استيقظت ليونا على صوت خفيف منفتحٍ قادم من الممر.
جلست ببطء على السرير، لا تزال آثار التعب واضحة على ملامحها، رغم أن حرارتها انخفضت قليلاً منذ الليلة الماضية.
مدّت يدها تلقائيًا نحو كوب الماء، لكنها وجدت ملاحظة صغيرة موضوعة بجانبه، مكتوبة بخط رافاييل:
《سأكون في المطار قبل أن تستيقظي... سأغادر الى ايطاليا فلدي امور علي إنجازها هناك ، إستريحي جيدًا، لا تعبثي بالمطبخ، ولا تخرجي في المطر مجددًا. سأتصل حين أصل.》
تأملت الورقة، ثم ابتسمت رغماً عنها.
ليونا :
《لا تعبثي بالمطبخ؟... يبدو أنك بدأت تتذكر وجودي.》
وقفت ببطء، وفتحت الستارة.
كان النهار رماديًا، والغيوم تغطي السماء وكأنها تعكس شيئًا ما في داخلها.
لأول مرة منذ دخولها هذا المنزل، شعرت بفراغ حقيقي.
في الطابق السفلي، كان كل شيء هادئًا على غير العادة.
لا صوت لخطواته في المطبخ، ولا رائحة قهوته المعتادة.
حتى الكنبة التي يجلس عليها دائمًا كانت خالية تمامًا، وكأن شيئًا مهمًا نُزِع منها.
جلست أمام المدفأة، إلتفتت نحوها وقالت لنفسها:
《غريب... لم أكن أعتقد أن غيابه سيؤثر بي...》
لكنها لم تترك الفراغ يستحوذ عليها كثيرًا.
فتحت هاتفها وقررت الاتصال بصديقتها إيليسا:
《أحتاج أن أراكِ اليوم... لا أريد أن أكون وحدي.》
《 حسنا ..سآتي إليك بعد الظهيرة》
في الجانب الآخر من العالم، وفي مطار مزدحم، كان رافاييل يستعد لصعود الطائرة.
لكنه بقي يحدق بهاتفه للحظات، مترددًا في إرسال رسالة أخرى.
كتب:
《إن شعرتِ بضعف، اتصلي فورًا... لا تتكبّري.》
ثم حذفها قبل أن يضغط على "إرسال".
تمتم وهو يمر بجانب البوابة:
《لماذا أشعر أني تركت شيئًا مهمًا خلفي؟》
مرّت ساعتان منذ أن جلست أمام المدفأة. هدأ جسدها، لكن عقلها كان يعجّ بالأفكار، وكأن صمته أحدث ضجيجًا لم تعرف كيف تطفئه.
رنّ جرس الباب. فتحت ليونا وهي تضع شالاً فوق كتفيها، لتجد إيليسا واقفة تحمل كيسًا صغيرًا بيدها وكوب قهوة دافئة في الأخرى.
《قلتِ أنك لا تريدين الوحدة، وأنا لا أتحمّل أن أتركك هكذا في هذا المنزل الكبير... وحدكِ تمامًا.》
ضحكت ليونا بخفة وأفسحت لها المجال للدخول.
《كان بإمكانكِ ألا تأتي، الجو بارد.》
《هل فقدتِ عقلك؟ هذا بالضبط السبب الذي جعلني أركض إليكِ. من يدري، قد تفاجئينا بمرض جديد غدًا، وتقولين إنك أصبتِ بالالتهاب الرئوي لأن أحدًا لم يطرق بابك.》
ضحكتا سويًا، وجلستا في الصالة.
سألتها إيليسا وهي ترمقها بنظرة ماكرة:
《إذاً، ما الذي فعلته ليونا لتجعل زوجها يُغادر إلى إيطاليا بهذه السرعة؟》
تنهدت ليونا ووضعت كوبها:
《لا شيء... هو فقط... يسافر كثيرًا بحكم عمله. وأنا... لست متعودة بعد.》
رمقتها إيليسا قليلاً، ثم قالت:
《صوتكِ تغيّر.》
《ماذا تقصدين؟》
《أقصد أنكِ لم تعودي تتكلمين عنه كعدو... هل بدأتِ تشعرين نحوه بشيء؟》
ترددت ليونا، ثم نظرت نحو النافذة، حيث المطر كان يطرق الزجاج بخفة.
《لا أعلم... لكنه... انتظرني البارحة أمام الباب وأنا أعود مبلّلة ومريضة، ولم يغضب، ولم يسألني لماذا خرجت. فقط... أخذ يدي، وساعدني على الجلوس... وكأنه... خائف أن أسقط.》
ابتسمت إيليسا، وقالت بنبرة هادئة:
《أحيانًا، لا نحتاج إلى اعترافات... يكفينا أن نشعر بأن وجودنا يهمّ.》
وقبل أن ترد، صدر صوت "طَقة" خفيفة من الهاتف الموضوع على الطاولة. كان إشعارًا من رافاييل:
《 لقد وصلت. كيف حالكِ؟》
قرأت ليونا الرسالة، وبقيت تحدق بها بصمت. ثم بدأت تكتب:
《أنا بخير... 》
مرّت ثلاثة أيام على سفر رافاييل.
في البداية، بدا الأمر عادياً. ليونا كانت تستيقظ متأخرة، تضع موسيقى هادئة وتحتسي قهوتها وحدها دون أن تسمع صوته الجاف في الخلفية وهو يطلب منها تخفيف السكر.
ظنّت أن غيابه سيكون بمثابة إجازة عقلية... لكنه لم يكن كذلك.
كان المنزل صامتًا بشكل مزعج. لم يكن هناك أحد يفتح الباب فجأة أو يترك معطفه مبللاً على الكنبة، لم يكن هناك صوت خطواته في المطبخ... أو ضجيج حديثه الهاتفي الذي كانت تشتكي منه دومًا.
والأسوأ من كل ذلك؟ رسائله القصيرة.
في اليوم الأول، كتب لها:
《وصلت. سأراسل لاحقاً.》
في اليوم الثاني:
《اجتماعات من الصباح للمساء. كيف صحتك؟》
ثم لا شيء في اليوم الثالث.
أغلقت ليونا هاتفها بعصبية، وتكلمت مع نفسها بنبرة مستاءة:
《وكأنني لا أُعني له شيئاً. مجرد مجاملة عابرة. لو لم أسأله... لما تذكر أنني موجودة.》
ذهبت إلى منزل عائلتها في المساء، وجلست تحدّث أمها:
《لم يرسل حتى رسالة واحدة منذ أمس. ليس لأنني أريده أن يكتب لي كلامًا لطيفًا أو شيئًا من هذا القبيل... فقط... بعض الاهتمام لا يضر!》
أجابت هيلينا بابتسامة متفهمة:
《ليونا، الرجال لا يشبهوننا. ربما هو منشغل حقًا. أنتِ حساسة أكثر مما تظنين، يا ابنتي.》
لكن ليونا لم تقتنع. شعرت بأن شيئًا ما غير صحيح... أو ربما هي فقط تكره فكرة أنه لا يفتقدها بنفس القدر.
في الليلة نفسها، فتحت درجًا صغيرًا في غرفتهما، ووجدت دفترًا جلديًا قديمًا. فتحته، ووجدت فيه صفحات فارغة... سوى أول صفحة كتب فيها:
> "أشياء لم أجرؤ على قولها لها... وربما لن أفعل."
أغلقت الدفتر بسرعة، وكأنها ارتكبت جريمة، وتنفست بعمق.
في اليوم الرابع، بينما كانت تجلس في الصالة، وصلتها رسالة أخيرًا منه:
《أعتذر... اليوم كان مرهقًا جدًا. سأعود قريبًا.》
ضغطت على شاشة الهاتف، كتبت ردًا طويلًا، ثم مسحته. ثم كتبت:
《مرهق لك وحدك؟》
وترددت قبل أن ترسلها... لكنها أرسلتها.
لم يرد.
مرت ساعة، ثم ساعتان.
ولا رد..
في مدينة ناپولي الإيطالية، كانت الأمطار تتساقط بخفة فوق الأرصفة الضيقة، وتنساب على زجاج السيارات السوداء اللامعة التي اصطفت أمام أحد المباني الفخمة.
لم يكن ذلك المكان يُشبه قاعة اجتماعات عادية... بل بدا وكأنه مسرح قديم تحوّل إلى ملاذ سريّ لاجتماعات لا تُدوَّن في سجلات الدولة.
دخل رافاييل بهدوء. مظهره كان أنيقًا، يرتدي بدلة داكنة، وربطة عنق خفيفة، شعره ممشط بعناية، ووجهه كما هو دومًا: هادئ، حادّ، لا يُقرأ بسهولة.
تقدّم إليه رجل ضخم، ابتسم بحذر:
《السيد رافاييل... لم نظنك ستأتي بنفسك.》
ردّ رافاييل وهو يخلع معطفه:
《هناك أشياء لا تُفوَّض.》
قادوه إلى غرفة داخلية، حيث طاولة دائرية يجلس حولها رجال بملامح متجهمة، من جنسيات ولهجات مختلفة، لكن شيء واحد جمعهم... السلطة التي لا تعترف بالقوانين.
جلس في مقعده، وألقى نظرة باردة على الحاضرين.
قال أحدهم:
《نحن هنا لنتحدث عن صفقة البندقية. تأخّر تسليم الشحنة، والشرطة بدأت تتحرك.》
ردّ رافاييل بجفاف:
《أنا لا أتحرك إن لم أضمن نظافة الأرض. هذا تأخير محسوب. وأرجو ألا يشكك أحد في دقّتي.》
ساد الصمت.
ثم قال الرجل نفسه، بنبرة أقل تحديًا:
《ما أخبار الجانب الفرنسي؟ هل ما زالت ليونا هناك؟》
هنا فقط، تغير وجه رافاييل للحظة... لمعة خفيفة في عينيه.
أجاب:
《لا شأن لكم بها.》
صمت، ثم أكمل بصوت منخفض:
《وأي شخص يُفكر بإقحامها في اللعبة... سيتعامل معي، لا معي أنا فقط.》
حدق الجميع فيه. لم يكن تهديدًا فارغًا، بل وعدًا محكمًا.
كانت الساعة تقترب من الثانية صباحًا حين توقّف رافاييل أمام مستودع قديم في ضواحي ناپولي. المبنى بدا مهجورًا من الخارج، لكن داخله... كان يعجّ بالحركة. رجال مسلحون، صناديق ثقيلة، وأحاديث متوترة بلهجات شرقية وغربية.
وقف رافاييل بجانب سيارة سوداء، يراقب بصمت، وبجانبه رجل قصير البنية، يحمل جهازًا لاسلكيًا:
《الكاميرات تعطينا صورة واضحة. الهدف بالداخل مع عشرين رجلاً، أغلبهم مدججون. هل نبدأ؟》
أومأ رافاييل برأسه، ولم ينبس ببنت شفة.
رفع الرجل الجهاز وقال بحزم:
《الوحدة (C)، تمركزوا. الهجوم خلال ثلاثين ثانية.》
وبعد لحظة فقط...
انفجرت بوابة المستودع.
ارتفعت الصرخات، وتعالت أصوات إطلاق النار. أصوات الأحذية العسكرية تدك الأرض، والرجال يصرخون أو يسقطون. الفوضى سيطرت.
دخل رافاييل من الخلف، خطواته هادئة رغم العنف من حوله. سحب مسدسًا من تحت معطفه، وتقدّم بثقة. مرّ على رجل يصرخ مصابًا في ساقه... تجاهله كأن لا شيء.
ثم رأى هدفه.
رجل أشيب، بملامح شرسة، يحاول الهرب عبر ممر خلفي. رفع سلاحه ليطلق النار، لكن...
طَلقة واحدة.
من رافاييل، مباشرة في الكتف.
سقط الرجل وهو يأنّ، وراح يحاول الزحف.
اقترب منه رافاييل، جلس على ركبتيه، وقال بنبرة هادئة تخترق العظم:
《قلت لك منذ البداية... لا تتاجر في أراضيّ.》
ردّ الرجل وهو يلهث:
《أنت... مجرد واجهة! من تظن نفسك لتوقفني؟》
ابتسم رافاييل ابتسامة باهتة، وقال:
《أنا الواجهة التي تُخفي كل شيء.》
نهض وتركه للرجال خلفه.
بعد ساعة، كان رافاييل في سيارة سوداء على طريق عودته، يخلع قفازاته الجلدية.
رنّ هاتفه.
كانت رسالة من ليونا.
《أين أنت؟ لا أراك أبدًا...》
قرأها بصمت، ثم أعاد إغلاق الهاتف، وأغمض عينيه.
كانت الليلة باردة، والصمت في أرجاء القصر خانقًا ككتمة صدرها.
جلست ليونا على طرف سريرها، تحدّق في هاتفها للمرة العاشرة بعد منتصف الليل. لا رسالة، لا مكالمة... لا شيء منه.
مرّت أيام على سفره دون تفسير، دون اعتذار، دون حتى جملة تطمئنها.
شدّت على شالها بصمت، قبل أن تهمس لنفسها بحرقة:
《أنا مجرد غبية...》
نهضت فجأة، توجهت إلى خزانتها وفتحتها بعصبية.
سحبت حقيبة صغيرة، ورمت فيها ما استطاعت: هاتفها، محفظتها، ملابس دافئة، مجوهرات بسيطة، دفتر ملاحظاتها القديم...
وقفت لحظة عند صندوق صغير خشبي عليه حروف محفورة باسمهما.
ط
ترددت... ثم دفعته داخل الحقيبة.
وقفت أمام المرآة. عيناها متورمتان، أنفها محمر، لكن شيئًا في نظرتها كان حادًا. كانت ليونا التي لم يعرفها أحد.
سارت بخطوات ثابتة إلى الباب، وقبل أن تفتحه، نظرت إلى السرير خلفها.
كم من الليالي انتظرته عليه؟
كم مرة حلمت أن يطرق الباب... ليعتذر؟
تمتمت بهدوء، ونظرة مرّة على وجهها:
《لا أريد قصورًا، ولا مافيا، ولا رجلًا لا يذكرني حتى حين أختفي.》
فتحت الباب.
خرجت... وتركته خلفها.
---
في الخارج، كانت السماء تمطر بخفة.
أوقفت سيارة أجرة صغيرة، وأعطت السائق عنوان منزل والدتها القديم في الريف.
جلست في المقعد الخلفي بصمت، تحدّق من النافذة والدموع تترقرق في عينيها.
《هربت... نعم، لكن من من؟》
من الوحدة؟
منه؟
أم من قلبها الذي تعب من الانتظار؟
كانت الرياح تعبث بأغصان الأشجار الطويلة، والسحب الرمادية تمرّ ببطء فوق التلال، حين وصلت سيارة صغيرة إلى المنزل الخشبي المنعزل في الريف.
فتحت ليونا الباب بخطوات ثقيلة، وهي تضع شالاً صوفيًا فوق كتفيها، وصوت المطر المتناثر يعكس وحدتها.
لكنها لم تكن مستعدة لرؤية من وقف عند الباب.
《ليونا!!!》
كانت إيليسا أول من اندفعت نحوها، تعانقها بشدة كأنها تعاتبها بجسدها كله.
《أحقًا فعلتِها؟ هربتِ من دون أن تخبرينا حتى؟! ألهذا الحد آلَمكِ الأمر؟》
وقبل أن تتمكن ليونا من الرد، ظهرت والدتها هيلينا خلفها، تقف بثبات في معطفها الطويل، وعينيها تفيضان بحنانٍ مكبوت.
《يا صغيرتي... لمَ أتيتِ إلى الريف وحدكِ؟! أردتِ أن تهربي من العالم كلّه؟》
قالتها هيلينا وهي تفتح ذراعيها، فتقدمت ليونا بخطى مترددة، لتسقط باكية في حضنها.
《لم أعد أتحمل، أمي... وكأنني لا أُرى. وكأن مشاعري لا وزن لها...》
جلست النسوة الثلاث تحت ظلّ سقف الشرفة، بينما المطر يهمس حولهن، والبخار يتصاعد من أكواب الشاي الساخن.
قالت إيليسا وهي تحدق في وجه ليونا بحدة لطيفة:
《إن كان يظن أنكِ ستظلين صامتة إلى الأبد، فهو لا يعرف من هي ليونا.》
ضحكت هيلينا وسط تنهيدة:
《الرجال لا يدركون قيمة ما لديهم إلا حين يفقدونه... لكن لا تقلقي، يا ابنتي. بعض الهروب لا يعني الضعف، بل يعني الحاجة للهدوء... والريف يعرف كيف يعيد للقلوب نبضها.》
نظرت ليونا إلى حديقتها الصغيرة، ثم إلى صديقتها وأمها... ولأول مرة منذ أيام، شعرت أن حزنها صار أخفّ، فقط لأن أحدًا فهمها دون أن تضطر للشرح.
كان المساء قد بدأ يزحف على الأفق، والسماء تتلوّن بلون العسل المحترق، حين اقترحت إيليسا بحماس:
《دعونا نُقيم حفلة صغيرة! ما رأيكن؟! نُشعل الشموع، نطهو شيئًا لذيذًا، ونرقص!》
ابتسمت ليونا، لأول مرة منذ أيام، بينما كانت تهمّ بتحريك المزيج في الوعاء الخشبي.
《لا أعلم... أشعر أنني لا زلت غاضبة.》
ضحكت هيلينا، وهي تخرج فطيرة من الفرن:
《وأي دواء أفضل من حفلة صغيرة تُقيمها النساء المجروحات؟》
وبعد لحظات... كان البيت يغمره ضوء الشموع، ورائحة الخبز الدافئ والزعتر. ارتفعت الموسيقى الناعمة من الهاتف، ورقصت إيليسا في منتصف الغرفة كطفلة، تحاول أن تُخرج ليونا من حزنها.
ضحكت ليونا، ثم استسلمت للحظة... رفعت تنورتها قليلًا، وبدأت تتحرك بخفة وسط الضحك والرقص.
في تلك اللحظة، بدا وكأن الألم قد نُسي... وكأن البيت نفسه يبتسم معهن.
---
في ذات الوقت، داخل القصر...
كان الجو مشحونًا بالصمت، والنوافذ تعكس برد الليل. كبيرُ الخدم يقف بقلقٍ قرب الهاتف الأرضي، بينما الخدم يتهامسون فيما بينهم بخوف.
رنّ الهاتف أخيرًا، فردّ الرجل العجوز بارتباك:
《سيد رافاييل... أرجوك، لا تغلق الخط. الأمر... خطير.》
صوت رافاييل جاء هادئًا على غير العادة، وكأنه متعب بعد يومٍ طويل في إيطاليا:
《ما الأمر؟》
ابتلع الرجل ريقه، ثم قال بصوتٍ منخفض:
《ليونا... رحلت. جمعت بعض أغراضها واختفت منذ ليلة البارحة. لا أحد يعلم إلى أين ذهبت.》
سكت رافاييل.
لكن خيوط التوتر تسرّبت إلى نبرته أخيرًا، حين قال بجمود:
《منذ متى لم تكن في القصر...؟ ولماذا لم أُخبَر فورًا؟》
ارتجف صوت كبير الخدم:
《اعتقدنا أنها خرجت لزيارة والدتها، لكنها لم تعد... وقد أُغلِق هاتفها.》
أغلق رافاييل الخط دون كلمة أخرى. وقف لدقيقة طويلة في صمت، يحدق في الظلام خارج نافذة الفندق.
ثم بصوتٍ خافت، قال لنفسه:
《ليونا... ماذا فعلتِ؟》
في اليوم التالي، ومع أولى خيوط الصباح، كان اثنان من خدم القصر يقفان عند باب منزل عائلة ليونا. طرقت الخادمة الباب مرارًا، بينما ظل الخادم الآخر يتلفت حوله وكأن أحدهم سيرشدهم إلى وجهتهم الضائعة.
فتحت والدة ليونا الباب ببطء، تتلفّع بوشاحها المنزلي، وعيناها مليئتان بالدهشة:
《من؟》
انحنت الخادمة بأدب وقالت بتوتر:
《نعتذر عن الإزعاج يا سيدتي... لكن، هل ليونا هنا؟》
رفعت الأم حاجبيها:
《ليونا؟ لم أرها منذ أكثر من أسبوعين... حسبت أنها مع زوجها.》
رمق الخادمان بعضهما في ارتباك، وتراجع الخادم الآخر خطوة للخلف:
《شكرًا لكِ، نعتذر مجددًا.》
أغلق الباب، لكن القلق ظل عالقًا في أعينهما.
أما في الريف... حيث ينساب الوقت برفق، كانت ليونا تجلس في فناء منزل صغير تحيط به الزهور البرية.
شعرها منسدل على كتفيها، وعيناها لامعتان من الضحك وهي تحاول مساعدة إيليسا في تعليق الزينة الورقية التي تصنعانها من الجرائد القديمة.
قالت إيليسا وهي تمسك بدبوسٍ في فمها:
《أصبحتِ أفضل كثيرًا، حتى أن ابتسامتكِ رجعت أقرب ما تكون إلى الطفلة الصغيرة التي عرفناها.》
ابتسمت ليونا وأجابت بهدوء:
《هنا... لا أحد يصرخ، لا أحد يقرر عني، لا أحد يخفي شيئًا. كل شيء بسيط... ونقي.》
كانت هيلينا قد بدأت تزورها منذ الأسبوع الأول، مرة كل أسبوع، تأتي حاملة معها فطيرة منزلية أو كتابًا جديدًا، وتجلس معهن على الشرفة، تتحدث، وتضحك، وتستمع.
ومع مرور الأيام... بدأ الأسبوع يتحول إلى عادة، والحزن يتبدّد شيئًا فشيئًا.
حتى أن ليونا، في إحدى الليالي، نظرت إلى المرآة وهمست لنفسها:
《أنا لست مجبرة على شيء... ولا أحد يملك قلبي... سوى من يقدّره حقًا.》
كانت تحادث نفسها أكثر مما تحادثهن.
ولأول مرة، لم يكن هناك من يقاطع حديثها الداخلي... سوى صوت الرياح وهي تداعب الستائر.
كان الليل قد بدأ يزحف على ميلانو حين أنهى رافاييل آخر اجتماع في ذلك المبنى الفخم. خرج بخطوات ثقيلة نحو جناحه الخاص في الفندق، متظاهرًا بالهدوء المعتاد الذي يعرفه الجميع عنه. لكن داخل صدره... عاصفة.
فتح هاتفه الخلوي، رسالة قصيرة جديدة تنتظره من كبير الخدم:
"بحثنا في بيت والديها كما أمرت، سيدي... ولم نجدها."
ظلّ يحدق في الكلمات للحظات. ثم مسح الرسالة بسرعة، كأنه لا يريد لأي أثر أن يبقى. لبس سترته، جلس على المقعد الجلدي، ومرر يده في شعره المتوتر.
في هذه اللحظة بالذات، دخل مساعده الخاص، وقال:
《هل تود العودة إلى باريس غدًا، سيدي؟》
أجابه رافاييل بصوت هادئ كعادته:
《لا داعي للاستعجال. كل شيء... تحت السيطرة.》
أومأ مساعده برأسه دون أن يشعر بالقلق الخفي في نبرة سيده.
وحده رافاييل كان يعلم أن الأمور لم تكن تحت السيطرة أبدًا.
هو يعرف أنها غادرت. ويعرف أنها كانت غاضبة.
ويعرف الآن... أنها ليست لدى والديها.
ضغط على جبهته بأصابعه، وهمس لنفسه:
《ليونا... إلى أين ذهبتِ بحق الجحيم؟》
لكنه لم يُرسل أحدًا للبحث مجددًا. لم يتصل بأحد.
لأول مرة... أراد أن يمنحها المسافة.
أو ربما... أراد أن يعاقب نفسه، بصمتها.
في صباح دافئ من شمس خريفية،
كانت ليونا ترتدي كنزة صوفية بسيطة بلون الخزامى، وشعرها مرفوع بارتجال فوق رأسها. ضحكت وهي تحاول إعداد الكريب لأول مرة تحت إشراف إيليسا التي صرخت حين احترقت إحدى القطع:
《ليونا! هذه جريمة في حق المطبخ الفرنسي!》
قهقهت هيلينا وهي ترتشف قهوتها من الكوب الأبيض:
《إنها تطبخ بقلبها، لا بيديها... دعيها تجرب.》
فأجابت ليونا بسخرية ناعمة:
《قلب محترق إذًا، مثل الكريب.》
مرّت لحظات من السعادة النقية. جلسن على الأرض وسط وسائد ناعمة، وبدأن يشاهدن فيلماً قديماً، بينما تتراكم الأكواب الفارغة وبقايا الشوكولاتة الساخنة على الطاولة الصغيرة.
وبينما تمازحت إيليسا مع هيلينا حول أذواقهما السيئة في الأفلام، كانت ليونا تراقبهما بصمت، وشيء في قلبها بدأ يُشفى.
كانت في كل أسبوع تُحصي الأيام لوصول هيلينا، وفي كل ليلة تتوسل لإيليسا أن تنام عندها.
ضحك، وبكاء، وحكايات، ورسائل متبادلة على الوسائد.
لم تكن قد شعرت بهذا الانتماء منذ زمن طويل.
في إحدى الليالي، قررت إيليسا مفاجأتها:
دخلت غرفتها وهي تحمل علبة صغيرة، وابتسامة فخورة:
《اصنعي قائمة أمنيات، ليونا.》
رفعت ليونا حاجبيها:
《قائمة؟》
《نعم. كل شيء ترغبين به... مهما بدا صغيرًا أو سخيفًا. سنحققه معًا. واحدًا تلو الآخر.》
نظرت ليونا للعلبة... وكتبت أول أمنية بخط يدها المرتبك:
"أن أستعيد نفسي."
وبينما كانت تضحك هناك وسط صديقاتها، كانت تعلم أن الحياة ما زالت تحتمل أوقاتًا جميلة.
لكن في المقابل، في القصر الهادئ...
جلس رافاييل أمام المدفأة، وحده، يحمل هاتفه...
وينظر لصورة قديمة جمعت بينه وبينها، تلك التي التُقطت في أول رحلة لهما.
حدّق طويلاً... ثم همس:
《متى تعودين...؟》
في صباح رمادي ساكن، عاد رافاييل أخيرًا من رحلته، خطواته هادئة وهو يدخل القصر، يستقبله كبير الخدم بانحناءة خفيفة وصمت متوتر. يخلع معطفه الجلدي ببطء، وينظر حوله دون أن يظهر أي تغيير في ملامحه.
اقترب الخادم وقال بهدوء: 《بحثنا في كل مكان، يا سيدي. زرنا منزل والديها مرارًا... ولم نجد لها أثرًا.》
أومأ رافاييل دون رد. مشى نحو مكتبه بخطوات ثابتة، دخل وأغلق الباب خلفه، ثم وقف لحظة أمام النافذة المطلة على الحديقة المبتلة بالأمطار.
فتح أحد الأدراج، وأخرج منه علبة صغيرة تحتوي على سوار فضي. تمعن فيه طويلًا قبل أن يعيده ببطء، كأن لا شيء مستعجل، ولا شيء يؤلمه... على الأقل ليس ظاهريًا.
أما ليونا، فكانت تضحك في تلك اللحظة داخل المطبخ الصغير في بيتها الجديد، تتناول الشاي مع إيليسا وهيلينا، صوت الأكواب والصحون يختلط بنقاشهنّ الحماسي حول نوع الكعك الذي سيجهزنه لحفل نهاية الشهر.
قالت هيلينا مازحة: 《صرتِ أكثر إشراقًا هنا، ليو. حتى وجنتاكِ عادتا للون الوردي.》
ضحكت ليونا وهي تصب الشاي: 《لأنني تنفستُ أخيرًا... بعيدة عن الأسوار العالية، وعن رجل لا يرى سوى ذاته.》
قالت إيليسا بنبرة مرحة: 《على الأقل لم تفقدي أناقتك! ما زلتِ تبدين كأميرة حتى في هذا البيت الصغير.》
ابتسمت ليونا، لكن نظراتها انسلت نحو النافذة...
شعور خافت بالقلق لمح في داخلها. لكنها تجاهلته، وهي تقول في نفسها: لن يعود. وإن عاد... لن يجدني.
كانت الأمطار قد توقفت منذ الفجر، وقطراتها لا تزال تتلألأ على زجاج النوافذ. الهواء بارد، والجو داخل المنزل دافئ بروح الضحك والشاي الساخن. ليونا جلست على الأرض قرب الطاولة الخشبية الصغيرة، تضع بعض الشموع المعطرة قرب قالب كعك صنعته إيليسا.
قالت هيلينا وهي تمسح يديها بمريول مطبخ: 《هذا الحفل المصغر بدأ يخرج عن السيطرة، ألا تظنان أن الجيران سيظنون أننا نحتفل بشيء عظيم؟》
ضحكت إيليسا بصوت مرتفع: 《ليعتقدوا ما يشاؤون، ليو تستحق ألف حفلة بعد كل ما مرت به.》
ليونا ضحكت أيضًا، لكنها كانت تنظر إلى الفتاتين بنظرة ممتنة. قالت بنبرة هادئة: 《أنا فقط سعيدة أنكما هنا... صدقًا، لو لم تكونا بجانبي، لما عرفت كيف أتنفس.》
هيلينا احتضنتها فجأة: 《وأنتِ كنتِ دائمًا الأقوى بيننا، حتى عندما كنتِ تصمتين تحت وطأة كل شيء.》
رنّ صوت الموسيقى الخافتة من مذياع قديم، واكتملت البهجة بصينية الشاي المملوءة وأصوات الضحك، فيما كانت ليونا تحاول أن تحفظ هذه اللحظة في ذاكرتها، كأنها ملاذ لا تريد الخروج منه.
لكن في الجهة الأخرى من المدينة، كان الهدوء مختلفًا.
في قصر رافاييل، وقف الخدم مجتمعين خلف الباب، أحدهم تمتم: 《هل نخبره الآن...؟》
أومأ كبير الخدم: 《نعم. مضى شهر ولم نُحرز شيئًا.》
طرق الباب، ثم دخل بتردد، فوجده جالسًا على الأريكة، يقرأ ملفًا ضخمًا دون تعبير على وجهه.
قال كبير الخدم: 《سيدي... لم نجدها. بحثنا في كل الأماكن التي لم تخطر ببال أحد، حتى صديقاتها لم تظهر أي منهنّ علنًا.》
رفع رافاييل نظره ببطء، نظر إليه للحظة، ثم أغلق الملف وقال بهدوء بارد: 《تابعوا البحث. ولا تثيروا ضجة.》
صمت لبرهة قبل أن يضيف: 《لكن لا تعودوا إليّ إلا وفي أيديكم معلومة حقيقية.》
خرج كبير الخدم بارتباك، بينما فتح رافاييل درجًا في مكتبه، وأخرج ورقة صغيرة، عليها خط يدوي قديم... خريطة جزئية للضواحي الخارجية للمدينة. ابتسم بسخرية وهو يهمس: 《أنتِ عنيدة... لكنكِ لستِ شبحًا. سأجدك.》
في اليوم التالي، كانت ليونا وإيليسا في السوق الصغير تشتريان بعض الفاكهة، وحين عادتا للمنزل وجدتا هيلينا تنتظرهما ومعها باقة زهور بيضاء.
قالت هيلينا بفرح: 《اليوم أكملنا شهرًا هنا، ألم تلاحظن؟》
صفقت إيليسا وقالت: 《علينا أن نكتب ذلك في دفتر الذكريات!》
ابتسمت ليونا، نظرت إلى الزهور، ثم رفعت بصرها إلى السماء.
كان في عينيها شعور دافئ، لكنها لا تعلم إن كان اطمئنانًا... أم بداية قلق جديد.
انتهى البارت!!!