لقاء......... رحمه

لقاء......... رحمه

14 0

لقاء......... رحمه

هناك ثلاثة أصناف من البشر: السيئ، والجيد، والرمادي.. أما أنا؟ فأنتمي لعالم مختلف تماماً. أنا

أسيرة في معسكر تسكنه الوحوش، وهذا بحد ذاته

ألمٌ يفوق الوصف. أول ما قد يتبادر إلى ذهن أي شخص يراهم هو أنهم مسوخٌ بشرية يجب الخلاص منها،

لكن القدر فرض عليّ هذه الحياة؛ فأصبحتُ أسيرة

تتنقل من جحيم إلى آخر. لستُ خائفة من الموت بل

أنا من أصنعُ المشاكل أينما حللت، وآخرها كان ضربي

لجندي حاول التعدّي عليّ.. لا أحد يجرؤ على

لمسي، ربما لأنهم يرون في عينيّ شبحاً يخشون عودته!

⚡❄️❄️❄️❄️❄️❄️❄️❄️❄️❄️❄️❄️⚡

الساعة 9:00 صباحاً - قلب الصحراء

كانت شاحنة عسكرية ثقيلة تخترق رمال الصحراء،

تنقل الأسرى إلى "مخيمات فينشوفيا" الأشد

قسوة.

كانت الشاحنة العسكرية "الزيل" تشق طريقها وسط عاصفة ترابية خفيفة، صرير محركها العتيق يختلط بصوت الرياح. كانت السيارة مغطاة بطبقات من الطين الجاف والصدأ، تفوح منها رائحة الديزل المحترق والعرق البشري المكبوت. في الخلف، فوق "الهيكل/ الصندوق" المكشوف، كان بوب وجيري يجلسان وسط الأسرى كأنهما غرابين وسط جثث. الغبار غطى وجوه الجميع حتى ضاعت ملامحهم، ولم يبقَ سوى بياض عيون الأسرى المنكسرة.. إلا عين واحدة، كانت

تشتعل كالجمر وسط الرماد؛ عينا إليزابيث.

وسط هذا الركامِ البشري، جلس بوب وجيري يتبادلانِ نوادرَ سوداويةً تقطرُ لؤماً، وعيونهما تفيضُ بشهوانيةٍ قذرةٍ تنهبُ أجسادَ الأسيرات المنهكة.

- "أتعلمُ يا جيري؟" همس بوب وهو يلعقُ شفتيه بجشعٍ بينما يرمقُ إليزابيث القابعة في الزاوية، "يقولون إنَّ القائدَ الجديدَ لن يكتفيَ بدفنِ الموتى، بل سيجعلُنا نستثمرُ في 'الجمالِ المتاح' قبل أن نواريه الثرى. انظر إليها.. ألا تعتقدُ أنَّ كسرَ هذا الكبرياءِ سيكونُ أمتعَ من وجبةِ عشاءٍ فاخرة؟"

قهقه جيري ضحكةً خبيثة، ونظراته تنهشُ جسدَ إليزابيث بوقاحة: "لا ريب، فيكتور الذئب المزيف رجلٌ يقدرُ الغنائم، وسيكونُ لنا نصيبٌ من هذا التمنع الذي سيتحولُ قريباً إلى توسل."

ردت إليزابيث دون أن تفتح جفنيها، ونبرتُها حادةٌ كالنصل:

- "النكتةُ الحقيقية يا حثالةَ البشر، ليست في فناءِ الأجساد، بل في ظنكما أنكما ستعيشانِ طويلاً بما يكفي لتشهدا ذبولي. القذارةُ التي استوطنت رِئاتكما من هذا الديزلِ ستخنقُ أنفاسكما قبل أن يطأَ ظلُّكما طرفَ ثوبي.".

تجهم بوب بغضب وهو ينظر إليها

» أتعلمين غريب أنك جريئة هكذا ربما تكونين مسخ من نوع ما ولكن بصراحة انت فائقة الجمال إن صمتِّ ولم ترفع صوتك يمكننا أن نستمتع معاً في غرفتي »

قال بوب ذلك وعيناه حادة بشهوانية وكأنه يريد اختراق ملابسها الرثه لكن اليزابيث لم تخف منه بل

تقربت من وجهة بجرأة ظن أنها قبلت طلبه

» أتعرف أيها الأحمق غبائك بدأ يثير غضبي »

همست اليزابيث بصوت حاد وهي تنظر إلى عينيه بتكبر جعلها تبدو وكأنها لبؤة غاضبة

» أيتها المسخ اللعينة » صرخ بوب بغضب وهو يحاول الوقوف ولكن تحرك السيارة بسبب منحدر جعله يعود إلى مكانه وسط ضحك الأسرى

⚡❄️❄️❄️❄️❄️❄️❄️❄️❄️❄️❄️❄️⚡

الساعة 9:30 صباحاً - بوابة المعسكر

عند مدخلِ "مخيمات فينشوفيا"، حيثُ تبتلعُ السبخةُ المالحةُ الأقدام بمزيجٍ من الزيتِ والنتن، كان الجندي جيسون يغلي بمرارةٍ وهياج. لقد سئم من أولئك الذين يأتون بذريعةِ "غسلِ العار" ليغرسوا نصالَهم في صدورِ زوجاتهم الأسيرات.

ظهرت سيارةُ الدفع الرباعي السوداء، مصقولةً بشكلٍ يستفزُّ بؤسَ المكان. لم يتوانَ جيسون؛ بل اندفع كالثورِ الهائج وسدد ضربةً عنيفة بـ "أخمص" بندقيته على غطاء المحرك، فترك فيه انبعاجاً عميقاً، ثم ضرب زجاج النافذة بسلاحه وهو يصرخُ بحنق:

- "ترجل أيها الوغد! أرني هويتك اللعينة! هل أتيت لتمارس دناءتك على امرأةٍ عزل؟ انزل قبل أن أفرغَ مخزني في جوفِ مركبتك الأنيقة!"

بقيت السيارةُ في صمتٍ مهيب. لم يُفتح بابٌ، ولم تتحرك شعرة.

ببطءٍ مستفز، انخفض الزجاج المظلل، ليظهر وجه فيكتور. كان هادئاً، ملامحه توحي بلطفٍ مزيف، لكن عينيه كانتا كبئرين لا قاع لهما. كان فيكتور متوسط القامة قليلاً، لكن حضوره كان يملأ المكان. مد هويته ببرود وقال:

- "من انت ايها الفتى.... طريقتك في طلب الهوية توحي بأنك تملك أسهماً في شركة لتصليح السيارات، لكن للأسف،انا لستُ زبوناً ."

تجمد جيسون في مكانه، وسقطت بندقيته من يده،

وهو يقرأ الاسم الذي في الهوية

»سيدي ......اسف لم أعلم أنه أنت.... انا.... أنا أُدعى جيسون ... جيسون ميلر »

قال ذلك وهو يرفع بندقيته عن الأرض بسرعة ويؤدي التحية العسكرية لكن ما صدمه هو قهقهة

فيكتور لم يغضب بل ضحك وهو يقول بصوت

هادئ

» شكراً على فتح الباب جيسون... وأيضاً أنا أُدعى

فيكتور لا تستعمله وسط المعسكرات لكن وحدنا

ربما......ربما »

تحركت السيارة بهدوء، تاركة جيسون يرتجف من

الصدمة، ومن ذلك "اللطف" الذي كان أكثر أخاف من

الغضب نفسه

⚡❄️❄️❄️❄️❄️❄️❄️❄️❄️❄️❄️❄️⚡

الساعة 1:00 ظهراً - سكونُ السماءِ وضربةُ القدر

دخلت الشاحنةُ الساحةَ التي تفوحُ منها رائحةُ العفن. نزل الأسرى وهم يترنحون، لكن إليزابيث نزلت بثباتٍ ملكيّ. لمح بوب طفلةً صغيرة ترتعدُ من الذعر، فاقترب منها وهو يستلُّ سكينه، بنظرةٍ ساديةٍ شهوانية:

- "تعالي إليَّ يا صغيرة.. المكانُ هنا ضيق، وسأمنحكِ اتساعَ السماء."

انفجر البركانُ في صدر إليزابيث. وبحركةٍ مباغتة، ركلت خلفَ ركبة بوب بقوةٍ جعلت عظامَه تطقطقُ مسببةً صوتاً تقشعرُّ له الأبدان. سقط بوب على وجهه في القذارة، فانهالت عليه إليزابيث بضرباتٍ متلاحقة، تفرغُ فيها كلَّ مقتها لهذا العالم.

"وبينما كان الجنودُ يقفون مذهولين من جراءةِ تلك الأسيرة (إليزابيث) وهي تُمطِرُ 'بوب' بوابلٍ من الضرباتِ في قلبِ الوحل، اندفعَ جنديٌّ غِرّ، مدفوعاً بجبنهِ قبل ولائه، محاولاً استعادةَ هيبةِ سيّدهِ المهان. رفعَ بندقيتهُ عالياً، وهوى بـ 'أخمصها' بكلِّ

قسوةٍ نحو رأسِ إليزابيث المنهكة.

لكن، ومن خلفِ سحابةِ الغبارِ العالقةِ بجوارِ إحدى الشاحنات، انطلقت قامةٌ رشيقةٌ كالسهمِ المارق. لم تكن 'لارا' تملكُ مخالبَ رفيقتها ولا صرخاتها المدوية، لكنها كانت تملكُ معرفةً جراحيةً بنقاطِ الضعفِ التي تجعلُ العمالقةَ يركعون. وبحركةٍ خاطفةٍ لم تدركها الأبصار، سددت ركلةً دقيقةً ومحكمةً استهدفت بها 'عصبَ حياته' في منطقتهِ الحساسة.

انحبست الأنفاسُ في الصدور، وارتطمَ الجنديُّ بالأرضِ الملحيةِ يئنُّ بوجعٍ مكتومٍ انتزعَ منهُ رغبتهُ في القتال، بل وحتى رغبتهُ في البقاءِ واقفاً.

في تلك اللحظة، كان جيسون يقفُ على بُعدِ خطوةٍ واحدة، يراقبُ المشهدَ بعينينِ يمتزجُ فيهما الذهولُ بالإعجابِ الخفيّ. لم يحرك ساكناً للذودِ عن زميله، ولم ترتفع يدهُ لتكبيلِ تلك الأسيرةِ المتمردة. لقد شلَّ صمتهُ منطقَ الرُّتبِ العسكرية، وكأنهُ بتلك النظرةِ المندهشةِ نحو لارا، قد عقدَ معها أولَ ميثاقٍ سريّ، حيثُ الاحترامُ للمقاومةِ غلبَ الولاءَ للبذلةِ التي يرتديها."

» ماذا هناك لما الجميع مجتمعون هكذا هل أتى

نجم من WWE» قال فيكتور وهو يتقدم من الحشد

، وصل فيكتور الى قلب الساحة.

ظنت إليزابيث أنه جاء ليدافع عن كلبه الوفي بوب. اندفعت نحوه بجموح، وسددت له لكمةً مباشرةً وقوية استقرت في منتصف وجهه وصرخت بصيحةٍ هزت أرجاء المخيم.

» أيها الخنزير إن أردت قتلي ف افعل لأنه الطريق

الوحيد لكي تحصل على الطفلة قطع نفسي وموتي »

تراجع فيكتور خطوةً بفعل زخم الضربة، ومسح الدمَ النازف من أنفه. وحين تلاقت عيناهما، ساد سكوتٌ مفاجئ. نظر فيكتور في عيني إليزابيث المشتعلتين، وتجمدت تعابيره في لحظةِ ذهولٍ غريبة؛ بدا وكأنه طفلٌ تائهٌ في ملكوتٍ لم يألفه، كمن ضاع بوسط سماءٍ شاسعةٍ وجميلةٍ رغماً عن قسوتها. دام هذا السكون لثوانٍ بدت كدهر، قبل أن يستعيد قناعه المعهود.

نظر فيكتور إلى بوب الذي كان يتمرغُ في الوحل متوسلاً: "سيدي.. لقد هاجمتني.. كنتُ أريدُ فقط.. مساعدة طفلة مريضة."

حدق فيكتور في وجه بوب بتلك الابتسامةِ "اللطيفة" والمريبة، وقال بنبرةٍ تملؤها المديحُ الزائف:

- "يا لهذا النبل! لو كان لي عشرةُ رجالٍ بـ 'شهامتِك' يا بوب، لفتحتُ آفاقَ العالم. أنت جنديٌّ مخلصٌ حقاً."

ضحك بوب بزهوٍ، وظن أن النجاةَ حليفته: "شكراً سيدي القائد.. هل يعني هذا أنني لن أتعاقب؟"

اقترب فيكتور من بوب، ووضع يده على كتفه برقةٍ خادعة، وهمس بابتسامةٍ ناعمة:

- "بكلِ تأكيد.... تتعاقب."

وفي لمحِ البصر، سدد فيكتور لكمةً خطافيةً

صاعقة استقرت في "زاويةِ الفك السفلي" لبوب. الضربةُ كانت من الدقة بحيث فصلت الوعي عن جسده في رمشةِ عين. تيبس جسد بوب، وجحظت عيناه، ثم سقط كالجثةِ الهامدة وسط القذارة، فاقداً للوعيِ تماماً.

التفت فيكتور نحو إليزابيث، وبنفس الهدوء واللطف المريب، سألها وهو يمسحُ الدماءَ عن وجهه:

- "والآن.. بما أننا قد فرغنا من طقوسِ اللكمات.. هل ننتقلُ لمراسمِ التعارف، أم أنَّ في جعبتِكِ مزيداً من الصواعق؟"

بعد أن ألقى فيكتور سؤاله المتهكم عن "مراسم التعارف"، خيّم على الساحة وجومٌ مطبق. وبغتةً، انطفأ ذلك البريقُ الساخر في عينيه، واستحالت ملامحه إلى لوحٍ من الرخام الصمّام؛ برود جنائزي اجتاح وجهه.

لم يمنح إليزابيث فرصة للرد، بل أشاح بوجهه عنها نحو بوب المتمرغ في وحله، ثم نطق بصوتٍ رخيمٍ كوقعِ الفأسِ على الحجر:

- "جيسون.. أودع هذه المرأة في غياهب الحبس الانفرادي، وألحق بها تلك الطفلة والمرأة الهادئة المغامرةفوراً. لا أريد لساحتي أن تشهد فوضى أخرى."

دوى أمره في الأرجاء كحكمٍ قضائيّ لا رجعة فيه. امتثل جيسون للأمر على الفور، وتقدم بقوة ممسكاً بذراع إليزابيث لجرّها نحو الظلمة. لم تبدِ إليزابيث أي مقاومة، بل كانت عيناها تقدحانِ شرراً وهي ترقب هذا التحول المريب في شخصية القائد "المحترم".

وعندما كانت خطوات جيسون تبتعد بها عن المركز، التفتت إليزابيث في التفاتةٍ أخيرةٍ خاطفة، لتلمح ما وراء القناع.

لم تكن نظرات فيكتور حينها تعكس نصراً أو غطرسة، بل لمحت في أعماقهما هوةً من التعبِ الوجودي، وضباباً كثيفاً من القلق والرهبة؛ كانت عيناه، في تلك اللحظة المجردة من الجمهور، تفيضان بشجنٍ غامضٍ وغورٍ سحيقٍ من التوجس، وهو ينقل بصره بين جثة بوب الهامدة وبين وجوهِ رجاله المتربصين كذئابٍ جائعة.

أدركت إليزابيث في تلك اللحظة أن قسوة فيكتور ليست سوى درعٍ يرتديه ليحمي هشاشة روحه من الانهيار تحت ثقل الأسرار التي يحملها، وأن خلف هذا "الذئب" يختبئ رجلٌ يخشى الغد أكثر مما يخشى الموت نفسه.

⚡❄️❄️❄️❄️❄️❄️❄️❄️❄️❄️❄️❄️⚡

نهاية الفصل الاول

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

VINUSHOVIA. فينشوفيا

المؤلف RX
2026/05/06 مستمرة
قائمة الفصول (2)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة