استيقظت ليونا قبل طلوع الشمس بلحظات ، لم يكن هناك سبب حقيقي لاستيقاظها فهي لم تعد تملك شيئًا تنتظره ، فقط تنظر السقف المزخرف تفكر في ما ٱلت اليه الأمور .
بقيت مستلقية ، عيناها مفتوحتان في الفراغ،
تستمع لصوت الريح وهي تمرّ عبر شقوق النافذة الخشبية. الصباح في الريف كان هادئًا...
هادئًا أكثر مما يجب.
لا ضجيج سيارات،
لا أصوات متقطعة،
فقط طبيعة حيّة...
وقلبٌ مثقل لا ينسجم معها.
حرّكت يدها ببطء فوق الغطاء و كأنها تختبر إن كانت لا تزال هنا فعلًا. ثم جلست أخيرًا،
شعرت بذلك الثقل المعتاد يعود إلى صدرها.
ليس حزنًا واضحًا... بل شيء أعمق،
شيء يشبه الفراغ الذي يبتلع كل شيء.
اقتربت من النافذة و دفعتها قليلًا، فتسلل هواء بارد لامس وجهها. كانت تنظر إلى الحقول الممتدة،
إلى الخضرة التي لا تنتهي، وتساءلت بصمت :
"كيف يمكن لكل هذا أن يكون حيًّا...
وأنا بهذا الجمود؟"
في القصر، كانت تكره الصمت لأنه مخيف. أما هنا...فالصمت كان صادقًا أكثر مما تحتمل.
مرّت دقائق طويلة، أو ربما ساعات... لم تكن متأكدة. الوقت لم يعد يعني لها شيئًا.
كل الأيام أصبحت نسخة باهتة من بعضها.
أغمضت عينيها للحظة، فمرت في ذهنها تلك اللحظات سريعًا: باب يُغلق في وجهها.
نظرات باردة.
اعتذارات كاذبة من مدراء لا يعرفونها.
و
ظائف تبدأ... وتنتهي... كما لو أنها لم تكن يومًا.
وقفت ليونا عند النافذة، لكن عينيها لم تعد ترى الحقول. كانت ترى شيئًا آخر... مكتبًا واسعًا، جدرانه زجاجية، وصوت خطواتها المترددة وهي تدخل لأول مرة. شدّت على حافة النافذة بقوة.
"ذلك اليوم..."
تمتمت بها، وكأنها تجرح الكلمة. كانت تظنها بداية جديدة، وظيفة تناسب تخصصها، مكان لن يعرفها فيه أحد. مكان...يشبه الحرية.
تذكّرت كيف نادوا اسمها. كيف دخلت بثقة خفيفة... مصطنعة.
ثم-
توقفت أنفاسها للحظة. ذلك الصوت. صوته.
أغمضت عينيها بقوة، لكن المشهد لم يختفِ. كان جالسًا خلف مكتبه، بهدوئه البارد نفسه، بهيبته التي لا تخطئها العين.
"العالم صغير عندما أريد البحث عنك... "
قالها يومها. ببساطة. ببرود.
وكأن الأمر كله... مجرد لعبة. فتحت عينيها فجأة.
الغضب اندفع في صدرها بلا استئذان.
"لم يكن صدفة..."
قالتها هذه المرة بوضوح. ولا شيء كان صدفة.
لا تلك الوظيفة، ولا التي بعدها، ولا الأبواب التي أُغلقت في وجهها دون سبب.
ابتسمت... لكن ابتسامتها كانت حادة.
"كنت تراقبني."
تقدّمت خطوة إلى الخلف، وضعت يدها على جبينها، كأنها تحاول ترتيب الفوضى داخلها.
"لا..."
هزّت رأسها ببطء : "لم تكتشفني صدفة..."
صمتت للحظة، ثم همست، بنبرة أثقل: "أنت... كنت تبحث عني."
تسارعت أنفاسها، لكن عينيها أصبحتا أكثر ثباتًا. لم يعد الأمر مجرد شك.
ابتعدت ليونا عن النافذة ببطء، كأن الأفكار التي ازدحمت في رأسها أثقل من أن تُحمل.
مرّت يدها على جبينها، ثم أطلقت زفيرًا طويلاً،
وأجبرت نفسها على التحرك. الصباح... لم ينتهِ بعد.
توجهت نحو المطبخ الصغير، خطواتها هادئة، لكن داخلها لم يكن كذلك. أمسكت المقلاة، وضعتها فوق النار، ثم توقفت لثانية... تحدّق في اللهب الصغير وهو يشتعل. كم كان بسيطًا...وواضحًا. ليس مثل حياتها.
كسرت بيضة داخل الوعاء، ثم أخرى.
الحركة كانت آلية، كأن جسدها يعمل وحده،
بينما عقلها عالق هناك... في ذلك المكتب. في تلك النظرة. في ذلك الصوت البارد.
"العالم صغير عندما أريد البحث عنك ... "
ترددت العبارة في رأسها مجددًا، لكن هذه المرة-
شدّت على الملعقة بقوة، حتى ارتطمت بحافة الوعاء بصوت حاد : "كاذب..."
همست بها، دون وعي. لم يكن العالم صغيرًا...
هو من جعله كذلك. هو من أغلق الطرق،
وترك لها طريقًا واحدًا فقط-
يؤدي إليه.
سكبت الخليط في المقلاة، وصوت القلي ملأ المكان، لكن لم ينجح في إسكات أفكارها.
تذكّرت كل مرة ابتسمت فيها بارتياح،
كل مرة ظنت أنها نجحت أخيرًا،
ثم يُسحب كل شيء منها و كأنها لم تكن .
قلبت الطعام بعصبية خفيفة،
ثم توقفت فجأة. فكرة واحدة...
باردة... واضحة...
استقرت في عقلها. "يريدني أن أعود."
رفعت عينيها ببطء، تحدّق في الفراغ أمامها. ولأول مرة منذ أيام- لم تشعر بالحزن. بل بشيء آخر... تحدٍّ صامت.
وضعت ليونا المقلاة جانبًا دون أن تأكل.
لم تعد جائعة. الفكرة التي استقرت في رأسها كانت كافية لتملأها. توجهت نحو غرفتها بخطوات ثابتة،
أغلقت الباب خلفها، ثم وقفت أمام المرآة.
انعكاسها حدّق بها... بصمت. تلك الملامح الهادئة،
العينان المتعبتان، والتعب الذي لم تعد تحاول إخفاءه. فتحت الدرج ببطء. أخرجت الباروكة،
ثم الوشاح الذي اعتادت أن تخفي به جزءًا من وجهها.
حملتهما لثوانٍ، وكأنها تتردد... ثم ارتدتهما دون تراجع.
تغيرت ملامحها. ليس كثيرًا... لكن بما يكفي. بما يكفي لتصبح شخصًا لا يبحث عنه أحد.
"لن تجدني بهذه السهولة..."
همست لنفسها، ونبرة خفيفة من التحدي تسللت إلى صوتها. أخذت مفاتيحها، وغادرت المنزل.
الهواء في الخارج كان أبرد مما توقعت، لكنه أيقظها. ركبت سيارتها،وأدارت المحرك بسرعة،
كأنها تخشى أن تتراجع إن تأخرت ثانية واحدة.
الطريق إلى المدينة كان طويلًا... صامتًا.لكن عقلها لم يكن كذلك.
كل شيء كان واضحًا الآن : هو يراقب، هو يتحكم، وهو ينتظر. ضغطت على المقود بقوة.
"لن ألعب لعبتك..."
بمجرد أن دخلت المدينة، بدأ الضجيج يعود- الناس، السيارات، الحياة. شيء كانت تفتقده...
وشيء لم تعد تثق به.
توقفت أخيرًا أمام منزل تعرفه جيدًا. منزل ليزا وماتيو.
المكان الوحيد الذي شعرت فيه يومًا... أنها ليست وحدها. أوقفت السيارة، لكنها لم تنزل فورًا. بقيت للحظة، تنظر إلى الباب كأنها تستجمع ما تبقى منها. ثم أخيرًا فتحت الباب، وترجلت ببطء...
رفعت ليونا يدها، وترددت لثانية قبل أن تطرق الباب طرقة خفيفة... لم تنتظر طويلًا. فُتح الباب بسرعة، وظهرت ليزا... بعينيها المليئتين بالمفاجأة.
" ليونا؟! "
لم تكمل جملتها حتى اندفعت ليونا نحوها،
تعانقها بقوة... وكأنها كانت تغرق ووجدت أخيرًا شيئًا تتشبث به. تجمدت ليزا لثانية، ثم ردّت العناق بحنان واضح.
"ما بكِ؟ ماذا حدث؟"
لكن ليونا لم تجب. فقط تشبثت بها أكثر،
وأنفاسها غير منتظمة. أدخلتها ليزا بسرعة، وأغلقت الباب خلفهما.
"ماتيو! إنها ليونا-"
لكن صوتها خفت عندما رأت وجه صديقتها عن قرب. شيء ما... لم يكن على ما يرام. جلستا في غرفة المعيشة، وليونا ما زالت صامتة. تنظر إلى يديها، وكأنها تحاول أن تجد الكلمات بينها.
"ليونا..."
قالتها ليزا بلطف هذه المرة. رفعت ليونا رأسها ببطء، وعيناها تحملان شيئًا بين الغضب... والانكسار.
"أريد أن أنهي هذا."
قالتها فجأة. ببساطة... لكن بثقلٍ كافٍ ليملأ الغرفة. عقدت ليزا حاجبيها: "تنهي ماذا؟"
صمتت ليونا للحظة، ثم ابتسمت ابتسامة باهتة و قالت : "هذا الزواج."
ساد الصمت. حتى الهواء بدا أثقل.
"لم أعد أحتمل..."
تابعت بصوت منخفض : " هو يراقبني، ليزا...
يتحكم بكل شيء...حتى عملي... حتى حياتي."
شدّت ليزا على يدها: "هل أنتِ متأكدة؟"
ضحكت ليونا بخفة ضحكة ساخرة و اجابت: "لم يعد هناك شيء لأتأكد منه."
رفعت عينيها، وكان فيهما لأول مرة قرار واضح:
"أريد الطلاق."
في تلك اللحظة... لم تكن تهرب. لم تكن ضائعة.
بل كانت تعلن الحرب.
نظرت ليزا إليها بقلق واضح، قبل أن تهمس: "ليونا... أنتِ تعرفين أن الأمر ليس بهذه البساطة."
قبل أن تجيب ليونا، سمعوا خطوات سريعة في الممر. دخل ماتيو.
توقف لحظة عند الباب، عيناه انتقلت بينهما بسرعة... ثم ثبتت على ليونا. "وصلتِ أخيرًا..."
قالها بصوت منخفض، فيه شيء من التوتر. جلس على المقعد المقابل، لكن لم يبدُ مرتاحًا. "سمعت جزءًا من الحديث."
صمت لحظة، ثم أضاف بجدية: "الطلاق من رافاييل... ليس قرارًا بسيطًا."
تجمدت ليونا عند الاسم. رافاييل.
حتى هنا... حتى بعيدًا عن القصر... اسمه ما زال يسبقها.
"إذن هكذا......"
فجأة... اهتز هاتف ليونا في حقيبتها.
مرة واحدة. ثم مرة ثانية. ثم بدأ يرن بإصرار.
نظرت إليه. لم تحتج أن تراه لتعرف من هو.
ترددت لحظة.
ليزا همست بسرعة: "لا تردّي..."
لكن الهاتف استمر بالرنين، كأنه لا يقبل الرفض. أخيرًا... أمسكته ليونا. نظرت إلى الشاشة.
اسم واحد فقط ظهر : رافاييل.
رفعت عينيها ببطء نحو ليزا وماتيو. وفي صوت منخفض، قالت: "بدأ."
بقي الهاتف يرن في يدها لثوانٍ، كأنه يضغط على صدرها أكثر من أي شيء آخر. نظرت ليونا إلى الشاشة... ثم ضغطت على زر الإجابة. "ألو..."
في الجهة الأخرى... صمت. صمت ثقيل، غير طبيعي. ثم جاء صوته. هادئ... بارد... كعادته:
"أين أنتِ؟"
تجمدت أنفاسها لثانية. رفعت نظرها نحو ليزا وماتيو و اجابت : "لا أظن أن هذا يهمك."
قالتها بهدوء مصطنع. سُمع نفس خفيف في الطرف الآخر، كأنه لم يتأثر : "كل ما يخصك يهمني."
شدّت ليونا على الهاتف. "أنت من جعل كل شيء ضدي... لا تتظاهر الآن."
صمت. ثم قال بصوت أخفض: "ليونا... اطلبي مني ما تريدين، لكن لا تفعلي هذا."
ارتبكت للحظة. "أفعل ماذا؟"
"الهروب."
ساد صمت ثقيل في الغرفة. حتى ليزا وماتيو لم يتحركا. ضحكت ليونا ضحكة قصيرة، بلا فرح: "أنا لم أعد أهرب... أنا أختار ما أعيشه."
في الطرف الآخر، تغير شيء في صوته لأول مرة.
أصبح أكثر حدة، أقل هدوءًا: "اختيارك هذا... ليس آمنًا."
رفعت حاجبها ببطء: "أنت تتحدث وكأنك الحماية."
صمت قصير. ثم قال ببرود قاتل: "أنا لست الحماية...ولكني السبب الذي يجعل الآخرين يفكرون مرتين قبل أن يقتربوا منك."
تسارعت أنفاسها قليلًا. لكنها لم تتراجع. "أنا أريد الطلاق، رافاييل."
قالتها بوضوح هذه المرة. ساد صمت أطول من السابق. كأن العالم توقف للحظة. ثم جاء صوته... منخفضًا، مختلفًا: "إرجعي إلى القصر."
"لا."
ردّت فورًا. هذه المرة، لم يكن هناك هدوء في صوته. فقط أمر واضح: "ليونا... لا تختبري حدودي."
لكنها ابتسمت ابتسامة خفيفة، وتحدثت بصوت ثابت: "أنا لم أعد داخل حدودك."
وفي تلك اللحظة... انقطع الخط. رفعت عينيها ببطء. ليزا همست: "هل انتهى؟"
لكن ليونا لم تجب. كانت تنظر إلى الهاتف...
وكأنها تشعر أن الصمت ليس نهاية المكالمة،
بل بداية شيء أخطر.
وفي مكان آخر... في قصرٍ بعيد... أغلق رافاييل هاتفه ببطء. نظراته كانت ثابتة. هادئة... بشكل مخيف. ثم قال بصوت منخفض جدًا: "ابحثوا عنها."
في منزل ليزا... سقط الصمت بعد انقطاع المكالمة.
لم تعد الغرفة هادئة كما كانت قبل دقائق،
كأن الهواء نفسه تغيّر. وضعت ليونا الهاتف على الطاولة ببطء، ثم أخرجت نفسًا طويلًا. لكن صدرها لم يهدأ.
"انتهى النقاش."
قالتها ليونا بهدوء... لكن عينيها كانتا ثابتتين بشكل مختلف. ليزا لم ترد فورًا. كانت تراقبها فقط،
كأنها تحاول فهم ما الذي دخل حياتها الآن.
ماتيو تحرّك في مكانه، ثم قال بصوت منخفض:
"ليونا... عندما يقول رافاييل 'ابحثوا عنها'... هذا لا يعني بحثًا عاديًا."
رفعت ليونا نظرها نحوه: "وماذا يعني؟"
تردد لحظة. ثم قال: "يعني أنه لم يعد يعتبرك زوجته... بل هدفًا يجب إعادته."
ساد صمت ثقيل. في تلك اللحظة، رن هاتف ماتيو فجأة. مرة واحدة فقط. ثم توقف. نظر إليه. ثم فتحه ببطء فظهرت كاميرا الحب الرئيسية في هاتفه ، فتغيّر وجهه فورًا.
"ما الأمر؟" سألت ليزا بقلق.
لكن ماتيو لم يرد مباشرة. بل نظر إلى ليونا.
بجدية... أثقل من السابق. "هناك سيارات سوداء دخلت الحي."
تجمدت ليونا. "وهذا ليس كل شيء..."
تابع ماتيو. "إنهم لا يسألون... ولا يبحثون عن عنوان."
نظر إليها مباشرة: "إنهم يعرفون بالفعل أين يبدأون."
ليزا وقفت فجأة: "مستحيل... نحن في حي عادي! كيف كشفونا ؟ "
لكن ماتيو هز رأسه: "لا يوجد شيء عادي عندما يتعلق الأمر بممتلكاته ."
ليونا بقيت جالسة. لم تتحرك. لكن داخلها...
شيء ما انكسر من الهدوء الذي كانت تحاول التمسك به. ببطء... وقفت.
"إذا كان يبحث..."
قالتها بهدوء غريب : "فأنا لن أبقى في مكان ينتظرني فيه."
ليزا أمسكت يدها بسرعة: "أين ستذهبين؟!"
نظرت ليونا نحو النافذة. السيارة التي جاءت بها كانت لا تزال بالخارج. "لأي مكان... ليس هو فيه."
في تلك اللحظة... في شارع بعيد داخل المدينة،
توقفت سيارة سوداء بدون لوحات واضحة.
أحد الرجال داخلها قال بهدوء: "وجدناها."
وفي القصر... كان رافاييل واقفًا أمام نافذة كبيرة،
ينظر إلى الفراغ. ثم قال بصوت منخفض جدًا: "لا تدعوها تختفي هذه المرة ."
لم يعد هناك وقت للتفكير. الصمت تحوّل إلى توتر ثقيل.
"لا تقفّي هنا!" قال ماتيو بسرعة وهو يتجه نحو النافذة. لكن ليونا كانت أسرع. كانت بالفعل ترتدي معطفها، وعقلها يعمل ببرود غير معتاد.
"من أين عرفوا مكاني بهذه السرعة...؟" همست ليزا بارتباك. ماتيو لم يجب. كان ينظر إلى الشارع فقط.
"لا يوجد وقت للأسئلة." قال أخيرًا ثم التفت إلى ليونا: "إذا خرجوا من نهاية الشارع... سيكون من الصعب الخروج دون أن يروكِ."
ساد صمت قصير. ليونا أخذت نفسًا عميقًا.
ثم قالت بهدوء: "إذا بقينا هنا... سننتظرهم فقط."
تحركت نحو الباب الخلفي فلحقت ليزا بها بسرعة:
"ليونا! هذا جنون!"
لكنها توقفت لحظة فقط، ثم التفتت إليها:
"ليس جنونًا... بل أول مرة أكون أنا من يختار الاتجاه."
في الخارج... الهواء كان أبرد.
الشارع يبدو عاديًا... أكثر من اللازم. لكن هذا العادي كان مخيفًا. ماتيو خرج أولًا، ينظر حوله بسرعة. ثم أشار لهم: "من هنا... بسرعة."
بدأوا التحرك عبر ممر جانبي ضيق بين البيوت.
خطواتهم كانت سريعة... مكتومة. لكن فجأة-
توقف ماتيو : "لا تتحركوا."
همست ليزا أمسكت يد ليونا بقوة. "ما الذي يحدث؟"
رفع ماتيو يده قليلًا، يشير نحو نهاية الممر.
سيارة سوداء. واقفة... بدون صوت... بدون حركة.
لم يكن هناك باب يُفتح. ولا أحد ينزل. لكن وجودها وحده كان كافيًا. ليونا شعرت بشيء بارد في صدرها. ليس خوفًا... بل إدراك.
"وصلوا قبلنا..." قالت بصوت منخفض.
ماتيو شدّ على أسنانه: "ليسوا هم فقط... هناك أكثر من جهة."
في تلك اللحظة... من خلفهم مباشرة،
سُمعت خطوة واحدة فقط. ثم صوت هادئ جدًا:
"كنتِ دائمًا تمشين في الاتجاه الخطأ."
تجمدت ليونا. لم تلتفت. لكنها عرفت الصوت.
رافاييل. ساد الصمت تمامًا. حتى الريح توقفت كأنها تسمع. ليزا همست بخوف: "ليونا... لا تلتفتي..."
لكن ليونا فعلت.ببطء.كان واقفًا هناك.
هادئًا... كما لو أنه لم يركض... لم يبحث... لم يطارد. بل وصل فقط.
نظر إليها مباشرة وقال: "انتهى اللعب."
ليونا لم ترمش. لكن صوتها خرج ثابتًا: "أنا لم أبدأ اللعب أصلًا."
نظر إليها لحظة طويلة. ثم قال بهدوء أخطر من أي تهديد: "لهذا السبب... أنا من سيعيد ترتيب القواعد."
ظلّ الصمت ممتدًا لثوانٍ ثقيلة في الممر الضيق.
رافاييل كان ثابتًا في مكانه، كأنه لا يحتاج أن يقترب أكثر...
لأن المسافة بينه وبينها لم تكن يومًا حقيقية. ليونا شدّت معطفها بقوة،
لكن نظرتها لم تنكسر.
"لن أعود." قالتها بوضوح.
لم يتغير تعبيره. لكن عينيه تحركتا ببطء نحوها.
"أنتِ دائمًا تقولين ذلك...ثم تنتهين حيث يجب."
خطوة خفيفة منه للأمام. ليزا تراجعت تلقائيًا للخلف، وماتيو تحرّك قليلًا بينهما بحذر.
"رافاييل..." قال ماتيو بنبرة تحذير.
لكن رافاييل لم ينظر إليه حتى.
كان كل انتباهه عليها فقط : "ابتعدي عنهم."
قال لها بهدوء فرفعت ليونا حاجبها: "أنت من جاء إليهم."
صمت. ثم قال: "جعلتِ الأمر معقدًا دون داعٍ."
ضحكت ليونا ضحكة قصيرة، متوترة:
"معقد؟ أنت من دمّر كل محاولة لي للعيش بشكل طبيعي."
تغير شيء بسيط في ملامحه.
ليس غضبًا... بل شيء أعمق.
"أنا لم أدمر شيئًا." قالها بهدوء.
ثم أضاف : "أنا فقط منعت الآخرين من تدميرك."
ساد صمت لحظة. ليونا نظرت إليه مباشرة:
"أنت تتصرف وكأنك تعرف ما هو الأفضل لي."
اقترب خطوة أخيرة. "أنا أعرفك أكثر مما تعرفين نفسك الآن."
في تلك اللحظة، تحرك ماتيو فجأة: "كفى!"
لكن رجلاً من الخلف أوقفه بسرعة دون عنف، فقط حضور ثقيل أجبره على التوقف.
ليزا أمسكت بذراع ليونا: "ارجعي خطوة..."
لكن ليونا لم تتحرك.
كانت تنظر إلى رافاييل. ولأول مرة... لم يكن غضبها وحده. بل سؤال.
"لماذا أنا؟"
قالتها بصوت منخفض. توقف.
تمامًا. نظر إليها طويلًا.
ثم قال:
"لأنكِ لو خرجتِ من يدي... لن يخرج أحد غيركِ سالمة."
لم تفهم. أو ربما فهمت... لكنها رفضت الفكرة.
قبل أن ترد-
سُمع صوت سيارة تقترب بسرعة من نهاية الشارع.
التفت الجميع للحظة. رافاييل لم يتحرك.
لكن صوته خرج هادئًا جدًا:
"قلتُ لكِ... لا مكان آمن بعيدًا عني."
ليونا خطت خطوة للخلف لأول مرة.
ليس خوفًا منه... بل من شيء بدأت تدركه.
"أنت لا تحميني..." همست.
"أنت تحاصرني."
نظر إليها مباشرة: "الأمرين ليسا مختلفين في عالمنا."
في تلك اللحظة... اقتربت السيارة أكثر.
وأصبح الشارع كله محاصرًا بصمت ثقيل.
توقفت السيارة عند نهاية الشارع، لكن لم يلتفت إليها أحد بعد. كان كل شيء بينهما هو ما يملأ الفراغ. الخطوات، الأصوات، العالم... تلاشى.
وبقيت هي وهو فقط.
اقترب رافاييل ببطء. ليس بسرعة مطارد،
بل بثقة شخص يعرف أن النهاية لن تهرب منه.
توقفت أنفاس ليونا للحظة، لكنها لم تتراجع.
"أنتِ عنيدة بشكل يرهقني."
قالها بصوت منخفض.
لم يكن غضبًا... كان شيئًا أقرب إلى التعب.
رفعت نظرها إليه:
"وأنت تتصرف وكأنك تملك حقي في الاختيار."
صمت. ثم اقترب خطوة أخرى.
أصبح قريبًا لدرجة أن صوته وحده صار يربكها أكثر من وجود الرجال حولهم.
"أنا لا أملككِ..."
قال بهدوء. توقف للحظة قصيرة.
ثم أضاف بصوت أخفض:
"لكنني أعرف ماذا يحدث لكِ عندما تُتركين وحدك."
تجمدت نظرتها. لم يلمسها.
لكنه كان أقرب من اللمس نفسه.
"كل خطوة ابتعدتِ فيها عني...
كانت هناك يد أخرى تنتظر أن تسحبك للأسفل."
خفضت عينيها للحظة...
كأن كلماته اصطدمت بجدار داخلها. لكنها عادت ورفعت رأسها فورًا.
"وهل الحل أن أكون محاصرة بك؟"
اقترب أكثر...
حتى أصبح صوته لا يسمعه أحد سواها.
"الحل أن تبقي حيّة... حتى لو كنتِ تكرهين الطريقة."
صمت ثقيل.
الهواء بينهما أصبح مشحونًا بشكل لا يُحتمل. لم يكن تهديدًا... ولا اعترافًا.
كان شيئًا في المنتصف...
شيئًا يشبه الحماية المشوهة.
رفعت ليونا يدها قليلًا، كأنها تريد دفع المسافة بينهما، لكنها توقفت في منتصف الحركة.
لأنها أدركت شيئًا غريبًا...
لم يكن ينظر إليها كأنها هدف.
بل كأنها شيء يخاف فقدانه.
"أنت لا تفهمني..." همست.
اقترب أخيرًا لدرجة جعلت صوته ينخفض أكثر:
"بل أفهمك أكثر مما تفهمين نفسك الآن... ولهذا السبب تحديدًا... لا أستطيع تركك تبتعدين أكثر."
ساد الصمت.
لكن هذه المرة... لم يكن صمت مطاردة.
كان صمت شيء خطير جدًا...
شيء قريب من الاعتراف،
لكن محاط بالظلام.
اقترب أكثر، هذه المرة بهدوء شديد،
كأنه لا يريد أن يخيفها...
بل يخشى أن تختفي لو ارتفع صوته أكثر.
"انتهى هذا." قالها أخيرًا.
صوته منخفض، حاسم.
ليونا تراجعت خطوة:
"أنا قلت لك لن أعود."
لم يرد فورًا. رفع يده ببطء، وأشار لرجاله بإشارة خفيفة فقط. وفي لحظة... تحركوا حول الممر بهدوء، يغلقون كل طريق للخروج دون فوضى، دون صدام.
التفتت ليونا بسرعة: "ماذا تفعل؟!"
لكن رافاييل لم ينظر للرجال. كان ينظر إليها فقط.
"لن أؤذيكِ." قالها بهدوء.
ثم أضاف: "لكن لن أتركك هنا أيضًا."
شدّت ليزا على يدها بخوف: "ليونا....! "
تجمدت عيناها وهي تنظر اليه ، هناك شيء سيحدث .
"أنتِ لا ترين ما أراه." تابع.
"لكنني أراه كل يوم...كل مرة تبتعدين فيها غني خطوة."
خفضت نظرها للحظة رغمًا عنها. "وماذا ترى؟" همست.
صمت.
ثم قال بصوت أخفض، أقرب إلى اعتراف مخفي:
"أرى أن العالم لن يتركك... بل ينتظر فقط لحظة ضعف واحدة منك ليفترسك ."
رفعت نظرها إليه ببطء.
ولأول مرة...
لم يكن كلامه يبدو سيطرة فقط.
"تعالي معي... فقط هذه المرة."
سكتت.
الغضب لم يختفِ... لكن شيئًا آخر بدأ يزاحمه.
"وإن رفضت؟" قالت بهدوء.
نظر إليها طويلًا.
ثم أجاب ببساطة:
"لن أتركك تختارين ، اما أن تعودي معي أو تعودي وحدك لا خيار ٱخر "
لم تمر سوى ثوانٍ بعد كلماته الأخيرة... حتى تغيّر كل شيء. خطوات خفيفة، سريعة، اقتربت من ليونا من الجانبين. تراجعت فورًا:
"لا تلمسوني!"
لكن أحد الرجال أمسك ذراعها بهدوء، دون عنف واضح... كأن الأمر محسوم مسبقًا.
"اتركني!" صرخت وهي تحاول الإفلات.
ليزا تقدّمت بسرعة: "رافاييل! هذا جنون!"
لكن لم يجبها أحد. كان هو ينظر فقط.
تقدّم رافاييل خطوة واحدة.
ليس بعصبية...
بل بثبات قاتل.
ثم قال بهدوء:
"قلت لكِ لن أتركك تختارين هذا الطريق."
حاولت ليونا أن تدفعه بنظراتها قبل كلماتها:
"أنا لست شيئًا يُؤخذ! إحترمني على الأقل "
توقف أمامها مباشرة.
لحظة صمت...
ثم قال بصوت منخفض جدًا:
"وأنا لم أقل إنكِ شيء يُؤخذ.
بل شيء يُحمى... حتى لو كره ذلك."
قبل أن ترد... رفع يده قليلًا.
وفي حركة واحدة سريعة- حملها بين ذراعيه.
تجمدت من ما حدث فصرخت "ماذا تفعل؟! أنزلني!"
بدأت تضرب صدره بخفة وهي غاضبة: "رافاييل! قلت أنزلني!"
لكن خطواته لم تتغير. كان يمشي بثبات نحو السيارة السوداء الواقفة عند نهاية الشارع.
اقترب ماتيو خطوة، لكنه توقّف فورًا تحت نظرة أحد الرجال. ليزا كانت عاجزة تمامًا.
"أنت لا تستطيع أن تفعل هذا!"
صرخت ليونا وهي تكافح.
نظر إليها رافاييل للمرة الأولى وهي بين ذراعيه.
ثم قال بهدوء غريب: "أنا أفعل ما يمنعك من الندم لاحقًا."
توقفت للحظة.
لكن عينيها لم تهدأ. "أنت لست حارسًا عليّ."
توقف عند السيارة.
فتح الباب بيد واحدة فقط.
ثم همس: "لا...أنا السبب الذي يجعلكِ ما زلتِ هنا حيّة."
أجلسها داخل السيارة برفق، رغم مقاومتها،
ثم أغلق الباب. جلست في الداخل، تتنفس بسرعة، تنظر إليه من الزجاج. كان واقفًا خارج السيارة...
ينظر إليها بصمت.
ثم انحنى قليلًا نحو الزجاج. صوته كان أخفض من كل ما سبق: "ستفهمين يومًا... أنني لم آخذكِ مني. بل من العالم."
ثم أشار للسائق.
وانطلقت السيارة.
كانت ليونا جالسة، مشدودة،
تنظر للخارج بغيظ مكتوم.
لكن شيئًا آخر... كان يختبئ تحت غضبها.
لم يكن خوفًا منه فقط. بل من حقيقة واحدة بدأت تقترب منها: هو لا يطاردها كعدو...
بل كشيء يرفض خسارتها.
وصلت السيارة و نزل رافاييل أولًا.
فتح الباب لها. "انزلي."
لم تتحرك فورًا بل نظرت إلى البوابة، ثم إلى القصر خلفها، ثم عادت إليه بنظرة باردة.
"جميل." قالت بسخرية خفيفة.
"نسخة فاخرة من نهاية الحرية."
لم يرد.
لكن نظرته بقيت عليها فقط. نزلت ببطء.
وما إن وضعت قدمها على الأرض حتى قالت:
"هل هذا المكان له مخرج طوارئ... أم أنكم تعتمدون على ''عدم السماح بالخروج ''؟ "
اقترب خطوة. "ستعتادين."
ضحكت بخفة: "هذه الجملة تُقال عادة في أماكن أقل... سوءًا."
ساد صمت قصير.
ثم تحرك أمامها نحو البوابة. "إتبعيني."
رفعت حاجبها: "أوامر جديدة؟ "
لم يلتفت. لكنها تبعته رغم ذلك، بخطوات بطيئة متعمدة، وكأنها ترفض أن تبدو منكسرة حتى في المشي. عند دخولهم، فُتحت الأبواب الثقيلة تلقائيًا.
الداخل كان هادئًا بشكل غريب. ممر طويل، إضاءة خافتة، وصمت يشبه المراقبة.
توقفت للحظة. "غريب..." تمتمت.
"كل هذا الثراء...ولا صوت للحياة هنا."
أجاب بهدوء دون أن يلتفت: "هنا ليس مكان حياة اجتماعية."
ابتسمت بسخرية: "واضح... مكان حياة 'تحكمية' أكثر."
وصلوا إلى منتصف الممر. توقفت فجأة. "إلى أين تأخذني؟" التفت إليها أخيرًا.
"إلى جناحك."
ضحكت: "جناحي؟ جميل... كلمة لطيفة لحبس خاص."
اقترب خطوة. "ليونا."
رفعت نظرها فورًا: "ماذا؟ هل ننتقل لمرحلة 'لما تسخرين كثيرًا'؟"
صمت. ثم قال بهدوء ثابت:
"هذا ليس حبسًا."
مالت رأسها قليلًا: "كل من في التاريخ قال هذه الجملة... كان في حبس فعلي."
لم يرد مباشرة. لكن عينيه بقيت ثابتة عليها.
ثم أضاف بصوت أخفض: "لن يلمسك أحد هنا تعلمين ذلك "
توقفت السخرية للحظة في وجهها. لكنها سرعان ما عادت: "رائع... حماية أم تملك؟ الفرق أصبح ضبابيًا عندك."
لم يرد.
بل استدار ليكمل الطريق. وفي داخلها، رغم السخرية... كان هناك شعور صغير، مزعج، لا تريد الاعتراف به: هذا المكان ليس مثل أي مكان خرجت منه سابقًا... وهذا الرجل... ليس سهل القراءة كما تظن.
أغلق رافاييل الباب خلفها بهدوء. صوت الإغلاق كان خفيفًا... لكن في ذهن ليونا بدا كأنه قرار نهائي. وقفت في منتصف الغرفة. نظرت حولها ببطء. غرفة واسعة، أنيقة، مرتبة أكثر من اللازم...
كأنها لا تُستخدم، بل تُعرض فقط.
"جميل." قالت بسخرية خفيفة وهي تمرر يدها