𝐁𝐥𝐚𝐜𝐤 𝐂𝐚𝐭

𝐁𝐥𝐚𝐜𝐤 𝐂𝐚𝐭

2 0

02:قطة سوداء

"لا يمكن إحياء زهرة ميتة، لكن يمكن تجفيفها وتحنيطها والاحتفاظ بها للأبد."

أكسيلفر جاكسون مونتيفردي

ᚓᚓᚓᚓᚓᚓᚓᚓᚓᚓᚓᚓᚓᚓᚓᚓ

𝟎𝟏:𝟐𝟐 𝐀𝐌

يلتف السكون حول المدينة، وتهدأ الأصوات عدا صوت مواء قطط الشوارع بشكل محموم هذه الليلة.

يضيء مصباح الرصيف، وتتجمع مجموعة من القطط حول كومة من طعام القطط، ذيولها الفروية مرفوعة بود، تلتف حول تلك الحسناء التي تجلس القرفصاء وتفتح علبة تونة أخرى وتضعها أمامها.

"لقد فزت بالسباق، لذلك جئت للاحتفال بنصري. كُلي."

قالت وهي تداعب رأس القطة ذات الفرو الأسود والعيون الصفراء الفضولية.

أصدرت مواءً ودودًا، وهي تميل نحو لمساتها باحثة عن العاطفة.

ارتسمت ابتسامة عريضة على شفتيها وهي تتابع مداعبة رأس القطة.

دوّى صوت طلقة نارية بعيدة يشق سكون الليل. انتصبت أذنا القطة لصوت لم تسمعه هي، فركضت عبر زقاق متجهة نحو الطريق الرئيسي.

"انتظري! لحظة، أين تذهبين؟!"

وقفت تراقب القطة تختفي في الزقاق.

ᚓᚓᚓᚓᚓᚓᚓᚓᚓᚓᚓᚓᚓᚓᚓᚓ

ملأت رائحة الدم النحاسي والبارود سيارة الـجي-كلاس، وسال الدم من جثة سائقها المشوّه، وشفرة حادة تستقر بالقرب من الجثة.

وقف فوقه رجل ببشرة برونزية، وقد تلطخت بدلته الثمينة بدم الرجل، ويده تحمل مسدسًا يتصاعد دخان البارود من مقدمته.

مسحت عيناه العشبيتان الحادتان الموقف ببرود، كأنه لا ينظر إلى جثة مشوّهة.

"لِمَ قتلنا هذا الرجل مجددًا؟"

التفت إلى الرجل صاحب السؤال، ذو العيون الرمادية الباهتة، الذي يقف خلفه وهو يدخن سيجارة بملل وانزعاج.

"لأنه كاد يؤذي حسنائي."

نفث الرجل ذو العيون الرمادية دخان السيجارة، وهو يتكئ على سيارة الـجي-كلاس، ثم رمى السيجارة على الأرض وسحقها تحت حذائه.

"أخي الكبير…

أكسيلفر… حبيبي، هذا الرجل أزعجك وأزعج حبيبتك، تزعج نومي أنا لماذا؟"

أمال أكسيلفر رأسه إلى الجانب، ينظر إلى أخيه ببرود، وملامح وجهه جامدة لا تبدي رد فعل.

"تحطمت سيارتي في السباق."

قال ببساطة، وهو يعيد مسدسه إلى حزامه خلف ظهره. تنهد الآخر بانزعاج، وهو يعقد يديه المفتولتين أمام صدره العريض.

"ما زلت لا أصدق أنك حطمت سيارتك في السباق واتصلت بي لكي أوصلك."

وضع أكسيلفر يديه الموشومتين في جيوبه، وهو ينظر إلى أخيه المتذمر ببرود.

"سيلفر، أنت أعزب وليس لديك زوجة تتركها، منزعج من ترك فراشك لِمَ؟"

تنهد سيلفر بضيق ودرامية، وهو يهز رأسه بيأس.

"أنت تلعب دور باتمان وتراقب حبيبتك طوال الليل، بينما أنا أنام لكي أحلم بحبيبتي."

"لِمَ لا تخطفها فحسب وتنام معها بدل الحلم بها؟"

ارتخى كتفا سيلفر بإحباط، وركل حصاة صغيرة كانت عند قدمه.

"ستكرهني وتظن أنني مهووس ملاحِق."

"ألست كذلك؟"

"بلى، لكن أنا ملاحِق خفي، تعرف… مهووس جيد."

رفع أكسيلفر حاجبه الكثيف، وهو ينظر إلى مبدأ أخيه المغفل. مهووس جيد؟ هل هناك حتى مهووس جيد؟ وإذا كان هناك حقًا شيء اسمه مهووس جيد، فهو بالتأكيد ليس سيلفر.

"قلتَ لي مهووس جيد؟ أنت ألم تشترِ سيارة وخبأتها عن الجميع لأنها لمستها؟"

"طبعًا فعلت! ميا لمستها، إنها ثمينة للغاية!"

همهم أكسيلفر بلا مبالاة إلى أخيه، الذي حرفيًا يقدّس كل شيء تلمسه حبيبته.

"حسنًا أيها المهووس الجيد، خذ جثة الرجل إلى صندوق السيارة وبِع أعضائه، سأشتري بها دراجة نارية جديدة لأليس."

تمتم سيلفر بشتمية بصوت منخفض، وهو يحمل جسد الرجل إلى صندوق سيارته.

سحب أكسيلفر سيجارة من جيبه ولاعته الفضية التي تحمل نقش كلمة

"𝐌𝐎𝐒𝐓𝐑𝐎"

نفث دخان السيجارة، ورفع رأسه ينظر إلى السماء السوداء المرصعة بالنجوم.

تشبه شعر أليس.

عاد عقله إلى الواقع حين شعر بشيء يحتك بساقه.

قطة سوداء بعيون ذهبية.

انكمشت شفتاه باشمئزاز وقرف من الكائن الفروي المقرف.

رفع ساقه التي كانت القطة تحتك بها لتفقد توازنها.

فجأة ركلها بقوة لتطير إلى نهاية الشارع. أصدرت عظامها المسكينة صوت طقطقة مقرفًا.

أصدرت القطة مواءً عاليًا متألمًا، وهي تتلوى على الأرض.

أصدرت القطة مواءً عاليًا متألمًا، وهي تتلوى على الأرض.

"مقزِّز…"

مات صوته حين رأى أليس أمامه تخرج من الزقاق، لتهرع نحو القطة.

اللعنة، ماذا تفعل هي هنا؟! لا يجب أن تأتي، لا يجب أن تكون هنا هكذا… إنه الآن معها وجهًا لوجه…

مع حسنائه.

رفعت رأسها لتتلاقى عيناها النيليتان مع عينيه الخضراوين الزجاجيتين.

حبست أنفاسها داخل صدرها.

كانت تنظر إليه…

أليس تنظر إلى عينيه…

اندفعت نحوه فجأة لتركله في وجهه.

تراجع بضع خطوات إلى الخلف، محاولًا استيعاب ما حدث، لكنه لم يحصل على فرصة لذلك، لأنها أسقطته أرضًا، ليخرج نفسًا حادًا من صدره. اعتلته ولوت يده خلف ظهره.

أصدرت عظام يده صوت طقطقة مقرفًا.

اشتد فكه وبرزت عروقه، وكان ذلك رد الفعل الوحيد الذي أظهره على كسر يده وشعوره بالألم.

أرخى جسده مجددًا تحتها، مسلّمًا نفسه بالكامل لها.

انحنت نحوه حتى لامست أنفاسها أذنه، ثم همست فيها بنبرة ناعمة، حادة بنعومة قطعة زجاج مكسورة.

"لستُ عاجزة عن مسح الأرض بك… لكن الرأفة بالحيوانات واجب."

شدّت قبضتها على يده قبل أن تنهض عنه، وتتجه نحو القطة، تحملها وتعود إلى الزقاق الذي خرجت منه.

رغم كل ما حدث، كان عقله في مكان آخر.

أليس كانت فوقه…

لقد لمسته، حتى لو كسرت يده، لكنها لمسته!

كانت قريبة منه لدرجة أن رائحة الياسمين والخزامى تغلغلت في أنفه.

أطلق نفسًا مرتجفًا، وارتسمت على شفتيه ابتسامة ملتوية مرتعشة.

اخترق الصمت صوت ضحكات سيلفر التي هزّت سكون الليل.

"أوه، لا أصدق هذا! لقد كسرت يدك!"

ضحك بشدة، وهو يتجه نحو أخيه المنبطح على الأرض، لا ليساعده، بل ليصوّر وجهه عن قرب.

اختفت ابتسامة أكسيلفر، وهو يعتدل بجسده بيده السليمة.

"هل أنت مازوخي، أخي؟ لأنك كنت تبتسم مثل أبله بينما تُكسر عظامك."

نهض أكسيلفر عن الأرض، وهو يمسك بذراعه المكسورة.

"كانت مثالية."

تمتم بصوت أجش، وهو يتجه نحو السيارة.

ضحك سيلفر مجددًا وأعاد الهاتف إلى جيبه.

"مبارك أخي، أنت مازوخي كامل."

صعد إلى السيارة في مكان السائق.

"لكن جديًا، متأكد من أنك تريد جعلها زوجتك؟ أعني، أريد زوجة أخ لطيفة تساعدني."

سحب أكسيلفر علبة السجائر ليضع سيجارة بين شفتيه، وحرك يده السليمة في جيوبه باحثًا عن قداحته، لكنه وجد ولاعة ذهبية بنار زرقاء تشعل سيجارته.

أعاد سيلفر ولاعته إلى جيبه، ليشغّل السيارة.

"علينا أخذك إلى المشفى والعودة إلى المنزل بسرعة. أريد أن أرى آنا، زوجة أخيها الجميلة القوية."

سحب أكسيلفر نفسًا بطيئًا من السيجارة ونفثه ببرود، ليتصاعد الدخان بدوائر كسولة.

لم يكلّف نفسه عناء الرد أو النظر إلى أخيه، كان جلّ تفكيره في بقايا دفء جسدها عليه، وضغط وزنها المحبب فوق جسده.

ᚔᚔᚔᚔᚔᚔᚔᚔᚔ

في قصر آل كروس، حيث تحيط به أشجار متنوعة وحراس بوجوه قاسية جامدة.

في غرفة واسعة، تجلس أليس وهي تربّت على رأس القطة السوداء المصابة، وألوڤس يتحدث إلى الطبيب، وشعره الأسود فوضوي تنسدل بعض خصلاته على جبينه، يرتدي قميصًا داخليًا أبيض.

بمجرد أن غادر الطبيب، التفت إلى أليس وعقد ذراعيه أمام صدره العريض، ينظر إليها بعينيه الزجاجيتين بانزعاج.

رفعت رأسها ونظرت إليه.

"ماذا؟ لم أفعل شيئًا، كانت القطة المسكينة تتألم."

فكّ تشابك ذراعيه وأشار بيده بغضب إلى القطة.

"وإذا كانت قطة من الشارع تتألم، توقظينني من نومي وأنتِ تولولين، وفي النهاية اتضح أنها قطة؟!"

وضعت يديها على أذني القطة، تحميهما من صوت أخيها المنزعج.

"اشش، اخرس، إنها مريضة، صوتك سيجعلها تمرض أكثر."

"حسنًا، لقد اكتفيت."

قال وهو يتجه نحوها، فقفزت عن السرير واتجهت إلى الجانب الآخر.

"سأرميكِ مع قطتك إلى الشارع، كان يجب أن أفعل هذا منذ ولادتك."

"لا يمكنك رميي في الشارع، أنا ثمينة للغاية."

حملت القطة السوداء لترفعها أمام وجهه مباشرة.

"وأيضًا انظر، إنها مسكينة ومصابة، لا يمكنني تركها هكذا."

نظر إلى وجه القطة الأسود وعينيها الذهبيتين، ليعقد ذراعيه أمام صدره.

"وماذا لو كان ذكرًا؟ سيكون مسكينًا أيضًا؟"

أنزلت القطة لتنظر إليه باشمئزاز.

"طبعًا لا! لو كان ذكرًا يستحق ذلك، تعلم هذا وأكثر."

رفع يديه باستسلام وهو يتجه نحو الباب.

"هذا هو! أنا أستسلم."

تردد صدى إغلاق الباب بقوة، ليسود صمت لم يقطعه سوى صوت خرخرة القطة المستريحة على الوسادة الناعمة.

ᚔᚔᚔᚔᚔᚔᚔᚔᚔ

𝟎𝟐:𝟒𝟓 𝐀𝐌

يسود الصمت في القاعة الرئيسية لقصر آل مونتيفردي، لا يقطعه سوى صوت نقر أصابع على لوحة مفاتيح الحاسوب، الذي كان مصدر الضوء الوحيد في الغرفة.

ملامح فتاة بعيون واسعة خضراء، محاطة برموش كثيفة، تنعكس عليها أرقام الشاشة، وأصابعها تنقر بسرعة متمرسة.

أضاءت ثريا القاعة فجأة بشكل مزعج، ما جعل الفتاة ترمش عدة مرات لتعتاد على الإضاءة المرتفعة.

وصل إلى مسامعها صوت ذكوري عميق، خالٍ من أي أثر للمشاعر.

"لِمَ ما زلتِ مستيقظة؟"

رفعت رأسها ونظرت بعينيها الزمرديتين إلى أكسيلفر، الذي يقف قرب مفتاح الإضاءة، ويده مجبّرة ومثبتة إلى كتفه، وهناك سيجارة بين شفتيه، وخلفه سيلفر يبتسم بدفء يناقض برودة الدم الجاف على بدلته.

خفق قلبها بشدة وهي تنظر إلى حالهما، وتزاحمت آلاف السيناريوهات في عقلها.

"ماذا حدث لكما؟!"

نهضت عن السجادة تاركة حاسوبها، لتهرع نحوهما.

"لا تقلقي، حبيبتي آني، نحن بخير."

أجاب سيلفر وهو يتجه نحوها ليضع يده على كتفها، يضمها إليه محاولًا طمأنتها.

قطع صوت أكسيلفر البارد اللحظة مجددًا، وهو ينظر إلى الفتاة بعيون ثاقبة جعلتها تنكمش أكثر بين يدي سيلفر.

"آنا. لم تجيبي، لِمَ ما زلتِ مستيقظة؟"

عضّت شفتها السفلية وعبثت بأكمام قميص نومها لتهمس بصوت خافت.

"كنت أنتظركما."

أمسك السيجارة بين إصبعيه البنصر والوسطى، يبعدها عن فمه لينفث الدخان ببرود، ما بعث توترًا أكبر في جسد آنا.

"أذكر جيدًا أنني قلت: لا تنتظرينا."

ابتعدت عن سيلفر لتخفض رأسها بخجل.

"آسفة، أخي، كنت قلقة عليكما."

اتجه نحو طاولة قريبة عليها منفضة سجائر ليطفئ السيجارة بها.

"عيناكِ مثل الباندا وأنتِ تسهرين هكذا."

تفرقت شفتاها بصدمة، وأخرجت هاتفها بسرعة من جيب سروال نومها القصير تتفقد وجهها في انعكاس الشاشة.

عقدت حاجبيها وهي تنظر إلى انعكاسها.

"ليس هناك شيء!"

"ليس بعد، على الأقل."

ضحك سيلفر ولفّ ذراعه حول كتف آنا يضمها إليه.

"لا تقلقي، أختي الصغيرة، ما زلتِ جميلة. أخونا الكبير في مزاج جيد الليلة، لذلك يمزح معك."

لفتت وجهها نحو أكسيلفر، الذي يضع إحدى يديه في جيب بنطاله، واليد الأخرى مثبتة عند عنقه.

"وإذا... ماذا حدث ليدك؟"

ضحك سيلفر بشدة هذه المرة، وهو يتذكر ما حدث لأخيه.

"أوه، آني، كان يجب أن تكوني هناك وترَي ما حدث."

ابتعد عنها قليلًا ليتمكن من رؤية وجهها، وأمسك كتفيها بيديه.

"زوجة أخي المستقبلية فعلت به هذا، ابدئي بتجهيز نفسك للزفاف."

رمشت آنا عدة مرات، وتفرقت شفتاها بصدمة.

زوجة أخ؟ أكسيلفر؟ زفاف؟ أخوها أكسيلفر يحب امرأة؟!

"ماذا؟! لحظة، ماذا تقصد؟!"

ارتفع صوتها لا إراديًا، وعقلها لا يكاد يستوعب ما قاله سيلفر.

أخوها أكسيلفر يحب امرأة كسرت يده؟ كانت تعلم أن عقل أخيها ليس سليمًا، وكل مرة يظهر لها تأكيدًا جديدًا لذلك.

ضغط سيلفر على كتفيها مؤكّدًا لها الواقع.

"سيكون لديكِ زوجة أخ مخيفة أكثر من أخيكِ نفسه."

"أنت— آه!"

صرخت بفزع حين حملها أكسيلفر فجأة فوق كتفه مثل شوال بطاطس بذراعه السليمة.

أمسكت بقبضتيها ظهر سترته كي لا تسقط، واجتاح أنفها عطره ممزوجًا برائحة السجائر والدم المعدني.

"آه، أكسيلفر، أنزلني!"

سار باتجاه الدرج وهي فوق كتفه.

"اخرسي. لقد سهرتِ لوقت طويل، ولديكِ جامعة غدًا."

وجّه نظره إلى سيلفر.

"سيلفر، خذ حاسوبها إلى مكتبي."

تابع طريقه صاعدًا بها الدرج.

"أنزلني، أرجوك، كتفك مصاب، سأسير وحدي إلى الغرفة."

تمسكت بظهر بدلته أكثر كي لا تنزلق.

"يدي مكسورة، ليس كتفي. ثم إنه الكتف الآخر."

قطع ساقاه الطويلتان المسافة إلى غرفة آنا ببضع خطوات.

كان بوسع آنا أن تشعر بنبضات قلبه ضد جسدها.

ركل أكسيلفر باب غرفتها ذات الطابع الملكي. جدرانها بلون كريمي، وسقفها منقوش برسوم بطابع يوناني.

رمى آنا على السرير، فخرج النفس من رئتيها. أزاحت خصلات شعرها عن وجهها لتنظر إليه، كيف يقف أمامها وكأنه تمثال رخامي، ظله يغمر نصف الغرفة.

يفترض أن يكون المصاب مسكينًا، لكن أخاها بدا أكثر ترهيبًا بيده المجبّرة.

التقط طرف الغطاء وسحبه من تحتها بحركة سريعة جعلتها تطلق صرخة مكتومة وهي تنزلق على السرير.

"أكسيلفر—!"

كتم صوتها حين رمى الغطاء فوق رأسها.

"اصمتي ونامي، آنا."

قال بهدوء، وهو يضع يديه في جيبي بنطاله، يراقب كيف تكهرب شعرها بفعل الكهرباء الساكنة.

نفخت خصلات شعرها عن وجهها، ولوت شفتها السفلية بامتعاض.

"حسنًا، سأنام."

استلقت على السرير وعدّلت الغطاء فوقها، تسحبه حتى ذقنها.

"فتاة جيدة."

أومأ برأسه برضا، وصوته ووجهه خاليان من التعابير.

نظرت إليه بعيونها العشبية الواسعة، ورمشت بأهدابها الطويلة عدة مرات محاولة استخدام سحرها عليه.

"هل حقًا فتاة فعلت بك هذا؟"

"ظننتكِ قلتِ إنكِ ستنامين؟"

رفع حاجبه الأسود الكثيف وأمال رأسه إلى الجانب.

"اعتبرها قصة ما قبل النوم."

نظر إليها بضع ثوانٍ بصمت، يفكر في مقاومة حيلتها السخيفة برمش عينيها الواسعتين.

وأخيرًا استسلم، فجرّ الكرسي ووضعه أمام سريرها ليجلس عليه، وأصدر الكرسي صوت صرير تحت وطأة وزنه.

"حسنًا، هيا بنا إذًا. لكن لا تتوقعي أن أجيب عن كل الأسئلة."

ابتسمت بانتصار وهي تشد قبضتها على الغطاء.

"اتفقنا. إذًا أخبرني، هل هي من فعلت بك هذا؟"

همهم بصوت أجش ردًا على سؤالها بلا مبالاة، وكأن فكرة كسرها ليده أمر عادي جدًا.

"أجل، هي فعلت."

ازداد فضول آنا والتفتت إليه بالكامل.

"وهل هي قوية؟"

"جداً."

"وهل هي سيئة؟ أم عصبية؟ هل ستغضب عليّ مثلك؟"

لعق أكسيلفر شفتيه، وارتفعت زاوية فمه بشيء يشبه ابتسامة خافتة. كان سؤال آنا جميلًا بالنسبة له؛ فكرة عيش أليس تحت سقفه وهي تحمل اسمه بدت فكرة مثيرة… مثالية… بل شيئًا مفروغًا منه.

"لا. هي تغضب من الذكور فقط. والخوف عليّ وعلى سيلفر، ليس عليكِ."

تنفست آنا الصعداء، فهي في أمان من زوجة أخيها المستقبلية.

"كيف يبدو شكلها؟"

عضّ باطن خده ونظر أمامه، لا إلى آنا، بل ليستحضر حسنائه التي لا تكاد تفارق ذهنه.

"امرأة طويلة، بعيون نيلية ليست صافية كالسماء، بل داكنة كبحر في وقت متأخر. حين تغضب تصبح عيناها أشبه بتسونامي قاتل، محاطتين بصف من الرموش السوداء الكثيفة... لديها شعر طويل، طويل جدًا، يصل إلى ما بعد فخذها، وأطرافه متساوية الطول. لديها أنف صغير مرفوع للأعلى بغرور، ووجه صغير ببشرة حليبية بيضاء، وخط فك رفيع رقيق... شفاهها كرزية ممتلئة، تتجعد كثيرًا حين تقرف أو تشمئز... رائحتها مزيج مثالي من الياسمين والخزامى وشيء خاص بها... وخصر وعنق نحيلان جميلان... مثاليان ليديّ..."

خانه لسانه، وانزلقت الكلمات من فمه بسلاسة وشرود، كأنه يستعرض صورة يحفظها عن ظهر قلب.

ساد الصمت لبضع ثوان يستوعب ما فعله قبل أن ينظف حلقه، يستعيد توازنه الداخلي ويعيد ضبط نفسه.

تفرقت شفتا آنا بصدمة وهي تسمع وصف أخيها. شعرت أنها ترى شيئًا يتجاوز ملامحه الجامدة؛ أقسمت أنها رأت حدة عينيه تخف وهو يتحدث عنها، بل حتى صوته بدا أكثر هدوءًا، أقرب إلى التبجيل.

عاشق؟ هائم؟ متملك؟ مهووس؟ مريض نفسي؟

كل مرة تتناقش مع أحد إخوتها يؤكد لها أن صحتهم العقلية ليست بخير، مع دليل إضافي.

اعتدلت في جلستها بسرعة، فتجعد الغطاء حول خصرها.

"هل هي أجمل مني؟!"

زمّ أكسيلفر شفتيه وهو ينظر إلى آنا بتركيز، كأنه يقارن بينها وبين أليس.

"لا أريد الكذب عليكِ."

تجهم وجهها.

"لو كنتُ أظن نفسي أجمل، لقلت ذلك مباشرة بدل المراوغة. لقد أعمت عينيك."

أومأ أكسيلفر برأسه وهو ينهض من الكرسي، فأصدر صوت احتكاك بالأرضية.

"هذا صحيح."

لم ينكر الأمر، لأنه شيء لا يمكن إنكاره. كما لا يمكن إنكار وجود الشمس، لا يمكن إنكار مشاعره لأليس.

حتى لو كانت مشاعر مريضة… تبقى مشاعر.

"فلْتنامي الآن. انتهى وقت القصة."

اتجه نحو الباب، وأطفأ الضوء، ثم خرج من الغرفة، والتفت ليتأكد أنها مستلقية وستنام. وحين تأكد، أغلق الباب بنقرة خفيفة.

ᚔᚔᚔᚔᚔᚔᚔᚔᚔ

اتجه نحو القبو ليرى سبب الصراخ الصادر منه.

نزل السلالم بهدوء، وتردد صدى كعب حذائه بين جدران القبو.

"مثالية، صحيح؟ أعرف أنها رائعة، لا تُقاوم. لا ألومك على عناقها هكذا، حتى أنا أريد ذلك، لكن..."

تردد صوت سيلفر المرح في القبو، واضعًا يده فوق كتف الرجل كأنه صديق قديم، لا رجل بائس ساقه حظه العاثر إلى يدي شيطان مبتسم.

"حسنًا، لنكن واقعيين، إنها تخصني وحدي، وأنا طماع. لذلك يجب أن تدفع ثمن أخطائك."

قال جملته الأخيرة بنبرة سوداوية، وهو يتجه إلى الطاولة ويسحب مطرقة منها.

"بأي جزء تفضل أن نبدأ؟"

كان هذا هو المنظر الذي استقبل أكسيلفر أخوه الشيطان الضاحك يعذب رجلًا مقيدًا بكرسي، ولاصقًا على فمه شريط يمنعه من الصراخ.

كل هذا لأن ذلك الرجل سيئ الحظ ظن أن معانقة نجمته المفضلة فكرة جيدة، دون أن يعلم أن شخصًا مثل سيلفر، المهووس الجيد، سيحضره من روسيا إلى نيويورك في أقل من أربعٍ وعشرين ساعة من وقوع الحادثة.

من كان ليظن أن مقابلة نجمك المفضل في عرض فني قد تنتهي بك في قبو مهووسه في دولة أخرى؟ بالتأكيد ليس هذا الرجل.

"اجعل صوته أخفض. آنا تنام الآن."

قالها ببرود وهو ينظر إلى سيلفر، الذي كان يمنح الرجل فرصة أخيرة لمشاهدة مقطع الفيديو على هاتفه.

خط أحمر عريض لشريط إخباري في قناة أخبار الفنانين يظهر بعنوان بارز.

«النجمة الشهيرة ميا برونك تعانق أحد معجبيها بعد أن قاطعها أثناء العرض»

جاء صوت المذيعة.

«في مشهد عفوي أظهر مدى قرب وتواضع النجمة ميا برونك، حين عانقت رجلًا من معجبيها قطع عليها عرضها الكبير. هذه اللفتة جعلت ميا تكسب قلوب معجبيها مجددًا...»

أوقف سيلفر المقطع، ودس الهاتف في جيبه.

"لا تقلق، سأكون لطيفًا."

هكذا تسير الأمور لدى آخر أبناء مونتيفردي.

حبهم ليس نقيًا ولا نبيلًا، بل هوس أسود، مرضي، قاتل.

سيلفر كان أقل هوسًا من أكسيلفر، فهو يهتم بمشاعر ميا.

أما أكسيلفر فلا يهتم بهذا النوع من التفاصيل.

أليس خُلقت لتكون له.

سيخطفها، ويمنحها سببًا لكرهه.

وتحت سقفه، وهي تحمل اسمه، سيعطيها كل الأسباب لتقع في حبه.

وهكذا يحب أكسيلفر جاكسون مونتيفردي.​

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

الحسناء السيئة و الوحش ||𝐓𝐡𝐞 𝐁𝐚𝐝 𝐁𝐞𝐚𝐮𝐭𝐲 𝐚𝐧𝐝 𝐭𝐡𝐞 𝐁𝐞𝐚𝐬𝐭||

المؤلف Tasneem Tasneem
2026/06/28 مستمرة
قائمة الفصول (2)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة