قهوة منحوسة

قهوة منحوسة

19 0

ـــــــــــــــــــــــــ لؤلؤة سمراء

« ثم تدرك ان كل شيء ضدك حتى من الحظ

خذلك و انت بأمس الحاجة له .. »

جماعة المنحوسين،

صونيا ترحب بكم

قراءة ممتعة

كان من المفترض أن تكون مجرد أمسية هادئة بجزيرة تلتف حولها الأمواج ،كوب شوكولاتة ساخن في يدها وسماعات في أذنيها، مع ضوء الغروب الخافت يتسلل من نافذة المقهى الصغير القريب من محطة البنزين حيث تعمل.

كل ما تمنت إنهاء يومها به هو موسيقى هادئة في الخلفية، وستار أحمر يعلن نهاية دوامها. لكن الهدوء في حياة صونيا كان كائنا أسطوريا نادر الوجود ووجود روز في نفس المكان كان كل ما تحتاجه لإبادته تماما.

تلك الفتاة لا تحتاج أكثر من دقيقة واحدة لتقلب المقهى رأسا على عقب وتورط صونيا في مصيبة جديدة. واليوم؟ كانت المصيبة «طلبية أُرسلت للزبون الخطأ».

نعم، هذا ما تفعله روز دائما لتفسد يوما كان على وشك أن يمر بسلام على صونيا.

صرخت روز من خلف المنضدة بصوتها العالي الذي اعتاده جميع الزبائن :

« صونيا! انهضي، الطلبية للخارج، الشباب ينتظرون »

رفعت صونيا رأسها بتثاقل، وحدقت أمامها بحدة وهي تفرك عينيها بملل. ثم رمقت الساعة المعلقة فوق باب المقهى بتعجب. كانت عقاربها تشير إلى أن دوامها سينتهي بعد خمس دقائق فقط.

تنهدت بعمق، وأخذت تجمع شعرها البني متوسط الطول في ذيل حصان يكاد يصل إلى منتصف ظهرها وهي تتمتم بضجر:

« حتى آخر خمس دقائق من يومي لا تتركني أتنفس بسلام»

زفرت بقوة وهي تتحامل على نفسها، ثم حملت الصينية المليئة بأكواب القهوة من على المنضدة. رمت نظرة امتعاض نحوها وتوجهت نحو الطاولة الخارجية حيث يجلس خمسة شبان في أوائل العشرينات تقريبا، تتناثر الوشوم على أذرعهم كأنها بطاقات هوية بينما يتبادلون الضحكات والنكات بصوت مرتفع مما جعل صونيا ترفع حاجبها في استياء عالمة نهاية القصة قبل أن تبدأ.

تقدمت نحو باب المقهى ممسكة الصينية بتوازن دقيق فوق يدها، ثم فتحت الباب باليد الأخرى بضربة خفيفة، وعادت تمسك الصينية بكلتا يديها بعد خروجها وهي تهمس لنفسها بسخرية وعيناها تنظران إلى الشبان بنظرة باردة بينما تقترب منهم أكثر:

«وشوم سخيفة...يظنون أنفسهم أبطالا في فيلم عصابات»

تحولت ملامحها من بركان الحدة والغضب إلى انفجار سخرية عندما كانت على وشك أن تفقد توازنها وتنفجر ضحكا بعدما لاحظت وشما على شكل قبلة فتاة مطبوعة على كتف أحدهم العاري.

كان يرتدي قميصا أسود دون أكمام يختلف عن البقية الذين التفوا بسترات جلدية لامعة رغم حرارة المساء.

رفعت حاجبها في استغراب وهي تحاول كبح ضحكتها بصعوبة، ثم اقتربت أكثر رافعة حاجبا وقالت بصوت منخفض لا يسمعه أحد:

«أطفال...»

ورسمت على وجهها ابتسامة مجبرة، تلك الابتسامة التي تتقنها النادلات حين يعرفن أن المشاكل قادمة.

كتمت صونيا الضحكة داخلها، والغضب الذي كان يكاد يشعل شعرها كلما نظرت باتجاه روز، لتجدها تتكئ برأسها فوق يدها على المنضدة مع ابتسامة ساخرة و هي تراقب الموقف بمتعة، ذلك ما جعل صونيا تشعر برغبة في نفض تلك الابتسامة من وجه روز.

لكنها اكتفت بنظرة باردة متجاهلة لها قدر المستطاع، حتى لو كانت تلك الابتسامة الجانبية تصرخ لصونيا بأن المتاعب قادمة.

وضعت الأكواب أمامهم، ثم راقبت وجوههم واحدا تلو الآخر. تعرف من النظرة الأولى من سيدفع الحساب مباشرة دون لف ودوران. ومن سيتظاهر بأنه نسي محفظته للمرة الألف. في ذهنها كان هناك سيناريوان واضحان:

الأول، سيشربون قهوتهم في هدوء وهم يضحكون، ثم يدفعون ويرحلون بسلام.

والثاني، تمنت صونيا من قلبها أن لا يكون ما سيحصل، أو ستضطر للتورط بمشكلة رقم تسعة وتسعين هذا الأسبوع.

اطلقت ابتسامة مستهزئة وهي تنظر بطرف عينها نحو روز داخل المقهى، تحاول استفزازها أو حتى زعزعة ولو لشبر واحد تلك الثقة. لكن السحر انقلب على الساحر عندما وجدت روز تراقبها من بعيد بذات الابتسامة الشريرة التي تقول:

«طبعا، السيناريو الثاني هو ما سيحدث»

وللأسف، صونيا كانت تعرف أنها على حق، فكيف يمكن لها أن تعود إلى البيت دون كارثة جديدة تحمل عنوان "الانتقام"

***

لم يكن بينهما حقد حقيقي، فقط تلك حرب صغيرة عمرها أسبوع بين فتاتين تعملان في المكان ذاته.

روز كانت تتفوق بجمالها، بشعرها الأحمر الذي يسرق الأنظار، وابتسامتها التي تعرف كيف تبيع بها القهوة قبل أن تبرد.

أما صونيا، فبشرتها القمحية التي كانت يوما بيضاء قبل أن تأكلها شمس المقهى، وشعرها البني الذي يصل منتصف ظهرها وتجمعه في ذيل حصان أثناء العمل، يمنحانها مظهر الفتاة الجادة التي لا وقت لديها للتأنق.

قبل أسبوع فقط، دخل المقهى رجل وسيم. من النوع الذي يوقف الزمن للحظة عند وصوله، حتى في مكان تملأه رائحة البن والوقود. وكالعادة، روز كانت الأسرع:

« قهوة خاصة للضيف »

قالتها بابتسامة تعرف تماما أثرها على الرجل.

لكن صونيا همست مكررة بصوت ساخر جملتها:

« قهوة خاصة للضيف »

ثم رمت نظرات حادة نحوهما وأكملت:

« ستجن هذه الفتاة إن لم تسقط رجلا بشباكها »

كان المشهد مألوفا لصونيا أكثر مما ينبغي، ومع ذلك، شيء ما في داخلها تمرد.

قلدت حركات روز من بعيد، كلما قالت شيئا تعيده بهدوء مستهزئة به.

ربما التعب أو الغيرة أو فقط رغبة لحظية في إفساد تلك الابتسامة التي تبدو مثالية أكثر مما يجب.

لم تفعل الكثير، مجرد خطوة صغيرة في التوقيت الخطأ وقدم مدت على الأرض لتعيق روز.

انزلقت قدم روز قليلا فارتطم الكوب بالطاولة وانسكبت القهوة على قميص الرجل الأنيق الذي تجمد في مكانه للحظة قبل أن يحدق بها وينهض.

حاولت روز إصلاح الموقف بسرعة، أحضرت مناديل له وهي تتمتم بينما احمرت وجنتيها حرجا :

« آ.. آسفة.. دعني فقط.. »

لكنه سرعان ما قاطعها رافضا، ثم وضع المال على الطاولة وغادر المقهى دون أي كلمة. كل هذا وصونيا تكاد تنفجر وهي تكتم ضحكة جنونية داخلها.

لم يعد الرجل بعدها أبدا. لكن بجدية من الغبي الذي سيعود لمكان يعلم تماما أن نار شعر روز ستلتهمه؟

حسنا، إلا إن كانت صونيا. طبعا، هذه الفتاة ستعود.

كانت ثلاث ثوان كفيلة بتدمير حلم كانت روز تراه بداية قصة جديدة، وتحويله إلى عقدة لا تغتفر.

ومنذ ذلك اليوم بدأت مرحلة الانتقام البارد.

طلبات ترسل للزبائن الخطأ، وأكواب تنسى عمدا لتلتقطها مع زبائن غاضبين يشتمون باسم «صونيا» لقصص عنها لا تعلم هي نفسها شيئا بخصوصها.

كل ذلك كان من إنتاج وإخراج روز، وبتوقيع ابتسامة بريئة.

***

وقفت صونيا أمام الشباب الموشومين، تعد في رأسها آلاف الشتائم لروز. لكن الآن، أمامها خمسة شباب تحتاج أخذ أموالها منهم أو ستخصم من راتبها بداية الشهر. وهذا ما لن تسمح به صونيا حتى على جثتها.

ابتسمت ابتسامة صغيرة، تلك الابتسامة التي تخفي وراءها الملل والتهديد في آن واحد وبدأت الحديث بصوت هادئ:

« ثمن القهوة لو سمحتم »

لكن، وكما توقعت لن يدفعوا شيئا دون شد ومد بل قرروا فعل شيء آخر يكسر هدوء وقت الغروب بأورسا.

رفع أحدهم الكوب، تذوقه ببطء ثم بصق جانبا، وقال بصوت عال:

« هل تسمين هذه قهوة؟ »

ردت صونيا دون أن ترفع حاجبيها. مجرد الضغط على الجملة أثناء نطقها كان كافيا ليوصل الفكرة:

« لا، هنا نسميها: ادفع أو سنجعلك تدفع »

تبادلوا مجموعة نظرات قصيرة ثم انفجروا ضحكا. تعرفون الضحك الذي ينتهي بالبكاء؟

تماما، ضحكهم كان من النوع الذي يسبق الفوضى.

نطق صاحب وشم القبلة الذي ضحكت عليه قبل قليل وهو يميل نحوها:

« تعجبني جرأتك، ما رأيك أن تطبعي قبلة على الكتف الآخر لأجعلها وشما تذكاريا؟ »

أجابت وهي تميل الصينية قليلا للأمام:

« قبلة؟ طبعا.. لكن على رأسك، وبالصينية »

ضحك أصدقاؤه بصوت عال بينما اشتعل غيظا، ثم نهض فجأة ليسقط الكرسي خلفه وتهتز الطاولة. تقدم نحوها بخطوتين، وقال بصوت غليظ:

« نكتب قربها اسمك، ما رأيك؟ »

تراجعت صونيا نصف خطوة، وقالت بصوت ثبتته جيدا :

«ـ فكرة رائعة، لكن ليس لدي حبر. معي قهوة مغلية، ما رأيك أن نجربها؟»

لم تكمل جملتها حتى رمى الكوب نحوها، فارتطم بجانبها وتناثر السائل الساخن على مئزرها.

« مجنون! »

صرخت وهي تلوح بالصينية، ثم نزلت بها على ذراعه بقوة جعلته يتراجع.

« أمسكوها!»

صاح أحدهم، فاندفع الثاني من الجانب لكنها أسرعت والتفت حول الطاولة، دفعتها باتجاههم فسقطت الأكواب المتبقية على الأرض.

أمسكت بكرسي ورفعته كدرع أمامها فيما أحدهم حاول الاقتراب من الخلف. استدارت وضربته بالكرسي مباشرة في صدره فصرخ ووقع على الأرض.

«تلك الخرقاء!»

تمتمت وهي تلعن روز مع كل حركة. عندما اقترب أحدهم ليمسكها، سارعت لأهدائه ركلة بين قدميه جعلته يتلوى مكانه في نفس اللحظة الذي صرخت فيها روز من الداخل، وهي تنفجر ضحكا عليها:

«هل هناك مشكل؟ أتحتاجين مساعدة؟»

ربما كانت لتوافق وتقول نعم لو لم تكن تعرف جيدا أن نهاية مساعدة روز لها ستكون السجن لا محال، فقررت الرفض مع ابتسامة تقول «دورك آت».

ثم صرخت لتجيبها:

« لا، فقط الزبائن يراجعون جودة القهوة »

ضحك الجميع بالداخل، حتى روز التي كانت تعلم أنها لن تنجو بعد أن تنهي صونيا عملها. ومع ذلك ،كانت تستمتع بكل ثانية تمر على صونيا جاعلة لها تشتعل غضبا.

اقترب آخر محاولا إمساكها، لكنها دفعت أحد الكراسي عليه وركضت بعد أن بدا لها أنها ستحاصر. تاركة خلفها أصوات الشباب وهم يلاحقونها بضحكاتهم وشتائمهم فيما واحد منهم لا يزال مصرا على طلبه المقزز:

« قبلة واحدة وانتهى الأمر »

« موتوا بقهوتكم! »

صاحت دون أن تلتفت، وركضت بالاتجاه الآخر نحو محطة البنزين حيث السيارات مصطفة تنتظر من يعبئ خزانها.

تأملت المكان للحظة حتى وقعت عيناها على أقرب سيارة سوداء متوقفة جانبا. بدت الأبواب مفتوحة. وطبعا، ليست غلطتها أن صاحبها الأخرق نسي إحكام إغلاقها. والأفضل في الأمر أن لا أحد قريب منها.

دون أن تفكر، سحبت مقبض الصندوق الخلفي.

وكأن العالم لأول مرة قرر مساعدتها بشيء. نظرت حولها بسرعة، ثم قفزت للداخل و أغلقت الصندوق قدر ما استطاعت فيما أنفاسها تتسارع ورائحة الزيت تزيد الوضع سوءا.

صرخت داخلها دون صوت محاولة عدم استنشاق رائحة المطاط الخانقة:

« لحظات وسأجعلك تتوسلين إلي »

لكن الحظ كعادته كان في إجازة. سمعت صونيا صوت خطوات تقترب من السيارة.

دعت من قلبها أن لا يكون أصحابها. لكن، هل من الممكن أن تفعل شيئا دون أن تغرق بمشكلة كعادتها؟

سمعت صوت باب السيارة وهو يفتح، ثم صوت رجال يتحدثون. بدا أحدهم غاضبا بعدما سمعته يغلق الباب بقوة وهو يوبخ أحد من معه.

عندها تمتمت بسخرية:

« رائع، الآن ستضاف جريمة سرقة سيارة إلى رصيد مصائبي »

حاولت فتح الصندوق والخروج قبل أن تتورط أكثر. ونعم، كما فكرت تماما، لم يفتح الصندوق. من قال إن الدوام ينتهي بعد خمس دقائق؟ يبدو أنه بدأ للتو.

ثوان معدودة كانت كفيلة بأن تلعن صونيا روز ألف مرة، قبل أن يدور المحرك وتبدأ السيارة بالتحرك ببطء، ثم تتسارع ومعها تتسارع لعناتها التي تحولت إلى شتائم موجهة لشخص واحد:

« روز يا وجه النحس، لو خرجت من هنا حية، فسأرسل لك أجمل قبلة...لكنها بالمقلاة »

ثم تمسكت بجوانب الصندوق...

................الفصل القادم : صاحب الأعين الزرقاء

في رأيك، من سيكون صاحب الأعين الزرقاء؟ شاركني تخميناتك في التعليقات، وتابعني لتعرف إن كنت محقة 👀

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

لؤلؤة سمراء

المؤلف Hams Dhilal
2026/06/14 مستمرة
قائمة الفصول (3)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة