طلعتِ الشمس ونفذ ضياؤها من نافذةٍ صغيرةٍ وسقط على وجه الطفل.
في الآن ذاته، تحركت عقاربُ الساعة بثبات وفجأة انطلقت منها رنة قوية معلنة حلول السابعة صباحًا.
رفرفرت رموش الطفل ببطء كاشفة بتعاقب عن عينين بنيتين، ثم ما لبث لثوانٍ على تلك الحال حتى رفع جذعه وأخذ يدعك عينيه بكفيه ماحيًا أثرَ النُّعاس.
نهض مترنحًا وغسل وجهه، قرقرت معدته مذكرةً إيّاه بجوعه الذي أرغم ذاته على نسيانه، فهو لم يأكل شيئًا منذ البارحة.
ارتدى ثيابه وهم بفتح الثلاجة، لكن فكرة عابرة اوقفته.
تجمدت يده، التفت وهرع راكضًا إلى باحة المنزل متحققًا من حذاء والده.
فَتح الباب ونَظر، زفرَ بعمق مرتاحًا حين لم يجد شيئًا أمام البابِ ثُمَّ عاد أدراجه ببطء، مما فهم من حديث زملائه في المدرسة أن ما يشعر به الآن غير طبيعي.
فلطالما سمِعهم حينَ يتحدثون ويقولونَ بأنَّ جرسَ البابِ حين يُقرَع في الظهيرة الساخنة هو أفضلُ نداء، والحذاءُ الذي يُخلَعُ عند قارعةِ الباب والخُطى التي تليها هي أجملُ لحظاتِ اليوم.
فهم يهرعون راكضين عندما يَسمعونه، يفرحون بمن حَلَّ عليهم بعد غيابٍ قصير والشوقُ إليه لا يَبرُدُ إلا بعناقٍ دافءٍ.
وجود حذاءِه أمام الباب يعني وجوده، وبالتالي فإن قلب المرء سَيشعر بالسكينة.
لكنه كان غريبًا حين انفرد عن العالم بتفكيره، وأرتاحَ لغيابِ من كان سببًا في وجوده حيًّا.
فيداهُ ترتجفان، وقلبُه ينتفض إذا ما سَمِعَ صوت والده موبخًا إيّاه.
بالنسبة لهم كان الأمان، وبالنسبة له كان الخوف.
فتح الثَلاجة، لكنها كانت فارغة.
اعتادت والدتُه على صنع الفطور له، لكنها رحلت عنه.
سمع صوت زمارةٍ خارج الباب، فشَدَّ الحقيبةَ على كتفيهِ وهرعَ مُسرعًا ليركبَ الباص.
جلسَ في أحد المقاعد الخلفية، ووضع حقيبته في حضنهِ وضَمها إلى صدره.
استمر الوضع على تلك الحال حتى تَبَاطأَ الباصُ وتوقفَ أمامَ بابِ المدرسة.
أصواتُ ضحكاتِ الاطفال وصرخاتِهم تجاوزت النوافذ الزجاجية وأخترقت اذنيه.
وقف بهدوء وترجَل من الباص، وضع حقيبته على كَتفيه، وأمسكَ بحزاميها بكلتا يديه بتوتر.
مشى ببطءٍ ودلف المدرسة، دخلَ في مجال بصرهِ صغارٌ يركض بعضهم خلفَ بعضٍ، وآخرون يمازحون رفاقهم بمرح.
أنكسَ رأسَه ومضى في طريقه، دخل إلى فصله الذي لم يكن أقل صخبًا من الخارج وجلسَ على مقعدهِ بهدوء.
لا أحدَ أقتربَ منه، ولا أحد نظرَ إليه حتى، كلٌ منشغلٌ بصديقه وهو منفردٌ بذاته.
ليس الأمر أنَّهُ كان يكرهُ اللعبَ معهم، بل في الواقع كان يتوقُ لذلك.
في كلِّ مرة يلعبون معًا ويلحق بعضهم بعضًا أراد أن يشارك بصدق، وأن يفعلَ مِثلهم، لكنَّهُ كان خجولًا جدًا ليطلب منهم ذلك أو يقول لهم بثقة أنه سيلعب فأكتفى بالمراقبة متحسرًا.
لم يملك صديقًا، ولا أحدًا يحدثه، وخُيلَ إليه أن الجميع لرُبَّما يَكرهه.
ليس الأمر أنهم لم يدعوه معهم للعب أبدًا، لكنه كان دائمًا يفسد الأمر ويرفض بتلعثمٍ لشدةِ خجله.
كره نفسه؛ لأنَّه كان جبانًا، وأستاء من المدرسة; لأنَّه كان وحيدًا.
قطع تفكيره صوت المعلمة وهي تقول
"السلام عليكم"
فوقف الجميع وردوا السلام بنبرةٍ واحدةٍ، حذا حذوهم وفعل مثلهم، نظرت إليهم وابتسمت بلطفٍ ثم أذِنت لهُم بالجلوس.
بدأ الدرس بعدها، اعتادت هذه المعلمة على جعلهم يرددون ما علمتهم إيَّاه بعد إنتهاء الشرح، تَمُرُ عليهم واحدًا تلو الآخر حسب مقاعد جلوسهم.
واليوم لم يكن مختلفا..
"ما هو الحرف الذي بعد حرف التاء يا سامي؟ وما المثال الذي ذكرناه على ذلك الحرف؟"
"إنَّه الجيم! جيمٌ جملٌ!"
تسارعت نبضاتُ قلبِه بشدة حين اقترب دوره وأخذ يردد في ذهنه مرارًا وتكرارًا دون توقف
'خاءٌ، خَروف، خاءٌ، خَروف'
دنت المعلمة منه ومعه بلغ توتره عَنانَ السماء، سألته
"حسنا يا نديم، ما الحرفُ الذي يلي حرف الحاء؟"
شد قبضته واغمض عينيه بشدة وصرخ
"إنه حرفُ الخاء!".
"وما هو المثال الذي ذكرناه عنه؟"
'خروف'
'خروف'
'إنه خروف!'
"ملفوف!".
"..... "
حل الصمت في الفصل كاملًا.
أدرك للتو ما قاله ففتح عينيه وحاول متلعثما أن يصحح ما قاله
"إنَّهُ.. أعني خ-خروف!".
احمرت وجنتاه خجلًا، حدق في المعلمة الصامتة التي انفرجت شفتاها ثم-
" بفت-"
حاولت كبح جماحَ نفسها، لكن ضحكة مكتومة انفلتت رغمًا عنها.
وكأنها إشارة، بدأ الفصلُ كله يضحك بعدها.
" ملفوف؟!"
"قالَ ملفوف!"
"يبدو بأنَّهُ كان جائعًا!".
قال أحدهم ولم يدرِ أنَّه قد أصابَ كبدَ الحقيقة.
أدنى نديم رأسَه بخجلٍ وهو يتمنى أن يختفي من هنا، تجمعت دموع طفيفة في عينيه، لكنه زم شفتيه حابسًا إيّاها بصعوبة.
رأت المعلمة ذلك وحاولت تهدئة الموقف فقالت على عجل
"هدوء! هدوء! لقد أجابَ نديم بشكل صحيح، لقد كان متوترًا فقط! لا داعيَ لكلِّ هذا الضحك!".
وأخيرًا، عم الصمت مجددًا في الفصل، وأستأنفت المعلمة الأسئلة على جميع.
وفي نهاية الفصل، وبعد أن قُرِع الجرس، اقتربت منه وربتت على شعره وقالت بتعاطف
" لا داعيَ للتفكير بما حدث عميقًا يا نديم، فأنتَ فتًى جيد ومُجتهد كما أنتَ بالفعل".
استدارت بعدها وغادرت الفصل، رفع نديم رأسه وحدق في ظهرها المغادر حتى اختفى.
ولسبب ما، ذكره ذلك بظهر والدته حين رحلت وكلماتها الاخيرة التي قالتها له قبل أيام قليلة.
.💜lilium