدار نظره في المكان، متفحصًا الزوايا والوجوه، يتأكد أن أحدًا لا يُنصت. ثم خفض صوته:

"استولت مجموعة على الخاتم. ويقودهم رجل يُدعى جاك."

تلاشت الابتسامة عن وجه الجنية دفعة واحدة، كأن أحدًا مسحها بيد.

"الخاتم؟"

أومأ طارق.

هزّت رأسها ببطء، وقد غدت عيناها أكثر حذرًا.

"لم أسمع عنهم."

أخرج طارق بضع عملات من جيبه، ووضعها فوق الخشب دون كلمة. رنّ المعدن رنينًا خافتًا في الصمت المفاجئ.

وفي لحظة، تبدّلت نظرة الجنية. مدّت أصابعها، وسحبت العملات إلى كفّها، وقالت بصوت أخفض من ذي قبل:

"مما أعرف... توجهوا شرقًا."

"هذا كل ما لديك؟"

"للأسف." ثم، بعد لحظة تردد: "لكنني سمعت شيئًا آخر. إنهم أربعة فقط."

سكت طارق قليلًا. لم يبدُ أن المعلومة أدهشته، بل أكّدت له ما كان يخمّنه.

"وهدفهم؟ أي فكرة؟"

نظرت الجنية إلى العملات في يدها كأنها تزن ما تستحق من الكلام.

"هناك رواية هي الأشهر بين من يعرفون شيئًا عن الخاتم."

اقترب طارق منها خطوة.

"وما هي؟"

"يُقال إنه يحقق أمنية واحدة."

تبدّلت ملامحه للحظة. لم يكن ذلك تغيرًا كبيرًا، لكن وليد، الذي كان واقفًا خلفه، لمح الكتفين وهما يتصلّبان.

"أمنية؟"

"نعم. لكن أمنية جاك..." توقفت ثم خفضت صوتها حتى صار همسًا. "ليست كأي أمنية."

"ماذا يريد؟"

ترددت الجنية، ومرّت على وجهها لمحة خوف قديم، ثم قالت:

"يريد أن يجعل الناس متساوين في شيء محدد."

قطّب طارق حاجبيه.

"وما هو؟"

"شيء مرتبط بالقلوب..." هزّت رأسها بأسف. "لكنني لا أعرف أكثر من ذلك. معلومات هذا الخاتم شحيحة، يا طارق. حتى من عاشوا هنا لعقود لا يعرفون حقيقته كاملة."

ساد صمت قصير، وقد بدت الأصوات حولهم بعيدة.

سمع وليد كلمة "القلوب" تتردد في رأسه. كان يقف ساكنًا، لكن شيئًا ما في داخله انتبه: متساوون في شيء مرتبط بالقلوب... ما معنى هذا؟ كيف يمكن أن يتساوى البشر في ما يشعرون؟

لم يطل بقاء السؤال، فقد كان طارق قد سأل سؤاله التالي:

"أين الحكواتي؟"

رفعت الجنية حاجبها باهتمام.

"هل تهتم به؟"

"سمعت أن تلك المجموعة تأتي إلى هنا لتسمع حكاياته." قالها بلا انفعال. "لذلك أهتم."

كادت الجنية تردّ، لكن الباب انفتح خلفهم بصرير طويل.

التفتت الأنظار كلها نحو المدخل في الوقت نفسه، وتلاشت الأحاديث كما يتلاشى الصوت في بئر.

دخل شيخ كبير السنّ بخطوات بطيئة، تتبعه عباءة سوداء طويلة غطّاها غبار قديم، كأنها لبست طرقًا كثيرة. وبين يديه حمل كتابًا ضخمًا يضمّه إلى صدره كمن يحمل طفلًا. كان الغلاف متشققًا ومحفورًا برموز وعلامات غريبة، وبدا كأنه ظلّ مدفونًا في التراب عقودًا طويلة قبل أن يعود إلى النور.

ساد في المقهى هدوء احترام لم يعرفه وليد في أي مكان آخر.

ابتسم طارق ابتسامة صغيرة، وقال بصوت لا يسمعه إلا من حوله:

"ها قد أتى صاحبنا."

شدّ وليد انتباهه إلى الشيخ، ولم يستطع كتمان استغرابه:

"ماذا تريد من هذا العجوز؟"

التفت إليه طارق ببطء. لم يبدُ في عينيه سخرية، بل دهشة حقيقية، كأن وليد قال شيئًا بالغ الغرابة.

"عجوز...؟"

ثم ابتسم ابتسامة من يعرف ما لا يعرفه الآخرون.

"هه... لا أظن."

لم يفهم وليد ما قصده، لكنه لم يملك وقتًا للسؤال.

رفع الشيخ رأسه، وفي تلك اللحظة التقى بصره بوليد.

كانت عيناه غريبتين. هادئتين، لكن هدوءهما لم يكن هدوء من أنهكه العمر، بل هدوء من رأى الكثير وصمت عنه. وكان فيهما عمق جعل وليد يشعر، دون أن يفهم، أن الرجل لا ينظر إلى وجهه المقنّع، بل إلى ما وراء الجسد كله. أدار وليد وجهه فورًا، وقد سرت قشعريرة خفيفة في ظهره.

جلس الحكواتي إلى طاولته المعتادة قرب الجدار، ووضع الكتاب أمامه بحذر مقدّس. فتح إحدى صفحاته ببطء، وصدر عنها حفيف جاف كحفيف أوراق خريف.

ثم قال بصوت دافئ وعميق:

"عندي قصة عن خاتم."

تجمّد وليد في مكانه.

"خاتم؟"

رفع الحكواتي عينيه إليه، وارتسمت على وجهه ابتسامة غامضة لا تُفصح عن شيء.

"أجل... خاتم."

تحرّك طارق نحو الطاولة بلا تردد، وجلس مقابل الشيخ كأنه حجز مكانه منذ زمن، بينما بقي وليد واقفًا خلفه، يحاول أن يُخفي ارتباكه.

أخذ الحكواتي نفسًا طويلًا. مرّر أصابعه المتغضّنة على الغلاف المغبر، ببطء من يلمس ذكرى قديمة، ثم بدأ يتكلم بنبرة أقرب إلى الترنيم:

"يُحكى أن هذا الخاتم صُنع من مواد تسرّ الناظرين..."

سكت لحظة، وملأ الصمتُ المقهى.

"لكنه لم يُصنع وحده."

رفع طارق عينيه نحوه.

"رفقة ماذا؟"

ابتسم الحكواتي.

"رفقة غرض آخر..."

وفي اللحظة نفسها، انطفأ أحد المصابيح فوقهم بلا سبب. غرق جزء من المقهى في ظلام كثيف، وارتفعت همسة دهشة من إحدى الطاولات، ثم هدأت. لم يتحرك أحد.

قلّب الحكواتي الصفحات حتى توقّف عند واحدة بعينها، تحمل رسمًا قديمًا باهتًا لخاتم تحيط به رموز متشابكة، وبدت خطوطه كأنها ما زالت ترتجف تحت يد راسمها.

"كلاهما..." قال، وهو يمرّر إصبعه فوق الرسم، "صُنع على يد شخص واحد."

انحنى وليد قليلًا، وعيناه معلّقتان بالخطوط.

"من؟"

رفع الحكواتي رأسه ببطء شديد، وتركت عيناه الرسم لتستقرا على وجه وليد.

"لوسفير."

سقط الاسم في المقهى كحجر في ماء ساكن.

حتى طارق، الذي حافظ على هدوئه منذ أن وطئت قدماه المكان، تغيّرت عيناه. لم يكن خوفًا، بل شيء أقرب إلى الاستعداد، كمن سمع طَرقًا على بابٍ طالما انتظره.

أما الحكواتي، فابتسم ابتسامة بطيئة، كمن كان ينتظر هذه اللحظة تحديدًا منذ زمن بعيد. أغلق أصابعه على حافة الصفحة، وقال بنبرة خفيضة تحمل في طياتها وعدًا وتحذيرًا:

"وهذه... هي بداية الحكاية."

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

حامي الدولة

المؤلف أيمن صلاح الدين
2026/07/18 مستمرة
قائمة الفصول (51)
الفصل 1: بداية الطريق
2026/07/18
الفصل 02: كهف الحرمة
2026/07/18
الفصل 03: الفيج
2026/07/18
الفصل 04: الاختبار
2026/07/19
الفصل 05: الطائر العجوز
2026/07/20
الفصل 06: الطائر العجوز ( الجزء الثاني)
2026/07/21
الفصل 07: الطائر العجوز( الجزء الثالث)
2026/07/22
الفصل 08: بداية الطريق الحقيقي
2026/07/22
الفصل 09: ظلال الماضي
2026/07/23
الفصل 10: المجلس
2026/07/25
الفصل 11: نضام التخرج
2026/07/27
الفصل 12: طارق
2026/07/28
الفصل 13: إنحراف الاحتمال
2026/07/28
الفصل 14: اول خطوة نحو القوة
2026/07/29
الفصل 15: لماذا
2026/07/30
الفصل 16: بداية الترابط
2026/08/28
الفصل 18: اضطراب الحواس
2026/08/28
الفصل 19: عين ترى الحقيقة
2026/08/28
الفصل 20: خيوط الاحتمال
2026/08/28
الفصل 21: نهاية الفصل دراسي الاول
2026/08/29
الفصل 22: أعجوبة العصر
2026/08/29
الفصل إختبار البيضة: 23
2026/08/29
الفصل 24: غابة لا ترحم
2026/08/29
الفصل 25: الادراك والريح
2026/09/02
الفصل 26: الاحتمال الوحيد
2026/09/02
الفصل 27: نهاية الفصل الدراسي الثاني
2026/09/04
الفصل 28: بئر برهوت
2026/09/04
الفصل 29: بكاء الأطفال
2026/09/04
الفصل 30: الخيط الاخضر
2026/09/04
الفصل 31: وعد لا يجف
2026/09/04
الفصل 32: حين العالم كان بسيطا
2026/09/04
الفصل 33: آخر وجبة سعيدة
2026/09/04
الفصل يوم إنتهت فيه الطفولة : 34
2026/09/04
الفصل 35: قبل أن يبدأ الحلم
2026/09/04
الفصل 36: أرض الاحلام
2026/09/04
الفصل 37: كابوس العائلة
2026/09/04
الفصل 38: ثمن القوة
2026/09/05
الفصل 39: الطريق الى دار الحكمة
2026/09/06
الفصل 40: ضلال دار الحكمة وأسرار لوسفير
2026/09/07
الفصل 41: حرب النهار الواحد
2026/09/08
الفصل 42: مملكة سيفار
2026/09/11
الفصل 43: لقاء غير متوقع
2026/09/12
الفصل 44: خاتم الامنية
2026/09/13
الفصل 45: خيوط المؤامرة
2026/09/14
الفصل 46: كبش فداء
2026/09/16
الفصل 46: ثمن الخوف
2026/09/17
الفصل 48: الهروب من الموت
2026/09/19
الفصل 49: الاسم الجديد
2026/10/03
الفصل 50: الاسم الذي لا يموت
2026/10/19
الفصل 51: عيسى آل ريام
2026/10/21
الفصل 53: حكاية خاتم
2026/10/24

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة