" لدى فضول لمعرفة... لما تفضلين الموت بالسم ؟! "
كان صوته الرخيم يرن داخل عقلي كجرس أنذر جميع حواسي وجعلني متأهبة لأقصى حد للإجابة عن سؤاله.
سؤاله الذي سيفصح الكثير عني ، ولكني لا امتلك ما اخفيه بل لا أمتلك شيئاً بالأساس ، ولم تكن الحياة عادلة معي يوماً وعندما قررت أن تنصفني كان انصافها متمثل بهذا السؤال فقد منحتني الفرصة التي لم تتح لي من قبل وهي حرية الاختيار.
حرية الاختيار بماذا ؟
باختيار ما لم يختره إنسان من قبل ، ألا وهي طريقة موتي.
قلت بصوت هادئ لا يعكس الفوضى داخلي (إيفا): " لدي نظرة خاصة للموت ، فأنا أرى أن الموت رسالة...."
نظر لها باهتمام وقد حظت إجابتها على كامل انتباهه ، ومهما قلب كلماتها في رأسه لم يستطع التوصل إلى ما تعنيه بالرسالة.
نظر لها بتمعن قبل أن يبتسم ابتسامته البشوشة ثم قال برزانة تناسب كبر سنه:" حفيدتي العزيزة ، لدينا متسع من الوقت بالفعل وأنا أرغب حقا في فهم نظرتك الخاصة..."
بادلته ابتسامة ساخرة بينما تميل للأمام قليلاً مصوبة نظراتها نحو عينيه اللتين تغلفهما التجاعيد ، قالت (إيفا): " جدي العزيز ، أيعني هذا أن لدي متسع من الوقت حتى أموت ؟..."
بادلها النظرات بحزم ولازالت الابتسامة على وجهه ثم أومأ برأسه قائلاً ( الجد): " قد تمتلكين أياماً أو سنواتً حتى تموتي...من يعلم ؟!.. الأمر متوقف على نظرتكِ للموت في النهاية "
عدلت جلستها بينما أمعنت النظر فيه ، جال في خاطرها بأن كلماته ربما قد تنطوي على تأكيد لها بالموت ولكنها ستختار كيف ومتى ستموت.
( إيفا):" لسنا صديقين إلى حد الجلوس والتسامر حول رؤيتي الخاصة ، ولكن بما أنك مصرٌ يا جدى العزيز يسعدني بأن هناك من سيستمع لي قبل نهايتي..."
أومأ لها برأسه ليؤكد لها بأنه خير مستمع ويوضح كم هو راغب حقاً لفهم نظرتها والتعرف على كينونة حفيدته التي لم يعلم عنها سوى بالأمس.
أسهبت بالشرح بنبرة قوية توحي بجدية ما تقوله (إيفا):" إليك الأمر ، طرق الموت كثيرة ولكل منها معنى مختلف ، وهذا المعنى قد يكون رسالة من القاتل أو الضحية - وفي مثل حالتي أنا من أختار طريقة موتي لذا أنا من أترك الرسالة - ، بالطبع هذا لا يشمل الموت الطبيعي فهو نهاية حتمية بلا معنى و بلا رسالة ولا يمكن لأحد التنبؤ بموعده .."
صمتت وأمعنت النظر لملامحه لترى إن كانت كلماتها قد غُرزت بعقله جيداً ، فهي نادراً ما تتحدث عن فلسفتها الخاصة ، لذا إن كان لا يأخذ ما تقوله على محمل الجد ستحبط حقاً.
تساءل (الجد): " أتعنين أن لكل جرائم القتل وحالات الانتحار معنى ورسالة متروكة ؟ "
اومأت برأسها كإجابة ثم أكملت (إيفا): " غالباً الإجابة هي نعم خاصة في حالات الانتحار ، فالطريقة التي يختارها المنتحر للموت تعبر عنه وعن رسالته....... أما جرائم القتل كثيرة
وقد تختلف الدوافع من قاتل إلى آخر ، وأحياناً قد يكون القاتل قد ارتكب جريمته بالخطأ وفي هذه الحال لا يحمل الموت أي معنى سوى أنه قدر لا يمكن التحكم به ، وعلى خلاف كل هذا بالنسبة للقتلة المتسلسلين دائما ما تكون جرائمهم أو الطريقة التي يختارونها كمنهاج للقتل....تحمل معنى أو رسالة يتركونها ، بالتفكير في الأمر كيف كنت تظن أن الشرطة يحققون في قضايا القتلة المتسلسلين ؟!..."
علق (الجد) قائلاً بعد أن أعجب بشرحها : " وإذا كنت الآن أريد أن أمنحكِ لقباً بناءً على وضعكِ فهل تكونين منتحرة أم
ضحية ؟ "
ساد الصمت فجأة بينما ضرب الإدراك صميم قلبها ، هل يتجرأ ويجعلها الآن هاربة ضعيفة فقط لأنها تتقبل كل ما ترميه الحياة عليها.
هي بوضع المنتحر الذي يختار طريقة موته ولكن بنفس الوقت إن أعطيت خيارا بين الموت أو مواصلة الحياة بالطبع كأي إنسان آخر ستختار الحياة ليس لأنها راغبة بالحياة بل ببساطة فقط لا تريد أن تنتهي حياتها التعيسة بهذه الطريقة.
وسؤاله الآن يذكرها بأنها تختار كيف تموت كما لو أنها تنتحر ،
رغم أن الأمر خارج عن إرادتها فلا أحد يتحكم بالموت ، إلا أنه يبدو كمن يلومها لأنها لم تقاوم وتقبلت حقيقة موتها هكذا ببساطة بل وأيضاً تفاوض حول طريقة موتها .
أتراه يلومها لأنه لم يتوقع حفيدته العزيزة حاملة الدماء النقية ضعيفة لحد التخلي عن حقها بالحياة ؟!
ردت بلهجة قاسية ، (إيفا): " عذراً منك جدي العزيز ، لست بوضع تتاح لي الخيارات...فكما ترى أنا مختطفة الآن وأنت تخطط لقتلي لذا لن امنحك متعة تسميتي بالضحية لأنني ببساطة لست خائفة ومتقبلة لحقيقة موتي... وبذات الوقت فالمنتحر يمتلك خيارين إما الحياة أو الموت .. أما في وضعي فلا أملك هذه الفرصة للأسف..."
كانت منفعلة وبشدة ربما لأنه مس كبرياءها المقدس عندما أعطى لها مجرد ايحاء من كلماته بأنه يصفها بالضعف والوهن.
وما زاد انفعالها كانت ضحكاته المزعجة ، ربما كونه كهلا بمنتصف عقده السادس يجعله على حافة الجنون ليضحك بهذه الطريقة.
نظرت له بقلة صبر وبدا أنها على وشك الانقضاض عليه وقتله ، ولولا أنها ليست متهورة بطبيعتها وتفكر بطريقة منطقية -هذا في المقام الأول - ثم وجود ذلك الحارس المهيب بجوار ذلك الكهل طوال الوقت ــ وهذا في المقام الثاني ــ ، لولا هذه الأسباب لكانت انقضت عليه وعجلت أجله.
أردف ومازال في خاطره أن يكمل الضحك ،( الجد): " على رسلكِ ، لما تأخذين سؤالي بهذا الشكل الانفعالي ؟! ، ثم إنكِ لم تجيبيني بعد على سؤالي الأول.."
نظرت له نظرة ثاقبة منزعجة من اكتشافه لخدعتها ، فقد دارت بالحديث فقط حتى لا تجيب عن سؤاله ، تفضل الاحتفاظ برسالتها الخاصة لنفسها ولكن كما يبدو حتى هذه الرغبة لن تنالها.
قالت بنبرة هادئة وخاوية تخالف انفعالها منذ لحظات ، ( إيفا) :
" عادةً يرمز الموت بالسم إلى الغدر من الداخل ، وهذا الشعور لازمني طوال حياتي وحتى الآن... لذا هي الطريقة المثلى لتمثل رسالتي "
ومضت الدهشة لثواني داخل عينيه ولكنه أخفاها بنبرته الجافة وهو يقول : " بعض الأخطاء لا مفر من إزالتها ولو أنه يعد ظلماً، لأن الحياة لا تؤمن إلا بالأقوياء ولا تنصف المظلومين ،
ومن ينتظر انصافاً من القدر دون أن يأخذه بنفسه فلا يلومن
إلا نفسه حين تدعسه الأقدار"
احتدت نظراتها تزامناً مع نهاية حديثه ولم تظهر الألم الذي أصابها إثر كلماته ، فما الذي كانت تتوقعه ؟
لم تتوقع منه عزاءً على أية حال ولكن ما ألمها حقا هو وصفه لها بالخطأ ، إنه يراها كخطأ من أخطاء الكون يجب إزالته وليست إنسانة تمتلك قلباً ومشاعر ولا ذنب لها بهوية والديها.
لا يمكنه أن يأتي ويلومها على أخطاء حفيده الذي يكون والدها ولا يمكنه أن يصفها بالضعف وهو لم يعش حياتها قط ، والاكثر إيلاماً بالنسبة لها هي حقيقة تأثرها بكلماته ، لما تهتم برؤيته عنها وهو يراها مجرد خطأ ؟!
نظرت له بشزر بينما خلى وجهها من التعابير ثم قالت بنبرة حادة
(إيفا): " من السهل على كهل مثلك بأن يقول مثل هذا الكلام...
وهو لم يعش سوى الترف بحياته ولم يفطن إلى معنى اليتم.. ولم يصبح أداة للسلطة يتحكم بها مدير أكاديمية مجنون. "
نظر لها الجد متجاهلاً كلماتها الوقحة عندما وصفته بالكهل التافه ــ أي الذي يقول كلاماً بلا معنى ــ ثم قال محولاً مجرى الحديث
الذى بدا لاذعاً لكليهما حتى الآن ، (الجد): " ألم تتناسى أمر ذلك المدير الطموح بعد ؟....لقد تم إقصاءه من اللعبة وانتهى الأمر ، وعليكِ أنتِ التفكير جيداً في طريقة انتقاء كلماتك حتى لا تلاقين ذات المصير..."
لم تندهش مما قاله فقد كانت شبه متيقنة من حقيقة موت مدير الأكاديمية الذى ظهر للعلن منتحراً ولكنها الآن تجلس أمام قاتله.
أكاديمية سانت لوران للأيتام ، الأكاديمية التي انتمت إليها طوال حياتها... الأكاديمية التي مثلت أكبر سوق بشرية تختبأ خلف قناع الإنسانية .
ومن قلة القلائل الذين على علم بهوية والديها كان مدير تلك الأكاديمية.... الرجل الذي أجاد استغلال الفرص وأعدها لتكون أهم أدواته للحصول على السلطة.
ولكنه كان أحمقًا وأدى تسرعه إلى قتله ثم ظهوره على كل البرامج الإعلامية كمدير أكاديمية الأيتام المشهورة....الرجل الصالح الذى
افنى حياته في الاهتمام بأحوال الأيتام ، ونتيجة شعوره بالذنب تجاه حوادث اختفاء الأيتام من الأكاديمية قرر إنهاء حياته والتخلي عن هذه المسؤولية.
كانت حبكة مثالية لجريمة قتل لن يكتشفها أحد ، ولكن هي التي عرفت الحقيقة المبطنة وعلمت بأنها الدافع الذى أودى بحياة المدير..، لم يكن من العسير عليها استنتاج بأن الضربة القادمة ستكون لها.
وها هي قد أصابت توقعاتها وباتت الآن تجلس أمام جدها ، يتبادلان الحديث والاقتراحات حول الطريقة الأفضل للموت .
──────────
العائلة ، مصطلح لطالما ارتبط بالدفء والحنان والاحتواء ، ولا يمكن ربط هذا المصطلح وتصنيفه على أنه قيمة إنسانية فقط.. لأن الطبيعة أثبتت بأن الحيوانات يمكنها الاتصاف بهذا المصطلح ، حتى الكائنات التي لا تتصف بالتفكير امتلكت غريزة تحثها على التمسك بعائلتها بكل الطرق.
وبناءً على تلك الحقائق فهي لم تمتلك تلك الغريزة كالحيوانات أو حتى المشاعر التي يكنها الإنسان الطبيعي لعائلته ، بل لطالما ارتبط ذاك المصطلح لديها بالألم.
بدايةً من تحولها من طفلة تحبو على قدميها إلى بيدق يتم توجيهه والتحكم بأهوائه عن طريق ذكر العائلة ثم اكتشافها في الثامنة من عمرها ... بأنها وعلى عكس باقي الأيتام حولها مازال ابواها على قيد الحياة ، ومن هنا بدأت حياتها بالتداعي تباعاً وبدأت إنسانيتها تقل مع كل موقف وبدأ العد التنازلي لقرب اجلها.
والآن أحد أفراد عائلتها لن يتوانى ولن يدخر جهوداً حتى يقضي عليها ويمحي ذكراها من الوجود ، لها الحق بكره ذاك المصطلح بعد كل هذا ؛ أليس كذلك ؟!
──────────
نقر الجد على الطاولة أمامهما مرتين عندما لاحظ انغماسها بالتفكير متناسية وجوده ثم قال جاذبا انتباهها (الجد):
" بعد التفكير لنقل أني قد وضعت قرار إزالتكِ بالخانة الأخيرة..."
ارتسمت على ثغرها ابتسامة ساخرة بينما تفكر هل يجب عليها أن تهب مقبلة يديه تعبيراً عن سعادتها بكرمه المؤثر؟!
ذاك العجوز يعطيها انطباعاً بأنه من يتحكم بعدد الأنفاس التي تدخل إلى رئتيها ، ولكن هل ستسمح له حقاً بتقرير ذلك ؟
وبناءً على هذا الاتهام الصريح لكبريائها اندفعت تقول بوجه ممتعض : " و يا سيد الكرم الواسع هل لي أن أعلم ما الخانة الأولى التي وضعتني بها ؟! "
" سأمنحكِ خيارين....إما أن تموتي أو يموت اسمك..."
و يا لها من خيارات رحيمة... بكل الأحوال سيحرص على قتل جزء منها ، فإذا لم يقتلها تماماً سيقتل شخصيتها
وسيمحى اسمها بينما لازالت هي على قيد الحياة.
هي بالكاد تجيد التمثيل ولكن قدرتها على ادعاء السخرية في نبرتها طوال نقاشهما ، قد أبهرتها هي شخصياً فلطالما حرصت على إخفاء مشاعرها تحت قناع البرود أو تجهم ساخر حين تفشل بادعاء اللامبالاة ولكن الآن لم تنجح أي تلك الأقنعة.
لم تستطع محو الانزعاج عن ملامحها مما آلت إليه حياتها ، عندما تكون شخصاً لا يملك فرصة لاتخاذ ابسط القرارات في حياته ستنزعج غالباً حينما يحدد شخص آخر إن كان عليك البقاء حياً أم لا.
" وهل لكرمك أن يمتد وتسمح لي باختيار اسمي الجديد على الأقل؟"
سألته بتكهم لترى إن كان سيمنحها هذا القرار أم سيسلبه منها أيضاً، ولكنه أومأ برأسه مبتسماً دون أن يعلق فاعتبرت الأمر إجابة بالموافقة .
" مايرا....اسمي الجديد.."
سرعتها في اختيار الاسم تنم على أنها كانت تنوي بالفعل تغيير اسمها وكان هذا الاسم على قائمة الأسماء التي قد جهزتها مسبقاً لذا لم تفكر بالأمر.
علق الجد بما دار في خلده: " لو لم تكن الظروف لكنتي قد غيرتِ اسمكِ أليس كذلك ؟ "
لقد أصاب ، عندما كانت طفلة كانت تتغنى وتفتخر باسمها المميز ، إيفانورا بمعنى الضوء والبهجة الاسم الذي أضاف لحياتها رونقاً خاصاً فقد كانت على اقتناع تام بأنها ستنال المعجزات وفقاً لاسمها المميز ولكن كل شيء تغير في لحظة ما.
لحظة اكتشافها لحقيقة والديها ، تلك اللحظة التي غيرت كل شيء في حياتها وفي كيانها... اللحظة التي قتلت الطفلة التي كانت بداخلها يوماً ما.
" هذا الاسم مرتبط بتلك المرأة التي تسمى أمي ولا أجد سبباً لأبقى عليه "
ومض بعينيه شعور لم يكن لا الازدراء أو الكره أو حتى المفاجأة ، بل كان فخراً ، تفاجأت لرؤيتها ذلك بعينيه ولم تفهم لماذا قد يشعر بالفخر تجاه ما قالته ، حتى قال مع ابتسامة منتصر بمعركة :
" من الجيد أننا نتفق على كره تلك المرأة "
ردت مع ابتسامة فاترة: " في الحقيقة أنا اكره كلاكما...."
علق الجد مختتماً اللقاء بينهما: " وعليكِ فعل ذلك دائما...."
──────────
رأيكم بالفصل 🧚🏼♀️
تعليق لطيف 💌
نجمة وفلو لمعرفة المزيد
دمتم في رعاية الله 🤍
سلام
سلام
سلام
Mj Mj