3~الفَصْلُ الثَّالِثُ

3~الفَصْلُ الثَّالِثُ

17 0

سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم

اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد

تحذير حقوق النشر والملكية الفكرية

هذا الفصل جزء من رواية

"❰قرين الكدر❱"

وهي عمل أدبي حصري للكاتبة هبة.

جميع الحقوق محفوظة.

يُمنع منعًا باتًا نسخ أو إعادة نشر هذا المحتوى، أو تحويله إلى صيغة إلكترونية (PDF، Word، إلخ)، أو توزيعه بأي وسيلة كانت دون إذن كتابي صريح من الكاتبة.

أي محاولة انتهاك لحقوق النشر تُعدّ سرقة أدبية.

_____________

أسرعَ القسيسُ إلدار بالتَّقدُّمِ بخطواتٍ مُسرعةٍ، وبحركةٍ مَذعورةٍ سحبَ إليور من ذراعِه لِيُبعدَه عن رُكامِ الرُّخامِ المُتناثرِ، وعيناهُ الرَّماديتانِ تنتقلانِ بين الحُطامِ ووجهِ الصَّبيِّ بذهولٍ تامٍّ.

كان الذُّهولُ سيِّدَ الموقفِ، وصدمةٌ صامتةٌ ألجمتْ ألسنةَ الجميعِ. أمَّا إليور، فقد شعرَ بغصَّةٍ حارقةٍ تلتوي في حَنجرتِه، ورغبةٍ جارفةٍ في البكاء عويلاً من شناعةِ حظِّه الذي يبتسمُ له بالبلاءِ أينما حلَّ، لكنَّه اعتصرَ قبضتيهِ وضغطَ على أسنانِه ليظلَّ متماسكاً بثباتٍ زائفٍ.

وفجأةً، شقَّ هذا السُّكونَ المُطْبِقَ صوتٌ رخيمٌ، باردٌ ومستفزٌّ، تهادى في الممرِّ الكئيبِ لِيحملَ تهمةً صريحةً:

"تدميرُ إرثِ المَلِكِ الأكبرِ... وفي وضحِ النَّهار؟ هل أضحى تخريبُ القصرِ عمداً أمراً يمرُّ مرور الكرامِ؟"

التفتَ الجميعُ نحو مصدرِ الصَّوتِ. هناكَ، عندَ بدايةِ المنعطفِ، وقفَ الأميرُ فولتر وبجانبِه خادمُه الخاصُّ الذي انحنى برأسِه طاعةً.

كان الأميرُ شاباً في الواحدةِ والعشرين من عُمُره، يتمتعُ بملامحَ حادّةٍ أرستقراطيَّةٍ، يملأُ شَعرُه الأسودُ الفاحمُ عُنقَه، وعيناهُ السوداوانِ كالفحمِ تنظرانِ للجميعِ باحتقارٍ خبيثٍ.

نظرَ إليور إليه بضيقٍ شديدٍ واشمئزازٍ لم تُخفِه تلكَ الدموعُ اللامعةُ التي تجمَّعتْ في عينيه بفعل الرُّعب الكامنِ، وعضَّ على شفتِه بقوةٍ حتى كادتْ تدمى.

لم يحتملْ إلدار هذا الاتِّهامَ؛ فخطا خطوةً للأمامِ مستعملاً مكانته الدِّينيةَ، وقال بنبرةٍ حازمةٍ دافعاً السُّوءَ عن الصَّبيِّ:

"سموَّ الأميرِ، لم يكُنِ الأمرُ عمداً قطُّ. الفتى تعثرَ قسراً ولم يقصدْ مساسَ التِّمثالِ بسوءٍ."

اندفعَ المستشارُ كروف هو الآخرُ، وعلى غيرِ العادةِ، صرخَ بنبرةٍ حانقةٍ يؤكدُ قولَ القسيسِ:

"أجل، أجل! الصَّبيُّ أخرقُ وجاهلٌ وأحمقُ فحسب، لكنَّ الحادثةَ كانت زلةَ قدمٍ بسببِ نقاشٍ جرى بيننا، ولم تكُنْ نيته التَّخريبَ أبداً!"

ارتسمتْ على شفتَي فولتر ابتسامةٌ باردةٌ مُستخفّةٌ، وتجاهلَ تبريراتِهما تماماً. رفعَ يدَهُ المغطاةَ بقفازٍ جلديٍّ أسودَ، وأشارَ بسبّابتِه ببرودٍ نحو المراهقِ، ملتفتاً إلى أحدِ الحُرَّاسِ الواقفينَ عند البوابةِ:

"اقبضوا على هذا الفتى... فلْيُرمى في الزّنزانةِ حتى يُقررَ الملكُ عقابَ مَن يتجرأُ على كسر تماثيلنا الملكيَّة."

تملَّكَ الرُّعبُ أوصالَ إليور، وشعرَ بصقيعٍ قاتلٍ يضربُ ركبتيه. وبحركةٍ غريزيةٍ مَذعورةٍ، تراجعَ إلى الخلفِ، واستترَ خلفَ جسدِ القسيسِ إلدار، متشبثاً بطرفِ ردائِه الأبيضِ، كعصفورٍ يحتمي بأمِّه.

اندفعَ الحارسُ بخطواتٍ فظَّةٍ نحو إليور، وقبضَ على ذراعِهِ بوَقاحةٍ لِيَسْحَبَهُ من خلفِ رداءِ القسيسِ.

ارتجفَ جسدُ إليور بقوةٍ، وكادَ يستسلمُ ليأسِهِ لولا أنَّ صوتاً حانقاً أمر بحدةٍ ينهي بها الجدالَ:

"توقَّفْ مكانَكَ أيُّها الحارسُ الأخرقُ!"

كان كروف هو مَن صرخ، ووجهُهُ الضَّئيلُ قدِ اصطبغَ بالحُمرةِ من فرطِ الغضبِ. خطَا خطوتينِ ليعترضَ طريقَ الحارسِ، وتابعَ بنبرةٍ تملؤها السُّلطةُ والاستعلاءُ:

"جلالةُ الملكِ كريستوفر يطلبُ مقابلةَ هذا الفتى في هذه الثَّانيةِ بالذاتِ! وأيُّ تأخيرٍ في إيصالِهِ سَيُعَدُّ عِصياناً لأوامرِ العرشِ، فهل ستتحملُ عقابَ ذلكَ وحدَك؟"

تجمَّدتِ الحركةُ في الممرِّ تماماً. توقَّفَ الحارسُ مُتردداً، وأفلتَ معصمَ إليور بوجلٍ مرتدياً خُطواتٍ للخلفِ.

في تلكَ اللحظةِ، تجعَّدتْ ملامحُ الأميرِ فولتر الأرستقراطيَّةُ، وحلَّ الغيظُ محلَّ نظراتِهِ المُستخفَّةِ؛ فأنْ يتدخلَ الملكُ بنفسِهِ لأجلِ صبيٍّ رثٍّ كهذا...

هو أمرٌ لم يكُنْ في الحُسْبان.

لم يمنحْ كروف أحداً فُرصةً للنقاشِ؛ تقدَّمَ بخطواتٍ سريعةٍ، وقبضَ بخشونةٍ مألوفةٍ على معصمِ إليور، ثمَّ سحبَهُ خلفَهُ بقوةٍ وهو يتمتمُ بحنقٍ.

تحرَّكَ القسيسُ إلدار والطبيبُ زيفير على الفورِ، لِيَتْبَعَا كروف والصَّبيَّ عبرَ الممرِّ الطويلِ، تاركينَ وراءَهم حُطامَ تمثال الملكِ الأكبرِ يشهدُ على جنونِ الصَّباحِ.

وقفَ الأميرُ فولتر في مكانِه، يرمقُ آثارَ رحيلِهم بعينينِ سوداوينِ تشتعلانِ بالشكِّ والغيظِ. تملَّكَتْهُ رغبةٌ عارمةٌ في معرفةِ الحقيقةِ؛ فَمَنْ يكونُ هذا الصَّبيُّ صاحبُ الشَّعرِ الأشقرِ المَبعثرِ؟

وكيفَ لِقسٍّ مقرَّبٍ من الملكِ، وطبيبِ القصرِ الصَّارمِ، والمستشارِ الملكيِّ، أن يتكتلوا جميعاً لِحمايتِهِ والدِّفاعِ عنه بهذا الشَّكلِ؟

التفتَ فولتر نحو خادمِهِ الواقفِ في الظلِّ برأسٍ مُطأطأٍ، وقالَ بصوتٍ خافتٍ، باردٍ، يحملُ نبرةً مميتةً:

"عيِّنْ أحداً من حرسِ النُّخبةِ لِيراقبَ هذا الفتى كظِلِّه. أُريدُ تقريراً وافياً عن كلِّ أنفاسِهِ وحركاتِه، ومَنْ يلتقي بهم. هناكَ سِرٌّ قذرٌ يخصُّ هذا المتشردَ، وسأعرفُهُ بنفسي."

انحنى الخادمُ بطاعةٍ تامةٍ، بينما استدارَ الأميرُ فولتر ومشى بخطواتٍ متكبرةٍ لِيكملَ عمله في القصرِ.

فُتحتِ الأبوابُ الخشبيَّةُ الشَّاهقةُ لقاعةِ العرشِ الملكيَّةِ بِدويٍّ مهيبٍ بعدَ أن أذنَ الملكُ لهم بالدّخولِ، فدلفَ الجميعُ بخطواتٍ موزونةٍ يملؤها الوجلُ.

كانت القاعةُ فسيحةً باردةً، تُعلَّقُ على جدرانِها الحجريةِ راياتُ المملكةِ المخمليةُ، وتنعكسُ أضواءُ المشاعلِ على أرضيتِها الرخاميةِ المصقولةِ كأنَّها مرآةٌ داكنةٌ.

تقدموا حتى وقفوا أمامَ منصةِ العرشِ باحترامٍ تامٍّ. وقفَ القسيسُ إلدار بجانبِ الطبيبِ زيفير يُشكّلانِ أحداً على طرفي العرشِ، بينما تحرَّكَ المستشارُ كروف بخطواتِه القصيرةِ السريعةِ ليقتربَ من كرسيِّ الملكِ الضَّخمِ، واقفاً إلى جوارِه بموجبِ منصبِه الرفيعِ.

تربَّعَ الملكُ كريستوفر فوقَ عرشِه، وكان يرتدي رداءً مخملياً داكناً يُطوّقُ عُنقَه فراءٌ ثمينٌ. نقلَ عيونهُ الحادةَ نحو إليور، ورمقَهُ بنظرةٍ عميقةٍ فاحصةٍ تزنُ كلَّ إنشٍ في جسدِ الصَّبيّ، قبلَ أن يشقَّ الصَّمتَ بصوتِه الرخيمِ المهيبِ، سائلاً إيَّاه عن سببِ هروبِهِ من المملكةِ:

"إذن؟ ما الذي جعلك تفرُّ من أرضك يا ولد؟"

ابتلعَ إليور ريقَهُ، واستجمعَ شتاتَ نفسِه ليُحاول الإجابةَ بثباتٍ، لكن صوته خرج مبحوحاً إثر كتمه لدموعه:

"جلالةَ الملكِ... لم أكُنْ أريدُ سوى النَّجاة. ماتتْ أمي، ولحقَ بها جدي قبل وقتٍ قصيرٍ، ووجدتُ نفسي وحيداً ومثقلاً بديونِ صاحبِ منزلِنا القديم. كان رجلاً قاسيَ القلبِ، وأرادَ استعبادي واستغلالي أبشعَ استغلالٍ.

ولم أكنْ أريدُ السُّقوطَ في قيدِ العبوديةِ، كما لم أكنْ أتحملُ فكرةَ دُخولِ دارِ الأيتامِ الملكيةِ؛ فما هي إلا سجنٌ مُبطنٌ، والعامُ المقبلُ سأتمُّ عامي الثَّامنَ عشرَ، ووقتَها سيتمُّ طردي وفقاً للقانونِ لأجدَ نفسي متشرداً في الشوارعِ بلا مأوى أو مُستقبلٍ... لم أكنْ سأجني من بقائي سوى الضَّياع."

همهمَ الملكُ كريستوفر بتفهمٍ باردٍ، ومالَ برأسِه قابعاً في مقعدِه، ثمَّ سأله بنبرةٍ تتقصَّى التفاصيلَ:

"وماذا عن ديونِك؟ كيفَ فكرتَ في سدادِها وأنتَ فارٌّ كاللُّصوص؟"

أجابهُ إليور بثباتٍ زائفٍ أخفى خلفَهُ اضطرابَ أنفاسِه:

"حاولتُ العملَ يا مولاي... طرقتُ أبواباً كثيرةً، لكنَّ أحداً لم يقبلْ بي؛ فكما ترى، أنا ضعيفُ البنيةِ ولا أقوى على الأشغالِ الشاقةِ، فضلاً عن أنَّ سُمعتي في الحيِّ لم تكنْ تُسعفُني، فقد عُرفَ عني أنني فتىً طائشٌ والمشاكلُ لا تنفكُّ تلاحقني.

لذلكَ... تملكني اليأسُ وظننتُ واهماً أنَّ هناكَ مملكةً أخرى خلفَ الحدودِ قد تستقبلُني، وهناك سأجدُ عملاً أقتاتُ منه."

انفرجتْ شفتا الملكِ كريستوفر عن ضحكةٍ خفيفةٍ ساخرةٍ، وهزَّ رأسَه قائلاً:

"يا لكَ من فتىً بريءٍ إلى حدِّ السَّذاجةِ... ومحظوظٍ لدرجةٍ تُثيرُ العجبَ."

ارتسمتْ على شفتَي إليور الباهتتينِ ابتساماتُ سخريةٍ مريرةٍ من ذاتِه ومن قدرِه، وتمتمَ بصوتٍ مَبحوحٍ:

"بريءٌ ومحظوظ؟... جلالتَك، أنا ميتٌ في كل الأحوالِ على ما يبدو، فالحظُّ الذي أنجاني من المقصلةِ قد سحقني قبلَ قليلٍ عندما حطمتُ تمثالَ الملكِ الأكبرِ في الممرِّ."

سادَ القاعةَ صمتٌ صاعقٌ ومفاجئٌ. سكنتْ حركةُ الملكِ، واستدارَ نحو الصَّبيِّ باستغرابٍ شديدٍ عقدَ حاجبيه، وسأله بنبرةٍ حاسمةٍ:

"ماذا قلت؟ حطمتَ ماذا؟"

أجابَ إليور بتوترٍ بالغٍ ودموعُه تترقرقُ في عينيه الخضراوين مجدداً:

"لقد... كسرتهُ دونَ قصدٍ يا مولاي... تعثرتْ قدمي واصطدمتُ به."

تملَّكَ التوترُ أرجاءَ القاعةِ الفسيحةِ، وضاقَ الهواءُ بأنفاسِ الحاضرين. تقدمَ القسيسُ إلدار خطوةً للأمام، محاولاً التحدثَ واستدرارَ عفوِ الملكِ عن الصَّبيِّ طالباً الصَّفحَ، لكنَّ الملكَ كريستوفر رفعَ يدَهُ المغطاةَ بالقفازِ الجلديِّ مُشيراً إليه بالصَّمتِ.

نهضَ الملكُ من عرشِه بخطواتٍ بطيئةٍ موزونةٍ، وتقدمَ نحو إليور. شعرَ الصَّبيُّ بثقلِ هيبته تقتربُ منه كصخرةٍ تسحقُ أنفاسَه، ولفحتْ وجهَهُ رائحةُ عطرِ الملكِ القويةُ الحادةُ التي تمزجُ بينَ المسكِ والأخشابِ العتيقةِ.

انحنى الملكُ بمستواهُ، ومدَّ يدَهُ ليمسكَ بفكِّ إليور برقةٍ أرستقراطيَّةٍ غريبةٍ، وهمسَ له وهو يرفعُ رأسَه ببسمةٍ هادئةٍ غامضةٍ:

"يا لكَ من فتىً جريء... جريءٌ جداً لدرجةِ أن تعترفَ بمصيبةٍ مهولةٍ كهذه أمامَ الملكِ دونَ خوفٍ."

في تلكَ اللحظةِ، لم يحتملْ إليور شدةَ الموقفِ؛ تجمَّعتِ الدموعُ السَّاخنةُ بغزارةٍ أكبرَ في عينيه لتسيلَ على وجنتيه الشَّاحبتينِ، وقالَ بنبرةٍ باكيةٍ:

"أنا منحوسٌ يا مولاي... سأَموتُ سحقاً اليوم، أليسَ كذلك؟"

انفجرَ الملكُ كريستوفر ضاحكاً بخفةٍ وعفويةٍ أذهلتِ الحاضرين، وأفلتَ فكَّ الصَّبيّ، ثمَّ التفتَ نحو مستشارِهِ كروف قائلاً بنبرةٍ متهكمةٍ:

"اطمئنْ أيُّها الصَّبيُّ... فالتمثالُ الأصليُّ للملكِ الأكبرِ قد نُقلَ إلى المخازنِ الملكيَّةِ منذُ أسبوعٍ بغرضِ الترميمِ. أمَّا ذلكَ القابعُ في الممرِّ، فما هو إلا نسخةٌ من أحد النَّحاتين وُضعتْ مؤقتاً لكي يراها الشَّعبُ والزُّوّارُ."

وقعتِ الكلماتُ كالصَّدمةِ على رُؤوسِ الجميعِ. اتسعتْ عينا القسيسِ إلدار بفرحةٍ غامرةٍ لم يستطعْ إخفاءَها، وتنهدَ الطبيبُ زيفير براحةٍ حقيقيَّةٍ أبعدتِ القلقَ عن ملامحِه، بينما أخذَ المستشارُ كروف يحكُّ رأسَهُ الأصلعَ بحرجٍ وضيقٍ، إذ تذكرَ فجأةً موضوعَ الترميمِ الذي نسيهُ تماماً في غمرةِ غضبِه من الصَّبيِّ.

أمَّا إليور، فقد انهارَ واضعاً يديهِ على وجهِه، وأخذَ يبكي بصمتٍ ودموعُه تبللُ ضماداتِ معصميه؛ لكنَّ بكاءَهُ هذه المرةَ كان شكراً وحمداً لربِّهِ في سرِّه، بعدَ أن تجلَّى حظه مجدداً ليُنقذَ رقبتَهُ من حبلِ المشنقةِ بطريقةٍ لا تخطرُ على بالِ بشرٍ.

رَبَّتَ الملكُ كريستوفر على كتفِ إليور ببسمةٍ هادئةٍ غامضةٍ، وقالَ:

"بما أنَّ عُنقَكَ قد نَجا من جِنايةِ التِّمثالِ... فما رأيُكَ لو عقدنا معاً اتفاقاً يرضي جميعَ الأطرافِ؟"

سادَ قاعةَ العرشِ صمتٌ مُطبقٌ، واستبدَّ الاستغرابُ بالحاضرين. رفعَ إليور رأسَهُ وعيناهُ الخضراوانِ تتسعانِ بحيرةٍ واضحةٍ؛ وفي تلكَ اللحظةِ، لمحَ بطرفِ عينِهِ المستشارَ كروف وهو يُشيحُ بوجهِهِ بعيداً، مُتظاهراً بالانشغالِ بمراقبة السَّقفِ.

حينها، أدركَ الفتى ذو السَّابعةَ عشرةَ أنَّ لهذا القزمِ الأصلعِ يداً خفيةً في الأمرِ، وأنَّ خلفَ هذا العرضِ تدبيراً سريّاً.

عادَ الملكُ إلى عرشِهِ وجلسَ بوَقارٍ، ثمَّ تابعَ مُوضحاً:

"لديَّ ابنٌ يُدعى ناثير... شابٌّ في عُمرِك تقريباً، لكنَّهُ يعيشُ في عزلةٍ تامةٍ داخلَ جناحِه. التعاملُ معهُ أشبهُ بالسَّيرِ فوقَ حقلٍ من الأشواكِ؛ فهو حادُّ الطباع، عنيفٌ، وسيئُ السُّلوكِ إلى حدٍّ كبيرٍ.

الخدمُ يفرونَ من جناحِهِ تباعاً، ولم يعدْ أحدٌ في القصرِ يقبلُ بالعملِ لديه. أمَّا خادمُهُ الشخصيُّ الحاليُّ... فهو رجلٌ سيئُ السُّمعةِ، وتصلُني شكاوى مستمرةٌ من بقيةِ العاملينَ بسببه."

نقلَ الملكُ نظراتِهِ الصَّقريةَ بينَ كروف وإليور، وتابع:

"لقد أخبرني كروف أنَّكَ فتىً طائشٌ وصاحبُ مشاكل، وبما أنَّ العنفَ لا يُجابهُ إلا بالجنون، وبما أن الدُّيون تغرقك ولا يبدو على جسدك أنه يحتمل العمل الشَّاق، فقد اقترحَ عليَّ أن تعملَ خادماً شخصياً لناثير لمدةِ ثلاثِ سنواتٍ.

في المقابل... سأتولى بنفسي سدادَ ديونِكَ بالكاملِ، وأصدرُ بحقِّكَ عفواً ملكياً يُسقطُ تهمةَ هروبك. لكنَّ شرطي الوحيد... هو أن تُحاولَ ترويضَ طباعِ ابني السيئةِ، ومساعدتَهُ على التَّخلصِ من تلكَ العزلةِ."

ارتسمتْ على شفتَي إليور ابتسامةُ قلقٍ ممتزجةٍ بالارتياحِ. لم يُفكرْ مرتين، بل وافقَ بسرعةٍ؛ فمرافقةُ أميرٍ عنيفٍ ومجنونٍ تظلُّ خياراً أفضلَ بألفِ مرةٍ من الوقوفِ ذليلاً أمامَ قاضي المملكةِ والمخاطرةِ بدخولِ دارِ الأيتامِ أو السَّجن حيثُ الموتُ يتربصُ بسحرِه.

لكن، بمجردِ أن أومأَ برأسِهِ موافقاً، التفتَ إليور بنظرِهِ نحو القسيسِ إلدار والطبيبِ زيفير. وفي تلكَ اللحظةِ، تجمَّدَ الدَّمُ في عروقِهِ وحلَّ الرُّعبُ في صدرِه؛ إذ كانت ملامحُ الرَّجلينِ قاتمةً بشكلٍ مخيفٍ، ونظراتُهما تفيضُ بقلقٍ داكنٍ وأسفٍ غيرِ مبشرٍ بالخيرِ بتاتاً...

كمن ينظرُ إلى جثةٍ تُساقُ إلى مقبرتِها بقدميها...

أشارَ الملكُ كريستوفر بيدهِ المغطاةِ بالقفازِ الجلديِّ إيذاناً بانتهاءِ المقابلةِ، وصدرَ أمرُه الرَّخيمُ المقتضبُ لِيملأَ القاعةَ:

"انصرفوا الآن. كروف... خُذِ الفتى وأرشدْهُ إلى جناحِ الأميرِ ناثير، فعملُهُ سيبدأُ من هذه السَّاعةِ."

انحنى الجميعُ بطاعةٍ وانسحبوا بخطواتٍ مهذبةٍ إلى الخارج.

وما إنْ أُغلقتِ الأبوابُ الشَّاهقةُ خلفَهم، حتى التفتَ إليور وعيناهُ الخضراوانِ تفيضانِ بتساؤلاتٍ كثيرةٍ؛ كان يتوقُ لِسؤالِ القسيسِ والطبيبِ عن سرِّ تِلكَ النَّظراتِ الجنائزيةِ القاتمةِ التي رمقاهُ بها، وعن القلق الذي حلَّ بملامحهما فورَ ذِكرِ اسمِ الأميرِ.

غيرَ أنَّ كروف لم يمنحْهُ فرصةً للحديثِ؛ بل قبضَ على معصمِهِ النَّحيلِ ودفعهُ للسيرِ معه في الممرات، مغلقاً بابَ النِّقاشِ بنبرةٍ حافلةٍ بالتحذيرِ:

"لا تُشغلْ عقلَكَ الصَّغيرَ بتعابيرِ وجهيهما أيُّها الصَّبيُّ. المشكلةُ الحقيقيةُ التي تواجهُكَ الآن لا تكمنُ في قلقِهما، بل في الأميرِ ناثير نفسِه.

إنه ذو مزاجٍ صعبٍ ومتقلبٍ بشكلٍ مخيفٍ، عنيفٌ لا يعرفُ اللّين، رأسه عنيدٌ كالصَّخرِ، وقاسي القلبِ لدرجةٍ قد تجعلُكَ تتمنى لو أنَّ الجلّادَ هوى بنصلِهِ على عنقِكَ في تلك السَّاحةِ أيُّها المسكينُ الجاهلُ."

لم يجدْ إليور في جوفِهِ طاقةً للرّدِّ؛ طأطأَ رأسَهُ وسارَ صامتاً، لكنَّ عقلَهُ كان شارداً في مكانٍ آخر تماماً.

تعثرتْ خطواتُهُ وهو يتذكرُ أحداثَ الليلةِ الماضيةِ...

تذكرَ تِلكَ الغرفةَ المظلمةَ التي اقتحمَها هرباً من الحرسِ، وأنفاسَ ذلكَ الغريبِ السَّاخنةَ واللاهبةَ التي لفحتْ بشرتَهُ وعُنقَه، والقبضةَ الفولاذيةَ الباردةَ التي كادتْ تهشمُ معصميه.

شعرَ برعشةٍ خفيفةٍ تسري في أوصالِهِ من فرطِ التَّوجسِ، لاحظَها كروف بطرفِ عينِهِ، لكنَّ المستشارَ الأصلعَ آثرَ الصَّمتَ وتابعَ مِشيتَهُ الموزونة.

استمروا في الصُّعودِ عبرَ السَّلالمِ الرخاميَّةِ اللولبيَّةِ حتى وصلوا إلى جناحٍ معزولٍ يقعُ في أقصى الطَّابقِ العلويِّ.

توقفَ كروف أمامَ بابٍ خشبّيٍّ ضخمٍ، منقوشٍ بزخارفَ قديمةٍ غامضةٍ مألوفةٍ، ثمَّ تراجعَ خطوتينِ إلى الخلفِ، وارتسمتْ على وجهِهِ الضَّئيلِ ابتسامةٌ شامتةٌ متهكمةٌ، وقالَ بنبرةٍ تملؤها السُّخريةُ:

"لقد وصلنا يا فتى. ادخلْ بمفردِك، فالأمرُ بينكَ وبينَ سيِّدِكَ الجديدِ الآن."

استدارَ كروف ومشى بخطواتٍ سريعةٍ لِيختفيَ في المنعطفِ، تاركاً الصَّبيَّ وحيداً يواجهُ مصيرَه.

تسمرَ إليور في مكانِه، ونقلَ عيونهُ نحو خشبِ البابِ القاتمِ؛ تجمَّدتِ الدِّماءُ في عروقِهِ واجتاحَتْهُ رعشةٌ مرعبةٌ وهو يتأكدُ من أسوأِ مخاوفِه.

إنَّها الغرفةُ ذاتُها.

الأميرُ ناثير العنيفُ والقاسي... هو نفسُه ذلكَ الغريبُ المختلُّ الذي كادتْ عيونُهُ تقتلهُ بالأمسِ وسطَ الظَّلام الباردِ.

ابتلعَ إليور ماءَ حلقِهِ بصعوبةٍ مزّقت حنجرته. مدَّ يدَهُ وتحسسَ المقبضَ الحديديَّ لِيفتحَ البابَ ببطءٍ تفادياً للجلبةِ، لكنَّ المقبضَ لم يتحرك؛ كان البابُ عالقاً تماماً.

حاولَ مراراً، وراحَ يدفعُهُ بجسدِهِ النَّحيلِ بقوةٍ يائسةٍ.

وفجأةً... وبلا أيِّ مقدماتٍ، انفتحَ البابُ بعنفٍ لِيتحركَ المزلاجُ نحو الدَّاخلِ. لشدةِ اندفاعِهِ، اختلَّ توازنُ إليور تماماً، وهوى جسدُهُ للأمامِ وكادَ يسقطُ على وجهِهِ فوقَ الأرضيةِ الصَّلبةِ، لولا حركةٌ خاطفةٌ وسريعةٌ أنقذتْه.

امتدتْ يدٌ قويةٌ، أحاطتْ بخصره من الخلفِ بحسمٍ منعَهُ من الارتطامِ. تيبَّسَ إليور في مكانِه، وتلاقتِ أنفاسه بالغريب مجدداً؛ إذ شعرَ بذاتِ البرودِ الجليديِّ الذي يلتفُّ حولَه، وذاتِ النبرةِ المميتةِ المُستخفّةِ تهمسُ بالقربِ من أُذنِه، بينما كانتْ قبضةُ الأميرِ ناثير تُطبقُ على جسده.

حاولَ إليور جاهداً أن يستجمعَ شتاتَ قواهُ الواهنةِ، وشَدَّ عضلاتِ جسدِهِ النَّحيلِ لِيقفَ على قدميهِ المرتجفتينِ ويتحرَّرَ من تِلكَ القبضةِ.

لكنَّ خِذلانَ ركبتيهِ وعجزَ جسدِهِ المنهكِ بفعلِ الحُمَّى والخوفِ جعلا توازنَهُ يختلُّ مجدداً بصورةٍ أعنفَ؛ تهاوى جسدُهُ للأمامِ بسرعةٍ، وبحركةٍ غريزيةٍ مَذعورةٍ، تشبَّثَتْ أصابعُهُ بياقةِ قميصِ الأميرِ ناثير البيضاء.

لم يتوقعْ ناثير هذا الاندفاعَ الأخرقَ؛ وبسببِ ثقلِ جسدِ إليور السَّاقطِ، زلَّتْ قدمُ الأميرِ، لِيَهوِيَا معاً في سقطةٍ عنيفةٍ على أرضيةِ الجناحِ الصَّلبة.

انطلقَ من حنجرةِ إليور تأوُّهٌ حادٌّ ومكتومٌ، انكمشَ على جانبِهِ الأيمنِ وراحَ يُدلكُ أسفلَ ظهرِهِ بأصابعِهِ المرتجفةِ، حانياً رأسَهُ للأمامِ محاولاً تخفيفَ ألمِ الارتطامِ الذي تغلغلَ في عظامِهِ النَّحيلةِ.

لكنَّ أنينَ ألمِهِ تلاشى وتبخَّرَ في ثانيةٍ واحدةٍ، عندما لفحَ وجهَهُ صقيعٌ مرعبٌ منبعثٌ من الجسدِ القابعِ أمامه.

رفعَ إليور عيونهُ الخضراءَ بوجلٍ، فاصطدمتْ بنظراتٍ حارقةٍ تنضحُ بغيظٍ شديدٍ وحقدٍ لم يرَ له مثيلاً من قبلُ؛ كان ناثير جالساً متكئاً على ذراعه، وعيناهُ الجليديتانِ تشتعلانِ بوعيدٍ مميتٍ، كان صدرُهُ يعلو ويهبطُ كبركانٍ يوشكُ على الانفجارِ جراءَ هذه الإهانةِ الشَّنيعةِ التي لحقتْ بكرامَتِهِ على يدِ خادمٍ رثٍّ.

وبلا أيِّ ذرةِ ترددٍ، امتدتْ يدُ ناثير نحو خاصرتِه، فاستلَّ خنجراً فضياً ذا نصلٍ حادٍّ. رفعَ الأميرُ الخنجرَ في الهواء، واندفعَ بجسدِهِ لِيَهويَ بالنَّصلِ مباشرةً نحو صدرِ إليور لِيَقْتَلِعَ رُوحَه.

في تِلكَ اللحظةِ، تلاشى كلُّ الضعفِ من عقلِ إليور؛ لم يُفكر، أغمضَ عينيه وانصاعَ لِغريزةِ البقاءِ الكامنةِ في عروقِهِ الملوثةِ.

شحبَ اللونُ الأخضرُ في عينيه، واشتعلتْ حدقتاهُ بوهجٍ ذهبيٍّ، لِيستيقظَ سحرُ الظِّلالِ المحرَّمُ في أعمقِ أعماقِه.

وتحتَ تأثيرِ هذا الوهجِ المباغتِ، انسلخَ ظلُّ الأميرِ ناثير الممتدُّ على الحائطِ عن صاحبِه، وتحرَّكَ ككائنٍ حيٍّ غريبٍ؛ زحفَ الظلُّ بسرعةٍ جنونيةٍ مرعبةٍ نحو رفٍّ خشبيٍّ مرتفعٍ يقبعُ فوقَ رأسِ الأميرِ، وامتدتْ يدُ الظلِّ السوداءُ لِتَدْفَعَ مزهريةً فخاريةً ثقيلةً بكلِّ قوتِها.

دَوَتِ المزهريةُ وهي تهوي من الأعلى، لِتَرْتَطِمَ مباشرةً وبقوةٍ هائلةٍ برأسِ الأميرِ ناثير.

انكسرَ الفخارُ وتشظَّى في أرجاءِ المكانِ، وسقطَ الخنجرُ الفضيُّ من يدِ الأميرِ لِيَرِنَّ فوقَ الرُّخامِ، بينما ترنَّحَ جسدُ ناثير وهوى على الأرضِ مُستلقياً على ظهرِه، وقد عَقَدَتِ الصَّدمةُ لسانَه؛ نقلَ نظراتِهِ المذهولةَ والواهنةَ نحو إليور مغمض العينين، والدَّمُ القاني الدَّاكنُ بدأَ يسيلُ بغزارةٍ من بينِ خُصلاتِ شَعرِهِ الأسودِ، ليُغرقَ جبينَهُ ووجنته.

انطفأَ الوهجُ الذهبيُّ من عيونِ إليور لتعودَ خضراءَ كما كانت، وحلَّ الرُّعبُ الصَّافي في صدرِهِ عندما فتح عينيه لينظرَ إلى بركةِ الدِّماءِ التي بدأتْ تتشكلُ تحتَ رأسِ ابنِ الملكِ.

تيبَّسَ في مكانِهِ وقد شلته الصَّدمة وهو يهمسُ:

"لقد قتلتُ الأميرَ! سأُعدمُ حتماً هذه المرةَ!"

دَفَعَهُ رُعبُهُ للتحركِ مجدداً؛ زحفَ على ركبتيهِ بخوفٍ شديدٍ واقتربَ من جسدِ ناثير الممددِ.

مَدَّ يديهِ المرتجفتينِ لِيَسْنِدَ ظهرَهُ ويرفعَ رأسَهُ عن الرُّخامِ الباردِ، ومزَّقَ طرفَ كُمِّ قميصِهِ النَّظيفِ بأسنانِهِ وضغطَ به فوقَ الجرحِ في محاولةٍ يائسةٍ لِوقفِ النَّزيفِ المتدفقِ.

غيرَ أنَّ ناثير، ورغمَ ضعفهِ ودوارِه، شعرَ بغليانِ الغيظِ في صدرِه؛ رَفَعَ يَدَهُ الواهنةَ وَدَفَعَ إليور بعيداً عنه بكلِّ ما تبقَّى له من قوةٍ، وصاحَ بصوتٍ مَبحوحٍ يملؤهُ الحقدُ:

"ابتعدْ عني... أيَّتها الحشرةُ الوضيعةُ! لا تلمسْني بيدكِ القذرةِ، سأُبيدُ نسلكَ وأُعلقُ رأسَك..."

توقفتْ كلماتُهُ عندما انفجرَ الغضبُ في رأسِ إليور. لم يعدِ الصَّبيُّ يتحملُ هذا الكمَّ من التَّهديدِ والألمِ والمهانةِ بعدَ يومٍ حافلٍ بالموتِ.

غابَ عقلُهُ عن الوعي، وبحركةٍ متهورةٍ وعنيفةٍ مدفوعةٍ بالغيظِ، رَفَعَ قبضتَهُ وضربَ الأميرَ بكلِّ قوتِهِ مباشرةً فوقَ مكانِ الجرحِ النَّازفِ!

انطلقاد من جوفِ ناثير صرخةُ ألمٍ حادَّةٌ وممزقةٌ، وتلوَّى جسدُهُ بقوةٍ واعتصرتْ عيناهُ بوجعٍ شلَّ حركتَه.

في تِلكَ الثَّانيةِ، استوعبَ إليور شناعةَ ما صنعتْ يداه؛ تراجعَ مذهولاً، وتملَّكَهُ النَّدمُ والهلعُ لِتَصَرُّفِهِ الطَّائشِ مع شخصٍ يملكُ سُلطةَ قطعِ رأسِه.

وبحركةٍ عفويةٍ غبيةٍ ومُرتبكةٍ لاستراضائِه، انحنى بسرعةٍ فوقَ رأسِ الأميرِ، وطبعَ قبلةً سريعةً فوقَ جبينِهِ مكانَ الجرحِ كمن يُواسي طفلاً صغيراً!

لكن، بمجردِ أن ابتعدَ برأسِه، أحسَّ بطعمٍ مالحٍ ولزجٍ يملأُ فمَه، ووجدَ دماءَ الأميرِ القانيةَ قد صبغتْ شفتيهِ بالكاملِ.

تراجعَ خطوتينِ إلى الخلفِ، وراحَ يمسحُ شفتيهِ بكفِّ يدهِ بتقززٍ شديدٍ واشمئزازٍ، نظرَ إلى ناثير بعيونٍ مغسولةٍ بدموعِ الرُّعبِ والارتباكِ التَّامِّ، وتمتمَ بصوتٍ باكٍ متهدجٍ:

"أنا... أنا آسفٌ! لم أكنْ أقصدْ! تباً لي... ماذا أفعلُ الآن؟! كيفَ أتصرفُ مع هذا النَّزيفِ؟! ستَموتُ حتماً ويقطعونَ عنقي! أجبني بسرعةٍ! ستموتُ وأموتُ خلفك! سحقاً لي ولحظي!"

رمقَهُ ناثير بنظرةٍ باردةٍ، نظرةٍ خلتْ من الألمِ وحلَّ محلَّها جمودٌ مرعبٌ. تنهدَ بصعوبةٍ، وقالَ بنبرةٍ هادئةٍ قدر المستطاعِ:

"كُفَّ عن النَّحيبِ أيُّها الأخرقُ. اذهبْ فوراً إلى الخزانة في نهاية الممرِّ، وأحضرْ كوباً من الماءِ النَّظيفِ والقطنِ الطبيِّ وتعالَ لِتُضمدَ هذا الهراءَ... إياكَ أن تتأخرَ."

مسحَ إليور دموعَهُ السَّاخنةَ بظهرِ يدهِ المرتجفةِ، وأومأَ برأسِهِ سريعاً لِيَمْتَثِلَ للأمرِ، ثمَّ نهضَ بجسدِهِ المنهكِ وانطلقَ يركضُ داخلَ الجناحِ لِيُحضرَ ما طلبَهُ الأميرُ قبلَ أن يفوتَ الأوانُ.

يتبع.........

_____________

رأيكم وتوقعاتكم؟

إليور وصار خادم، ناثير ومتوعد له!

برأيكم، هل ناثير مثل ما

يقال عنه؟ ام انها مبالغة ؟

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

قَرينُ الكَدَر

المؤلف Heba My§tique
2026/09/06 مستمرة
قائمة الفصول (4)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة