مرّ أسبوع على التحاق لورا بالمدرسة، ولم يخلُ من مضايقات جوليانا وصديقاتها، لكنها لم تكن أكثر من لسعات بعوض مزعجة، بالكاد تؤثر عليها. غير أن اليوم بدا مختلفًا، غريبًا بهدوئه غير المعتاد... حتى جوليانا لم تحمُ حولها كعادتها.
الأحاديث المتناثرة بين الطلاب تمحورت حول "ملكة الجليد والأمير الوسيم"، التوأم الأكثر شهرة ونفوذًا في المدرسة. لم تكن لورا مهتمة في البداية، لكنها وجدت نفسها تسترق السمع، يتنامى فضولها، قبل أن يقطع حديثهم دخول السيد توماسو إلى الصف.
اتكأت على كوعها بملل، مستمعة إلى محاضرته، لكن الباب فُتح مجددًا... دخل التوأم المنتظر. للحظات، بدا كأن الهواء نفسه تثاقل في حضورهما.
رفعت لورا رأسها، عيناها تلتهمان التفاصيل:
أريتا- فتاة شقراء بشعر مموج وعيون خضراء تعكس كبرياءً طاغيًا. النمش المبعثر على وجهها زادها جمالًا، بينما حمرة خفيفة على وجنتيها أضفت عليها إحساسًا بالبراءة المضللة. طويلة القامة، رشيقة، تتزين بمجوهرات فاخرة توحي بثروة ونفوذ.
أما أرسينيو، فلم يكن أقل جمالًا، لكنه بدا أكثر غموضًا. ورث عن أخته الشعر الأشقر والعيون الخضراء، لكن بشرته كانت صافية بلا نمش. طويل، رياضي البنية، ووجهه خالٍ تمامًا من أي تعبير... كأن ملامحه منحوتة من جليد.
ابتسم توماسو بحفاوة غير مألوفة:
"آنسة أريتا، سيد أرسينيو... مرحبًا بعودتكما. سعيد برؤيتكما مجددًا."
شقت ابتسامة جانبية طريقها إلى شفتي لورا، سرعان ما أخفتها خلف قناع برودها، وهي تراقب الثنائي بنظرة ثاقبة. لم تستطع تجاهل الهالة الغامضة التي تحيط بهما.
رنّ الجرس، معلنًا نهاية الفصل. نهضت لورا تجمع أغراضها، متجاهلة الضجة التي أثارها وصول التوأم، وفضّلت قضاء وقتها بهدوء... وهو شيء نادر الحصول في هذه المدرسة.
بعد ها عادت الى الصف تكمل الحصتين المتبقيتين كانتا المفضلة لديها ''الرياضيات والعلوم ''مما جعلها يجذب كل تركيزها غير منتبه لما يحدث من حولها
انتهى يوم الدراسي ...
كانت آخر من يغادر الصف كالمعتاد، وكانت المدرسة شبه خالية عندما مرّت بصالة الرياضة، فسمعت ضحكات تتردد بين الجدران. لم يكن الأمر غريبًا... إلى أن لاحظت شيئًا غير مألوف في تلك الضحكات شيء زاد من اضطرابها.
خطت نحو الباب، دفعته ببطء، فتجلّت أمامها الصورة:
أريتا جلست في وسط الصالة، واضعة ساقًا على أخرى، تلفّ خصلة شعرها حول إصبعها ببطء، ابتسامة صغيرة تلعب على شفتيها. إلى جانبها، وقفت جوليانا، تضحك بصخب كأنها تستمتع بعرض مسلٍ.
وعلى الجانب الآخر، استند أرسينيو إلى الحائط، السيجارة مستقرة بين أصابعه، ينفث الدخان في الهواء بلا اكتراث. بجانبه، وقف فتى آخر-لم تره من قبل-بشعر مجعد، وقرط فضي مثبت على حاجبه الأيمن، عيناه العسلية تلمعان بمكر، يتلاعب بكرة سلة، يقذفها مرارًا نحو شخص مستلقٍ على الأرض.
الضحية.
وجهه مغطى بالدماء، أنينه بالكاد مسموع وسط الضحكات، لكن ملامحه ظلت واضحة بما يكفي لتكشف وسامته المميزة رغم التشوهات.
ضاقت عينا لورا، راقبت المشهد بلا تعبير، ،
''مشهد يتسحق المشاهدة ''
تنهدت بعمق قبل أن ترسم على وجهها نظرة مشفقة ، ثم تغلق الباب بنفس الهدوء الذي فتحته به، مغادرة المكان دون أن تنطق بحرف.
في اليوم التالي...
وقفت لورا أمام خزانتها، تضع حقيبتها، عندما اخترق سكون الصباح صوت جوليانا الغاضب:
"من اللعين الذي يلعب معي هذه الحيل؟!"
لوّحت بورقة بين يديها، ملامحها مشتعلة بالغضب، بينما تجمّعت صديقاتها حولها مستفسرات عن السبب. لكن قبل أن تفتح فمها، قاطعتها أريتا ببرود، عيناها نصف مغمضتين كأنها لم تستيقظ بعد:
"لماذا هذا الصراخ منذ الصباح الباكر، جوليانا؟"
أجفلت جوليانا للحظة، ثم هدأت، تمدّ الورقة نحو أريتا دون كلمة.
راقبت لورا التبادل باهتمام، محاولة قراءة تعابير أريتا، لكنها لم تجد شيئًا. زفرت الفتاة الشقراء بملل، جعدت الورقة بلا اكتراث، وألقتها في أقرب سلة مهملات.
رفعت لورا حاجبًا. إذا كانت الرسالة تافهة، فلماذا أثارت كل هذا الغضب في البداية؟ ما بال اللامبالاة هذا أريتا؟
انتظرت حتى تفرق الجميع عند سماع جرس الفصل الأول، ثم تقدّمت نحو السلة، انتشلت الورقة، فردّتها بحذر لتقرأ محتواها:
"رأيتكِ تستمتعين البارحة مع أصدقائك، لكن ضحكاتك كانت صاخبة للغاية، كادت تجعل أذنيّ تنزفان. أتساءل... لو قمتُ بقطع لسانكِ ووضعته على طاولتك، هل سيكون هذا ممتعًا؟ متشوق لاكتشاف ذلك."
شعرت بقشعريرة تسري على طول عمودها الفقري.
"ما هذا بحق الجحيم؟"
أعادت طيّ الورقة بسرعة، دسّتها في خزانتها، واتجهت إلى الصف، لكن عقلها كان عالقًا في الكلمات المريبة.
من قد يكون كتب الرسالة؟
هل كان هناك شاهد آخر على ما حدث البارحة غيرها؟
ولماذا لم يبدر من أريتا أي ردة فعل؟ هل الأمر لا يعنيها... أم أنها تعرف الفاعل؟
أيمكن أن يكون الفتى الذي تعرّض للضرب؟ أم أحد المتنمّرين يحاول العبث بجوليانا؟
كل هذه الأسئلة لم تجد لها أي إجابة.
رنّ الجرس معلنًا نهاية اليوم الدراسي، حملت لورا حقيبتها وخرجت مسرعة-بعكس عادتها. عند خزانتها، انتزعت الورقة، دسّتها في حقيبتها، ثم وقفت أمام خزانة جوليانا، تتأملها بعناية.
لا أثر لأي محاولة فتح قسري... هذا يعني أن من وضع الرسالة يعرف رقم المرور.
"ماذا تفعلين أمام خزانتي؟!"
استدارت على صوت جوليانا التي رمقتها بسخرية.
"هل كنتِ أنتِ من وضع تلك اللعنة فيها؟"
رفعت لورا حاجبيها ببراءة، لكن قبل أن ترد، قاطعتها أريتا، تمعن النظر إليها بلا اكتراث:
"لا أظن أنها ضالتك، جوليانا... لا تبدو من النوع الذي يمتلك الجرأة لكتابة تلك المهزلة."
قالت كلماتها، ثم استدارت برشاقة، متبوعة بأرسينيو، الذي ألقى نظرة خاطفة على لورا قبل أن يختفي خلفها.
مرّت جوليانا بجانبها، همست بتهديد:
"يستحسن ألّا تكوني أنتِ، رولا."
تنهدت لورا، قبل أن تستدير على وقع صوت خلفها:
"لم تكوني أنتِ، صحيح؟"
رفعت عينيها. التقت بنظرة الفتى الذي تعرّض للضرب أمس.
ابتلعت ريقها، متسائلة... هل من الممكن أن يكون هو؟
'' لقد رأيتك البارحة ..على عتبة الباب''
''آسفة..لم أستطع المساعدة ''
ابتسمت ابتسامة جانبية سرعان ما اختفت
'' لم تجيبي عن سؤالي''
'' لم أكن أنا الفاعلة ، كيف لي أن يكون لي علم برقم مرور خزنتها ''
ضيق عينيه للحظات قبل أن يبتعد عنها تاركا إياها في حيرة ، قبل ان تقرر هي الأخرى المغادرة