1~ٱلْفَصْلُ ٱلْأَوَّلُ

1~ٱلْفَصْلُ ٱلْأَوَّلُ

18 0

سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم

اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد

تحذير حقوق النشر والملكية الفكرية

هذا الفصل جزء من رواية

"❰قرين الكدر❱"

وهي عمل أدبي حصري للكاتبة هبة.

جميع الحقوق محفوظة.

يُمنع منعًا باتًا نسخ أو إعادة نشر هذا المحتوى، أو تحويله إلى صيغة إلكترونية (PDF، Word، إلخ)، أو توزيعه بأي وسيلة كانت دون إذن كتابي صريح من الكاتبة.

أي محاولة انتهاك لحقوق النشر تُعدّ سرقة أدبية.

_____________

وقفَ إليور في منتصفِ الساحةِ العامةِ، مكبَّلَ اليدينِ والقدمينِ بأغلالٍ حديديةٍ ثقيلةٍ نالتْ من معصميهِ.

كان شعرُهُ الأشقرُ، الخشنُ بفعلِ الغبارِ، يتدلَّى بغزارةٍ ليغطيَ عينيهِ الخضراوينِ الصافيتينِ وعنقَهُ، محاولاً في عبثٍ أن يحجبَ عنهُ ملامحَ الجحيمِ من حولِهِ.

لكنَّ تلكَ الدموعَ اللامعةَ التي تجمَّعتْ في عينيهِ بفزعٍ ورعبٍ شديدٍ، كانت كافيةً لتكشفَ عن صبيٍّ في السابعةِ عشرةَ من عمرِهِ، يرى الموتَ رأيَ العينِ.

كانت الساحةُ الفسيحةُ غامرةً بالبشرِ، طوفانٌ من سكانِ المملكةِ تجمهروا كأنَّهم في عيدٍ قوميٍّ. ارتفعتْ ضحكاتُهم السعيدةُ وصيحاتُهم المبتهجةُ، بينما كانت الأيادي ترتفعُ في الهواءِ، تشيرُ بأصابعِ الاتهامِ والشماتةِ نحو المنصةِ الخشبيةِ.

لم يكن في قلوبِهم ذرةُ رحمةٍ؛ بل كانوا يصرخون بحناجرَ ملؤها الحقدُ، يطالبون بالدمِ، ويهتفون بصوتٍ واحدٍ زلزلَ أركانَ الساحةِ:

"الموتُ للسحرةِ! الموتُ لهم هم الخونةُ!"

وعلى مسافةِ خطواتٍ من إليور، سِيقَ أحدُ الرجالِ العواجيزِ نحو المقصلةِ. كان الشيخُ يرتجفُ، وجسدُهُ الهزيلُ يُساقُ بالقوةِ تحتَ قسوةِ الجلادِ.

تعالتْ صرخاتُ العجوزِ المبحوحةُ، وتوسلَ للعفوِ والحياةِ بنبرةٍ تمزقُ القلوبَ:

"أرجوكَ... أرجوكُمْ... اعْفُوا عني... أنا لم أفعلْ شيئاً... أرجوكُمْ... أنا... أنا لم أؤذِ أحداً!"

لكنَّ صرخاتِ الحشودِ كانت أعلى، تطالبُ بتعجيلِ العقابِ. دفعهُ الجلادُ ليسقطَ رأسُهُ فوقَ الخشبةِ، وفي ثانيةٍ واحدةٍ، هوى النصلُ الحادُّ ليقطعَ رأسَ العجوزِ ويرميَ بها بوقاحةٍ إلى جانبِ سبعِ رؤوسٍ أخرى، استقرَّتْ على الأرضِ بعيونٍ مطفأةٍ تحدقُ في اللاشيءِ.

تجمَّدَ الدمُ في عروقِ إليور، وعَضَّ على شفتِهِ برعبٍ شديدٍ حتى كادتْ تدمى.

كان الدورُ القادمُ هو دورَهُ......

شعرَ ببرودةِ الموتِ تقتربُ من عنقِهِ، فبدأتْ شفتاهُ الباهتتانِ تتحركانِ بتمتمةٍ سريعةٍ، لاهثةٍ، يصلي ويدعو بلهفةٍ يائسةٍ أن يعيشَ...

لم يكن يريدُ أن يموتَ هكذا، كحيوانٍ يُذبحُ لإمتاعِ الحشودِ.

لكنْ، في تلكَ اللحظةِ بالذاتِ، ومن تحتَ رعبِهِ الملموسِ، بدأتْ قوةٌ سوداءُ عنيفةٌ تتحركُ في أعماقِهِ.

شعرَ بسحرِ الظلالِ يغلي تحتَ جلدِهِ كالثعبانِ، يريدُ أن ينفجرَ، أن يتحرَّرَ ليمزقَ الأغلالَ ويقضيَ على كلِّ مَن في الساحةِ.

كانت الحرارةُ لاهبةً في صدرِهِ، لكنَّهُ، وبقوةٍ يائسةٍ، كان يكبتُ تلكَ القوةَ ويخنقُها في داخلِهِ؛ فلو ظهرتْ ذرةٌ واحدةٌ من تلكَ الظلالِ الآنَ، فلن ينتظروا المقصلةَ... بل سيُحرقُ حيّاً أمامَ هذه الجموعِ الهاتفةِ.

"يا إلهي... فلتذهبوا جميعاً إلى الجحيمِ أيُّها الفاسقونَ..."

اقتربَ القسيسُ من إليور بخطواتٍ بطيئةٍ خفيفةٍ، لكنَّ وقعَها في صدرِ الصبيِّ كان كقرعِ الطبولِ. تجمَّدَ إليور في مكانِهِ، وأغمضَ عينيهِ بقوةٍ شديدةٍ، كأنَّما يحاولُ غلقَ نافذةِ روحِهِ أمامَ الموتِ القادمِ.

وقفَ القسيسُ أمامَهُ، وبدأ يتلو كلماتٍ طقسيَّةً مبهمةً من الكتابِ الجلديِّ الثقيلِ الذي يقبضُ عليهِ بينَ يديهِ.

كانت تلكَ الكلماتُ هي فحصُ النقاءِ؛ التعاويذُ التي تستفزُّ السحرَ الكامنَ وتجعلُهُ يثورُ ليحرقَ صاحبَهُ.

في تلكَ اللحظاتِ، لم يحتملْ إليور الرعبَ؛ انسابتْ دموعُهُ الساخنةُ من عينيهِ المغلقتينِ، وراحتْ تجري بغزارةٍ على وجنتيهِ الشاحبتينِ، بينما كانت أطرافُهُ ترتجفُ تحتَ الأغلالِ، وبداخلِهِ... كان يخنقُ ظلالَهُ بكلِّ ما أُوتِيَ من قوةٍ.

مرَّتْ دقيقةٌ... ثم دقيقتانِ... وثلاثٌ.

خمسُ دقائقَ كاملةٍ مرَّتْ كأنَّها دهرٌ، ولم يحدثْ شيءٌ. لم تنفجرِ الظلالُ، ولم يشتعلْ جسدُهُ، ولم يصدرْ منهُ سوى شهقاتِ بكائِهِ المكتومةِ.

سادَ صمتٌ مريرٌ ووجومٌ مفاجئٌ في أرجاءِ الساحةِ، وهدأتْ هتافاتُ الحشودِ قليلاً بترقبٍ. عقدَ القسيسُ حاجبيهِ في استغرابٍ واضحٍ.

مدَّ يدهُ الخشنةَ وبخشونةٍ أمسكَ بفكِّ إليور، ورفعَ رأسَهُ إلى الأعلى عنوةً.

تلاقتِ أعينهما؛ نظرَ إليور بعينيهِ الخضراوينِ المغسولتينِ بالدموعِ والرعبِ، بينما كان القسيسُ إلدار يرمقُهُ بنظراتٍ حادةٍ وثاقبةٍ، تملؤها ريبةٌ شديدةٌ لم يدفنْها هدوءُ الساحةِ.

وبنبرةٍ هادئةٍ لكنَّها تحملُ ثقلَ التحقيقِ، سألهُ إلدار:

"إن لم يكن جلدُكَ يخفي دنسَ السحرِ... فما الذي يدفعُ صبياً في مثلِ عمرِكَ للهربِ من المملكةِ كفأرٍ ذليلٍ؟"

في تلكَ اللحظةِ، انهارَ إليور تماماً في البكاء. اهتزَّ جسدُهُ الهزيلُ، وتحدثَ بصوتٍ مخنوقٍ بالدموعِ والشهقاتِ المتلاحقةِ:

"لقد... لقد ماتَ جدي قبلَ يومينِ... وأصبحتُ وحيداً... كنتُ مديوناً لصاحبِ المنزلِ القديمِ، ولم أكن أملكُ سداداً لدَيني... كان شخصاً سيئاً جداً، أرادَ... أرادَ أن يستعبدَني ويستغلَّني أبشعَ استغلالٍ... لم أكن أريدُ أن أُباعَ كعبدٍ، فو ربِّي... كنتُ خائفاً!"

تأملَ إلدار ملامحَ الصبيِّ الباكي لثوانٍ بدتْ أبديةً، ثم زفرَ ببطءٍ. وبحركةٍ مفاجئةٍ، سحبَ القسيسُ إليور من قيدِهِ، مجبراً إياهُ على النهوضِ والوقوفِ على قدميهِ المرتجفتينِ.

التفتَ إلدار بنظرِهِ نحو أحدِ الفرسانِ المدججينَ بالسلاحِ والواقفينَ بالقربِ من منصةِ الإعدامِ، وأشارَ إليهِ قائلاً بصوتٍ مسموعٍ:

"خذْ هذا الصبيَّ إلى غرفتي الخاصةِ في قصرِ الملكِ."

ومع ذكرِ كلمةِ "القصر"، شحبَ وجهُ إليور أكثرَ، وتبخرتِ الدماءُ من وجنتيهِ ليحلَّ محلَّها صقيعٌ مرعبٌ. تطلعَ إلى القسيسِ برعبٍ، وسألهُ بصوتٍ مبحوحٍ:

"إلى القصرِ؟... هل... هل سيتمُّ إعدامي هناكَ؟"

هنا، انفرجتْ شفتا القسيسِ إلدار عن بسمةٍ هادئةٍ، بسمةٍ زادتِ الموقفَ غموضاً، وقالَ بنبرةٍ مطمئنةٍ غريبةٍ:

"اطمئنْ يا ولدُ.. أنتَ في أمانٍ الآنَ.. فمَن لا ينبضُ السحرُ في عروقِهِ، لا مكانَ لهُ فوقَ هذهِ المقصلةِ."

صمتٌ مريرٌ لثوانٍ قبلَ أن يشتعلَ بكاءُ إليور من جديدٍ، لتتساقطَ دموعُهُ الساخنةُ بغزارةٍ أكبرَ، كأنَّما وجدَ في كلماتِ القسيسِ قشةً يتعلقُ بها غريقٌ.

رقَّ قلبُ القسيسِ إلدار لحالِ المراهقِ الشاحبِ، وارتسمتْ على وجهِهِ ملامحُ حزنٍ وأسىً؛ انحنى وقبضَ على كتفَي إليور بخفةٍ، ثم عانقهُ عناقاً قصيراً ودافئاً، قبلَ أن يلتفتَ ويُسلِّمَ طرفَ قيدِ الحديدِ إلى الحارسِ الواقفِ بانتظارِهِ.

سحبَ الحارسُ إليور بخطواتٍ فظةٍ عبرَ البوابةِ الحديديةِ العملاقةِ، ليتَّجها نحو قصرِ الملكِ المشيدِ من الحجرِ الأسودِ.

كانت الممراتُ الشاهقةُ تتلوى كأفعى عملاقةٍ، وكان إليور يسيرُ بجسدٍ يرتجفُ، مطأطِئَ الرأسِ تحتَ أنظارِ الخدمِ والحرسِ الذينَ رمقوهُ بنظراتٍ تراوحتْ بينَ الفضولِ والاشمئزازِ.

لكنَّ عقلَ إليور لم يكن في الممرِّ؛ كان شارداً، غارقاً في تفاصيلِ الإعداماتِ البشعةِ التي شهدَها قبلَ قليلٍ.

كان عقلُهُ يصرخُ بالسؤالِ ذاتِهِ: كيفَ نجا؟ كيفَ مرَّتْ كلماتُ النقاءِ دونَ أن تشتعلَ روحُهُ، وهو الذي يحملُ في أعمقِ أعماقِهِ سحرَ الظلالِ الأسودَ؟

السحرُ المحرَّمُ والأشدُّ فتكاً، والذي بسببهِ تُحرقُ عائلاتٌ بأكملِها. لقد كان "حظَّ المهرجِ" حقّاً.....

ومن فرطِ شرودِهِ وتعثُّرِ قدميهِ، لم ينتبهْ إليور للمنعطفِ الحادِّ في الممرِّ.

وفي لحظةٍ واحدةٍ، اصطدمَ جسدُهُ النحيلُ بجسدٍ ضخمٍ، كادَ إليور على إثرِ الصدمةِ أن يهويَ ساقطاً على الأرضيةِ الرخاميةِ الباردةِ، لولا يدٌ قويةٌ، حاسمةٌ، امتدتْ وقبضتْ على ساعدِهِ برفقٍ أرستقراطيٍّ منعَهُ من السقوطِ.

انتفضَ إليور ذعراً، وجفلَ جسدُهُ كعصفورٍ بلَّلَهُ المطرُ. رفعَ عينيهِ الخضراوينِ المغسولتينِ بالدموعِ ليرى مَنِ الذي يمسكُ بهِ، فتجمَّدتْ أنفاسُهُ في صدرِهِ؛ لقد كان الملكُ كريستوفر بذاتِهِ.

تأملَ الملكُ المراهقَ الواقفَ أمامَهُ بعينينِ غامضتينِ تملؤهما الحيرةُ والاستغرابُ. كان مظهرُ إليور مزرياً ومثيراً للشفقةِ؛ ثيابُهُ ممزقةٌ، وملطخةٌ بالكاملِ بالأتربةِ ووحلِ الساحةِ السوداءِ، وشعرُهُ الأشقرُ مبعثرٌ على وجهٍ غطَّاهُ الشحوبُ.

أفلتَ الملكُ ساعدَ الصبيِّ، ونقلَ نظراتِهِ الباردةَ الصارمةَ نحو الحارسِ الذي تجمَّدَ في مكانِهِ من الصدمةِ.

سادَ صمتٌ ثقيلٌ، قبلَ أن يبدأَ الحارسُ في الحديثِ بتوترٍ واضحٍ، وضغطُ هيبةِ الملكِ يثقلُ على أنفاسِهِ:

"جلالتَكَ... المعذرةُ على هذا الخطأِ. هذا الفتى كان هارباً من المملكةِ، وتمَّ الإمساكُ بهِ الليلةَ الماضيةَ رفقةَ مجموعةٍ من السحرةِ الهاربينَ. ووفقاً للأوامرِ، تمَّ وضعُهُ في طابورِ الإعدامِ ليخضعَ لاختبارِ كشفِ النقاءِ على يدِ الكنيسةِ... لكنَّ المفاجأةَ أنَّهُ طلعَ نقيّاً تماماً، ولا أثرَ للسحرِ في عروقِهِ."

ابتلعَ الحارسُ ريقَهُ، وتابعَ وعيناهُ مثبتتانِ على الأرضِ بخوفٍ:

"القسيسُ إلدار أشفقَ على حالِهِ بعدَ أن ثبتتْ براءتُهُ من السحرِ، وأمرني بإحضارِهِ إلى غرفتِهِ الخاصةِ في القصرِ. على الأغلبِ... سيعرضُ الصبيُّ على المحكمةِ العامةِ لاحقاً، للنظرِ في قضيةِ ديونِهِ ومحاولةِ هربِهِ غيرِ الشرعيةِ من المملكةِ."

نظرَ الملكُ كريستوفر إلى إليور بعمقٍ، بعينينِ صقريتينِ كأنَّهما تحاولانِ اختراقَ جلدِهِ لقراءةِ ما يخفيهِ في عتمةِ صدرِهِ.

سادَ صمتٌ قصيرٌ وثقيلٌ، قبلَ أن يرفعَ الملكُ يدهُ ويشيرَ للحارسِ بنبرةٍ آمرةٍ حاسمةٍ:

"خذِ الفتى إلى الطبيبِ ليعالجَ جروحَهُ أولاً."

انحنى الحارسُ بطاعةٍ، ثم سحبَ الصبيَّ صاحبَ السابعةَ عشرةَ عاماً عبرَ الممراتِ المؤديةِ إلى جناحِ العلاجِ.

دلفَ بهِ إلى غرفةِ الطبيبِ الفسيحةِ التي تفوحُ منها رائحةُ الأعشابِ والمطهراتِ، وأشارَ لهُ نحو مقعدٍ خشبيٍّ، قائلاً بنبرةٍ حافلةٍ بالتحذيرِ:

"اجلسْ هنا، ولا تعبثْ بأيِّ شيءٍ حتى يأتيَ الطبيبُ."

بمجردِ أن أُغلقَ البابُ وانفردَ إليور بنفسِهِ، انحلَّتْ قواهُ تماماً. جلسَ مكانَهُ بصدمةٍ شلَّتْ عقلَهُ، وعيناهُ الخضراوانِ تزيغانِ في أرجاءِ الغرفةِ وهو غيرُ مستوعبٍ لنجاتِهِ حتى الآنَ.

نظرَ إلى السريرِ المريحِ ذي الشراشفِ البيضاءِ النظيفةِ القريبِ منهُ؛ لم يكن بجسدِهِ طاقةٌ للمقاومةِ، فنهضَ بخطواتٍ متهالكةٍ واستلقى عليهِ، وما هي إلا ثوانٍ حتى غرقَ في نومٍ عميقٍ وفوريٍّ.

لم يستيقظْ إليور إلا بعدَ ساعاتٍ على صوتِ مشاجرةٍ خافتةٍ تدورُ بالقربِ من فراشِهِ. فتحَ عينيهِ ببطءٍ ليلمحَ القسيسَ إلدار واقفاً، وبجانبِهِ رجلٌ آخرُ في الأربعيناتِ من عمرِهِ، ذو ملامحَ حادةٍ وصارمةٍ، شعرُهُ أسودُ داكنٌ تخللتْهُ بعضُ الخصلاتِ البيضاءِ عندَ الصدغينِ، وعيناهُ سوداوانِ كالفحمِ.

أرجعَ القسيسُ إلدار شعرَهُ الأشقرَ إلى الخلفِ بغيظٍ واضحٍ، والتفتَ نحو الرجلِ قائلاً بنبرةٍ حانقةٍ:

"توقفْ عن إقحامِ نفسِكَ في كلِّ شيءٍ يا زيفير!"

ردَّ زيفير ببرودٍ أرستقراطيٍّ مستفزٍ، وهو يصلحُ هندامَ ثيابِهِ:

"هذا ليسَ من شأنِكَ.. اخرسْ ودعني أقُمْ بعملي."

قلبَ القسيسُ عينيهِ الرماديتينِ بمللٍ وضيقٍ من عنادِ الآخرِ، وفي تلكَ اللحظةِ، لمحَ إليور وهو يرمشُ مستيقظاً.

تبدَّلتْ ملامحُ الحنقِ على وجهِ إلدار فوراً لتحلَّ محلَّها ابتسامةٌ دافئةٌ، متجاهلاً وجودَ زيفير تماماً. اقتربَ من السريرِ، وانحنى قليلاً يسألهُ بنبرةٍ حنونةٍ:

"كيفَ حالُكَ الآنَ يا ولدُ؟ هل أنتَ بخيرٍ؟"

نظرَ إليور إليهِ بشرودٍ ممزوجٍ بخوفٍ غريزيٍّ، وانكمشَ على نفسِهِ في الفراشِ، ليهمسَ بصوتٍ مبحوحٍ بالكادِ يُسمعُ:

"أنا... بخير..."

تفقدَ إليور جسدَهُ بحذرٍ، ولاحظَ أنَّ الجرحَ الغائرَ الذي كان يزينُ جبينَهُ قد عُولجَ ونُظِّفَ، وكذلك معصماه وقدمَاه اللتانِ تخرَّشتا بفعلِ الأغلالِ الصدئةِ، فقد لُفَّتْ بعنايةٍ بضماداتٍ قطنيةٍ بيضاءَ.

لم يدمْ هذا الهدوءُ طويلاً؛ إذ اقتربَ زيفير منهما بخطواتٍ مسموعةٍ، وبحركةٍ فظةٍ مفاجئةٍ، مدَّ يدهُ وقبضَ على ذقنِ إليور، رافعاً رأسَهُ إلى الأعلى بقوةٍ.

نظرَ إليهِ إليور بضيقٍ وانزعاجٍ شديدينِ، بينما ارتسمتْ على شفتَي زيفير ابتسامةٌ باردةٌ خاليةٌ من أيِّ مشاعرَ، وقالَ بنبرةٍ مبطنةٍ:

"أنتَ محظوظٌ أيُّها الصبيُّ... لكنَّ حظَّكَ هذا لن يكتملَ، فغداً صباحاً ستُعقدُ المحاكمةُ الخاصةُ بكَ."

وقعتِ الكلماتُ كالصاعقةِ على رأسِ إليور. تملَّكَهُ الهلعُ فوراً، واضطربتْ أنفاسُهُ لتصبحَ لاهثةً ومتلاحقةً، واجتاحَ الرعبُ كلَّ إنشٍ في جسدِهِ من فكرةِ الوقوفِ أمامَ القضاةِ وكشفِ أمرِهِ.

شعرَ إلدار بالغيظِ ينفجرُ في صدرِهِ من وقاحةِ زيفير؛ نظرَ إليهِ بنظرةٍ ناريةٍ، ثم رفعَ قدمَهُ وداسَ بكلِّ قوَّتِهِ فوقَ قدمِ زيفير.

تراجعَ زيفير إلى الخلفِ سريعاً وهو يئنُّ بألمٍ مكتومٍ، عاقداً حاجبيهِ بحنقٍ.

بينما التفتَ إلدار نحو إليور، وبكلِّ حنانٍ راحَ يربتُ على كتفِ الصبيِّ المذعورِ، مهدِّئاً روعَهُ ونبضاتِ قلبِهِ المتسارعةَ، وهمسَ لهُ بنبرةٍ صادقةٍ:

"لا تخفْ يا ولدُ.. اهدأ، سأكونُ بجانبِكَ وسأساعدُكَ في هذهِ المحاكمةِ."

أخذَ إليور يحاولُ جاهداً لجمَ رعبِهِ، يبحثُ عن ذرةِ أكسجينٍ تملأُ رئتيهِ اللتينِ شعرَ بأنَّهما تضيقانِ عليهِ كقبضةِ خانقٍ.

مالَ إلدار نحوَّهُ، وراحَ يربتُ على ظهرِهِ برفقٍ وحنانٍ أبويٍّ، محاولاً تهدئةَ نبضاتِ قلبِهِ التي كادتْ تخرقُ صدرَهُ.

في هذهِ الأثناءِ، لم تتحركْ عينا زيفير السوداوانِ عن وجهِ الصبيِّ؛ كان يرمقُهُ بنظراتٍ غارقةٍ في العمقِ والشكِّ، كصيادٍ يلمحُ حركةً مريبةً تحتَ سطحِ الماءِ.

شعرَ إلدار بثقلِ تلكَ النظراتِ، فالتفتَ إلى زيفير بنبرةٍ آمرةٍ ليقطعَ حبلَ أفكارِهِ:

"أحضرْ كوباً من الماءِ فوراً، ألا ترى حالَ الولدِ؟"

عقدَ زيفير حاجبيهِ وتذمَّرَ بحنقٍ واضحٍ؛ فالمسألةُ لم تكن مجردَ طلبٍ، بل كبرياءً خُدِشَ. زيفير الذي تخطى الأربعينَ، لم يحتملْ أن يتلقَّى الأوامرَ من قسٍّ في الثلاثيناتِ من عمرِهِ. تمتمَ بكبرياءٍ منزعجٍ:

"منذُ متى وأنتَ تأمرُني يا إلدارُ؟ أنسيتَ فارقَ السنِّ بيننا؟"

قلبَ إلدار عينيهِ الرماديتينِ بضجرٍ ومللٍ مألوفٍ، ولم يردَّ. زفرَ زيفير بضيقٍ، ثم تحرَّكَ بخطواتٍ وئيدةٍ نحو الطاولةِ ليحضرَ الماءَ.

استغلَّ إليور تلكَ الثانيةَ، والتفتَ نحو إلدار، هامساً بصوتٍ مبحوحٍ ارتعشتْ معهُ شفتاهُ الباهتتانِ:

"هل... هل سيُحكمُ عليَّ بأن أصبحَ عبداً؟ أم سأُرمى في السجنِ؟"

تجمَّدتِ الكلماتُ في حنجرةِ القسِّ. لم يستطعِ الردَّ بحقيقةٍ قد تقتلعُ ما تبقى من ثباتِ الصبيِّ، لكنَّ ملامحَهُ رقَّتْ بأسفٍ.

ربتَ على يدِ إليور المرتجفةِ وقالَ بنبرةٍ حريصةٍ:

"اشربِ الماءَ أولاً ولا تستبقِ الأحداثَ. سأبذلُ جهدي... سأتحدثُ مع الملكِ كريستوفر الليلةَ؛ لعلهُ يعفو عنكَ ويأخذُهُ الصفحُ بكَ، خاصةً وأنَّكَ لستَ سوى فتىً طائشٍ دفعَهُ الخوفُ للخطأِ."

انحنى إليور برأسِهِ، لكنَّ عقلَهُ لم يكن يسمعُ جملَ المواساةِ تلكَ. في تلكَ اللحظةِ، لم يكن يخشى السجنَ بقدرِ ما يخشى "العفوَ".

ماذا لو عفا الملكُ؟

إلى أينَ يذهبُ صبيٌّ في السابعةَ عشرةَ بلا عائلةٍ أو مأوىً؟ بموجبِ قانونِ المملكةِ، سيُساقُ مباشرةً إلى "دارِ الأيتامِ الملكيَّةِ".

وهناكَ... هناكَ يكمنُ الموتُ المحتومُ. فالدارُ ليست ملاذاً، بل سجنٌ مبطَّنٌ يخضعُ لتفتيشٍ دوريٍّ صارمٍ، واختباراتِ نقاءٍ سنويَّةٍ لا ترحمُ.

إذن فاحتمالُ اكتشافِ سحرِ الظلالِ المحرَّمِ في عروقِهِ داخلَ تلكَ الدارِ... يكادُ يكونُ محسوماً.

تسللَ صمتُ الليلِ ليفرضَ رداءَهُ الثقيلَ. رمقَ زيفير الصبيَّ بنظرةٍ أخيرةٍ غامضةٍ، قبلَ أن يلتفتَ ويشيرَ لإلدار بالخروجِ، سامحاً لإليور بالبقاءِ في جناحِ العلاجِ لينالَ قسطاً من الراحةِ قبلَ مواجهةِ الغدِ.

أُغلقَ البابُ الخشبيُّ الثقيلُ، ومعهُ تلاشتْ خطواتُ الرجلينِ في الممرِّ الطويلِ.

على السريرِ، كان إليور يتقلبُ في فراشِهِ؛ حاولَ غمرَ عينيهِ في النومِ، لكنَّ الفشلَ كان حليفَهُ.

كانت فكرةُ "دارِ الأيتامِ" والتفتيشِ الدوريِّ تنهشُ عقلَهُ، والمحاكمةُ تقفُ على عتبةِ الفجرِ كمقصلةٍ ثانيةٍ.

علمَ المراهقُ، بيقينٍ تامٍّ، أنَّ الانتظارَ يعني الموتَ.

أبعدَ الشرشفَ الأبيضَ ببطءٍ، ونهضَ بجسدِهِ المنهكِ. تحرَّكَ بخطواتٍ خافتةٍ حتى اقتربَ من البابِ؛ كان مغلقاً بإحكامٍ من الخارجِ.

التفتَ يبحثُ في أرجاءِ الغرفةِ المظلمةِ عن ثغرةٍ، فوقعتْ عيناهُ على شمعةٍ وحيدةٍ مشتعلةٍ تقبعُ فوقَ المنضدةِ، يتراقصُ لهبُها الضئيلُ ليصنعَ ظلالاً واهنةً على الجدرانِ.

اقتربَ منها، ومدَّ يدهُ النحيلةَ الملتفةَ بالضمادِ نحو اللهبِ. وفي ثانيةٍ واحدةٍ، شحبَ اللونُ الأخضرُ الصافي في عينيهِ، وحلَّ محلَّهُ وهجٌ ذهبيٌّ لاهبٌ، وهجُ سحرِ الظلالِ المحرَّمِ الذي استيقظَ تلبيةً لندائِهِ.

وتحتَ تأثيرِ هذا الوهجِ، انسلخَ ظلُّ يدِهِ عن الحائطِ، وتحرَّكَ ككائنٍ حيٍّ غريبٍ؛ زحفَ الظلُّ الأسودُ على الخشبِ، وتلوَّى كالأفعى حتى دخلَ في ثقبِ القفلِ الحديديِّ. سُمعتْ نقرةٌ خفيفةٌ، دلالةٌ على ارتدادِ المزلاجِ وفتحِ البابِ.

أعادَ إليور يدهُ، فانطفأَ الوهجُ الذهبيُّ لتعودَ عيناهُ الخضراوانِ خاضعتينِ كما كانتا، وأعادَ الشمعةَ إلى مكانِها دونَ أن يتركَ أثراً.

فتحَ البابَ بحذرٍ شديدٍ، وخرجَ يمرقُ بينَ ممراتِ القصرِ الملكيِّ الشاهقةِ. كان الهواءُ بارداً، والممراتُ مضاءةً بمشاعلَ متباعدةٍ تصنعُ مساحاتٍ من العتمةِ أجادَ الاختباءَ فيها.

وفجأةً، تجمَّدَ في مكانِهِ؛ سُمعَ وقعُ أقدامٍ منتظمةٍ ودويُّ دروعٍ حديديةٍ. إنَّها دوريةُ الحراسةِ الليليةِ.

تملَّكَهُ الذعرُ، فالتفَّ عائداً، وانطلقَ يركضُ بينَ الممراتِ العشوائيةِ دونَ وعيٍ، حتى وجدَ نفسَهُ في جناحٍ معزولٍ يمتدُّ في نهايتِهِ بابٌ خشبيٌّ ضخمٌ، منقوشٌ بزخارفَ قديمةٍ وغامضةٍ.

لم يفكرْ مرتينِ؛ دفعَ البابَ ببطءٍ ليتفادى صريرَهُ، ودلفَ إلى الداخلِ، مغلقاً إياهُ خلفَهُ ليتنفسَ الصَّعْداءَ وسطَ الظلامِ الدامسِ الذي يلفُّ الغرفةَ.

لكنَّ أنفاسَهُ لم تكدْ تستقرُّ في صدرِهِ، حتى تجمَّدتِ الدماءُ في عروقِهِ تماماً.

شعرَ بحركةٍ مفاجئةٍ وخاطفةٍ في العتمةِ، وفي لمحِ البصرِ، حاصرهُ جسدٌ صلبٌ، ودفعهُ نحو الحائطِ بقوةٍ.

كتمَ إليور تأوُّهَهُ وصدمتَهُ حينما أحاطتْ بهِ هالةٌ من البرودِ القاتلِ، ولفحتْ وجهَهُ وعنقَهُ أنفاسٌ ساخنةٌ، متناقضةٌ مع برودةِ الجسدِ المحاصرِ لهُ.

اعتصرَ الرعبُ قلبَ إليور، وشلَّتِ الصدمةُ أطرافَهُ وسطَ هذا السوادِ الشديدِ، ليعجزَ حتى عن استدعاءِ ظلالِهِ التي تحتاجُ إلى مصدرِ ضوءٍ.

وفي هذا الصمتِ المطبقِ، اخترقَ أذنَهُ همسٌ منخفضٌ، باردٌ ومميتٌ:

"مَن أنتَ... وكيفَ تتجرأُ على دخولِ غرفتي يا هذا؟"

يتبع.........

_____________

رأيكم في البداية؟

والغريب في نهاية الفصل هو...؟

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

قَرينُ الكَدَر

المؤلف Heba My§tique
2026/09/06 مستمرة
قائمة الفصول (4)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة