الحسناء في الحلبة:01
"لن تستطيع أن تُحارب قبح العالم دون أن تتلوث منه بشيء."
أليس سوزان كروس
⭑⭑⭑⭑⭑⭑⭑⭑⭑⭑⭑⭑⭑⭑⭑⭑⭑⭑⭑⭑⭑
يقولون إن ما لا تراه في الظلام لا تراه في الضوء، هل هذا صحيح؟!
في بريطانيا، وتحديدًا مدينة لندن، سائح يلتقط صورة مع ساعة بيغ بن، وامرأة تحاول إضحاك الحارس الملكي عبثًا أمام قصر الملكة إليزابيث
لكن مع حلول الظلام وعودة كل شخص إلى مسكنه
يُسدل الليل ستاره مع دقات الساعة، ليزحف الضباب في الشوارع ويحجب أضواء المدينة.
وفي زقاق تفوح منه رائحة العرق والقمامة، باب معدني صدئ.
يقف رجل أمامه، يرتدي بدلة سوداء مفصلة خصيصًا لقامته الممشوقة التي لا تنتمي إلى هذا المكان.
خلف الباب، ثلاثة رجال يلعبون البوكر حول طاولة مستديرة قديمة، ويحتسون نبيذًا رخيصًا.
لم يرفع الرجال رؤوسهم للتحقق من هوية الزائر، واستمروا في لعبهم.
تقدم الرجل صاحب البدلة، وصوت حذائه الجلدي يطرق الأرضية الإسمنتية البالية، ودون قول شيء وضع رزمة من النقود من فئة الألف فوق الطاولة.
ترك أحد الرجال أوراق اللعب التي بيده، وأشار إلى خزانة معدنية قديمة صدئة، ليلعق أصابعه ويبدأ بعدّ المال.
تحرك الرجل صاحب البدلة نحو الخزانة، وحركها كاملة من مكانها، ليظهر ممر مخفي مظلم لا يظهر منه سوى أول درجة من درجاته، وابتلع الظلام بقيتها، تؤدي إلى أعماق مجهولة...
مد الرجل يده الموشومة إلى جيب بدلته الداخلي، وسحب علبة سجائر، وضع سيجارة بين شفتيه الغليظتين، وأعاد العلبة إلى جيبه، ثم أخرج ولاعة فضية نقش عليها حرفا
"𝐀.𝐌"
وعلى الوجه الآخر نقش كلمةبالإيطالية.
"𝐌𝐎𝐒𝐓𝐑𝐎"
أشعل سيجارته لتتوهج نهايتها باللون البرتقالي، سحب نفسًا منها وهو يغلق القداحة ويعيدها إلى جيبه، ليزفر الدخان من أنفه قبل أن يخطو نحو الممر وتطأ قدمه الدرجة الأولى.
الدرجة الثانية، وابتلعه الظلام، لتعود الخزانة من تلقاء نفسها إلى مكانها، كما لو أن شيئًا لم يحدث...
. . . .
في مكان ما تحت الأرض، تفوح منه رائحة العرق والدم، علت هتافات الجمهور الملتوية المتعطشة للعنف.
وسط حلبة مسيجة، امرأة بجمال لا ينتمي إلى نزالات الموت، تقوم بضرب رأس رجل بالأرضية الإسمنتية، مضيفة بقع دم طازجة إلى بقع الأرضية الجافة.
هتف الجمهور بحماس وهو يراقب ضرب المرأة لرأس الرجل.
"أليس!.. أليس!.. الحسناء السيئة!"
ابتسمت المرأة حين لاحظت أن الرجل لم يعد يتحرك، لتترك رأسه يصطدم بالأرضية الإسمنتية.
رفعت خصلات شعرها السوداء الفحمية الملتصقة بجسدها المتعرق.
. . .
في مكان ما عند أحد مداخل الحلبة، يقف الرجل صاحب البدلة، وهو يمسح المشهد أمامه بعينيه العشبيتين الحادتين.
أطلق نفسًا مرتجفًا من الدخان، قبل أن تسقط السيجارة من يده المرتعشة.
لقد رأى مشاهد أسوأ من هذا العنف البسيط، وفعل أشياء أسوأ من تحطيم رأس رجل.
لكن صوت تحطم العظام تحت يديها كان أشبه بالموسيقى، وتحت يديها الجميلتين أشبه بالموسيقى لأذنيه.
ابتلع ريقه، لترتفع وتهبط تفاحة آدم في عنقه الموشوم.
هي رفعت خصلات شعرها، وارتفعت معها نبضات قلبه.
لقد كانت هوسه، ومرضه، وإدمانه.
من كان يظن أن المرض سيأتي على هيئة عيون نيلية وشعر أسود؟
من كان يظن أصلًا أن المرض يأتي على هيئة حسناء؟
"أليس!.. الحسناء السيئة!"
علت هتافات الجماهير وهي تغادر الحلبة.
وهو؟
ما زال يكافح لاستعادة رباطة جأشه.
أرخى ربطة عنقه دون أن يزيح عينيه عن هيئة جسدها المنسحبة.
لم يفوّت أي نزال لها، لكنه دائمًا ما يجد نفسه يقع تحت تأثيرها، كأنه يراها للمرة الأولى.
لا، بل مع مرور الوقت يجد أن تأثيرها عليه يزداد قوة، أو أنه هو من يصبح أضعف أمامها.
إنها مثل المخدرات، لقد أدمن عليها، والفرق الوحيد بينهما أنك قد تتعافى من إدمان المخدرات، لكن لا يمكنك أن تُعالج من إدمانها.
. . .
جدران إسمنتية تحمل بقايا طلاء باهت، عليها كتابات قديمة لا أحد يهتم بما يكفي لملاحظتها.
رطوبة تنهش زوايا الممرات لتصل إلى أحد المصابيح، تجعله يعمل على شكل ومضات قصيرة قبل أن ينطفئ.
يتردد صدى خطوات على الأرضية البالية، يتبعه صوت رجل يتحدث.
ومض الضوء مجددًا ليكشف عن تلك الحسناء التي لا شيء بها ينتمي إلى هذا المكان، يتبعها رجل سمين أصلع يثرثر عن المال والرهان، وأنها مذهلة، ويبتسم أكثر من اللازم.
أطلقت تنهيدة محبطة وهي تسمع ثرثرته، رجل لا تعلم من هو أصلًا، لكنه يظهر كل مرة بعد كل نزال مع رزمة من المال، كأنه أهم شيء في هذا النزال.
المال؟!
هي لم تقاتل من أجل المال، هي تقاتل لأنها تحب ضرب تلك الكائنات المتعجرفة الملتحية عديمة القيمة، والمعروفة أيضًا باسم الرجال.
التفتت إليه، تنظر بعيونها النيلية.
توقف عن الكلام، ونظر إليها باستغراب.
"خذ المال واغرب عن وجهي قبل أن أضربك أنت أيضًا."
دون انتظار رد، ابتعدت عنه لتريح رأسها من ثرثرته.
سحبت هاتفها من جيب سترتها، ووضعته على أذنها.
"سالي، جهزي لي عباءتي، لدي رجل آخر أحطمه."
. . .
في مكتب تفوح منه رائحة الخشب وطلاء الأظافر، بإضاءة خافتة لا تنيره سوى أشعة الشمس المتسللة من ستائر النافذة، تجلس تلك الحسناء على كرسي مكتبها، تمسح بقايا الدم من تحت أظافرها.
رمت المنديل في سلة القمامة، ونهضت لترتدي عباءتها التي تحمل دبوسًا ذهبيًا على شكل ميزان فوق بدلتها النسائية.
عدلت ياقة قميصها الحمراء قبل أن تخرج من المكتب، وصوت كعبها يطرق أرضية المحكمة الرخامية، مناديًا الرؤوس لترتفع نحوها.
سارت قربها امرأة صغيرة بشعر قصير، تحمل بعض الأوراق.
"آنسة أليس، هذه هي أوراق المحاكمة ضد المدعى عليه لورينزو."
أومأت برأسها وهي تأخذ الأوراق منها، وتقف أمام قاعة المحكمة.
"ما الأفضل من تحطيم عظام رجل..."
همست لنفسها.
"إلا تحطيم كبريائه علنًا."
دفعت الباب ودخلت قاعة المحكمة، تقف قرب موكلتها.
زوجة المدعى عليه، الوغد صاحب التسريحة الغبية واللحية القبيحة.
لا أعرف كيف تجرأ على خيانة زوجته وضربها وحبسها، أقسم أنني سأجعله يأكل أصابعه قديمًا ندمًا.
كله إلا النساء.
دخل القاضي...
وقف الجميع، عدا أليس التي كانت واقفة أساسًا، تطالع أظافرها، وعقلها في عالم موازٍ، تندم على وضع طلاء أظافر بهذا اللون الوردي الفاتح لهذه الجلسة.
أعطى القاضي الإذن للادعاء بالبدء.
لقد حصلت على الضربة الأولى، وتنوي توجيهها بشدة.
"قبل كل شيء، سيدي القاضي، ربطة عنقك غير مرتبة."
قالت ببساطة، تاركة أفواه الجميع مفتوحة، بينما عدّل القاضي العجوز ربطة عنقه ونظف حلقه بحرج.
"سيدي القاضي، أقف أمام عدالتكم لا لأدافع عن ضحية، بل لأكشف لكم كيف يصبح شخص بريء ضحية تحت رحمة شخص لا يحمل من الرجولة سوى الاسم الثلاثي."
حركت يدها باستخفاف في الهواء.
"الوغد الجالس أمامك... الذي أخذ امرأة بحب، وأقسم أمام الجميع يوم زواجه على حبها وحمايتها، لكن كما نعلم جميعًا، الكلام مجاني، وهو الآن يقف أمامكم بعد أن قام بتعذيبها لأشهر، ويأتي إلى هنا كل يوم كأنه لا توجد امرأة تتألم في منزله."
أصدر كرسي لورينزو صوت صرير احتجاجي حين تحرك ليعدل جلسته.
رمت ملفها على الطاولة.
"جميعنا رأينا لورينزو يأتي إلى المحكمة كل يوم، يعمل ويضحك، ويشرب قهوته ويمزح مع متدربته."
التفتت إلى هيئة المحلفين.
"لكن حين يدخل منزله ويتخلى عن بدلته وربطة عنقه، يظهر الوجه الثاني لصاحب الأربع عيون الذي أمامكم."
ضرب لورينزو الطاولة بيده.
"اعتراض..!"
رفعت حاجبها وهي تنظر إليه.
"ومن سمح لك بالاعتراض؟ اغلق فمك."
ضرب القاضي مطرقته عدة مرات.
"هدوء في المحكمة."
التفت إلى أليس.
"شكرًا لك آنسة كروس، الآن أريد من الدفاع أن يبدأ."
أشار إلى أكثر شخص تكرهه أليس في هذا العالم.
"لورا."
ذكورية لعينة، تقف مع الرجال في أي موقف، ولها مع أليس ماضٍ بالفعل.
ابتسمت لورا ابتسامة باردة لأليس، وهي تعيد شعرها البني إلى الخلف.
"شكرًا لك، سيدي القاضي."
وقفت بوسط القاعة وهي تحمل ملفًا.
"سيدي القاضي، كلنا نعرف المدعى عليه لورينزو جيدًا، هو رجل نبيل ويعمل بذمة وضمير في المحكمة، ولا يمكن أن يفعل شيئًا كهذا."
وضعت الملف على الطاولة.
"أجل سيدي، الآنسة أليس منفعلة قليلًا وتكبر الموضوع، إنه خلاف زوجي بسيط، وما فعله موكلي كان ينوي التعويض عنه."
التفتت إلى هيئة المحلفين.
"وأطالب بتعويض السيد لورينزو عن تشويه سمعته الطيبة بخيانة زوجية هو بريء منها."
أومأ القاضي، والتفت إلى أليس.
"يمكن للادعاء المتابعة."
وقفت أليس والتقطت قرصًا مدمجًا وسلمته للقاضي.
"الآن أعرض عليكم الدليل على حقيقة كل شيء، من فضلكم شغّلوا القرص."
بمجرد إدخال القرص إلى جهاز الإسقاط، عُرضت على الجميع محادثات بين لورا ولورينزو، ومقطع فيديو لهما في مكتبه وهما في وضع مخل وحميم.
اصفر وجه لورينزو، واحمر وجه لورا بمزيج من الخجل والغضب.
وقفت وضربت الطاولة بيدها.
"اعترض..! هذا لا علاقة له بالقضية."
ضرب القاضي مطرقته طرقة حادة.
"مرفوض، يمكن للادعاء المتابعة."
ارتفعت زاوية شفتي أليس بابتسامة شامتة.
"شكرًا لك، سيدي."
التفتت إلى هيئة المحلفين.
"كما ترون جميعًا، هذا دليل على خيانة زوجته، وسبب تحيز المحامية لورا إلى لورينزو، لذلك..."
اتجهت نحو الطاولة وأخرجت من تحتها حبلًا.
"لنقم بعقابه."
نظر الجميع بحيرة إلى الحبل، وأمال القاضي رأسه إلى الجانب.
"ولمَ الحبل؟"
عقدت طرف الحبل.
"إما نشنقه، أو تقومون بربط ساقيه وإخصائه."
ساد صمت مفاجئ في القاعة بعد كلامها، وتفرغت أفواه الموجودين بصدمة.
نظف القاضي حلقه بعد أن تعافى من الصدمة الأولية.
"شكرًا لك على الاقتراح آنسة كروس، يمكنكِ الاستراحة الآن."
ضرب القاضي مطرقته عدة مرات ليلفت انتباه الجميع إليه.
"تم الحكم على السيد لورينزو، المدعى عليه، بالغرامة المالية وتعويض مادي عمّا فعله، وحصول الأم على حضانة الأطفال، إلى جانب نفقة شهرية، وسيتم إحالة أفعاله مع الآنسة لورا غير المهنية إلى المركز القضائي."
هل تسمعون هذا الصوت ؟ إنه صوت تحطم كبرياء رجل يمكنني الاستماع إلى هذا الصوت طوال اليوم.
هل هن الوقاحة لو وضعت كأس أسفل عينيه ؟ ارغب بشرب دموعه و رفعها نخب لهذا النصر سحق كبرياء رجل و إذلال امرأة ذكورية؟
أنه حقاً يستحق الاحتفال بهذا بالذات حين يكون من سحقته لورا !
ابتسمت أليس بانتصار، ونظرت إلى لورا ولورينزو، تكحّل عينيها على هيئة لورينزو غير المهندم وشحوب وجهه، ولورا التي تشد قبضتها بشدة وتعض على شفتها السفلية، ترتجف من فرط الشعور المكبوت.
خرجت من قاعة المحكمة لتستقبلها سالي.
" آنسة أليس اتصل السيد ألوڤس و طلب منك الذهب إلى شركته."
اومأت برأسها دون سؤال و هي تنزع عبائتها و تعطيها لها.
. . .
تنعكس أشعة الشمس على نوافذ ناطحة سحاب عالية كُتب عليها:
"Cяѳ$$"
نزعت نظاراتها الشمسية ومسحت بعينيها النيليتين المكان.
دخلت المبنى وهي تدسّ النظارة في جيوب بدلتها النسائية السوداء، كأن المكان ملك لأخيها.
وهو كذلك.
سارت نحو المصعد وصوت كعبها يطرق البلاط الأبيض، لتتجه جميع العيون إليها.
لا ألومهم، فمن النادر رؤية شيء جميل، ونادر جدًا أن تحصل على شرف رؤيتي.
دخلت المصعد وضغطت على زر الطابق الأخير لتستغل هذه الدقائق من الانتظار في تأمل جمالها في انعكاس جدرانه.
جميلة… أمم لا، هذا لا يعبر عن وجهي.
فاتنة… لا، هذا أيضًا غير شافٍ.
مثيرة؟ أمم… أنا مثيرة أكثر من الكلمة نفسها.
من أخدع؟ كل الكلمات لا تصف جمالي!
يجب اختراع كلمة تجمع كل معاني الجمال والكمال والروعة في كلمة واحدة، مثل كلمة…
أليس.
أجل، مناسبة للغاية.
رنّ المصعد معلنًا وصولها، وحصوله على كفايته من نرجسيتها خلال دقيقة.
خرجت متجهة نحو مكتب ألوڤس، فتحت الباب دون طرق، متجاوزةً مساعده الذي كان يراقبها بعيون تفيض قلوبًا ومفرقعات.
أحمق…
دخلت المكتب وأغلقت الباب.
"أخي…"
رفعت رأسها لتنقطع جملتها بصدمة حين رأته جالسًا على الأرض، يتمسك بحافة مكتبه، واضعًا يده على صدره، قابضًا جهة قلبه.
خصلات شعره السوداء التصقت بجبينه المتعرق، وهو يعصر عينيه الزجاجيتين بألم، وأنفاسه تخرج في لهثات قصيرة.
خرج صوت ذكوري أجش من الهاتف الملقى على الأرض، ينبض بالقلق.
"ألوڤس؟! أجبني، ألوڤس! ماذا يحدث معك؟!"
اندفعت نحوه وأخرجت هاتفها لتتصل بالإسعاف، لكنه أمسك بمعصمها بقوة رغم حالته.
"ل-لا تتصلي."
قال بصوت مبحوح متقطع بسبب الألم.
"ألوڤس، ما هذا العناد؟!"
ارتجفت يداها وهي تفتش جيوبه عن دوائه.
تسللت إلى أصابعها برودة بشرته المتعرقة عبر ملابسه. سحبت علبة من جيب بدلته، ووضعت كبسولة تحت لسانه.
"ها هي… تنفس."
تكسر صوتها وهي تساعده على الجلوس متكئًا على المكتب، وفتحت أزرار قميصه ليظهر صدره المفتول الموشوم.
ابتلع ريقه، وتساقطت حبيبات عرق خفيفة من صدغه على بشرته الشاحبة المصفرّة، وهو يلهث محاولًا تجاوز نوبته.
أغمض عينيه يمتص الألم، ويده ما زالت تقبض على صدره، والأخرى تمسك بدفء يدها مقارنة ببرودة يده.
"ألوڤس، اللعنة، أجبني أرجوك!"
عاد صوت الرجل الأجش من الهاتف المنسي، يائسًا للحصول على إجابة.
لعق شفتيه ليبللهما، ثم ترك يدها محاولًا التقاط الهاتف بيد مرتجفة، فسقط منه. أعاد إمساكه بإحكام ووضعه على أذنه.
"أنا بخير الآن… لا بأس، أبي."
قال بصوت مرهق لا يحمل أي مصداقية، قبل أن يغلق الخط دون سماع الرد.
لانت نظراتها، ورفعت يدها تمسح قطرات العرق عن وجهه.
"لم تأخذ أدويتك، صحيح؟"
فتح عينيه الزجاجيتين لتتلاقى مع عينيها النيليتين.
"كنت مشغولًا."
أمسكت يديه تساعده على النهوض.
"هيا، اجلس لتستريح."
قالت وهي تدعمه نحو الأريكة.
"سأحضر لك أدويتك."
اتجهت نحو الخزانة تأخذ مجموعة من الأدوية.
"انتظري، لم آكل فطوري. أحضري لي طعامًا أولًا."
نظرت إليه وهو ينسدح على الأريكة واضعًا ساقًا فوق الأخرى كأن شيئًا لم يحدث.
فجأة بدت لها فكرة ضربه بالكرسي مغرية للغاية.
"إذا وجدت من هو أتفه منك، يا ألوڤس، فاشنق نفسك برباط حذاء."
ابتسم بسخرية لردها الوقح، وهل سيصمت لها؟ بالطبع لا، لا يتفوق التلميذ على معلمه.
"إذا كان لديك رباط حذاء، فأعطِنيه لأشنق نفسي. فأنتِ أشد تفاهة مني."
لا بأس يا أليس، اهدئي. هذا البغل البائس المعلول هو أخوكِ الكبير. يجب تحمله وعدم ضربه بكرسي. إنه مريض، كوني لطيفة ومؤدبة، واحكمي عقلك.
قالت لنفسها وهي تقوم بتمارين التنفس محاولةً الهدوء.
"أريد فطيرة جبنة وقهوة."
قطع تمارينها فورًا. بالتأكيد لن يتركها وشأنها، حتى لو كان يحتضر قبل دقيقة، ستكون آخر ثواني حياته استفزازًا لأخته.
رمت علبة الدواء عليه.
اللعنة على تمارين التنفس عديمة الفائدة، وعلى صاحبها الذي اخترعها بدل اختراع عصًا تكسر بها رأسه!
"اسمع أيها البليد، ستغلق فمك وتأخذ دواءك، ونذهب إلى المشفى."
"لا!"
رفض مباشرة، وتجعد حاجباه الكثيفان بانزعاج. ليس للإهانة، ولا لأسلوبها، بل لطلب الذهاب إلى المشفى، كأنه مكان معيب فاسد.
انزعجت بدورها، وعقدت حاجبيها بنفس التعبير، ووضعت يديها على خصرها.
"لماذا؟!"
رفع صوته ووقف شامخًا فوقها، ويده ما زالت على صدره.
"لأنني بخير!"
"لست كذلك!"
"بلى، أنا كذلك!"
ارتجفت يده فوق صدره وهو يلهث.
"لا، لست كذلك!"
ارتفعت أصواتهما، وازداد التوتر في المكتب، وكل منهما أعند من أن يتراجع.
"لماذا تكابر؟!"
"لماذا تبالغين؟!"
"لأنني خائفة عليك!"
"قلت لك أنا بخير!"
"لست كذلك! توقف عن الكذب على نفسك!"
طرق باب المكتب قاطعًا حبل التوتر بينهما وتصاعد الجدال.
دخل مساعد ألوڤس، الذي عدّ على أصابعه عشر مرات قبل أن يجرؤ على الطرق.
"سيدي… أعتذر عن المقاطعة، لكن هناك اجتماع بعد ساعة، والأوراق تحتاج مراجعة من السيدة أليس."
أخذ ألوڤس نفسًا عميقًا وجلس خلف كرسيه يدلك صدغه لتخفيف الصداع.
"ضعها على المكتب."
مررت أليس يدها بين خصلات شعرها محاولةً ضبط نفسها، بينما وضع مساعد ألوڤس، كلارس، الأوراق على الطاولة بسرعة، محاولًا الهرب من جو الغرفة المتوتر.
"وأحضر فطائر جبنة وقهوة."
قالت لكلارس قبل أن يخرج، واتجهت نحو الملف تتفقد الأوراق.
"هل استدعيتني من أجل الملف؟"
أومأ برأسه باقتضاب وهو يعيد إغلاق أزرار قميصه.
"أجل، لدي اجتماع الآن. هناك خطأ. راجعي لي نسخة العقد التي معك، أنا واثق أنهم عبثوا به."
نقرت على سطح المكتب بتفكير وهي تراجع بنود العقد.
"أجل… هناك عبث. يمكنك رفع دعوى قضائية أو استخدام الشرط الجزائي، أو الاثنين معًا، وهو الأفضل. اضرب عصفورين بحجر."
انحنى فوق المكتب ونظر إلى العقد بتفكير.
"أو ضرب ثلاثة عصافير بحجر."
رفعت رأسها ونظرت إليه. تعرف هذه النظرة؛ عقل أخيها داهية ماكرة، خبيثة، لا يمرر شيئًا مرور الكرام.
"سأعقد صفقة معهم كي لا أرفع دعوى قضائية عليهم، وأنفذ الشرط الجزائي، ثم حين يتم العقد أرفع دعوى عليهم، وعندما أفوز بها أقتل رئيس الشركة وأبيع أعضاءه."
رمشت عدة مرات وهي تنظر إليه.
شيطان… وغد… سفاح… نذل… خبيث…
يصعب التحديد.
"أولًا، الشيطان يتنحى إلى المرتبة الثانية بعدك. ثانيًا، هذه أصبحت تعذيبًا وصيدًا، لا إصابة عصفور."
ارتفعت زاوية فمه بابتسامة قاتمة، ونظر إليها وبريق سوداوي يلمع في عينيه.
"إنه جزاء اللعب مع السفاح، أختي الصغيرة."
دخل كلارس مع الفطائر والقهوة، ووضعها على الطاولة أمام الأريكة، ثم ابتعد بسرعة خوفًا من عودة التوتر بين الأخوين.
نظرت إلى الطعام ثم ابتعدت قليلًا.
"كُل وخذ دواءك، وأنا سأجهز لك الأوراق."
قالت وهي تحمل صينية الفطائر لتضعها أمامه على المكتب، ثم وضعت قهوته.
ابتسم ألوڤس للفتتها الحنونة رغم الجدال بينهما.
"شكرًا لك."
جلست على الأريكة تمسك الأوراق، تراجعها وتقارنها بالنسخة الأصلية من العقد، وتضع خطوطًا حمراء تحت البنود المتغيرة، بينما هو يأكل ويراقبها تعمل.
"عن ماذا كنت تتحدث مع أبي؟"
قالت فجأة دون أن ترفع عينيها عن الملف.
نفض فتات الفطيرة عن يديه ونظر إليها بجدية.
"أبي وأمي في البرازيل."
رفعت رأسها ونظرت إليه بحدة.
"لم يخبرني حتى أين هما."
"إجراءات أمنية."
قال ببساطة، متوقعًا منها القبول. لكنها عقدت يديها أمام صدرها تنظر إليه بامتعاض.
"هل الإجراءات الأمنية تخصني أنا فقط؟ لماذا يخبرك ولا يخبرني؟"
اتكأ على الكرسي ينظر إليها بجدية، محاولًا إيجاد طريقة لشرح الأمر لها.
من حقها الغضب والانزعاج حين لا يرسل لها والداها شيئًا أو يتحدثا إليها منذ شهور.
"اسمعي، عزيزتي، إنه يعمل على قضية مهمة."
ضاقت عيناها وهي تنظر إليه.
"بالله عليك، ألوڤس، ما هي القضية المهمة التي تجعله يقاطعنا كل هذه المدة وينبش في تاريخ عشائر المافيا؟ هناك شيء كبير يحدث."
أومأ برأسه وهو يدير فنجان القهوة بحركة دائرية شاردة.
"أتفق معك هذه المرة. الأمر لا يتعلق بحل مشاكل عشائر المافيا، بل يتعلق بنا… بعائلتنا."
نقرت على مسند ذراع الأريكة بأظافرها المطلية بتفكير.
"ما رأيك؟ ما هو الخطر الذي يدور حولنا؟"
تنهد بضيق وحك لحيته الخفيفة بتفكير.
"لا فكرة لدي، لكني أكره حين لا أعلم ما هو القرش الذي يدور حولي."
قاطع حديثهما صوت طرق الباب، ليدخل كلارس.
"سيد ألوڤس، الاجتماع بعد ربع ساعة."
أومأ ألوڤس برأسه وصرفه بحركة من يده، ثم التفت إلى أليس.
"سأذهب الآن إلى الاجتماع. نتحدث لاحقًا حول هذا بشكل جدي."
نهض يعدل شعره أمام مرآة الخزانة وملابسه، وهي تجلس على الأريكة تراقب حركاته.
"ستذهب إلى المشفى بعدها؟"
"لا."
جاء الرد قاطعًا، لا مجال للنقاش فيه. أخذ الملف منها وأغلق الباب بقوة، مغلقًا الموضوع نهائيًا.
تنهدت بإحباط ودلكت صدغها تخفف الصداع.
"أحتاج إلى مكان هادئ."
. . .
أسفل جسر قديم مهجور، تفوح منه رائحة الرطوبة والدخان والوقود، تستطف عدد من السيارات والدراجات النارية الحديثة من مختلف الأنواع.
صوت هتافات من مجموعة من الأشخاص فوق الجسر اختلط بصوت المحركات.
تستقر سوبر سبورت البيضاء بين سيارة لامبورغيني سوداء بنوافذ مظللة تجعل سائقها مجهولًا، ودراجة سوبربايك الحمراء يركبها رجل يضع خوذة حمراء، يقوم باستعراض قوة المحرك، لينتشر صوت محركها القوي ورائحة إطارات دراجته وهي تحتك بالأرض.
كانت أليس تتكأ على دراجة سوبر سبورت الحبيبة "سوبري"، وهي تستخدم نافذة سيارة اللمبرغيني المظللة لتضع أحمر شفاه وردي بكل برود، كأن لا أحد داخل السيارة، أو بمعنى أصح، هي لا تهتم.
انزلقت النافذة قليلًا فقط دون أن تفتح، وسمحت لصوت ذكوري عميق أن يتسلل إليها دون أن ترى صاحبه.
"أظن أن اللون القرمزي سيكون أجمل عليك من الوردي."
توقفت عن وضع أحمر الشفاه وهي تنظر إلى النافذة بلا مبالاة.
"لم أطلب رأيك."
لم يصلها جواب لبضع ثوانٍ، قبل أن يتسلل صوت أجش هامس من السيارة.
"مثالية."
سرت قشعريرة غير مرغوب بها في عمودها الفقري.
كانت ممتنة لأن الحوار انتهى بإغلاق النافذة.
أعادت أحمر الشفاه إلى جيب سترتها الجلدية، وركبت دراجتها، ثم ارتدت خوذتها البيضاء المطابقة للون الدراجة.
أطلق محرك دراجة سوبربايك زئيرًا عاليًا، ليغمز سائقها لها بحركة مغازلة مبتذلة، جعلت فكرة دهس الرجل مثيرة للغاية.
قلبت عينيها بملل تحت خوذتها من حركته الرخيصة، أمسكت مقود الدراجة، واستعدت لبدء السباق.
أطلقت محركات المركبات أدخنة كثيفة خانقة تحت الجسر، بانتظار إشارة البدء.
أصدر محرك دراجتها صوت هدير عالٍ، لتمرر إبهامها المطلي بلون أحمر على مقبض الدراجة.
"لا بأس، صغيرتي سوبري، سننطلق بأي لحظة."
وقفت امرأة بفستان ضيق أحمر، تحمل منديلًا بيدها عند خط البداية، وبمجرد أن أسقطت المنديل من يدها، انطلقت جميع المركبات بسرعة.
انطلقت بسرعة من بين المتسابقين، تتجاوزهم بسلاسة، وعلى بعد مسافة قليلة، تتبعها سيارة اللمبرغيني السوداء بسرعة، لكنها لا تتجاوزها، بل تبقى خلفها بمسافة.
اقتربت من منعطف حاد. ازدادت سرعة سيارة اللمبرغيني بشكل غير متوقع لتصبح بمحاذاة دراجتها، مُبقيةً إياها بعيدة عن الحافة، وبمجرد تجاوزه، تراجعت سيارتها، عائدةً إلى ذات المسافة التي كانت بينهما.
أدارت رأسها، تنظر إلى السيارة محاولةً رصد وجه السائق، لكن الزجاج المعتم منعها من رؤية أحد.
شغّل غمازات السيارة الجانبية، ليلفت انتباهها بومضة سريعة، كأنه يقول لها:
'انظري أمامك.'
أعادت نظرها إلى الطريق.
من مرآة الدراجة، بوسعها رؤية سيارة بلاك فيراري تتقدم بسرعة جنونية.
وقبل أن تتجاوزها، انحرفت اللمبرغيني بسرعة، دافعةً إياها جانبًا، قاطعةً عليها المسار.
لكن ذلك فتح ثغرة صغيرة لدراجة سوبربايك لتتقدم.
وفي اللحظة ذاتها، انعطفت اللمبرغيني بحركة حادة.
ارتطمت مؤخرتها بدراجة السوبربايك الحمراء، لتطيح بها وبسائقها خارج المسار.
وبالحركة ذاتها، اصطدمت مقدمتها بسيارة الفيراري، دافعةً إياها للانحراف بعكس المسار.
انقلبت سيارة الفيراري واصطدمت بالحاجز الإسمنتي، وتصاعد الدخان الأسود من محركها الذي يهدد بالاحتراق.
شتمت بصوت مكتوم بسبب الخوذة وهي ترى الحادث، أو بمعنى أصح الشجار.
اندفعت عدة دراجات نارية مثل كلاب ضالة مستغلة الطريق المفتوح.
زادت سرعتها أكثر، لن تتنازل عن المقدمة لأحد. الفوز هو كل شيء بالنسبة لها، الخسارة إثم لا يُغتفر مطلقًا، هي لم ولن تخسر.
إذا فازت سيصمتون، وإذا خسرت سيقولون إن النساء فاشلات وضعيفات.
وصل إليها صوت اصطدام عالٍ وتحطم في الخلفية، إنارة ساطعة مفاجئة وهدير محرك عالٍ. بالكاد تمكنت من تجنب الاصطدام به، وانزلقت دراجتها بدرجة حادة، فقدت توازنها نحو المنحدر.
خفق قلبها بشدة واندفع الأدرينالين في جسدها وهي ترى حافة المنحدر.
سمعت فجأة صوت مكابح تتوقف لتصطدم بشيء صلب منعها من السقوط في الهاوية.
"بئسًا!"
أطلقت شتيمة مكتومة وهي تلهث، وقلبها يدق في أذنيها.
رفعت رأسها ونظرت إلى سيارة اللامبورغيني التي توقفت بشكل عرضي لتصطدم بها وتمنعها من السقوط.
أعادت نظرها إلى الطريق حيث سيارة الـ G-Class التي تندفع بقوة وترمي كل شيء في طريقها.
"أنتِ بخير؟"
عاد انتباهها إلى سيارة اللامبورغيني التي جاء صوت السائق منها عبر زجاج نافذتها المعتم، الذي يشكل حاجزًا بينها وبين هويته.
ابتلعت ريقها وهي تنفض جانبها من غبار الاصطدام.
"أجل، بخير، وسأكون أفضل حين أهزم هذا الوغد."
عدلت خوذتها وهي تعيد دراجتها إلى الطريق.
"هذا أصبح مسألة شخصية."
قالت بحدة وهي تعيد تشغيل دراجتها لتنطلق بسرعة متجاوزة حطام الدراجات.
كيف يجرؤ هذا الوغد على محاولة دفعها؟! أقسم، إذا أمسكته، سأجعله يدفع ثمن هذا.
خلفها مباشرة سيارة اللامبورغيني بواجهة مشوهة،
وأمامها مباشرةً سيارة الـجي-كلاس تعترض طريقها وتمنعها من التقدم.
التفتت بسرعة محاولةً مناورته، لكنه اندفع نحوها محاولًا دفعها بسيارته، فتراجعت بسرعة إلى الخلف.
ذلك الوغد قليل المروءة جعلها تشتعل. الآن أصبح الأمر أصعب عليها، لكنها حين تشتعل تحرق كل شيء حولها.
اقتربوا من النفق، آخر عقبة قبل خط النهاية.
فرصة واحدة...
زادت سرعتها بشدة، وتصاعد الدخان من محركها دليلًا على وصوله إلى حدوده.
وضعت مسافة بينها وبين الـجي-كلاس قبل الدخول إلى النفق.
بمجرد أن دخلت الـجي-كلاس إلى النفق، اندفعت خلفها بسرعة، مستغلة شكل النفق الأسطواني لتقوم بحركة بهلوانية؛ قادت دراجتها على جدران النفق لتصبح مقلوبة فوق الـجي-كلاس، مستخدمةً التسارع لتؤدي حركة أفعوانية.
احتكت خوذتها بسقف السيارة لتنطلق شرارات حمراء، قبل أن تنزل بسلاسة أمامه مباشرة.
شدت قبضتها على المقبض، تسرع أكثر، ليملأ دخان دراجتها النفق.
ومن خلف سحابة الدخان المعتمة اندفعت اللامبورغيني خلفها، حارسًا مشوهًا أسود يطاردها.
تجاوزت خط النهاية مثل رصاصة بيضاء سريعة، لتقف فوق دراجتها، تسند المقود بقدمها، وتقوم بحركة استعراضية تحتفل بنصرها.
نزعت خوذتها فتطايرت خصلات شعرها السوداء.
تبا لكم أيها الأوغاد، انظروا من فاز كالعادة.
قلبها يخفق في أذنيها من فرط الحماس والنشوة.
الحصول على الهدوء ليس الجلوس في مكان هادئ والاسترخاء، بل هو جعل الضجيج داخل عقلك وقلبك يهدأ، وهو لن يفعل.
إلا إذا دفعته للعمل والتشتيت بشيء آخر، مثل سباق غير قانوني قادر على قتلك. إنه أفضل طريقة لإشغال كل خلية في جسدك لتعمل من أجل البقاء على قيد الحياة.
هكذا تهدأ أليس سوزان كروس...
Tasneem Tasneem