النفسُ البشرية كالمحيطِ تماماً، تتشكلُ من طبقاتٍ ثلاث؛ الصافية التي تمنحُها للناظرين، وشبه المعتمة التي تخبئُ فيها حيرتك وترددك، والمظلمة التي تسكنُ القاع حيثُ لا يجرؤُ الضوءُ على العبور. نحنُ لسنا ما نُظهرهُ فوق السطح، بل نحنُ كلُّ ذلك الغموضِ القابعِ في الأسفل، حيثُ الحقائقُ الصامتة التي لا تطفو أبداً."
وكما يقول الفيلسوف فريدريك نيتشه:
"إنَّ الفردَ بحدِّ ذاتهِ محيطٌ.. والمشكلةُ هي أنهُ لا يَعرفُ كيفَ يَغوص."
⚡❄️❄️❄️❄️❄️❄️❄️❄️❄️❄️❄️❄️⚡
بل كان صمتاً ثقيلاً ومثقوباً بأناتٍ مكتومة وصوت تقطر المياه الملوثة من السقوف المهترئة. الزنازينُ كانت عبارة عن صناديق حجرية تضيقُ بأنفاسِ الأسرى، حيثُ تفوحُ رائحةُ العفنِ الممتزجةِ بـنتنِ الأجسادِ المنهكة والبولِ الجاف. الأسرى، حتى في ذروة إعياء نومهم، كانوا يتقلبون بحذرٍ غريزي؛ يرتجفون مع كل صريرٍ للجرذان، وكأنَّ أرواحهم تُحذرهم من "هالةٍ" سامةٍ تخترقُ القضبان. لم تكن تلك الهالة سوى حضور جيري؛ ذاك المسخ الذي يملكُ عيناً لا تنام، ومكراً يسبق خطاه. ورغم أنَّ مفاتيحَ الزنازين كانت معلقةً في حزامِ جيسون البعيد، إلا أنَّ الأسرى كانوا يشعرون بأنَّ جيري هو السجان الحقيقي لأرواحهم.
في زاويةٍ مظلمة، حيثُ كان بوب يتمددُ بجسده المهشم من ضربات الأمس، اتكأ جيري على الحائطِ ببرودٍ مستفز، وأشعل سيجارةً مهربة، ليضيءَ وهجُها ملامحه اللئيمة.
- "تبدو كقطعةِ لحمٍ متعفنة يا بوب،" همس جيري بصوتٍ مبحوحٍ ممتزجٍ بالدخان، "ركلةُ تلك العاهرة تركت في وجهك خارطةً من الخزي. ألم تستطع مداراةَ شهوتك السيادية للحظات؟ أم أنَّ ريقك جفَّ بمجرد رؤيةِ تلك الصغيرة
ففقدتَ عقلكَ وجعلتَنا أضحوكةً أمام ذلك 'الذئب' المزيف
بصق بوب دماً وهو يحاول الاعتدال في جلسته، ورد بنبرةٍ تقطرُ حقداً وألفاظاً نابية:
- "اخرس يا جيري.. تلك العاهرة .. سأجعلُها تتمنى الموت حين تقعُ تحت يدي مرةً أخرى. أما القائد.. فتباً له ولهدوئه. لم أتوقع أن يملك ذلك القصير تلك اللكمة الصاعقة. لقد باغتني كـخنزيرٍ غادر."
ضحك جيري ضحكةً صامتة هزت كتفيه:
- "القائدُ ليس غادراً، أنت هو الأحمقُ الذي كشفَ أوراقه باكراً. تلك العاهرة ليست أسيرةً عادية، ونظراتُها توحي بأن خلفَها جيشاً من الجحيم، لكنك بـنزواتك القذرة جعلت 'الذئب' يضعنا تحت المجهر. الآن، حتى جيسون اللعين أصبح ينظرُ إلينا وكأننا جثثٌ تنتظرُ الدفن."
وقف جيري أمام زنزانة بوب، وأسند ظهره إلى الحديد البارد، ونفث دخان سيجارته ببطء مستفز. كان ينظرُ إلى زنزانة الأسيرات المقابلة، لكنَّ عيناه لم تكونا تبصرانِ الواقع، بل كانتا غارقتين في "تخيلاتٍ" مشوهة، وكأنه يرى الأجساد المنهكة في وضعياتٍ أخرى، وفي مكانٍ يفيضُ بالخلاعة والدمار.
انحنى جيري نحو بوب، وهمس بصوتٍ رخيمٍ تعمدَ أن يصلَ مسامعَ الأسيرات القابعات في الظلمة:
- "أتعلمُ يا بوب؟ لو كنتُ أنا القائد هنا، كما كنتُ في سالفِ عهدي قبل أن تأتينا تلك 'النسخُ الباهتة' لتقيدَ أيدينا بـاسمِ النظام، لكان هذا المكانُ أجملَ 'منتجعٍ للهو' قد تشهدُه هذه الصحراء. كنتُ سأحولُ هذه الزنازين الباردة إلى مخادعَ من حريرٍ ملوث، حيثُ لا صوتَ يعلو فوقَ صرخاتِ الاستسلام."
بصق بوب دماً وهو يبتسمُ بـدناءةٍ واضحة، وردَّ بنبرةٍ متهدجة:
- "وما الذي يمنعك يا جيري؟ أنت 'ثعلبُ' هذا المكان، والجميعُ يرتعدُ من ظلك حتى لو كنتَ بلا رتبة."
ضحك جيري ضحكةً صامتة، وعيناه لا تزالان تلتهمانِ أشباحَ الأسيرات خلف القضبان، وتابع بحوارٍ أطول وأكثر سماً:
- "يمنعُني أنَّ الذئبَ الجديدَ يظنُّ أنَّ المعسكرَ كنيسةٌ للتوبة، لا مكاناً لتفريغِ الأحقاد والشهوات. انظر إليهنَّ يا بوب.. يرتعدنَ من مجردِ دخانِ سيجارتي، فكيف لو أطلقتُ لهنَّ العنان تحت سياطِ رغباتي؟ تلك العاهرة الكبيرة (إليزابيث) تظنُّ أنَّ كبرياءها سيحميها، لكنها لا تعلمُ أنَّ الجمالَ في هذا المكان هو 'لعنةٌ' تُساقُ إلى المقصلة."
ثم دنا من قضبان بوب أكثر، حتى لفح نَفَسُه وجهَ بوب، وقال بصوتٍ خافتٍ كفحيحِ الأفاعي:
- "غداً الساعة التاسعة مساءً.. حين تغفو العيونُ التي لا تدركُ قيمةَ المتعة، سأحتاجُ إلى ذراعٍ قويةٍ كـذراعك خارج هذا القفص. لا تدع ركلةَ تلك اللبؤة تُنسيك كيف تنهشُ اللحم. سأعيدُ لك هيبتَك، وسأعيدُ لهذا المعسكر لونهُ الحقيقي.. اللونَ الأحمر القاني الذي يليقُ بـسهراتنا."
انسحب جيري ببرود، تاركاً بوب يغرقُ في أحلامِ الانتقام، والأسيراتُ يغرقنَ في كابوسٍ لم يبدأ بعد، وهمسُ كلماته "منتجعُ اللهو" لا يزالُ يطنُّ في آذانِهنَّ كـنذيرِ شؤمٍ لا يرحم.
⚡❄️❄️❄️❄️❄️❄️❄️❄️❄️❄️❄️❄️⚡
الساعة 5:00 فجراً - ممرُّ الخطايا المنسية
خرج جيسون من غرفة تبديل الملابس العسكرية، كانت رائحة الصابون الرديء تحاول عبثاً أن تطرد رائحة الموت العالقة في مسامه. شدَّ حزام بذلته بآليةٍ رتيبة، لكنَّ عقله كان لا يزال مشوشاً، عالقاً في ذلك الصدى البغيض لصرخات الأمس التي لم تهدأ في رأسه. سار في الممر الخافت الإضاءة، حيث المصابيح المتدلية تتأرجح مسببةً ظلالاً راقصة تشبه الأشباح على الجدران المقشرة.
على أرضية الزنزانة الباردة، كانت تلك التي "انهالت على 'بوب' بضرباتٍ حطمت قناعه" {اليزابيث }تضطجعُ بجسدها المنهك، وقد لفت ذراعيها حول تلك الكسرة البشرية الصغيرة؛ الطفلة . كان منظر الطفلة يفطر القلب؛ جسدها الصغير قد ذاب وتلاشى من فرط سوء التغذية، حتى بدت أطرافها كأغصانٍ يابسة توشك على التكسر، ولولا كتلة شعرها الذي يميلُ لونه إلى الحُمرة القانية المبعثر فوق وجهها الشاحب، لظنَّ الرائي أنها مجرد كومة من الثياب الرثة الملقاة في زاوية القذارة تلك. كانت الطفلة تنامُ نوماً مضطرباً، كأن الكوابيس تلاحقها حتى في صمتها
أما الرفيقة الأخرى، "التي ألحقت بالجندي عاهةً أخصت رجولتهُ بلمح البصر" {لارا} ، فقد كانت تجلسُ بصلابةٍ صخرية على حافة السرير المهترئ، تراقبُ الفراغ بعينين لا تغفلان. وحين شعرت بظله يقطعُ الضوء الشحيح.رفعت رأسها ببطء،
قبل أن ينطقَ لسانُها بكلمة، وقبل أن يتحرك هو فراراً، تلاقت نظراتهما في تلك العتمة الشحيحة، فكانت لحظةً تجمّد فيها الزمنُ وكأنَّ الأقدارَ قد توقفت لتتأملَ هذا اللقاء. ساد صمتٌ مطبق، ارتطم فيه سوادُ عينيه القاتم كليلِ الصحراء ببريقِ عينيها الفريد؛ ذلك المزيجُ المذهلُ بين خضرةِ الغاباتِ وزرقةِ البحار، وكأنَّ عينيها خُلقتا لتجمعا ألوانَ الحياةِ في زنزانةٍ لا تعرفُ سوى الموت.
كانت ملامحُهما، رغم القضبان الفاصلة، تحكي قصةَ "توأمةٍ" مريبة؛ هي بشعرها الأشقرِ المتمرد الذي تبعثرت خصلاتُه بعفويةٍ ثائرة نتيجة ليلةٍ قاسية من الأسر، وهو بشعره البنيّ الذي بدا أشعثَ بـذات الطريقة التي توحي بالاضطرابِ والشتات. كانت تلك الخصلات المبعثرة في كِليهما لغةً بصريةً صامتة، وكأنَّ أرواحهما قد اتحدت في فوضى المظهر لتعلنَ للعالم: "نحنُ شظايا من ذات الانكسار".
في تلك الوقفةِ الطويلة، لم تكن النظراتُ مجرد استطلاع، بل كانت غوصاً في أعماقِ الروح، حيث انكشفَ انكسارُ الجندي أمام شموخِ الأسيرة، قبل أن يكسرَ صوتُها هذا السكونَ بـسؤالها الحاد:
- "لماذا لم توقفني؟"
تجمد في مكانه، وردَّ بنبرةٍ خاليةٍ من المشاعر وهو يتفادى النظر إلى وجهها:
- "عن ماذا تتحدثين؟ لم أكن قريباً بما يكفي لمنعِ تهوركِ الأخرق."
ضحكت بـصوتٍ خافتٍ مرير، وقالت من خلفِ القضبان:
- "كاذب.. لقد تركتني أُخصي كبرياء ذلك الجندي لأنك تفتقدُ الجرأة لتمزيق هذه البذلة التي تسكنُك. أنت خائفٌ يا جندي."
صمتت لثانية، ثم تابعت بمرارة:
- "الخوفُ ليس عيباً، فنحنُ جميعاً نرتجفُ هنا خلف هذه الأسوار. العيبُ الحقيقي هو أن تظلَّ متمسكاً بـخوفك كأنه قدرُك المحتوم، وتتخذهُ درعاً لكي لا تواجهَ الحقيقة التي تصرخُ في أعماقك كل يوم."
جيسون بالانصراف، تحركت قدماه خطوتين فراراً من حصارِ كلماتها، لكنه توقف فجأة وكأنَّ يداً خفية قبضت على قلبه. بقي واقفاً في مكانه، منطياً إياها ظهره بالكامل، رافضاً أن يريها وجهه الذي بدأ يفقد ثباته العسكري. ساد صمتٌ ثقيل، لم يقطعهُ سوى أنينٍ خافت من الطفلة النائمة.
نطق جيسون أخيراً، وكان صوته رخِيماً، مشروخاً، تملؤه غصةٌ واضحة وأثرُ دموعٍ مكتومة جعلت حباله الصوتية ترتجف:
- "هذه الطفلة.. التي ترينها تذبلُ أمامك.. اسمها أنتونيا. هي ليست مجرد أسيرة، هي الشاهدُ الحيُّ على أقذر فصول هذا المعسكر."
بلع غصته بصعوبة، وتابع وهو يحدق في الجدار المظلم أمامه:
- "لقد كانت تملكُ أباً.. رجلاً شريفاً حاول أن يقف في وجه العاصفة. عندما كان 'جيري' قائداً لهذا المكان، لم تكن تحكمه قوانين، بل تحكمه شهواته السادية. حاول 'جيري' الوصول إلى والدتها، وحين وقف والدها يدافعُ عن شرف بيته وعرضه، قتله 'جيري' بدمٍ بارد أمام عيني هذه الصغيرة. أما والدتها.. فقد كانت تملكُ من الكبرياء ما يكفي لتختار رصاصةً في قلبها على أن تلمسها يدُ ذلك المسخ."
اهتز كتف جيسون قليلاً، وخرج صوته مخنوقاً بالدموع التي رفض أن تذرف أمامها:
- "لقد رأيتُ الجلادَ وهو يضحكُ فوق الجثث، ورأيتُ الدماء وهي تصبغُ رمال هذا المعسكر.. ومع ذلك، ها أنا ذا، ما زلتُ أرتدي هذا الزي اللعين، وأحملُ مفاتيح السجن التي تخنقُ الأبرياء. نحنُ يا هذه، لسنا سوى أشباه بشر، نقتاتُ على خوفنا لكي نعيش يوماً آخر في هذا الجحيم."
، انطلق جيسون بخطواتٍ متسارعة، كان صوتُ حذائه الثقيل يضربُ الأرض كأنه يحاول الهروب من صوته ومن ذكرياته، تاركاً خلفه زنزانةً تغلي بالوجع، وكلماتٍ ستظلُّ تطاردهما معاً حتى نهاية الطريق.
⚡❄️❄️❄️❄️❄️❄️❄️❄️❄️❄️❄️❄️⚡
الساعة 8:30 صباحاً - مائدةُ القذارةِ وبوحُ الأسرار
دخل فيكتور إلى الكراج، لم يكن يحملُ معه بروتوكولات القادة، بل كان يحملُ وعاءين من البلاستيك الباهت، تفوحُ منهما رائحةُ طعامٍ رديء لا يميزُ المرءُ مكوناته. كانت الساحةُ الخارجية تغلي تحت شمسٍ بدأت تشتد، وهناك، فوق صناديق خشبية متهالكة، كانت إليزابيث تجلسُ بوضعيةٍ يملؤها الشموخ المكسور، تضمُّ الطفلة "أنتونيا" إليها، وتراقبُ الأفق بعينين لا تغفلان.
سحب فيكتور كرسياً خشبياً قديماً، وجلس عليه بهدوء، واضعاً الطعام أمامه. تقدم جيسون، الذي كان يمسحُ يديه بخرقةٍ ملوثة، ونظر إلى الأوعية بـتقززٍ لم يستطع إخفاءه:
- "ما هذا الذي تحمله يا سيادة القائد؟"
رد فيكتور وهو يمدُّ وعاءً نحو جيسون:
- "فطورنا يا جيسون.. تفضل."
توقف جيسون، ونظر إلى فيكتور بذهولٍ شابهُ الشفقة:
- "هذا الطعامُ مخصصٌ للأسرى يا سيدي.. الجنودُ لهم حصصٌ أفضل، والقادةُ يملكون موائد خاصة تليقُ برتبهم. أنت الآن في قمة الهرم، فلماذا تأكلُ من قاع الإناء؟"
شعر فيكتور بـوخزةٍ في صدره، نظر إلى الوعاء، ثم إلى إليزابيث القابعة في الساحة. أدرك في تلك اللحظة حجم "الظلم" الذي يُطحنُ تحت تروس هذا المعسكر. وبدلاً من أن يرمي الطعام، أخذ ملعقةً وبدأ يأكل بـهدوءٍ مستفز، بينما قام جيسون بـحركةٍ انفعالية ورمى وعاءه في سلة المهملات القريبة، صائحاً بمرارة:
- "أنا لا آكلُ الفضلات!"
استمر فيكتور في مضغه البطيء، وعيناهُ مسمرتان على إليزابيث التي كانت تراقبهُ من بعيد؛ رأت القائد وهو يتناولُ ذات "العلقم" الذي تتناوله هي، فارتسمت على وجهها نظرةٌ جمعت بين الحيرةِ والازدراء.
كسر فيكتور الصمت، وسأل بنبرةٍ غارقة في التفكير:
- "جيسون.. برأيك، ما هو الخوف؟"
رد جيسون بـعفويةٍ لم يفكر فيها:
- "الغربان."
توقفت يد فيكتور عن الحركة. ساد صمتٌ طويل، نظر فيه فيكتور إلى جيسون مطولاً، ثم التفت ليرقب إليزابيث للحظات، قبل أن تخرج منه قهقهةٌ خافتة، ناعمة، خالية من الاستهزاء:
- "غربان؟ أهذا ما تخشاه؟ أراهنُ أنَّ أطفالَ المخيماتِ هنا لا يخشون الديناصورات، فكيف تُفزعك الغربان يا رجل؟"
أجابه جيسون بـجديةٍ قاتلة:
- "الغربانُ نذيرُ الموت.. أينما وجد الغراب، وجدت جيفةٌ منسية، جثةٌ لم يجد صاحبها أحداً يواري سوأتها، فتُركت للفراغ."
هنا سقط الصمتُ كالجبل فوق المكان. فيكتور ظلَّ صامتاً لفترةٍ طويلة، وكأنه يدرسُ معنى الجثث المنسية في كلام جيسون. مال بجسده على الكرسي بـزاويةٍ توحي بـالفضول، ونظر إلى الساحة حيث إليزابيث تمسح على شعر الطفلة، ثم همس وهو يكسر الصمت:
- "الوهم.."
استفهم جيسون بـحيرة: "ماذا؟"
أكمل فيكتور وعيناه لا تحيدان عن الساحة:وهمٍ .. الخوفُ مجردُ وهمٍ يصنعه العقل لكي يبقى حياً ولا يواجه المخاطر."
بقي جيسون صامتاً، يراقبُ نظرات فيكتور التي لم تغادر إليزابيث. سأل فيكتور فجأة بـصوتٍ هادئ:
- "هل تعرفُ اسم تلك الفتاة التي أخصت جندياً بالأمس؟ ليس التي ضربت بوب، بل الأخرى."
رد جيسون بـهدوء: "لا.. لا أعرف اسمها، ولكن لِمَ تسألني أنا بالذات أيها القائد؟"
سكت فيكتور، وتفرّس في وجه جيسون لثوانٍ، كان يدركُ يقيناً أن جيسون التقى بها فجراً، لكنه اكتفى بابتسامةٍ غامضة:
- "أنت قديمٌ هنا، ظننتك تعرف الجميع."
عادت عينا فيكتور لتستقرا على إليزابيث، وحين لاحظ جيسون انجذاب القائد لها، قال بـصوتٍ خفيض:
- "لقد عرفتَ 'إليزابيث' إذاً؟"
تسمّر فيكتور وسأل: "إليزابيث؟ أهذا اسمها؟"
أجاب جيسون: "أجل.. اسمٌ ملكي يليقُ بـجرأتها."
مال فيكتور بـرأسه قليلاً نحو جيسون بوضعيةٍ تشبه التهديد المبطن، وسأله بلهجةٍ حادة:
- "لم تعرف اسم تلك، وعرفت اسم هذه.. هل تملكُ اهتماماً خاصاً بها؟"
ضحك جيسون ضحكةً عابرة وقال: "هل هذه غيرةٌ أيها القائد؟"
اصطبغ وجه فيكتور بحمرةٍ قانية، وأشاح بوجهه فوراً بـارتباك: "ليست غيرة.. بل هو الفضول."
تابع جيسون: "إليزابيث ليست أسيرةً عادية، كانت هناك توصياتٌ خاصة تأتي بشأنها من 'الرئيس' نفسه، لسببٍ مجهول، حتى افترض البعض أنها كانت محبوبته."
صاح فيكتور مستنكراً: "مستحيل!" ثم هدأ وقال: "ربما هذا يبرر ما فعلته.. ولكن، ماذا فعلت أيضاً؟"
هنا، مال فيكتور بجسده كله نحو جيسون بـفضولٍ جامح، بينما بدأ جيسون يروي بـهدوءٍ رهيب:
- "في عهد 'جيري'، كانت هي الأسيرة المفضلة بفضل جمالها. جيري كان يدللها، وكانت هي حينها أقلَّ عنفاً، تكتفي بـاللسان اللاذع. وفي ليلةٍ كان 'المشرف' متواجداً هنا، تآمر جيري مع جندي لإسقاطها في الوحل لتبديل ثيابها. دخل جيري الخيمة محاولاً اغتصابها.. لم نعلم ما حدث، لكنها خرجت بعد ثوانٍ والدمُ يلطخُ وجهها، تصرخُ في الجنود أن يبتعدوا عنها. توجهت للمشرف وصرخت في وجهه بـجنون، وحين دخل المشرف الخيمة.. وجد جيري يئنُّ وهو يقبضُ على عضوه.. لقد جعلت منه عقيماً بـلحظةٍ واحدة. لم يُخفف الحكمُ عنها، بل عوقب جيري بخفض رتبته، ونُقلت هي لمخيمات أخرى."
بعد انتهاء جيسون من حديثه، ساد هدوءٌ مطبق. رفع فيكتور نظره نحو إليزابيث، لكنَّ نظرته هذه المرة كانت مختلفة؛ لم تكن نظرة قائد، بل نظرةَ إنسانٍ يرى "بطلةً" حقيقية. لاحظت إليزابيث هذا التغير في عينيه، أدركت أنَّ شيئاً ما انكسر في كبريائه، لكنها لم تمنحه سوى نظرةٍ تفيضُ بالكره والحنق، وهي تمسحُ على شعر الطفلة بـقسوةٍ حانية.
⚡❄️❄️❄️❄️❄️❄️❄️❄️❄️❄️❄️❄️⚡
الساعة 1:00 ظهراً - عتمةُ الزنزانةِ ولعبةُ الأقنعة
في دهاليز السجن السفلي، حيث يتكاثفُ الهواءُ برائحة العفن والصدأ، دخل فيكتور بخطواتٍ رزينة يترددُ صدى وقعها في الممر الصامت كدقاتِ ساعةٍ جنائزية. توقف أمام زنزانة بوب، الذي كان يربضُ في العتمة كحيوانٍ جريح غدرت به مخالبه.
سحب فيكتور كرسياً حديدياً، أصدر صريراً حاداً مزق سكون المكان، وجلس ببرودٍ يثيرُ الريبة. ظلَّ صامتاً لدقائق، يحدقُ في وجه بوب الملطخ بالكدمات والدم الجاف، وكأنه يقرأُ كتاباً مقززاً. كسر فيكتور الصمت بصوتٍ هادئ، رخيم، يحملُ نبرةً من التعالي المثقف:
- "بوب.. سأطرحُ عليك سؤالاً، ومع أنه سؤالٌ فلسفيٌّ قد لا يتناسبُ مع مساحةِ الغباء في عقلك، لكنني سأجرب حظي معك.."
مال فيكتور بجسده قليلاً إلى الأمام، وعيناه تلمعان ببريقٍ بارد:
- "لو كنتَ جزءاً من روايةٍ عن 'المسيح'.. من تعتقدُ أنك ستكون؟ هل ستكون ذاك الذي يبيعُ الحق بـثلاثين قطعة من الفضة، أم الجندي الذي يغرسُ النصل في الخاصرة وهو يظنُّ أنه يؤدي واجبه؟"
ساد صمتٌ ثقيل. نظر بوب إليه بعينين محتقنتين بالدم، لم يفهم من "المسيح" أو "الرواية" شيئاً سوى أن هذا القائد الجديد يسخرُ من كيانه بكلماتٍ منمقة. بصق بوب على الأرض تحت قدمي فيكتور، وقال بصوتٍ يملؤه الحقد:
- "لا أعرفُ عن أيِّ مسيحٍ تتحدث، ولا تهمني رواياتك الورقية.. لكنني أعرفُ شيئاً واحداً؛ في عالمي لا يوجد أنبياء، يوجد فقط مَن يملك السوط ومَن يتلقى الضربات. وأنت، بـهذه النظرات الفلسفية، لا تبدو كـمسيح، بل تبدو كـضحيةٍ مرفهة لم تذق طعم الرمل في حنجرتها بعد."
ارتسمت على شفتي فيكتور ابتسامةٌ باردة، مسمومة، ومال بجسده إلى الأمام حتى لامست ركبتاه القضبان الحديدية، وقال بـنبرةٍ ساخرةٍ تقطرُ احتقاراً:
- "مثيرٌ للشفقة حقاً يا 'بوبي'.. لو سألتك الآن عن الوضعيات الجنسية، لكنتَ قد وصفتها لي بـدقةٍ تشريحية مذهلة، وبتفاصيلَ مقززة تليقُ بـمخيلةِ حيوانٍ لا همَّ له سوى إشباع غرائزه. لربما كنتَ ستشرحُ لي بـفخرٍ كيف تقتنصُ فرائسك في العتمة.. أما عندما أسألك عن روايةٍ عالمية، أو فكرةٍ تسمو بـالإنسان فوق طينِ رغباته، تدعي أنها ليست من عالمك؟"
سكت فيكتور للحظة، ومررت عيناه نظرةً فاحصةً شاملة على بوب، من جبهته المتعرقة حتى قيود قدميه، ثم أكمل بـقهقهةٍ هادئة خالية من أي مودة:
- "أخبرني بـصدق "بوبي".. ما هو عالمك بالضبط؟ هل هو محصورٌ بين شهواتك الدنيئة وقذارة هذه الزنزانة؟ أنت تظن أنك 'وحشٌ' يهابه الجميع، لكنك في الحقيقة مجردُ كائنٍ مفرغ، خاوٍ من المعنى لدرجة أن الكلماتِ الراقية تصيبك بـالدوار كأنها هواءٌ نقيٌّ دخل إلى رئتين اعتادتا العفن."
انتفض بوب من مكانه، واقترب من القضبان حتى كاد وجهه يلامس وجه فيكتور، فـبدت ملامحه مشوهةً بـالغضب الكامن:
- "اسمعني جيداً أيها القائد الأنيق.. أنت تحاربُني بـالكلمات لأنك لا تملكُ غيرها، تظن أنك ذكيٌّ لأنك قرأت بضعة كتبٍ في غرفتك المكيفة. لكن في هذا المكان، الكتبُ لا تحمي الأعناق من السكاكين. غداً، عندما تسقطُ هذه الجدران، أو عندما يحلُّ الليلُ ويغيبُ الحراس، لن تنفعك فلسفتك عن 'المسيح'. سأجعلك تتوسلُ بلغةٍ تفهمها أنت جيداً.. لغةِ الألم التي لم تكتبها الروايات."
لم يرمش فيكتور، بل ظلَّ يحدق في بوب بـبرودٍ جنائزي، ثم قام من مقعده بـتؤدة، ونفض غباراً وهمياً عن كمه:
- "لغةُ الألم هي الملاذُ الأخير للعاجزين يا بوب. أنت تهددُ بـما تملك، وأنا أحاكمُك بـما تفتقد. ابقَ هنا في عتمتك، وتأمل في قذارةِ عالمك الذي تفتخرُ به.. فـالشمسُ لن تشرق على من اختار أن يعيش ويموت كـالحشرة."
استدار فيكتور ومضى في الممر، تاركاً بوب يضربُ القضبان بـكل ما أوتي من غل، وصوتُ شتائمهِ يرتدُّ عن الجدران الصماء، بينما كان حقدُ بوب في تلك اللحظة قد تحول إلى قرارٍ نهائي: هذا القائد لن يموت بـرصاصةٍ سريعة، بل سيموت بـبطءٍ يخرسُ كل فلسفاته.
⚡❄️❄️❄️❄️❄️❄️❄️❄️❄️❄️❄️❄️⚡
ساد السكونُ أرجاء المعسكر، إلا من صوت الرياح التي تداعبُ الأسلاك الشائكة. في مكتبه الذي تضيئه شمعةٌ وحيدة ومصباحٌ خافت، كان فيكتور يجلسُ خلف مكتبه، واضعاً أمامه طبقاً من اللحم المشوي والخضروات المطبوخة بعناية، يفوحُ منها عطرُ التوابل الذي يكسرُ نتانة رائحة المعسكر.
فُتح البابُ فجأة بـعنفٍ لم يعتد عليه، ودخل الحراسُ وهم يقتادون إليزابيث. كانت أنفاسُها ثائرة، وشعرُها الأسود الناعم يغطي جزءاً من وجهها المحتقن بالدماء، وثيابها ممزقةٌ عند الكتف أثر العراك. صرخ أحد الحراس بـحنق:
- "سيدي القائد، لقد كادت أن تقتل الحارس المناوب حين حاول نقل الطفلة إلى عنبرٍ آخر.. إنها مجنونة!"
أشار فيكتور بـبروده المعتاد للحراس بالانصراف. وبمجرد أن أُغلق الباب، لم تقف إليزابيث موقف الذليل، بل اندفعت نحو مكتبه بـخطواتٍ ملكية، وجلست فوق سطحه الخشبي بـجرأةٍ خَدشت وقار الرتبة. مدت يدها الطويلة، ورفعت خصلات شعرها الأسود السرح خلف أذنها بـحركةٍ رتيبة اعتادت فعلها بين حينٍ وآخر، وهنا.. تحت ضوء المصباح، لمح فيكتور شامةً صغيرة تستكينُ خلف أذنها اليمنى، كانت نقطةً من السحر وسط فوضى الحرب.
سحبت إليزابيث طبق اللحم نحوها بـلا استئذان، وبدأت تأكل بـنهمٍ ممزوج بـالاحتقار. تذوقت اللحم ثم رمقت فيكتور بـنظرةٍ ساخرة وقالت:
- "طعامُك مُرٌّ كـوجهك، والملحُ فيه يطغى على الطعم.. تماماً كـوعودكم الكاذبة."
ارتشفت من نبيذه جرعةً طويلة، ثم مسحت فمها بـظهر يدها وقالت بـصوتٍ يقطرُ سماً:
- "أخبرني أيها القائد.. هل استمتعت بـمشاهدة كلبك وهو يحاول انتزاع الطفلة مني؟ أم أنك كنت مشغولاً بـتلميع حذائك بينما يمارسُ جنودك عهر 'جيري' على الضعفاء؟"
لم يحرك فيكتور ساكناً، بل ظل يراقبها بـفضولٍ أدبيّ، وسألها بـهدوء:
- "أنتِ شجاعةٌ أكثر مما ينبغي لـامرأةٍ تحت رحمةِ السلاح. أتعلمين؟ لقد أخبرني ذاك الجندي (جيسون) بـقصتك مع جيري.. أعرفُ تماماً لِمَ تكرهينه كل هذا الكره، ولِمَ صرتِ لبؤةً تنهشُ كل من يقتربُ من عرينها."
ضحكت إليزابيث ضحكةً هزت أركان المكتب، ومالت بـرأسها نحو فيكتور حتى تلاقت أنفاسُهما، وقالت بـاعتزازٍ لا ينكسر:
- "ماضيَّ مع جيري ليس قصةً للشفقة يا هذا.. في ذلك الماضي، كنتُ أنا صوت الحق الوحيد وسط قطيعٍ من النعاج. كنتُ البطلة في روايةٍ كتبها دمُ الأحرار، وحطمتُ فيها فحولته الزائفة بـقدمي هذه. لذا لا تحاول أن تُشعرني بأنك تفهمني.. أنت وجيري وجهان لـعملةٍ واحدة، الفرقُ أنك تقرأُ الكتب وهو يقرأُ أجساد النساء."
اعتلت غصةٌ في حلق فيكتور، وشعر بـخجلٍ غريب وهو يراقبها تعدلُ شعرها الأسود مرةً أخرى بـتلك الطريقة الساحرة. قال بـهمس:
- "لستُ كـهو.. ولن أكون."
ردت عليه وهي تعدل جلستها، تاركةً بجانبها طبقاً فارغاً وروحاً مضطربة:
- "إثباتُ ذلك لا يكون بـالكلمات المنمقة، بل بـما ستفعله عندما يحلُّ الصباح وتشرقُ الشمس على تلك الطفلة. في المرة القادمة، اجعل اللحم ناضجاً أكثر، فـأنا لا أحب الدماء إلا إذا كانت تسيلُ من أعناقكم."
استمرت إليزابيث في اقترابها المباغت، حتى انعدمت المسافة بينها وبين فيكتور. كانت تجلسُ فوق مكتبه بوضعٍ يفيضُ بـتحدٍ أنثويٍّ قاتل، ومالت برأسها نحوه حتى استقرت أنفاسها الدافئة على عنقه. في تلك اللحظة، غاب العالمُ عن وعي فيكتور؛ لم يَعُد يرى سوى خصلات شعرها الأسود السرح، ولم يَعُد يشمُّ سوى تلك الرائحة المنبعثة من الشامة القابعة خلف أذنها.. رائحةٌ غريبة تشبه نسماتِ البحرِ البعيد، رائحةٌ لا تنتمي لهذا المعسكر القاحل، سكرت حواسه وأفقدتهُ يقظته العسكرية.
بينما كان فيكتور غارقاً في هذا الذهول الحسيّ، كانت أصابع إليزابيث تتحرك بـخفةِ جراحٍ ماهر؛ وبمنتهى الهدوء، سحبت مسدسه من غمده المستقر على خصره دون أن يشعر بـحركة واحدة.
وفجأة.. تحطم هذا السكون بـاقتحامٍ عنيف للباب. دخل جيري وهو يلهث، صائحاً بـذعر:
- "سيدي القائد! بوب.. لقد فكَّ قيوده وفرَّ من الزنزانة!"
تسمّر جيري في مكانه حين وقع بصرهُ على فيكتور والأسيرة في تلك الوضعيةِ المريبة، فـارتسمت على وجهه علاماتُ صدمةٍ ممزوجةٍ بـالخبث. استعاد فيكتور وعيهُ بـرعب، فـدفع إليزابيث عنه بـعنفٍ وهو يأمرُ بصوتٍ جهوري:
- "جيسون! خذ هذه المتمردة فوراً إلى قبوها، ولا تتركها لـثانيةٍ واحدة!"
تقدم جيسون بـملامحهِ التي يغلفها هدوءٌ حزين، وأمسك بـذراع إليزابيث ليقتادها بعيداً. وفي تلك اللحظةِ الحرجة، خرج بوب من خلف أحد الأعمدةِ الخرسانية، وكان وجهه قد استحال إلى قناعٍ من الغلِّ الأسود، يحملُ في يده مسدساً سرقهُ من أحد الحراسِ القتلى.
بـلمحِ البصر، انقضَّ بوب على فيكتور، ووضع فوهة المسدس بـقسوةٍ منكرة على رأسه، صائحاً بـنبرةٍ يملؤها الحقد:
- "لقد انتهى زمنُ الرواياتِ يا فيكتور! الليلة.. سأكتبُ خاتمتك بـرصاصةٍ لا تخطئ!"
لكنَّ بوب لم يلمح البريقَ المعدني في يدِ إليزابيث. بـحركةٍ فطريةٍ تتحدى الموت، رفعت إليزابيث المسدسَ الذي غنمتهُ من فيكتور، وأطلقت رصاصةً بـدقةٍ متناهية نحو يد بوب. دوى الانفجارُ في أرجاء الساحة، لـيخترقَ الرصاصُ كفَّ بوب الذي صرخَ بـألمٍ وحشي.
اهتزت يد بوب، وضغط بـشكلٍ لا إراديٍّ على الزناد وهو يترنح. لم تصب الرصاصةُ فيكتور، بل انطلقت طائشةً لـتخترقَ جسد جيسون الذي كان يقفُ في خط النار. سقط جيسون على ركبتيه بـصمتٍ مفجع، والدماءُ تنفرُ من بطنه لـتصبغَ الترابَ بـلونِ الفجيعة، وهو يحدقُ في فيكتور بـنظرةٍ أخيرةٍ لم تحمل عتاباً، بل حزناً سرمدياً.
لم يتوقف الإعصار؛ اندفع فيكتور نحو بوب المترنح، واشتبكا في "صراع" طاحن، تلاحمت فيه الأجسادُ وارتطمت بـحديد الزنزانات. كان فيكتور يقاتلُ لـيستعيد كرامته المنتهكة، بينما بوب يقاتلُ بـشرودِ المحتضر وغريزةِ المفترس.
انتهى الصراعُ بـقوةٍ غاشمة، حيث دفع بوب القائدَ نحو بابِ إحدى الزنزانات بـعنفٍ هائل، وحصرهُ هناك بـجسده الضخم، غارساً فوهة المسدس في صدر فيكتور مباشرة. كانت الأنفاسُ المضطربةُ تمتزجُ بـرائحةِ البارودِ والدم، وعينا فيكتور تتسعان وهو يرى الموتَ يتربصُ بـقلبه، بينما كانت إليزابيث تقفُ في منتصف الساحة، والمسدسُ بيدها، تتأرجحُ نظراتُها بـين جيسون الذي يلفظُ أنفاسه، وبين القائد الذي أدرك أخيراً أنَّ "الوهم" الذي حدثه عنه صباحاً.. قد صار الآن حقيقةً باردةً تلمسُ صدره.
⚡❄️❄️❄️❄️❄️❄️❄️❄️❄️❄️❄️❄️⚡
نهاية الفصل الثاني
RX