وصية الجد

وصية الجد

12 0

بعد أن سقط عبد الجليل في الحفرة السوداء، وما تبع ذلك من أحداث في الجزء الأول، وجد نفسه الآن يهوي في سقوط حرٍّ داخل ظلام لا ينتهي فلا جدران. لا ضوء. لا صوت سوى دقات قلبه المسرعة التي تكاد تخرق صدره ومرت أمام عينيه صور حياته بأكملها، كأنها شريط سينمائي يعرض في دار سينما مهجورة:

أمه تبتسم له وهو طفل صغير. أول سيجارة دخنها في المراهقة، متصنعًا النضج. بكاؤه وحيدًا في غرفته المظلمة، في ليلة لم يخبره فيها أحد بأنه محبوب. كلمات مارشا التي لا تزال تتردد في أذنيه: "أنا أحبك إلى حد الجنون." وجه كريستينا وهي تقبله على خده، وكأنها تودعه قبل الموت. عيون سليمان الدامعة قبل أن يُطعن، وكأنه كان يعلم أنهما لن يلتقيا إلا هنا.

ثم... ظلام كامل يحيط به من كل جهة، فلا يسمع همسًا ولا صوتًا. فقط ذلك السكون غير الطبيعي، ذلك الصمت القاتل الذي يقود العقل إلى الجنون فلايستطيع أن يرى شيئًا. لكنه يشعر فقط بأرواح تحيط به. يسمع أنينها، وبكاءها، بل ودعاءها. لكن الدعاء، وأنت في هذا المكان .الملعون، لا يسمن ولا يغني من جوع.فالجميع يعلم أن سقوطك في الحفرة السوداء يعني أنك خرجت من رحمة الرب

استيقظ على برد قارس يخترق عظامه، كأنه ينام على جليد عمره ألف عام  و فتح عينيه ببطء، لكنه لم ير شيئًا. ظلام دامس، كأنه فقد بصره فجأة حاول التنفس، لكن الهواء كان ثقيلًا، كأنه يستنشق دخانًا من نار بعيدة لا تُرى ثم  همس بصوت مبحوح , مكسور : 

عبد الجليل

"هل... هل أنا ميت؟"

سمع ضحكة خافتة من مكان ما في الظلام.

ضحكة لم تكن بشرية تمامًا. فيها ألم، وفيها جنون، وفيها شيء يشبه... الحنين.

صوت غريب (من قلب الظلام):

"لا يا حفيدي... أنت فقط بدأت. يمكنك القول أنك ولدت من جديد"

تجمد عبد الجليل في مكانه. حفيد؟ من هذا الذي يتحدث عنه؟ ومن قال إن له جدًا لا يعرفه؟

ثم سمع صوتًا آخر. أقرب. أكثر دفئًا. أكثر إنسانية.

صوت آخر (مرتجف، مألوف):

"عبد الجليل... هل أنت بخير؟"

نظر نحو الصوت. رأى ظلًا يقترب منه.

الظل يتحرك، يخطو ببطء، حتى صار على بعد ذراع منه.

عيون سوداء مألوفة. ندبة على الخد. وشاح رمادي ممزق.

سليمان أغا.

عبد الجليل (مذهولًا، كمن يرى شبحًا):

"سليمان؟! أنت... أنت أيضًا ميت؟"

سليمان (بصوت هادئ، حزين، كمن عاد من الموت):

"لا يا صديقي... نحن فقط في مكان لا يعرف الموت ولا الحياة. نحن في... الحفرة السوداء."

نظر عبد الجليل حوله محاولًا رؤية شيء، لكن الظلام كان لا يزال كفنًا ثقيلًا على عينيه.

سليمان (يتابع، وكأنه يروي حلمًا طويلًا):

"لقد كنا هنا منذ أيام... أو قرون... لا أعرف. الزمن هنا لا يمر. الزمن هنا يموت مثلك ومثلي."

قبل أن يجيب عبد الجليل، سمع صوتًا ثالثًا.

صوت عجوز، لكنه قوي، يخرج من قلب الظلام وكأنه أقدم من المكان نفسه، أقدم من الزمن.

صوت علي باشا (من الأعماق، يتردد صداه كالرعد البعيد):

"أخيرًا... جئت يا حفيدي. لقد كنت أنتظرك منذ زمن طويل."

اقتربت خطوات ثقيلة، خطوات رجل لا يخشى شيئًا ولا يخاف من ظلام.

ثم... اشتعلت شعلة زرقاء فجأة في منتصف الحفرة.

أضاءت وجه رجل عجوز بملامح شرقية حادة، عيناه تخترقان الروح كالسهام. يرتدي جلبابًا عربيًا قديمًا، وعلى كتفيه وشاح من جلد غريب، وكأنه جاء من عصر لم تكتب فيه الكتب بعد.

عبد الجليل (مرعوبًا، بصوت يرتجف):

"من... من أنت؟"

العجوز ابتسم ابتسامة حزينة، كمن يرى حفيده لأول مرة بعد ألف عام من الانتظار. مد يده نحو عبد الجليل ببطء، وفي عينيه بريق غريب، خليط من الحب والندم والفخر.

علي باشا (بصوت يعلوه الكبرياء والألم معًا):

"أنا من بدأ كل هذه اللعنة... جدك. علي باشا. مؤسس لعنة يازور ياتورك."

صمت ثقيل ملأ الحفرة كصمت القبور.

عبد الجليل لم يستطع النطق بحرف واحد. فمه مفتوح، عيناه متسعتان، وقلبه يكاد يتوقف للمرة الثانية في أقل من ساعة .

في أعماق الحفرة السوداء، حيث الزمن يموت والظلال تتنفس، جلس عبد الجليل على الأرض الباردة كمن يستعد لسماع وصية موت. إلى جانبه، جثم سليمان أغا صامتًا، عيناه لا تفارقان وجه الرجل العجوز الذي ظهر فجأة من قلب الظلام، في مكان منسي، والقدر رفض أن يكون له دور فيه.

علي باشا، جد عبد الجليل، كان واقفًا هناك كأنه جزء من هذا المكان، كأنه حجر الأساس لهذه اللعنة التي دامت قرونًا. أدار وجهه نحو حفيده ببطء، ثم تنفس بعمق، كمن يوشك على ارتكاب خطيئة لم يرتكبها من قبل: البوح بالسر. وليس مجرد سر عادي.

"اسمعني جيدًا يا ولدي."

قال بصوت يعلوه وهن القدم، لكن كلماته كانت كالسهام لا تخطئ الهدف.

"الوقت ليس في صالحنا. يازور ياتورك ليس مجرد كائن ملعون... بل هو مخلوق خرج من نار الغضب الإلهي بعد أن خانه من أحب. لكنه يملك نقطة ضعف واحدة."

تقدم عبد الجليل قليلاً، وكأن جسده كله أراد أن يصغي.

"نقطة ضعف؟ رجل يمحو المدن بلمحة عين يملك نقطة ضعف؟"

سخريته المعتادة لم تخفه تمامًا، لكن قلبه كان ينبض بسرعة غير طبيعية. بعدها أخرج سيجارة من جيبه وأشعلها، وهو يستمع إلى علي كالطفل الصغير الذي يتمتع بقصص قبل النوم.

ابتسم علي باشا ابتسامة عجوز اكتشف أسرار الدنيا وعرف أنها لا تساوي شيئًا.

"كل الطغاة يملكونها يا حفيدي. نقطة ضعف يازور هي قلادة النسيان... والحب البشري."

صمت للحظة، كأنه يستجمع شجاعة لم يبقَ منه إلا فتاتها. ثم تابع:

"قلادة صنعتها بنفسي قبل أن تُلعن المملكة، وقبل مدة طويلة. صنعتها من حجر القمر الباكي، ونقشت عليها آيات من كتاب الموت بلغة قديمة لا يعرفها إلا الكهنة. من يرتديها... يسيطر على يازور كاندماج روحه فيها. لكن... احذر. يمكنك أن تفقد نفسك ومن تحب، كما فقدت أنا أخي."

"لكن؟"

قاطع عبد الجليل بفارغ الصبر، وكأن صدره ضاق بما فيه من أسئلة.

"لكني أخفتها في مكان لا يجرؤ أحد على الاقتراب منه"

قال العجوز، وصوته ينخفض كأنه يخاف أن تسمعه الجدران.

"أخفتها في غرفة المرايا المكسورة، داخل قصر بوجارس المحترق. هناك، في قلب المتاهة، حيث تبكي المرايا دموعًا من زجاج."

عندها فقط، تدخل سليمان أغا بصوته الحاد الذي لم يعتد الكلام كثيرًا:

"غرفة المرايا المكسورة؟ تلك التي يقولون إن من يدخلها لا يخرج إلا مجنونًا أو ميتًا؟"

نظر إليه علي باشا باحترام، وكأنه يعرف من هو دون أن يُعرِّف.

"أنت تعرفها يا حارس القلب الصامت. نعم. هناك وضعت القلادة داخل صندوق من عاج، محاطًا بثلاثة أختام: ختم الدم، وختم النار، وختم الصمت."

لم يستطع عبد الجليل أن يتمالك نفسه. قفز واقفًا، وارتفع صوته قليلاً:

"وكيف لي أن أصل إلى هناك ونحن محاصرون في هذه الحفرة السوداء؟!"

مد علي باشا يده المرتجفة ووضعها على كتف حفيده. كان بردها غريبًا، كأنها ليست يد بشر، بل يد ذكرى.

"لن تبقى هنا طويلاً. غدًا عند منتصف الليل، ستفتح بوابة ضوئية لمدة دقيقة واحدة. اعبُرها، وستجد نفسك في أنقاض قصر بوجارس. ابحث عن المرايا... واكسرها إن لزم الأمر. لكن احذر، يازور يعلم أنك قادم. وقد أرسل حراسه ليذبحوك قبل أن تلمس القلادة. البسها إذا أردت أن تخرج كليًا من الحفرة السوداء، وإلا فستبقى ذكرى وروحك عالقة هنا إلى الأبد."

نظر عبد الجليل إلى سليمان، ثم عاد إلى جده.

"وأنت؟ ألن تأتي معنا؟"

هنا، ابتسم علي باشا ابتسامة مختلفة. لم تكن ابتسامة عجوز حكيم، بل ابتسامة روح تعرف أنها سترحل قريبًا.

"أنا يا بني... ظلي الذي تراه هنا ليس سوى ذكرى عالقة بين الحياة والموت. جسدي الحقيقي موجود في جزيرة الموت مع حبيبتي. لكن روحي بقيت لأخبرك بهذا السر، وحتى تندمج مع تاجر الموت. الآن... اكملوا الطريق. وتذكروا أن الحب الحقيقي ليس أن تموت لأجله، بل أن تعيش ملعونًا من أجله."

بدأ جسده يبهت، كأنه يذوب في الظلام الذي جاء منه. ألقى نظرة أخيرة على حفيده، وهمس بصوت يكاد لا يُسمع:

"اعثر على القلادة... وحرر المملكة... وحرر قلبي."

ثم اختفى.

لم يبقَ في الحفرة السوداء سوى صمت ثقيل، وصوت أنفاس رجلين يعرفان أن الطريق إلى القلادة سيكون محفوفًا بالموت.

على سطح الأرض، حيث كانت مملكة بوجارس يومًا ما، لم يبقَ الآن سوى أنقاض تبكي تحت سماء بنفسجية تمطر خيوطًا ذهبية كالدموع.

كانت السماء تمطر ضوءًا حزينًا، والريح تعوي بين الصخور المتكسرة كأنها ترثي ما ضاع. القصر الملكي الذي كان شامخًا كالجبل صار ركامًا متراكمًا، تنبت من شقوقه أعشاب سوداء لا تنمو إلا في أرض ملعونة.

على إحدى الصخور الضخمة، التي كانت يومًا جزءًا من عرشها، كانت مارشا تجلس وحدها.

فستانها الأبيض، الذي ارتدته في يوم زفافها، صار ممزقًا ملطخًا بالغبار والرماد. تاجها المكسور موضوع على حجر بجانبها، كأنها تخلت عن الملكوت كله. شعرها الأصفر الطويل يتطاير مع الريح كأشرعة سفينة غارقة، وبشرتها السوداء اللامعة تعكس ضوء القمر الباكي فتخلق حولها هالة من ظلام متألق.

كانت تبكي.

لم تكن تبكي كالملكات اللواتي يخفين دموعهن خلف أقنعة من كبرياء. كانت تبكي كامرأة عادية، كطفلة ضائعة، كروح أُخرجت من جسدها بلا رحمة. دموعها لم تكن دمعًا عاديًا، بل كانت دموعًا ذهبية، تسقط على الحجر فتترك أثرًا مضيئًا للحظة، ثم تختفي كأنها لم تكن.

رفعت يدها ونظرت إلى سواد جلدها، إلى اللعنة التي عادت إليها أقوى من قبل، فازداد بكاؤها.

"عبد الجليل... أين أنت؟

" همست، وكأنها تخاطب الريح التي لا تسمع.

"لقد تركتني وحدي. تركتني مع لعنة لا تنتهي، وقلب لا يعرف كيف يتوقف عن حبك. هل هذا جزائي؟ هل جزاء من أحب بصدق أن يُترك وحيدًا على أنقاض حلمها؟"

نظرت حولها إلى مملكتها المدمرة. كانت مملكة بوجارس يومًا ما أجمل مملكة في الأساطير: جبال من زمرد، وأنهار من بلور، وقصور من ياقوت. الآن، صارت خرابًا يبكي تحت سماء تبكي معه.

وفجأة، سمعت خطوات خلفها.

لم تكن خطوات خفيفة، بل خطوات منهكة، كمن مشى طويلاً في طريق لا نهاية له. التفتت بسرعة، وتشبثت يداها بحجرها خوفًا.

كريستينا كانت تقف على بعد خطوات قليلة.

لكنها لم تكن كريستينا التي تعرفها، بل روحها. ملابسها ممزقة، وجهها منهك، وعيناها تحملان شيئًا غريبًا... ليس حقدًا، كما توقعت مارشا، بل حزنًا عميقًا، حزن امرأة خسرت كل شيء، حتى حقها في الكراهية.

"لست وحدك يا ملكة"

قالت كريستينا بصوت هادئ متعب، كمن لم ينم منذ أيام.

"أنا أيضًا خسرت كل شيء."

نظرت إليها مارشا ببرود، لكن دموعها لم تتوقف. كانت دموعها ذهبية، وكلماتها جليدية:

"ماذا تريدين؟ ألم تكتفي مني؟ ظننت أنك في الحفرة السوداء معه؟"

خطت كريستينا خطوة نحوها، لكنها توقفت، كأنها تخاف أن تقترب أكثر.

"لا أريد قتالاً. لقد أتيت لأقول لكِ شيئًا... عبد الجليل ليس ميتًا. وأنا أيضًا أحبه."

تجمّدت مارشا.

عيناها السوداوان، تلك العيون التي لا بياض فيها، اتسعتا كأنهما رأتا شبحًا.

"ماذا... ماذا قلتِ؟"

تنهدت كريستينا، وجلست على حجر قريب، كأن وقت الزيارة قد إنتهى .

"سمعتُ همسات حراس الحفرة السوداء. عبد الجليل حي، لكنه محتجز في الحفرة السوداء. وسيخرج غدًا عند منتصف الليل."

وقفت مارشا فجأة، وكأن الأرض ألقت بها إلى أعلى.

"كيف تعرفين هذا؟ ومن أنتِ حقًا كريستينا؟"

نظرت كريستينا إلى السماء البنفسجية للحظة، ثم قالت بصوت غامض، فيه من الحقيقة ما يكفي ليجعل مارشا ترتجف:

"ربما أنا لست مجرد جارة فضولية يا مارشا... ربما أنا جزء من هذه اللعنة أكثر مما تظنين. وأيضًا، لدي أصدقاء لهم طرقهم الخاصة، مثل بابا ياجا وسيروس."

ساد لحظة صمت ثقيل.

ثم وقفت كريستينا، ومسحت الغبار عن ثوبها الممزق. نظرت إلى مارشا بعيون حزينة، عيون من رأت نهاية العالم ولم تعد تخاف شيئًا.

"غدًا سنعرف الحقيقة كلها"

قالت.

"استعدي للمعركة النهائية."

ثم استدارت وبدأت تمشي بين الأنقاض، حتى ابتلعها الظلام وتلاشت من الوجود، تاركة مارشا وحدها.

لكن هذه المرة، في عيني مارشا، لم يكن هناك فقط حزن. كان هناك أيضًا شيء آخر.

كان هناك أمل.

رفعت مارشا يدها ومسحت دموعها الذهبية، ثم همست لنفسها، وكأنها تقطع وعدًا لن تخلفه أبدًا:

"سأنتظرك يا عبد الجليل... حتى لو انهار العالم."

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

وقعت في حب ملعونة 02 : نهوض الملعونين

المؤلف Imad chelloufi
2026/04/23 مستمرة
قائمة الفصول (2)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة