غرفة المرايا المكسورة

غرفة المرايا المكسورة

8 0

عندما يلتهم الظلام روحًا بعد روح، وتسقط أقنعة المثابرة أمام ملذات الدنيا؛ عندما يخسأ صوت الضمير، وتُخرس النَّفس اللَّوَّامة، وتتمرد النَّفس الأمَّارة بالسوء، ويخرج القرين عن السيطرة؛ فاعلم أن صاحبها قد باع الآخرة من أجل ساعة لهو في الحياة الدنيا.

وعندما تعوي الذئاب في قلاع مهجورة لم يعد يذكرها أحد ربما نسيها الدهر، أو ربما حذفها مُدوِّن التاريخ لأسباب مجهولة، ذُكرت أو لم تُذكر، لكن السبب يبقى في علم الغيب وحين تصمت الملائكة عن الدعاء للبشر، وينظر إليهم الرب بنظرات الغضب، وتنشغل الشياطين بالرقص والمتعة الزائلة على أنغام الخراب... وأنقاض الأخلاق والقيم الحميدة.

فقط هناك، في صميم العتمة، يُولد الأمل كصفعة على وجه اليأس، ويُنير فانوس الرحمة الإلهية التي لا تنقطع. ربما هناك فرصة لنا أن نعود إلى سبيل الرب الذي ينادي عباده يوميًا.

لم يكن عبد الجليل يعرف أن سقوطه في الحفرة السوداء هو أهون وطأة مما ينتظره على السطح. لم يكن يعرف أن لقاءه بجده علي باشا، مؤسس اللعنة، هو مجرد بداية لسلسلة من الخسائر التي لم يتذوق طعمها بعد، أو التي ستحطمه مجددًا كما فعلت مارشا من قبل. كان يعتقد أن استخراج قلادة النسيان من غرفة المرايا المكسورة هو أصعب ما في الأمر، لكنه لم يدرك بعد أن الأصعب هو ما سيحدث بعد أن يرتديها، وبعد أن يلتقي بزوجته مجددًا تلك التي ترفض ترك عريسها، على الرغم من دخول كريستينا إلى الحلقة الثلاثية للحب الممنوع.

وفي مكان آخر، كانت مارشا تمسح دمعة ذهبية تسللت من عينها السوداء، وهي تردد وعدًا لم تصدقه كليًا:

"سأنتظرك يا عبد الجليل... حتى لو انهار العالم."

لكنها لم تكن تعلم أن العالم كان بالفعل على وشك الانهيار.

أما كريستينا، التي تركت ظلّها يتلاشى بين الأنقاض كدخان سيجارة انطفأت فجأة، فكانت تعرف أكثر مما قالت. كانت تعرف أن بابا ياجا أعد لها مفاجأة، وأن سيروس كان يخطط لشيء لا يرضى عنه حتى يازور ياتورك نفسه - أو الأسوأ: سرطان البشرية، جوروا، أخو يازور الأكبر.

الآن، تقترب عقارب الساعة من منتصف الليل والبوابة الضوئية التي وعد بها علي باشا على وشك الانفتاح و الحفرة السوداء... تستعد لِتَقذف ما في جوفها.

فهل سيخرج عبد الجليل وسليمان أغا فقط؟ أم أن الحفرة السوداء ستُطلق العنان لمخلوقات رفضت الدنيا ذكرهم للبشرية، رحمة بهم؟

كان الصمت في الحفرة السوداء أثقل من جبل. صمت لا تخرقه سوى أنفاس رجلين يعرفان أن الدقائق القادمة ستقرر مصيرهما إلى الأبد، وستغير مجرى حكاية أقل ما يقال عنها إنها خرافية. فاللعبة قد بدأت بين تاجر الموت الذي يرفض ترك لعبته الجديدة عبد الجليل، خصوصًا بعد اختفاء علي باشا في الحفرة السوداء، وبين أعضاء منظمة الظلام المقدس: بابا ياجا وسيروس، خصوصًا بعد الاستعانة بكريستينا من أجل جرّ عبد الجليل إليهم.

وكما يقال:

لا تصدق دعاء الظلام من أجل بزوغ الضوء ، إن كنتَ فهمتَ مقصدي.

وبين سليمان أغا، الفتى الذهبي الذي عشق مارشا في صمت، ثم شاهدها تزف عروسًا لأخيه وصديقه في اللعنة، عبد الجليل. فهل يخبئ لنا القدر مفاجآت؟ أم أن الحب الصادق والتضحية البشرية سيقودان الجميع إلى بر الأمان؟

جلس عبد الجليل على الأرض الباردة، وسليمان أغا إلى جانبه، وكلاهما ينظران إلى بقعة معتمة في قلب الظلام حيث وعد علي باشا أن البوابة الضوئية ستفتح. كان الوقت يقترب من منتصف الليل، حسب إحساسهما الداخلي، لأن الزمن هناك كان ميتًا لا يتحرك. كانت أرواح تهمس وتنادي، لكن لا يوجد مجيب.

أخرج عبد الجليل سيجارة من جيبه وأشعلها. تصاعد الدخان في الهواء البارد كثعبان أبيض يبحث عن فريسة. نظر إلى الدخان وهو يتلاشى في العتمة، ثم قال لسليمان بصوت هامس، كأنه يخاف أن تسمعه جدران الظلام:

هل أنت مستعد؟

لم ينظر سليمان إليه، بل ظل محدقًا في الظلام أمامه. رد بهدوء:

لست أدري. هل يستعد أحد لمثل هذا؟ الخروج من حفرة سوداء إلى قصر محترق، ثم البحث عن قلادة في غرفة مرايا مكسورة، وكل هذا تحت أنف يازور ياتورك وجيشه من الحراس. يبدو الأمر... جنونيًا.

ابتسم سليمان ابتسامة حزينة، كمن رأى نهاية العالم ومشى عليها. قال:

الحب دائمًا كان جنونيًا يا صديقي. لهذا نحن هنا.

نظر عبد الجليل إلى سليمان للحظة، ثم أدار وجهه نحو الظلام مجددًا. سحب نفسًا طويلاً من سيجارته، ثم نفث الدخان ببطء كمن يودع شيئًا لا يعرف إن كان سيعود إليه مجددًا.

أتعلم يا سليمان؟ كنت أعتقد دائمًا أن أسوأ ما في الحياة هو الوحدة. لكنني اكتشفت أن الأسوأ هو أن تكون وحيدًا ومحبوسًا في مكان لا تسمع فيه حتى صوت قلبك.

رفع سليمان عينيه إليه، وقال بصوت هادئ لكنه ثابت:

قلبك ينبض بقوة يا عبد الجليل. أنا أسمعه من هنا.

ضحك عبد الجليل ضحكة قصيرة ومريرة، كمن يضحك على نكتة لا يفهمها أحد غيره.

ربما هذا هو الأمل الذي تحدث عنه جدي. ذلك الفانوس الذي لا ينطفئ.

فجأة، تغير الجو.

تسلل برد قارس إلى العظام، كأن بابًا جليديًا فُتح في قلب الحفرة. ثم بدأ الضوء يتسلل من الأسفل، لا من الأعلى. ضوء أبيض ساطع، يخرج من باطن الأرض وكأن الشمس قررت أن تولد من الرحم الأسود للظلام، لتقودهم مجددًا نحو مملكة بوجارس الشرقية أو ما تبقى منها.

قفز سليمان واقفًا بسرعة، وقال بصوت مذعور لكنه ممتلئ بالأمل:

إنها البوابة... لقد حان الوقت لنرحل من الحفرة السوداء.

نهض عبد الجليل واقفًا، وألقى بسيجارته على الأرض. كانت تلك آخر سيجارة له في هذه الدنيا أو هكذا ظن.

اتسعت البوابة الضوئية أمامهما، كفم مضيء يبتلع الظلام. كان داخلها يبدو كعاصفة من نور وبرق، كأنها نفق لا يؤدي إلى قصر بوجارس المحترق فحسب، بل إلى المجهول نفسه، إلى موت محتمل ينتظرهم. والموت في هذا العالم الذي لا تنطبق عليه قوانين العالم البشري الذي كان يعيش فيه عبد الجليل، أسوأ بكثير من الموت العادي الذي نعرفه.

نظر عبد الجليل إلى سليمان للحظة أخيرة، وسأله:

هل أنت قادم؟ أم أعجبك المكان هنا؟

وضع سليمان يده على كتفه، وأجابه بصوت لا يحتمل الرفض:

لن أتركك وحدك أبدًا يا صديقي. هذا وعد.

ثم أضاف ضاحكًا:

هل تمزح؟ على الطريق إذن.

تنفس عبد الجليل بعمق، ثم خطا خطوته الأولى داخل البوابة.

في تلك اللحظة، شعر وكأن جسده يتمزق إلى ألف قطعة، ثم يعاد تجميعها من جديد. رأى ألوانًا لم يرَ مثلها من قبل ، ألوانًا لا وجود لها في العالم البشري. سمع أصواتًا تهمس باسمه، أصواتًا تعرفه قبل أن يعرف نفسه.

ثم انتهى كل شيء، وخرجا أخيرًا من الحفرة السوداء التي تتمنى أن يزوراها مجددًا ولم لا؟ في المستقبل القريب.

وجدا نفسيهما ملقى على الأرض الباردة في ساحة القصر المحترق، كحجرين ألقتهما سماء غاضبة.

كان القصر الذي طالما سمعا عنه في الأساطير قد تحول إلى هيكل عظمي من أعمدة متكسرة وجدران متشققة. السماء أعلاهما كانت بنفسجية ملبدة بالغيوم، تمطر خيوطًا ذهبية كالدموع. كانت الريح تعوي بين الأعمدة المكسورة، والجدران المتشققة تئن كجروح لم تندمل. في كل مكان، كانت تفوح رائحة حريق قديم ورماد بارد، كأن النار ماتت ولكن ذكراها ظلت تلاحق المكان.

نهض عبد الجليل ببطء ومسح الغبار عن بدلته الإيطالية الممزقة. كانت بدلته قد تحولت إلى خرقة بائسة، لكنه لم يهتم. كان ينظر إلى الخراب من حوله بعيون نصف مذهولة، نصف ساخرة.

قال ونظره يجول في الأرجاء:

يا له من جحيم.

سليمان، الذي كان يتألم ويضع يده على ذراعه المصابة، أجابه بصوت حزين عميق:

هذا ليس جحيمًا يا صديقي. هذا هو ما تبقى من مملكة كانت يومًا أجمل مملكة في الأساطير. وكان هناك سبع ممالك، كل مملكة أجمل من الأخرى.

نظر عبد الجليل إلى القصر المهدم. كان قصر بوجارس يومًا ما شامخًا كالجبل، مبنيًا من الياقوت والذهب، تزينه الزخارف المتحركة التي ترقص على إيقاع الخفاء. الآن، صار ركامًا أسود تنبت منه أعشاب لا تنمو إلا في أرض ملعونة.

تذكر كلمات علي باشا، فسأل سليمان:

غرفة المرايا المكسورة... أين تقع؟

أجابه سليمان بتؤدة:

قال علي باشا إنها في قلب المتاهة، داخل القصر. علينا أن نجد مدخلًا.

اتجها معًا نحو ما تبقى من بوابة القصر. كانت البوابة ضخمة، مصنوعة من خشب أسود محترق، وفي وسطها رسم لتنين بسبعة رؤوس. كان كل رأس ينظر في اتجاه مختلف، كأنه يحرس المدخل من كل الجهات.

دفع عبد الجليل البوابة بيده، فانفتحت بصوت صرير طويل ومخيف، كأنها تئن تحت وطأة السنين وما حملته.

داخلها كان الظلام أكثر كثافة. لكن في العمق، كان هناك وميض خافت. وميض يأتي من سبع مرايا مكسورة، كل مرآة تعكس ضوءًا بلون مختلف.

همس عبد الجليل وكأنه لا يصدق نفسه:

وجدناها. غرفة المرايا المكسورة.

لكنهما لم يخطوا خطوة إلى الداخل بعد.

من خلفهما، سمعا صوت خطوات. كثيرة. ثقيلة.

توقفا عن الحركة كمن جمدتهما يد خفية، ثم التفتا ببطء.

من الظلام، بدأت تظهر عيون حمراء. عشرات العيون. تبعتها أجساد سوداء بدأت تتبلور من العدم: مخلوقات نصفها بشري ونصفها الآخر حشرة، لها أذرع طويلة كأرجل العنكبوت، وأظافر كالسيوف تلامس الأرض فتصدر صوتًا أشبه بصرير الحشرات العملاقة. كانت تزحف من كل اتجاه محيطة بهما، وكأنها تستمتع بخوفهما قبل أن تنقض.

ارتجف سليمان وقال بصوت مبحوح:

حراس يازور... لقد أرسلهم ليذبحونا.

لم يرفع عبد الجليل عينيه عن المخلوقات المقتربة. أخرج سكينًا صغيرًا من جيبه السكين الوحيد الذي كان معه - وسأل ببرود ساخر:

كم عددهم؟

أجابه سليمان بصوت منهزم:

كثيرون جدًا بحيث لا يمكن عدهم.

نظر عبد الجليل إلى السكين الصغير في يده، ثم إلى المخلوقات التي كانت تقترب ببطء شديد، كأنها تريد أن تذيقهم الخوف قطرة قطرة قبل أن تلتهمهم.

فقال ساخرًا، رغم الخوف الذي كان يخفي قلبه:

حسنًا. هذا عادل. سكين صغير ضد جيش من وحوش الظلام. ربما أحتاج إلى سيجارة أخرى.

لكنه لم يجد الوقت ليشعل سيجارة.

فجأة، انطلقت صرخة مدوية من داخل غرفة المرايا. صرخة ليست بشرية، بل صرخة مرآة تتحطم من الألم والغضب. تبعها ضوء أزرق ساطع اجتاح المكان، كموجة بحر عاتية جرفت كل ما في طريقها.

تطايرت الوحوش السوداء في الهواء كأوراق شجر في إعصار، ثم اختفت في الظلام كما لو لم تكن موجودة من الأساس.

ساد صمت ثقيل للحظة.

نظر سليمان إلى الغرفة التي جاء منها الضوء، وقال بصوت مذهول:

ما... ما كان هذا؟

أجابه عبد الجليل وعيناه لا تفارقان غرفة المرايا:

يبدو أن المرايا تريدنا أن ندخلها. ربما هي وحدها من تستطيع حمايتنا الآن.

دفعهما الفضول والخوف معًا نحو الغرفة. وعندما وصلا إلى عتبة الباب، توقفا مذهولين.

في قلب الغرفة، كانت سبع مرايا مصطفة في دائرة. كل مرآة كانت مكسورة، لكن شظاياها كانت تطفو في الهواء كأنها نجوم صغيرة أفلتت من السماء. أرض الغرفة كانت مصنوعة من زجاج أسود شفاف، يتحرك تحتها شيء كأنه نهر بطيء من نور سائل. وفي وسط هذه الدائرة المرعبة، كان هناك صندوق من عاج صغير، مغطى بالغبار، لكنه كان يلمع بنور خافت وكأنه يتنفس.

الصندوق الذي يحوي قلادة النسيان.

لكن بينهما وبين الصندوق، كان هناك شيء واقف.

شخصية طويلة، ترتدي عباءة سوداء تنساب كالدخان على الأرض. كان وجهها مخفيًا تحت قناع من زجاج مكسور، يعكس ملامح من يقترب منها في ألف صورة مشوهة. في يدها سيف طويل من نار زرقاء لا تحرق العباءة بل تضيء الغرفة كلها بضوء شيطاني. وفي يدها الأخرى كانت تمسك بسلسلة من جماجم صغيرة تصدر صريرًا كلما تحركت.

قالت الشخصية بصوت يأتي من كل مكان، وكأن الأرض والجدران والمرايا تتحدث معًا:

لقد كنت أنتظركما... هل تظنان أن يازور سيترك كنزه دون حارس؟

تقدم عبد الجليل خطوة واحدة، وسألها بتحد:

من أنت؟

بدلاً من أن تجيب، رفعت الشخصية يدها ببطء وأزالت قناعها.

ظهر وجه امرأة جميلة بشكله المخيف: نصف وجهها كان متحجرًا كأنه تمثال صخري لا يتحرك ولا يبتسم، والنصف الآخر كان بشريًا مليئًا بالحياة والألم. عيناها كانتا مختلفتين تمامًا: واحدة سوداء كالحبر لا تعكس أي ضوء، والأخرى زرقاء كبحر متوسطي في يوم صيفي صافٍ.

أطلقت المرأة ضحكة حادة كأنها انفجار زجاج، وقالت:

اسمي ميدوسا الصغرى. لكن أصدقائي يسمونني حارسة المرايا. ومنذ ألف عام، لم ينجُ أحد عبر هذه الغرفة.

ارتجف سليمان وأخذ يتراجع خطوة إلى الوراء:

ميدوسا؟ التي تحجر من ينظر إليها؟

التفتت إليه ميدوسا الصغرى بعينيها الغريبتين، وأجابت ببرود ساخر:

لا تخف. أنا أقل خطورة من عمتي الكبرى. أنا أحجر فقط أولئك الذين يريدون أخذ ما لا يستحقونه.

ثم رفعت سيفها من النار الزرقاء، واستعدت للهجوم.

وعرف عبد الجليل في تلك اللحظة أن معركته الحقيقية لم تبدأ بعد.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

وقعت في حب ملعونة 02 : نهوض الملعونين

المؤلف Imad chelloufi
2026/04/23 مستمرة
قائمة الفصول (2)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة