لم يمر وقتٌ طويلٌ حَتى صعدتُ على بضعِ درجاتٍ مُنخفضة ووقفتُ على لوحٍ خشبي يمتدُ من اسفله أعوادٌ خشبيةٌ تصطفُ عموديًا وتلتقي جميعًا في عودٍ آخر مثبت أفقيًا يصدُّنِي عن الجميع.
وضعتُ كفيَّ على العودِ الأُفقي وأخذتُ أعبثُ به متعجبًا من لمعانِه الآسِر.
"الطفلُ نديم، ذو الستة اعوام، قيل بأنكَ تودُ البقاء مع والدتِك، هل هذا صحيح؟"
رفعتُ بصري، فرأيتُ رجلًا يرتدي معطفًا فضفاضًا أسودَ يجلس على كرسي امام مكتبٍ ويقبضُ باحدى كفيهِ مطرقة، أطرقتُ عينيَّ إلى العودِ مجددًا واومأتُ بخفة.
"نعم، حضرةَ القَاضي".
انطلقَ صوتِي ليعلنَ صداهُ في أرجاءِ قاعةِ المحكمة الصامتة.
ضيقَ عَينيه عليَّ ببطء، رأيتُه ينظر بعيدًا عني محدقًا في زواية معينة، تحديدًا حيثُ كان يقف والدي، ثم أعادَ بصره إليَّ سريعًا كأنَّه لم يفعل ذلك من قبل.
حمحم بخفة وقال بهدوء " لكنَّ والدتكَ لا يُمكِنُها أن تُعِيلكَ، ولذلك حقُّ الكَفالة سيذهبُ إلى والدك بدلًا من ذلك".
نظرتُ إليه دون ان أنبِس ببنتٍ شفة، ثم حدقتُ في والدي، كان والدي يقبضُ كَفه بعصبية، يحِكُ إبهامه بِسببابته قبل أن يشكل دائرةً بينهما، عُدتُ بنظري الى القاضي فوجدته يراقِبُ باهتمام إشارةَ والدي قبل أن يبتسم بخفة ابتسامةً لم افهم معناها.
وبعدها بلحظات-
"حقُّ كفالةِ الطفل نديم يذهبُ إلى الأب بسبب عجز الام عن إيجادِ مصدر مالي ثابت، رُفِعت الجَلسة!"
طُرِقَت المطرقة مرتين وغادر الجميع.
لكن ألم يسألني القاضي عن رغبتي قبل قليل؟
همم، أمورُ البالغين معقدةٌ حقًا.
بقيتُ مستقرًا لوحدي بهدوء طويلًا.
إذن، هل هذا يعني بأن الشجارَ اليومي الطويل سيختفي اخيرًا؟
ولن اضطر لسماع الصراخِ المُخيف بعد الآن؟
رفعتُ زوايا شفتي بخفة سعيدًا بهذه الحقيقة، ثم فجأة باغتني عناقٌ دافءٌ قادم من خلفي.
التفتُ بذهول، فاذا بها والدتي، تحتضنني بين ذراعيها وتعتصِرُني حتى الاختناق.
"أنا أسفة يا نديم".
بقيتُ صامتًا، فانزلقت الدموع من عينيها وبللت سُترتي.
رأيتُ خلفها والدي يقف ناظرا الينا شامتًا والابتسامة تشقُ وجنتيه.
استقامت بعدها وحدقت فيَّ بتعابيرٍ أكثرَ هدوءًا بقليل، صرت أسنانها وهمست
" اقسمُ بأنّي سأستعيدكَ، سأستعيدكَ يومًا ما يا نديم، لذلك انتظرنِي".
رفعت ذراعها ومسحت دموعها المتدفقة بكفيها، ضمت شفتيها بقوة وعبثت بشعري بكفها ثم التفتت مغادرةً دون تردد، مرتْ بوالدي دون ان تنظر إليه وخرجتْ من باب القاعة.
.💜lilium