مـلحوظة..
"أسم جوليان من دلوقتي هيتذكر بـ ليان وهنستمر على كـدا"
يا أيُّها الصُّبحُ قُل للشَّمسِ معذرةً
فما ضياؤُكِ أَبهَى مِن مُحَيَّاها
مقتبس..
****
قـبل إثنـى عـشر عامًــا
داخـل مبنى ضخم مكون من عدة طـوابق
حـيث مدرسـة الثانـوية المختلطة والممتلئة بالطلاب بمختلف الأعمـار..
كـان هـناك مجموعة من المراهقين لا يفترقون عن بعضهم البعض، جمعتهم المواقف والقـرابة بين عائلاتهـم كـوالد فـريـد و أدم وكذلك والد أسيـل ووالدة ليان..
بينما ريـان كان دائمًا الطالب المجتهد والمطيع لذلك اقترب منه ثـلاثتهم كـي يتعلمون منه ويساعدهم ايضًا محققين مقولة الصاحب سـاحب..
داخـل الساحة المخصصة للعب كـرة السـلة كان فـريـد يقفز في المكان برفقة الكره حتى يحملها ويقوم بألقائها نحو الشبكة الدائرية المعلقة في الحائط بينما يرتدي الزي الرسمي للمـدرسة وهو بنطال اسود يعلوه قميص ابيض قطني فوقه قميص أخر بأكمام من اللون الأزرق والذي قام بنزعـه منذ قليل...
_وبعدين؟ هنعـمل ايـــه لو المدير بعت جوابات لأهلنا في البيت! ماما هتعاقبني بجد المرة دي وهتمنعني أروح الرحـلة في نهاية السنـة..
جهرت ليان بتلك الكلمات بينما تجلس على المقاعد الجانبية برفقة أدم، أسيل، ريان، تضغط بكفيها على قماش تنورتها الزهـرية التي تصل لنهاية قدمها بينما يعلوها قميص أبيض قصير فوقه قميص أخر من اللون الزهري خفيف بأكمام طويلة..
كانت تصبغ حينها خصله حمراء عكس طبيعة شعرها الأسود، لتنبس أسيل مدللة والدها والتي كانت ترتدي ملابس تشبهها قائلةً برقـة:
_مـعتقدش هيبعت حـاجه يا جولي، هو حذرنا بس والموضوع انتهـى..
_بس لو مكنتش البت الغـبية دي اشتكت علينا، أنا بجد نفسي اكسر دماغها..
اردف أدم بتلك الكلمات بغيظٍ شديد ووجه متهجم، ليزدرد ريان ريقه بتوتر قائلًا:
_أنا خايف اللي حصل يأثر على اعمال السنة بتاعتـي ودي أول مـره تحصل معايا..
تأفأف فـريـد بـسأم منهم ومن الحوار الدائر قائلًا بسخط بعد ان امسك الكرة تحت ذراعه وواجههم:
_أنت مكنتش معاهم اصلًا يا ريان ولا أنا كمان، عشان الأستاذ أدم مقدرش يصبر ويستنانا نعرف ونتصرف معاها سـوا..
انتفض أدم من مكانه بعصبية مراهق لم يتجاوز السادسة عشر قائلًا:
_دي كانت بتهدد ليان يا فـريـد، الحيوانه محتفظة بڤويسات بينا مش عارف جابتها ازاي حتى ورايحه تسمعها للطلاب في الفصل..
_تروح أنت تتهجم عليها في حمام البنات يا متخلف وتجبرها تركع ليها؟! أنت مجنون يا أدم ولا فاكرنا عصابة هنا!
جهـر فـريـد بغيظٍ منه ينهره بعدم تصديق، ليبعد الأخر وجهه عنه بعناد قائلًا:
_أهـو اللي حصل، ايـــه عرفني إن الفلاحه دي هتشوفنا وتروح تبلغ المدير..
مسح فريد صاحب السابعة عـشر عامًا على وجهه بـسأم مستغفرًا، قائلًا بعدها بصبر:
_مش هـي اللي اشتكت يا ذكـي، البنت اللي اتهجمت عليها هـي اللي اشتكت ولبستها في التانية عشان كانت عارفه إنها شافت كل حاجة، بتنتقم منكم ومنها عشان شافتها في الحالة دي، فهمت؟
اخـبره بما حدث بالفعل، لتتسع مقلتي أدم بصدمه قائلًا بإستيعاب:
_يا ريـم الكـلب، ورحـمة أمي ما انا سايبها..
تحرك بغضبٍ في نـهاية حديثه، ليمنعه فـريـد عن الذهاب ممسكًا بعضضه بينما يعنفه بسخط:
_أنت ناوي تترفد يعني؟ اهـدى واصبر لحد ما الموضوع الأولانـي يـهدى، بعدها نبقى نتصرف معاها
تنفس أدم بحدة، لينهض كلًا من ريان، أسيل، ليان عندما صدح صوت جرس الحصه، يحملون حقائبهم ثم توجه كلًا منهم على فصله..
*****
بملابس تشبه خاصة أسيل و ليان إضافةً إلى حجاب من اللون الأبيض يحاوط وجهها المستدير والذي ما أن تراه يلفت نظرك كمية البراءة التي تظهر بوضوح عليه..
ملامح رقيقة جـذابه طبيعية تميزت بها غـدير صاحبة الخمسة عشر عامًا..
تجـلس في مكانها المعتاد منذ شهر مضى عليها بهذه المدرسة والتي كانت حلمًا وتحـقق بالنسبة لها..
انتهـى المعلم من شـرح الدرس ثم حمل حقيبته ورحـل ليبدأ الطلاب في اتباعه نحو الخارج..
ليدلف هـو من بينهم بهالته المبهجة ومظهره الذي يتضح منه أنه يفوقهم جميعًا في السن والجسد..
يلقي حقيبته فوق كتفه بإهمالٍ بينما يجلس على المقعد الذي يتبع المنضدة الطويلة قائلًا بعبث:
_ يـنفع نأجل حـصة إنهاردة يا مـيس غـدير عشان عندي معاد في ورشـة تمثيل بعد ساعة !
نظرت له بذهولٍ يخالطه البعض من الغيظ قائلةً من بين أسنانها المطبقة:
_هنأجل أول حـصة ليه؟ احنا نلغي إتفاقنا كله احسن
نهضت في نهايـة حديثها بأنفعالٍ بعدما حملت حقيبتها، ليتبعها هو بـهيئته المبهرجة والوانه المشعه مثله قائلًا بسرعة:
_لا بالله عليكي انا مصدقت إنك وافقتـي وبعدين انا كنت متحمس ومستعد والله، بس هما اتصلوا بيها وطلبوا منـي اروح انهاردة..
التفت فجأة، ليتوقف هو بتقهقر وسرعة يسمعها وهي تقول بحزم وجـدية:
_لازم تحدد هدف واحد، يا تذاكر وتنجح السنة دي وبعدها اعمل اللي تعمله، يا تـروح ورشة التمثيل وتضيع وقتك فـيها وتسقط اخر السنة، لكن في وضعك ده ومستواك مستحيل تعمل الأتنين..
_حـاضر يا مـس غـدير..
نبس ببراءة ورأس منخفض يشبه طفل مهذب يستمع لكلمات والدته م وهو الذي يفوقها بأربع سـنوات، يتابع بعدها بـنظراتٍ تشبه أرنب صغير وهو ينظر لها قائلًا:
_ممكن بقى نـبدأ الحصة يا مس قبل ما جرس الحصة الأخيرة يضرب؟!
هزت رأسها بيأس، تتحرك نحو المكتبة بقلـة حيله بينما تنهر نفسها على موافقتها في مساعدته، تجهل حتى سبب ذلك ولكن ترجح الأمر إلى إصراره وزنـه الذي لم يتوقف عنه لباقي اليوم..
سحبت مقعد خشبي بعدما القت حقيبتها فوق الطاوله المستطيلة داخل المكتبة بركن جانبي، بينما هو جلس على الناحـية الأخـرى ينظر حوله يكتشف المكان لأول مره قائلًا:
_ظـريفة المكتبة والله، إزاي مفكرتش ازورها في الأربع السنين اللي فـاتوا!!
نظرت غدير له بصدمه وذهول قائلةً:
_ إنت دي أول مره ليك تدخل المكتـبة!!
_آه، وبجد اتفجأت إنها مليانه كتـب..
_آه المفروض تكون مليانه ألعاب عشان مراد بيه الفاشل ميتفجأش..
بثقت كلماتها بستهزاء وسخط بينما تخرج الكتاب والدفتر من الحـقيبة الخاصه بها، ليتذمر مراد بضيق قائلًا:
_حتى أنتِ هتقولي عليا فاشل! كفاية خديجة وبابا عـليا..
_معلش، هي الحقيقة دايمًا بتزعل، قولي بقى ايـــه اللي محتاجني اساعدك فيه عشان نخلص..
اردفت اخر كلماتها بصبر ورويـة، ليفرك هو خصلاته بتفكير انتهى بقوله المتوجس:
_كـله..
نظرت له بعدم فهم مستفسرة:
_كـله فأيـه؟
_كـله في كـله، انا مش عارف ولا حـاجة ميييح..
اصدرت صوتًا مستنكرًا بينما ترمقه بعدم تصديق قائلةً:
_والمفروض أنا اعمل معجزة واعلمك كل ده صح؟
_لا طبعًا، انا والدي رافض يديني دروس بعد كذا نصيبة عملتها مع المدرسين قبل كدا بلاش اقولها احسن، وكمان الطلاب هنا بتتجنبني عشان كذا نصيبة عملتها في المدرسة برضو، معنديش حل غـيرك دلوقتي علميني اي حـاجه مش فارقـة المهم انجح..
اسرع مردفًا بتلك الكلمات بـلهفة واحراج، لتتنهد هي بقلة حـيله تفتح أول كتاب ودرس من دروس الأحياء قائلةً بصبر:
_طب يـلا ركـز معايا قبل ما الحصة التانية تبدأ..
****
انتهى اليـوم الدراسـي ومعه عـاد كلًا منهم إلى منزله
بدايـةً من فـريـد الذي فتحت له الخادمة الباب بشقةً انيقة عصرية يظهر على قاطنيهـا الرخاء والثروة..
دلـف للداخل خطوتان فقط ليستمع لصوت والدتـه وهي تصرخ عاليًا بتألم بينما يعلو صوت والده بصراخ حـاد..
ليلقي الحقيبة بإهمالٍ على الأرض ويهرول للداخل بهلعٍ رغم تكرار هذا الموقف الذي اعتاد عـليه..
ليجد والده عـاصم عـلوان يمسك بحزام بنطاله الأسود ضاربًا به جـسد والدتـه إجلال المتكورة على الأرض تبكـي وتصرخ بحرقـة تترجاه:
_خلاص يا عـاصم، ابوس إيـدك مش هخرج تاني والله، كـفايـة..
بأنفاسٍ عالية ووجه محتقن بسبب الغضب والنار التي بداخله هبط بالحزام على جسدها مجددًا بينما يصرخ بحده وغـيرة جنونيـه:
_عايزة تفهميني إنك مكنتيش عارفـه أنه هناك؟ اعرف بالصدفه إنك في بيت أهلك ولما اروح اجيبك الأقيكي قاعده معاه تضحكي وتهـزري..
_أنا آسفة والله، أنت فاهم غلط يا عـاصم اهدى وانا هشرحلك..
اردفت بقهر تشعر بجسدها تشوه كروحها من الداخل، لا تصدق انه عاصم نفسه الذي تزوجته بـعد عناء منه في نيل إعجابها..
وقد تقبلته واعجبت به حقًا كـ والدها الذي دعم قرارها في الموافقة عـليه..
لتتفاجئ بشخصيته بعد الزواج عندما بدأ يتحكم بها لدرجة جعلتها تختنق من الداخل مع غيرة شديدة تعميه عن المنطق ولدرجة اوصلته لتعنيفها وضربها بقسوة...
وقـبل أن يصـرخ الأخر عليها وجد فـريـد يحميها مخبئًا جسدها بجسده، يعطيه ظهره بعدما هرول بسرعة جالسًا بينهم..
يضم والدتـه له بينما ينبس بنبرة مختنقه:
_كـفايـة يا بابا، كـفايـة..
وعـى عاصم على فعلته اخيرًا ليترك الحزام يسقط من كفه، يصرخ بغضبٍ بينما يركل الطاوله بقدمة بقوةً ارتجف جسد إجلال عـلى أثرها..
لينطلق بعدها نحو الخارج بحالته الغاضبة، فإذا بـ فـريـد يمسح على خصلات والدته بحنو يهدهدها:
_خلاص مشـى، اهـدي يا مـاما انا آسف عشان مكنتش هنا ومنعتـه عنك..
ابتلعت ريقها بمرارة ترفع رأسها وتنظر له بملامح منطفئة، وما ان رأت ملامحه التي تشبه الأخر انفعلت بـعصبية دفعته على أثرها للخلف بقوة صارخةً بنفور:
_ابـعد عني مش عايزة اشوف وشك ولا وشـه، دمرتـوني وخربتوا حـياتي، لو مكنتش حملت فيك كان زمانـي خلصت منه ومن قـرفـه..
ارتجف جسد فـريـد بمرارة وألم بينما يتسطح على الأرض مستندًا عليها بذراعيه ناظرًا نحوها، يرى الكـره داخل عينيها بقوة وهذا يحرقه من الداخل
وسؤال واحد يتكرر داخل عقلـه
ما ذنـبه هو بكل ما يحدث بينها وبين والده؟!
****
عـند أدم
والذي فتحت له الخادمة المثيرة بالنسبة له وكما انتقاها والده للعمل في منزلهم والذي يشبه ڤيلا صغيره بإحدى الأحياء المرموقـة..
بملابس رسمية قصيرة أظهـرت جمالها بسخاء أبعد عينيه هو عنه بتأفأف وسأم..
يدلف للداخل بخطواتٍ مترددة وغير مبالية لتلك الأصوات التي وصلت له من ضحكاتٍ نسـائية عالية
اتبعها صوت والده رأفت المنسي وهو ينده عليه من بين ضحكاته المستمتعه قائلًا:
_تـعالى يا أدم اتعـرف على سـلوى، مـراتـي الجديدة..
وقف مقابلًا لهم بوجه مستنكر بينما كانا يجلسان بجوار بعضهم البعض بمنتصف الأريكة الطويله قائلًا:
_مـش من أسبـوعين عـرفتني عليها وكان اسمها كاميليا!!
_لا كاميليا طلقتها ودلوقتـي خلاص لقيت الست اللي هكمل معاها الباقي من عمرى، سـلوى..
اجاب رأفت بينما يرفع كف الاخرى يقبله بحنو ورقي جعلها تخجل بـخفة، ليصدر أدم صوتًا تهكميًا قائلًا:
_ده نـفس الكـلام اللي بتـقوله كل مـره وبعدها بلاقيك جايب واحده جـديدة، بابا دي الجوازة الـ ١٣ اتـهد شـويـة..
صرخ بأخر كلماته بسخط، ليستريح والده إلى الخلف بينما يضم سلوى بذراعه قائلًا بلا مبالاة:
_وفيها ايـــه يعني! طالما قادر وبحلال ربـنا ايـــه اللي يمـنع؟! ولا عايـزنـي انحـرف في الملاهي الليلية واشبهك..
همهم أدم بيأس منه، يجيب عليه قبل ان يتركه ويرحل قائلًا بنزق:
_لا عـندك حـق، عـيش حياتك يا رأفت واتجوز براحتك ولا يـهمك..
تحرك نحو غرفته بنفس الحاله، يصفع الباب خلفه بعدما دخل، ليلقي الحقيبة بلا أهتمام ثم يجلس على طرف السرير بإحباط قائلًا بتخاذل:
_ياريتك لو تفتكرني وتقضي معايا شـويـة وقت من اللي بتضيعهم معاهـم..
****
داخـل منـزل ليان
والتي كانت تقف الآن أمام والدتها بجسد مستقيم وأعين منخفضـة بـخوف..
تسمع والدتها الحازمـة والتي تتعامل معها بشدة كالمعتاده وهي تجـهر بصرامـه بينما تجلس على المقعد الجلدي خلف مكتبها بداخل شقتهم الفاخرة قائلةً:
_قولتلك ألف مره اهتمي بشكلك وأكلك وأنتِ متجاهله كـلامي، الجيبة دي طـويلة ومش لايقه على الـ الجزء اللي فـوق، اللبسي اللي عملتهالك وارميها، وجسمك وزنـه زاد وبقى وحـش، من بكرة تمشي على النظام اللي هحطهولك، فاهـمة؟
_حـاضر يا صافي هـانم..
نبست بنبرة منخفضة وبكلمات حذرتها من قبل بأن تـلقبها بها..
لـتشير لها نحو الخارج قائلةً بنفس الحزم والحده:
_روحـي خدي حـمام وبعدها كُلي طبق سلطة فواكـه، عندك جـلسة تأمـل ويوچا بعد نص ساعة..
_حـاضر يا صافي هـانم، عن إذنك..
انحنت في أخر حديثها ثم تحركت نحو الخارج، متجهة نحو غرفتها بحـرقةً وحـزن..
تقف بعد قليل أمام المرآة الضخمة بجانب غرفة الملابس الخاصة بها، تدور حول نفسها كي ترى جسدها الزائد والقبيح كما اخبرتها والدتها بـحزن..
_ أنا ٥٢ كـيلو، بس طالما مامي شايفة شكلي وحش يبقى اكيد لازم اخـس عشان تشوفني حـلوة..
****
داخل منزل ريـان المجتهد
والذي رغم ذلك وبعد عودته واخذه لحمام منعش كان يجلس خلف مكتبه يذاكـر دروسـه..
ليصدح صوت والده من الخارج وهو يصرخ بوجه والدته كالمعتاد يشكو بـسأم:
_وهـو انا هجيب من فـين فـلوس لكل ده يا نـاهد؟! مش كـفاية عليا مصاريف البيت وتعليم عيالك وجهاز بنتك اللي قاطم ضهري؟ ده غير دروس أبنك اللي بياخـدها من أول السنة، ارحموني شـوية انا مش آلة فلوس..
ازدرد ريان ريـقه بمرارة وحـزن يستمع لوالدته وهي تجيب عليه بـعصبية وسأم قائلةً:
_وهو انا باخد حاجه لنفسي! ما كل ده لعيالك وعشان مستقبلـهم يبقى احـسـن، ولا عايزني اصرف عليهم انا يا فـضل!!
_بالعقل وواحده واحده، المرتب يدوب بيكفينا لأخر الشهر حاولي توفـري معايا شـويـة..
جهـر بأختناق وهي يلقي نفسه إلى الخلف جالسًا على الأريـكة بـقلة حـيله، ليتدخل ريان وهو يتقدم منهم قائلًا بأرتباك وأدب:
_بعد إذنك يا بابا، انا ممكن استغنى عن الدروس عـادي السنة دي واكتفي بشرح المدرسين في المدرسة عـادي، كدا كدا انا في تانية ثانوي وهقدر اذاكـر المنهج وحـدي..
نـظرت ناهد نحوه بحده قائلةً بعدم رضا وحده:
_لا كله إلا دروسك فاهم؟ انا عيزاك تبقى مهندس كبير وترفع راسنا في المنطقة، عشان اقسم بالله لو كسفتنا وبعد كل المصاريف دي سقط هطلع عينك يا ريـان..
_والله بذاكـر ومش بفوت حـصه يا ماما، متخفيش بس انا بقول ملوش داعي اخد دروس السنة دي، ابقى اخد السنة اللي جـاية مش مـشكلة..
اردف ريـان بنبرة هادئة رغم إرتجافة جسده البسيطة بخوف، ليجهر والده بصبر وهدوء قائلًا:
_ادخل اوضتك وكمل مذاكـرة دلوقتي وبعدين نبقى نشوف الموضوع ده..
هز ريـان رأسه موافقًا، ليتحرك بعدها عائدًا إلى غـرفته، يجلس خلف مكتبه كما كان حاملًا هم ومسؤولية فـوق اكتافـه متمتمًا داخـله:
_لازم أنـجح، لازم اجيب مجموع يدخلني هندسة وابقى مهندس كبير زي ما أمي بـتحلم...
*****
"وبحب الناس الرايقة
اللي بتضحك على طول
أما العالم المضايقة
انا لا مليش في دول..
ومليش في الدمع لا لا لا
ولا في الناس الشيالة
كل اللي في قلبه حاجه
أول بأول يقول"
_أقول يعـني ومـش هتـزعـل؟!
جهـر نشأت أصلان والد مـراد بتلك الكلمات بعدما تابع أبنه وهو يدلف من باب الڤيلا يدندن ويغني بصوتٍ عالي ومزاج رائق..
لجيب عليه مراد الذي كان بهذه اللحظة يحتضن شقيقته خديجة الجالسه على المقعد أمام سفرة الطعام، يقبل وجنتها بقوة مجيبًا على الأخر:
_يا باشا أنت تقول وتعمل براحتك، هو احنا نقدر نعترض او نزعل من أبن الأغا اصلان بذات نفسه!
_الأغـا اصلان لو كان عايش وشاف حفيدو وعمايل حفيدو كـان اتبرا مني ومنك ورمانا برا الڤيلا..
اردف نشأت بتلك الكلمات بتهكم، ليجيب عليه مراد بمزاحٍ بينما يجلس على المقعد بقدمٍ مثنية اسفله، ويدفس الطعام بفمه بشراهة:
_شغل الأغات التركـيين ده عـارفه كويس، الحمدلله إننا استقرينا هنـا في شـرم الشيخ وسبنا تـركيا ودرامتها..
_اقعد صح وكُل براحه يا مراد، بلاش العبث ده..
نطقت خديجة شقيقته الكبرى بتلك الكلمات بشمئزاز بينما تراقب طريقته الغير لائقه، ليشوح هو بكفه وبلا مبالاة قائلًا:
_ياختي خلي البساط احمدي وسبينا نطفح اللقمة بالطريقة اللي تعجبنا، انا جاي من حـصه ميس غديـر مفرهد ومحتاج طاقـة..
نظر الأثنان نحوه بصدمة و ذهول وتعجب غير مصدقين ما تفوه به للتو، وهو عندما لاحظ صمتهم نظر لهم بأستنكار قائلًا:
_ايـــه؟ مالكم متنحين كدا ليه!
_هو بعيدًا عن قلة ادبك واسلوبك المتدني في الكلام ، أنت بتاخـد حصص بجد ولا احنا سمعنا غلط!
جهر نشأت بتلك الكلمات وهو ينظر له بنشداه وشك، ليبتسم مـراد وهو يجيب عليه بثقة قائلًا بفخر:
_لا والله بتكلم جد، لقيت ميس تـحفة تعلمني انهاردة كانت اول حـصه وشكلي كدا هكمل معاها لأخر السـنة...
_ربنا يصبرها وتستحملك شهر حتى يـارب..
اردف نشأت بتضرع وتمني، ليضحك مراد رغمًا عنه
بينما نظرت له خديجة بلهفة، تساله بفضول:
_طب قولي الميس دي جديدة يعني؟ بتدي ايـــه ولـــ سـنة كام..
_لا هـي لسه بتاخـد، اصلها طالبة في سنـة أولـى..
****
أثناء كـل ذلك
وبداخل شقـة متوسطة الحال بإحدى البنايات، دلفت غدير بـخفةً وهدوء كالمعتاد بعدما فتحت الباب بالمفتاح الذي اعطاه لها عـمها رعـد عندما اتـت...
تحممت ثم توضت حتى تؤدي فرضها، لتتوجه بعدها نحو المطبخ كي تُعد الغداء..
انتـهت ثم توجهت نحو غرفتها لكي تدرس قليلًا، وبينما تفعل ذلك وهي جالسه خلف المكتب الصغير بجانب السرير صـدح صوت هاتفها في المكان لتلتقطه بسرعة..
والذي كـان والدها، تتحدث معه بسعادةً وحب لبعض الوقت، فهو يعشقها ويدللها بشدة، يبغض بُعدها عـنه ويتوق لعـودتها في أسرع وقت، لينضم لهم شقيقها الأكبر ايضًا وشبيه والدها الذي يعشقها كثيرًا ومتعلق بها للغايـة..
طمئنتهم عليها وظلت تتحدث معهم لبعض الوقت بمرحٍ وحـب، لتودعهم وتغلق بعض قليل بمشاعر ممتنه ودفئ غمر قـلبها...
استمعت إلى صوت الباب، لتنهض بسرعـة تتحرك نحو الباب فـ يصل لها صوته وهو يتحدث في الهاتف قائلًا بـشقاوة:
_يابت كلميني عـربي بلاش تبرطمي زي أمك كدا مش بفهم نص كـلامكم..
تعالت ضحكاته عاليًا على تذمرها، ليجد غدير امامه تسأله بلهفة قائلةً:
_دي بـيلا! ادهالي وحشتني اوي..
_ طب اهـدي يا عيون ابوكي، خدي غدير عايزه تتكـلم معاكي..
اعطاها الهاتف ثم اشار لها بأنه سيدلف للداخل ولكن أولًا اعطاها حقيبة ممتلئه بالمقرمشات والحلوى كعادته عندما يعود..
عمها رعـد شقيق والدها الأصغر بسنوات، معشوق الفتيات ببلدتها ومن كانت تحلم به جميع النساء حينها، ليخلف هو توقعات الجميع وأولهم والده ويتزوج من روزيتا الفتاة البريطانـية ويسافر معها.
كان يتنقل دائمًا بين بريطانيا التي بها زوجته وابنته وبين بلدته التي بها عائلته وكذلك المدينة التي بها عـمله وشـركته الخاصـة الصغيرة..
لتستقر هي معه هنا في شقته كـي تكمل دراستها ويطمئن عليها والدها كونها مع عمها المفضل لدي الجميع رعـد..
دلفت إلى غرفتها تحول المكالمة الصوتية لمكالمة فيديو، لتقع عينيها على بيـلا صاحبة الثالث عـشر عامًا وهـي تلاعب جروها الصغير على الأرض قبل ان تنظر لها بملامحها المختلطة بين والدها ووالدتها قائلةً بـللهجة ركيكة:
_مـرحبًا ديـر يا سـارقة الرجـال..
_أوو! يبدو ان احدهم يغار لأنه بعيدًا عن السيد الوسيم خاصـته..
_نعـم، نعـم، عليك ان تتذكري دائمًا ان رعـد خاص بـي يا صاحبة الأعين الزيتونـية، كان سيعود لطفلته بيلا منذ أسبوع مضى،لكن العم اجـبره ان يظل معك يا حمـقاء وها أنا بسببك سأظل بعيدةً عنه لـسنة كـاملة...
انفجـرت بيلا قائلةً تلك الكلمات بتذمـر بينما تنظر لها بعبوس وغيـظ، لتقهقه غدير بـسعادةً رغمًا عنها، تجاكـرها قائلةً:
_لقـد اخـذته زوجـته وطـفلته المدللة لسنواتٍ، ما المانع بأن يبقى مـع أبنة شقيقه الوحـيده لبعض الوقت..
_سأقتـلك يا بـغيضة، سأقابلك يومًا مـا وأريـك ماذا سأفعل بـك..
توعدت لها بنظراتٍ مغتاظـه قائلةً تلك الكلمات، لتنظر لها غدير ببراءة تستعطفها:
_وهـل قلبك المحب لـغديرك سيـطاوعك في ذلك..
_لا، لأنـه أحـمق وغـبي مـثلك، متعلق بك ويحبك بشدة..
اجابت بيلا بـحنق وأستسلام، فإذا بـ غدير تضحك مجددًا بخـفة، تنظر نحوها ولملامحها بحب شديد قائلةً بـأمتنان:
_ وانا محـظوظـة بيـه وبيـكي يا بـيلا، بتـمنـى لو اقابـلك فأسـرع وقـت، وحـشتينـي..
يتبع....
****
وغدًا يفيضُ اللهُ من إحسانِهِ
ما تستريحُ لهُ النفوسُ وتَسعدُ
وتغيبُ أيّامُ العناءِ كأنّها
حلمٌ تولّى، والمسرّاتُ تَشهدُ
مقتبس..
***
لمناقشة الرواية ونشر ما يتعلق بها، ستجد للينك جروب الفيس الخاص بي في التعليقات) ♥♥♥
بعد القراءة متنسوش التعليق برأيكم والتصويت على الفصل 🥰
دمتم سالمين ♥