« لو كان حظك أكبر الخونة في حياتك فأنا حتى ظلي غدر بي وتخلى عني حين كنت وحيدا أغرق
في الظلمة »
جماعة المخدوعين داميان يرحب بكم
قراءة ممتعة
بداية مساء اعتيادي على جزيرة أورسا، حيث البحر يسترجع أمواجه بهدوء ليعيدها فجرا، والناس بدأت تستعد للعودة إلى منازلها بعد يوم عمل طويل. أما في فندق أورسا الساحلي، حيث الديكور الأنيق يحاول مواكبة ملوحة البحر والهواء الرطب، فقد بدأ العمل للتو.
جلست فتاة في العشرينات على حافة سرير الغرفة رقم 211، مرتدية فستانا أحمر يكاد يصل لركبتيها بينما تفرك أصابعها ببعضها البعض بتوتر. كانت تنتظر لحظة ستغير حياتها البائسة، سواء للأفضل أو للأسوأ. وفي كلتا الحالتين ستكون أفضل مما كانت عليه.
تمتمت لنفسها:
« ركزي يا فتاة.. إما الآن أو أبدا »
ثم استدارت نحو المرآة على جانبها الأيمن وحدقت بنفسها مطولا. تأملت ملامحها الحادة والواضحة تحت المكياج الثقيل بينما رسمت ابتسامة متواضعة على وجهها و كل ما في داخلها يصرخ لها :
« أنقذي نفسك »
خفق قلبها بجنون وهي تحسب كل ثانية انتظار كأنها ساعة. ثم عقدت حاجبيها لوهلة قبل أن تهمس مشجعة نفسها:
« يمكنك فعلها.. »
ثم نهضت من على السرير متجهة نحو المرآة. حملت حمرة بيدها اليسرى لتصحح جزءا من مكياجها، قبل أن تطلق صوت قبلة في الهواء وعيناها تركزان على انعكاسها وهي تقول متباهية:
« من يمكنه الصمود أمام هذا الجمال والجاذبية؟ »
لكن صوت قرع على الباب قطع حديثها الداخلي، فأسرعت بالعودة إلى الجلوس على طرف السرير، ثم تنفست بعمق وهي تغمض عينيها قبل أن تنطق بصوت منخفض:
« تفضل.. »
أنزلت عينيها إلى الأسفل حين تحدثت، وعندما فتح الباب رفعت عينيها نحوه وهي تعدل جلستها على السرير دون أن تتوقف عن فرك يديها.
دخل شاب في أواخر العشرينات، داميان ديليون. من يعرف هذا الرجل يعلم جيدا أنه على وشك أن يستلم سلطة لا يحلم بها حتى أقوى الشخصيات في أورسا، إذ إن وصية واحدة كانت كفيلة بجعله منه وريثا استثنائيا، بل واحدا من أقوى الرجال.
**
تنحدر عائلة ديليون من والد يدعى «جاك» الملقب بالثعلب، ووالدة تدعى «جين» أو كما كانت تعرف بـ«الظل».
توغلت العائلتان في أراض مختلفة، ثم توحدتا بزواج جاك وجين على الجزيرة ليبدآ معا في بناء أسوار سلطتهما بعناية وبعيدا عن الشبهات. إلا أن كل شيء تغير بلمح البصر حين وقع حادث مقتل «الظل» وزوجها قبل عشر سنوات، في اليوم الذي أتم فيه ابنهما داميان التاسعة عشرة.
بعد وفاة والديه، تولى السلطة أكبر رجال العائلتين من الجانبين كما تنص عليه قوانين العائلة. غير أن ما كان يثير الغرابة أن جد داميان من جهة والده جاك، الذي كان يعتبر الوريث المؤهل، مات هو وزوجته. أي جدة داميان من والده، في ظروف غامضة، وذلك بعد استلامه الميراث بستة أشهر فقط.
قالوا إنه كان تسمما جماعيا أودى بحياة أولئك الذين كانوا الأولى بالميراث، ثم بعد ذلك حصل جد داميان من والدته أليكس على الميراث.
لكن السؤال الذي يطرح نفسه هو: من سممهم؟
على كل حال، ماتوا وما حدث قد حدث. أما الآن فالسؤال الأهم هو: ماذا سيحدث لمن سيحصل على تلك الثروة بعده؟
جد داميان من والدته أليكس، لا يهمنا اللقب أو النسب، فهذا الرجل الماكر عرف بذكائه الحاد. رجل سبعيني أربك الجميع، فمن الذي سيتوقع أن شخصا مثله قد يكون مرتبطا بعالم لا يهدأ فيه صوت الرصاص؟
غير أن بعد سنة من حصوله على الميراث، عثر عليه مقتولا في غرفته دون أي آثار عن الفاعل. قالوا إنه لص، لكن هل اللص حقا يقتل بتلك الدقة؟
صدق من قال: الشيخوخة نعمة تمنحك خبرة تجعلك تتوقع مصيرك.
توقع أليكس أنه سيكون محط أنظار الجميع بعد حصوله على الميراث، وأنه لن ينجو، فمن قتل جد داميان من أجل الإرث لن يتساهل مع عجوز مثله. وكما يقول المثل: «تغد به قبل أن يتعشى بك».
كتب أليكس وصية تنص على أن هذا الميراث سيذهب إلى أكبر أحفاده، وأظن أنه كان يعرف الفاعل لذلك كتبها.
المهم أنه وضع شرطا، وهو أن يكون لهذا الحفيد زوجة ليست من اقارب او معارف العائلة، وهذا الشرط لم يتحقق إلا بالنسبة لحفيدين لم يتزوجا بعد، مما يجعلهما قادرين على اختيار زوجة مناسبة.
(مع أني أتساءل: لما يتزوجون من عائلات تقربهم ؟ و لما لا يتطلق البقية ويتزوجون أخريات تتوفر فيهن الصفات المطلوبة؟ )
على كل حال، أكبر الأحفاد غير المتزوجين هما داميان وابن عمه كريس، وهنا بدأت رحلة البحث عن تلك الزوجة.
لم يكتف أليكس هنا، بل شرط أن يستمر الزواج ثمانية أشهر، وأن يعيشوا بنفس منزل الجزيرة.
المشكل أنه بعيدا عن كون داميان المستهدف الجديد، وزوجته ستصبح مستهدفة أيضا، أي أنها قد لا تكمل ثمانية أشهر وسيصبح على داميان إيجاد زوجة أخرى إن بقي حيا طبعا.. القاتل ما زال مجهولا، أحيطكم علما أن هذا المنزل، منذ أن مات جاك وجين، الكل قرر أن يعيش به، أي أن الكل مشتبه بهم.
ولأن الجد كان أذكى، أوصى أحد رجاله بأن يسلمه الميراث بيده، وثيقة عملية كان يخطط لها كل من الثعلب والظل، ومن هنا يحصلون على ثروتهم. وإذا قتل هذا الرجل فستحرق الوثيقة، ويخرج آل ديليون من العملية، وبهذا يتحول لقبهم من الأقوى للأضعف في مجالهم، وهذا الرجل هو خوان.
**
والآن، نعود إلى الفتاة في الغرفة..
رفعت الفتاة رأسها بتوتر نحو الباب حيث وقف داميان يتأملها بصمت. شعره الأسود الفاحم يلمع تحت أضواء الغرفة الخافتة وينسدل بانتظام على جبينه، بينما تنعكس في عينيه الزرقاوين نظرة باردة تتفحصها من رأسها حتى أطراف قدميها.
كانت ترتجف على طرف السرير، تحاول أن تلتقط أنفاسها بينما بدا هو عكسها تماما أكثر ثباتا من الجدار خلفه. بذلته السوداء بقيت مفتوحة عند الصدر لتكشف عن قميص أبيض، تعمد عدم إغلاق أزراره العلوية في مشهد يختلط فيه الإهمال المتعمد مع الجاذبية الحادة.
حمحم بخفة بصوته الغليظ، يخترق السكون الذي أثقل الهواء، وقد اقترب من إتمام الثلاثين عاما. نزع البذلة برتابة هادئة ثم علقها على مقعد قريب منه قبل أن يغلق الباب خلفه ببطء، ويتقدم نحوها وهو يسأل:
«انتظرتني طويلا؟»
ارتجفت أناملها للحظة وهي تفرك يديها ببعضها البعض ثم تمتمت بصوت خافت لا يكاد يسمع:
«ن... نعم، هم طلبوا ذلك»
عندها رسم داميان على وجهه ابتسامة ساخرة، نصفها لامبالاة ونصفها استهزاء من شكلها وفستانها الأحمر الضيق الذي لا يغطي حتى نصف جسمها، ثم رفع حاجبيه متسائلا وهو يقترب أكثر حتى خيل إليها أن الأرض ضاقت بها:
«ومن طلب منك ذلك؟»
لم يكن من عادته أن يطرح هذا الكم من الأسئلة، لكن كونه سيختارها زوجة قرر أن يستجوبها. ومحاولتها جذبه بشكلها من أول لقاء كان أكثر ما يثير استغرابه ويضحكه في نفس الوقت، فمن النظرة الأولى ستعرف أنه ليس من النوع الذي ينجذب لأشكال الفتيات.
كانت رائحة عطره قد تسللت إليها بقسوة، مزيج من التبغ الفاخر والعنبر الدافئ ولمسة من الخشب المحروق.
رائحة تحمل خطرا مغلف باسم الرجولة، تلك الرائحة التي تبقى عالقة في المكان حتى بعد رحيله. ثم اقترب أكثر لتزداد حدتها في أنفها، حتى صارت تحسها في صدرها أكثر مما تشمها، وأجابته بصوت مرتجف:
«أحد رجالك»
أما هو فقد اقترب أكثر منها حتى أصبح على بعد خطوة ثم انحنى قريبا من مستوى وجهها، و وضع يده أسفل ذقنها رافعا رأسها برفق لتلتقي نظراتهما. عيناه الزرقاوان تجمدتا في مكانهما، عكس نظراتها الخضراء المرتعشة التي تفضح خوفها.
حدق بها لثوان، قبل أن تظهر ابتسامة جانبية خفيفة شقت شفتيه ويقترب من أذنها بهدوء هامسا بصوت هادئ يخلو من أي دفء:
«لم تعجبيني»
ثم ترك وجهها بتقزز. استدار نحو بذلته ممسكا بها بنية المغادرة لو لم يوقفه صوتها المتوسل و قد فقدت كل ثقتها التي اظهرتها امام المرآة قبل لحظات:
«أرجوك، انتظر... عليك أن تتزوجني»
نهضت من مكانها محاولة إقناعه، بينما تراكمت الدموع كانت قد فوق عينيها. لكنه تجاهلها تماما وواصل سيره نحو الباب، لولا أنها قبضت على طرف قميصه الأبيض بيدين مرتجفتين وهي تبكي بحرقة:
«أرجوك.. سيقتلونني»
عندها توقف داميان لوهلة، عقد حاجبيه بدهشة، ثم استدار إليها ببطء ناظرا إلى دموعها التي سالت فوق فستانها الأحمر الملتصق بجسدها النحيل، وقال ببرود:
«من سيقتلك؟»
نظرت إليه في ارتباك، ثم تراجعت خطوة إلى الوراء محاولة التهرب من سؤاله. غير أن صوته ارتفع بنفاد صبر وهو يصرخ:
«من سيقتلك؟!»
ارتجف جسدها كله من حدة صوته، وتسللت قشعريرة لم تستطع كبحها إلى عمقها، فشعرت أن الهواء من حولها صار أثقل مما كان عليه عند دخوله أول مرة. لم يعد بإمكانها حتى ابتلاعه بعد الآن، ثم تراجعت للخلف بضع خطوات محاولة الإجابة، لكن شهقاتها المتواصلة كانت تخونها في كل مرة حاولت قول شيء. وبعد عدة محاولات أخرجت أخيرا بضع كلمات متقطعة من فمها:
«ه.. هو.. لوكا.. الذي.. سيقتلني..»
رفعت يدها إلى فمها محاولة إسكات شهقاتها عبثا، بينما تبدلت ملامح داميان إلى الغضب، ثم أمسكها فجأة من ذراعها وسحبها نحو الحائط الأيسر.
ارتطمت به بقوة كافية لتجعل أنفاسها تتقطع، ووضع يده على عنقها بينما الأخرى استند بها إلى الحائط بجانبها، ثم جاء صوته هادئا لكنه مشحون بالغضب:
«من؟»
ضغط على عنقها حتى شعرت أن الهواء يهرب من صدرها ونبضها يتسارع، بينما جسدها يتلوى محاولا النجاة. اشتعل الألم في حنجرتها، ثم امتزج الخوف بالعجز داخلها، إلا أن كل ما استطاعت فعله هو التوسل بعينيها المرتعشتين قبل أن يخفف قبضته قليلا.
لهثت وهي تسعل ثم همست بصعوبة:
«لوكاس...»
أخيرا، ابتعد داميان بخطوات باردة، بينما يعدل قميصه وكأن شيئا لم يحدث، ثم قال باستهزاء وهو يلتقط بذلته:
«ارتدي شيئا ثقيلا، الجو يصبح باردا مساء في أورسا»
وتوقف عند الباب قبل أن ينظر إليها نظرة سريعة ويضيف بسخرية أعمق:
«بلغيه سلامي»
لكنها صرخت من خلفه وهي تحاول اللحاق به:
«أرجوك.. إن لم تتزوجني سيقتلونني»
زفر داميان بضجر واضح، بينما أخرج مسدسه من تحت قميصه و هو يسألها بصوت منخفض:
» هل سبق ان حظرت لقتل شخص في مكان مغلق؟»
مسحت دموعها باستغراب ثم شهقت للمرة الاخيرة وقالت:
»أجل، سبق ان رافت لوكاس مرة »
ابتسم دميان و هو ما زال يعبث بسلاحه بيده مديرا ظهره لها ثم قال:
»وهل تعرفين لماذا لا يسمع صوت الرصاص »
عقدت حاجبيها اكثر وقد استوعبت ما يحاول قوله. حاولت التراجع للخلف لكنها ارتطمت بالحائط خلفها.
ابتسم داميان اكثر من صمتها وبدون أي مقدمات أو تردد أطلق رصاصة واحدة، ليخترق صوتها الجاف سكون الغرفة، ثم قال:
«كاتم صوت»
وخرج بخطوات بطيئة دون أن يلتفت نحوها مرة أخرى،.
سقطت هي أرضا واضعة يدها على بطنها، تحاول عبثا إيقاف النزيف الذي بلل فستانها الأحمر حتى لم تعد تفرز من دمها و الثوب. تسارعت أنفاسها، بينما تتسع عيناها في ذهول، وبدأ البرد يتسلل إلى أطرافها مع صدى خطواته وهو يبتعد في الممر الطويل خارج الغرفة.
يتبع...........
الفصل القادم : عنكبوت .
لا تنسو كتابة نظرياتكم و تعاليق تشبهكم🌸 💀
Hams Dhilal