كابوس آخر

كابوس آخر

9 0

الفصل الأول : كابوس آخر

تك تك تك …..

إرتفع صوت الساعة كأنه صرخاتٌ مكتومة ، وقفت تلك الطفلة وهي تستنجد بوالدتها وتبكي بشدة .

الطفلة : ماما أرجوكِ افتحي الباب ، الظلام يخطفني لقاعة .

ولكن لا رد ولا إستجابة مجرد ظِل ضخم يقترب منها ببطء ويستعد لخنقها.

كان صدرها يعلو ويهبط بعنف، ويداها تقبضان على الغطاء كأنهما تحاولان التشبث بشيء.

نظرت حولها.

غرفة.

سرير.

نافذة مغلقة.

لم يكن هناك ظلام

ولم يكن هناك أحد.

لكن صوتًا خافتًا ظل يرن في رأسها.

تأخرتِ.

مجرد كابوس جديد يعصف بفصوص دماغها.

تحركت من السرير وكامل أطرافها ترتجف بشدة ، مدت يدها للأدراج بقربها وتناولت كوب ماء وأقراص دواء وسرعان ما بدأت تهدأ نبضات قلبها وعاد تنفسها لطبيعته

لم تحاول العودة إلى النوم هذه المرة.

كانت تعرف أن إغماض عينيها لن يمنحها الراحة، بل سيعيدها إلى المكان ذاته، إلى الظلام ذاته، وإلى ذلك الصوت الذي يهمس لها في كل مرة وكأنه يعرف شيئًا تجهله هي أو تحاول تجاهله.

جلست على حافة السرير للحظات، تحدق في الفراغ حتى هدأت رجفة يديها تمامًا، ثم مدت يدها إلى هاتفها الموضوع على الطاولة.

كانت الساعة تقترب من السادسة صباحًا.

تنهدت ببطء، ثم نهضت.

توجهت إلى الحمام وغسلت وجهها بالماء البارد، وبقيت تحدق في انعكاسها للحظات ، بدت شاحبة أكثر من المعتاد، وعيناها تحملان آثار ليلة لم تنم فيها كما ينبغي.

أشاحت بوجهها عن المرآة.

لا وقت للتفكير.

عادت إلى غرفتها وفتحت خزانتها، ثم أخرجت ملابسها ورتبتها على السرير، ثم بدأت تستعد للخروج كأن شيئًا لم يحدث.

لكن قبل أن تغادر الغرفة، توقفت يدها فوق مقبض الباب.

للحظة قصيرة، عاد إلى أذنها ذلك الصوت.

تأخرتِ.

ابتلعت ريقها، ثم فتحت الباب وغادرت.

ما إن أغلقت ملك باب غرفتها خلفها حتى وجدت المُربية بانتظارها في الممر، تحمل في يدها كوبًا من الشاي.

ابتسمت لها المُربية قائلة:

صباح الخير يا ملك.

بادلتها ملك ابتسامتها.

صباح النور سمر.

تأملتها سمر للحظات، ثم قالت وهي تشير إلى الدرج:

الطريق طويل، تناولي إفطارك أولًا، في الوقت الذي يجهز فيه السائق السيارة .

ملك : حسنًا.

تبعتها ملك إلى غرفة الطعام، وجلست إلى المائدة بهدوء.

كانت أشعة الصباح تتسلل من النوافذ الواسعة، وتلقي ضوءًا ناعمًا على المكان.

جلست سمر بالقرب منها، وظلت تراقبها وهي تتناول إفطارها.

سمر : بالمناسبة، والدك سافر بالأمس.

رفعت ملك عينيها إليها.

وقالت : إلى أين؟

سمر : إلى دبي ، قال إن لديه بعض الأعمال هناك، وربما يتأخر بضعة أيام.

اومأت ملك برأسها وعادت إلى طعامها.

ابتسمت سمر ابتسامة خفيفة، وقالت:

أهذا كل شيء؟ ألا تريدين حتى أن تعرفي إن كان قد وصل؟

ملك : سيصل، أو ربما وصل بالفعل.

سمر: أنتِ لا تهتمين كثيرًا.

توقفت ملك عن تناول طعامها للحظة، ثم قالت بهدوء:

لقد اعتدت الأمر يا سمر ؛ أبي يسافر كثيرًا.

لم تجب سمر، واكتفت بالنظر إليها بشيء من الشفقة، قبل أن تقول:

على الأقل اهتمي بأن تتناولي إفطارك جيدًا.

ابتسمت ملك.

أنا أتناوله.

سمر : بالكاد.

ضحكت ملك بخفة، ثم أكملت إفطارها.

وبعد دقائق، نهضت وحملت حقيبتها.

ملك : سأذهب الآن.

سمر : انتظري، خذي معكِ شيئًا لتتناوليه في الطريق.

ملك : لقد شبعت.

نظرت إليها سمر نظرة حازمة.

تنهدت ملك باستسلام.

وقالت : حسنًا، كما تريدين.

أعدّت لها سمر علبة صغيرة من الطعام، ثم ناولتها إياها قبل أن تخرج.

وحين وصلت ملك إلى الخارج، كانت السيارة تنتظر أمام المنزل، والسائق يقف بجوارها ومعه رجلٌ آخر مفتول العضلات قوي البِنية

ملك : صباح الخير يا عم حسن و سامي

أجاب سامي والعم حسن في وقتًا واحد: صباح النور آنسة ملك.

ركبت في المقعد الخلفي، وأغلقت الباب، ثم وضعت حقيبتها إلى جوارها وأخرجت هاتفها.

بحثت عن اسم ريفان، ثم ضغطت على زر الاتصال.

لم تمر سوى لحظات حتى جاءها صوت ناعس من الطرف الآخر:

ريفان: ألو؟

ابتسمت ملك.

ملك : أأيقظتك من نومك؟

ريفان : ملك؟ كم الساعة؟

ملك : الساعة التي كان ينبغي أن تكوني قد استيقظتِ فيها منذ وقت طويل.

تثاءبت ريفان.

سأستيقظ بعد خمس دقائق فقط.

ملك : لا أريد خمس دقائق ، أنا في طريقي إلى الجامعة، لذا أوقفي النوم وتحركي فورًا.

ريفان:أنتِ خرجتِ بالفعل؟

ملك : نعم.

ريفان:انتظريني إذن!

ضحكت ملك.

وقالت : إن لم تصلي قبلي، فلا تلوميني.

أغلقت ملك المكالمة وهي تضحك، ثم أسندت رأسها إلى المقعد، وأخذت تراقب الشوارع من خلف زجاج السيارة.

كان الصباح هادئًا، والمدينة بدأت تستيقظ شيئًا فشيئًا.

وللمرة الأولى منذ أن فتحت عينيها، شعرت أن الكابوس قد ابتعد عنها.

وقبل أن تقترب السيارة من الجامعة، ألقت ملك نظرة على الطريق من خلف النافذة، ثم تذكرت الرواية التي كانت تبحث عنها منذ أيام.

التفتت إلى السائق وقالت:

عم حسن، هل يمكنك أن تتوقف عند المكتبة القريبة من الجامعة؟

عم حسن : بالطبع يا آنسة ملك.

توقفت السيارة أمام المكتبة، فحملت ملك حقيبتها ونزلت منها، ثم دخلت إلى المكان الذي اعتادت زيارته كلما سنحت لها الفرصة.

كانت تعرف تمامًا ما الذي تريده.

اتجهت إلى قسم الروايات، وأخذت تبحث بين الرفوف حتى وقعت عيناها على الغلاف الذي ظل عالقًا في ذاكرتها منذ أن قرأت عنه.

مدت يدها نحوه في اللحظة نفسها التي امتدت فيها يد أخرى إليه.

توقفت وسحبت يدها بسرعة، وصاحب اليد يفعل الشيء ذاته.

كان فتى يقف أمامها، وقعت الرواية من الرف دون أن يكلف نفسه عناء النظر إليها.

تراجعت ملك خطوة إلى الخلف، فاصطدمت قدمها بحافة السلم.

وفي اللحظة نفسها، سقطت نظارتها من على وجهها.

انحنى الفتى والتقطها قبل أن تصل إلى الأرض، ثم رفعها أمام عينيها.

تأملها لثانية، ثم قال بسخرية باردة:

الفتى: هل أنتِ عمياء؟

اتسعت عينا ملك.

ملك : ماذا؟

وضع نظارتها في يدها، ثم ابتسم ابتسامة جانبية.

الفتى: يبدو أنكِ لا ترين جيدًا.

وقبل أن تتمكن من الرد، تجاوزها ومضى.

بقيت ملك مكانها للحظات، تحدق في ظهره بدهشة.

ما أغرب هذا الشخص...

تمتمت بها، ثم أعادت نظارتها إلى عينيها، وأخذت الرواية التي جاءت من أجلها، واتجهت إلى صندوق الدفع.

بعد دقائق، خرجت من المكتبة وهي تحمل الرواية في يدها، واتجهت إلى الجامعة.

---

كانت بوابة الجامعة تعج بالطلاب، وكل شخص يحاول الوصول إلى مبناه قبل أن يزداد الازدحام.

أخذت ملك تبحث بعينيها بين الوجوه، حتى لمحتها.

ريفان.

كان من المستحيل تقريبًا أن تضيعها ملك وسط هذا العدد الهائل من الطلاب.

ليس بسبب طولها، ولا بسبب صوتها الذي كان يصل أحيانًا من بين الضجيج، بل بسبب شعرها الكيرلي الذي كان يحيط بوجهها بكثافة، وملامحها الفريدة التي جعلت حضورها مميزًا أينما ذهبت.

رفعت ريفان يدها عندما التقت عيناها بعيني ملك.

ريفان بصوتًا عالي : ملك!

ابتسمت ملك واتجهت نحوها.

ملك: كنت على وشك أن أظن أنك لن تأتي.

وضعت ريفان يدها على صدرها متظاهرة بالإنهاك.

ريفان : لقد أيقظتِني قبل أن أستوعب حتى أين أنا.

ضحكت ملك قائلة :

هذا لأنكِ لو تركتِ الأمر لنفسك، لوصلتِ بعد انتهاء المحاضرات.

ريفان: وربما كنت سأفعل.

نظرت ملك إلى الرواية التي تحملها، ثم قالت:

انظري ماذا وجدت قبل أن آتي.

اقتربت ريفان منها، وابتسمت حين رأت الغلاف.

أخيرًا! كنت أظن أنكِ لن تجديها.

ملك: قلت لكِ إنني سأجدها.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

عِقد الكهرمان

المؤلف كهرمان محمد
2026/08/25 مستمرة
قائمة الفصول (2)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة