"بينما كانت أشعة الشمس تتسلل عبر أوراق الأشجار، كانت الأرض تحتفظ بأسرارها، تنتظر اللحظة المناسبة لتكشف عن الأحداث التي ستغير كل شيء."
_________________
أشرقت شمس الخريف بهدوء على أرض الخوارق، فاندفعت أشعتها الدافئة عبر الشرفة الفسيحة لتتسلل بحنانٍ إلى وجه النائمة، كأنما تسعى بلطف لإيقاظها من غفوتها الهادئة.
استفاقت إيزابيلا الصغيرة بشغفٍ متأجج، كما اعتادت دائمًا، واتجهت بخطوات خفيفة نحو الحمام لتغمر نفسها في الماء، كما لو كانت تطهّر ذاتها استعدادًا ليوم جديد. ارتدت فستانًا أسود قصيرًا يزدان بزهور حمراء، ليعكس تناقضًا خلابًا بين السواد والحياة المتفتحة. كانت دائمًا تفضل أن ينسدل شعرها القصير بحرية على كتفيها، متمردًا على أي قيد.
نزلت من غرفتها برشاقة نحو غرفة الطعام، حيث اجتمع الجميع حول المائدة. جلست بجانب جاك، كعادتها، إذ اعتادا أن يتبادلا الشجارات اليومية حول أمور تافهة؛ قد يكون الفستان أو حديث عابر السبب. ولكن، رغم كل شيء، لم يكن صباحًا يكتمل دون أن يبتدئاه بتحية متوترة، فتتسلل بينهما "صباح الخير" مضمخة بشجارٍ جديد يضفي على اللحظة شيئًا من الطرافة والمألوف.
"صباح الخير جميعًا"، قالتها إيزابيلا بابتسامة رقيقة للجميع حول طاولة الطعام.
"صباح الخير يا صغيرتي"، رد عليها والدها أليك بابتسامة دافئة.
لكن الأنظار لم تكن كلها على الكلمات. الجميع كان يراقب جاك، الذي كان يحدق في إيزابيلا بعينين متوعدتين، تلك النظرة التي أصبحت مألوفة للجميع، فقد حان وقت غضب جاك اليومي على إيزابيلا. غير عابئة بنظراته الغاضبة، ارتسمت على شفتيها ابتسامة تمثّل البراءة، ولكن نواياها كانت موجهة لإثارة حنقه أكثر: "صباح الخير يا جاك، لماذا تبدو غاضبًا؟"
رد عليها بلهجة مفعمة بالضيق، محاولًا كبح غضبه أمام الجميع الذين كانوا يتابعون المشهد بشغف، وكأن العرض اليومي قد بدأ للتو: "انظري إلى ما ترتدينه."
نظرت إيزابيلا إلى فستانها ثم إلى جاك مرة أخرى، مُنكرة: "ما الخطب؟"
أغمض جاك عينيه في محاولة أخيرة للسيطرة على انفعاله المتصاعد الذي لم يلبث أن ينفجر: "إنه قصير للغاية، ألا تدركين ذلك؟"
أبعدت إيزابيلا نظراتها عنه وتفحصت فستانها مرة أخرى، قائلة بتحدٍّ هادئ: "إنه ليس قصيرًا، كما أنه يعجبني كثيرًا، لذلك قررت ارتداءه. فما الذي يزعجك حقًا؟"
لم يستطع جاك كتمان غضبه تجاه برود إيزابيلا، فرد عليها بصوت بدأ يتعالى ليسمعه الجميع حول الطاولة: "أنا غاضب لأنه قصير جدًا! غيري هذا الشيء حالًا قبل أن تبدئي بالأكل."
نظرت إليه إيزابيلا بحدة، وقالت بإصرار: "لن أغيره. قد لا يعجبك، ولكنه يعجبني أنا. لماذا أنت غاضب؟ هل أنت من ترتديه أم أنا؟"
تدخل جيري في اللحظة الأخيرة قبل أن ينفجر جاك: "كفاكما شجارًا في الصباح! كل يوم نرى هذا المشهد المتكرر، ألا يمكنكما تغييره؟"
نظرات جاك وإيزابيلا كانت حادة، وكأنهما وحوش تستعد لالتهام فريستها. بلع جيري ريقه بصعوبة وقال متلعثمًا: "آسف... أردت فقط تغيير الجو."
رد عليه جاك بنبرة غاضبة: "لم يطلب منك أحد التدخل."
ثم أعاد نظره الحاد إلى إيزابيلا، وأمرها مجددًا: "غيري الفستان الآن."
نظرت إليه إيزابيلا بتحدٍ وقالت: "لن أغيره."
كان بركان غضب جاك على وشك الانفجار مجددًا، لكن شيري تدخلت بضحكة محاولة التخفيف: "غيري الفستان يا إيزابيلا، حتى تتمكني من تناول فطورك."
تدخل شارل بغرض إثارة غضب جاك قائلًا: "ولماذا عليها أن تغيره؟ الفستان يبدو رائعًا عليها، وأنت لست والدها ولا زوجها حتى تُملي عليها ما ترتديه."
تحوّل غضب جاك العارم إلى نظرات لا تبشر بخير تجاه شارل. "لابد أن هناك من يريد الموت اليوم، أليس كذلك شارل؟"
بلع شارل ريقه بصعوبة، وهو يحدق في جاك بخوف. "حسنًا، إيزابيلا، أرى أنك يجب أن تغيري ذلك الفستان حالًا كما قال جاك."
ابتسم جاك بابتسامة ساذجة، مما جعل الجميع يضحكون، باستثناء شارل وإيزابيلا.
أما الأخرى، فلم تجد أحدًا يقف بجانبها ضد جاك، فاستسلمت لقراره وصعدت تضرب الدرج بأرجلها بغضب شديد. غيرت فستانها ونزلت لتناول الفطور. جلست مجددًا بجانب جاك، وانتهى الجميع من الإفطار، ليتوجهوا إلى مكتب أليك.
"ما رأيكم، يا رفاق، أن نذهب في رحلة بحرية إلى البحيرة الزرقاء لمدة ثلاثة أيام؟" بدأ الحديث جيرى.
"بالطبع!" جاء رد الجميع باستثناء جاك وإيزابيلا.
"ماذا عنكما، أنت وإيزابيلا؟" سأل جيرى جاك.
نظر جاك إلى إيزابيلا التي كانت تجلس أمامه، ثم قال: "لا بأس، سأتنازل وأذهب معكم. إنه لشرف كبير لكم أن أكون معكم."
نظرت له الجميع بغيظ، ما عدا إيزابيلا التي كانت تعرف أسلوب جاك جيدًا فلم تعلق.
"يا لك من مغرور!" كان تعليق كلاري على ما قاله جاك.
"لم تعترض إيزابيلا على غرور جاك." نظرت أنستازيا إلى إيزابيلا بخبث.
"ماذا بك؟" سألتها مباشرة.
نظرت إيزابيلا إلى جاك، عيناها تحملان خليطًا من العتاب والحزن، ثم همست بصوتٍ خافت: "لا شيء."
تدخلت ماريا، محاولةً كسر الصمت المتوتر: "أظن أن إيزابيلا غاضبة منك يا جاك، أليس كذلك؟"
ارتبك جاك، ولم يستطع إخفاء ملامح عدم الرضا التي ارتسمت على وجهه، فيما تزايد شعور بالقلق داخله، رغم أنه لم يستطع تفسيره.
فجأة، التفتت إيزابيلا نحو جيري، وكأن فكرة لمعت في ذهنها للحظة. "جيري، متى سننطلق؟"
استغرب جيري سؤالها وعقد حاجبيه. "غدًا... لماذا تسألين؟ هل تنوين تجهيز أشيائك الآن؟"
ابتسمت إيزابيلا ابتسامة ماكرة، جلست بجانبه دون أن تفارق نظراتها جاك، كأنها تتحداه بذكائها. "لا، لن أجهز شيئًا الآن. أردت فقط أن أخبر آدم بأن يأتي معنا."
علّقت روزي، وهي ترمق جاك من طرف عينيها: "ها هو يغلي من الغضب والغيرة أكثر الآن."
نظرت إيزابيلا إليها بنظرة مفعمة بالانتصار، ثم وقفت قائلة ببرود: "حسنًا، سأتمشى في حديقة القصر."
خرجت بسرعة، متجاهلة نظرات جاك القاتلة التي كانت تلاحقها. الجميع تبادلوا النظرات مع بعضهم في حيرة من صمته المريب، قبل أن يغادر جاك فجأة إلى غرفته دون أن ينطق بكلمة.
كان الجميع يشعر أن شيئًا كارثيًا قد يحدث في أي لحظة.
استأذنت روزي، أنستازيا، وكلاري من الحضور، ثم توجهوا إلى الحديقة للقاء إيزابيلا، وسط ضحكات الكبار التي علت بسبب التوتر بين جاك وبيلا.
جلست أنستازيا بجوار إيزابيلا وبدأت الحديث بصوت فضولي: "إيزابيلا، هل حقًا ستتحدثين مع آدم ليأتي معنا؟"
نظرت إليها إيزابيلا بابتسامة ساخرة قبل أن تجيب: "حقًا؟!"
ثم تابعت بنبرة مليئة بالتحدي: "لماذا أنتم تخشون الوقوف أمام جاك؟"
ردت كلاري بسرعة: "أنتِ تطلبين منا أن نواجه الوحش؟! وخصوصًا في أمر يتعلق بكِ؟ لا، هذا مستحيل!"
انفجرت إيزابيلا بالضحك على تشبيه كلاري لجاك بالوحش، ثم قالت بنبرة مازحة: "لماذا أكون أنا الوحيدة التي تقف أمام هذا الوحش إذن؟"
أجابت روزي بثقة واضحة: "لأنكِ تمثلين كل شيء بالنسبة لأخي، ومن المستحيل أن يحزنك، لذلك أنتِ الوحيدة التي لا تخشى بأس جاك."
تدخلت أنستازيا، وهي ترفع حاجبها بتحد: "ثم، هل نسيتم تهديده القاسي بقتل شارل عندما تدخل بينكم؟"
"أو نظراته الحادة إلى أخي جيري!" علقت كلاري، والقلق يلوح في عينيها.
أجابت إيزابيلا ببرود مصطنع، مع ابتسامة رقيقة: "يا لها من مفاجأة! هل تخافون من جاك إلى هذا الحد؟"
ضحكت مجددًا، ثم أكملت قائلة: "لو كان جاك هنا، لكان سعيدًا جدًا بمثل هذا الحديث. لكن ليس أنا وحدي من يقف أمامه؛ جيري وشارل أيضًا. هل نسيتم من هم أصدقاء جاك؟ يمكنكم الاعتماد عليهم أيضًا، وليس أنا فقط!"
أردفت أنستازيا قائلة: "نعم، نعلم أن شارل وجيري أصدقاء جاك، ولكنكِ من تستطيعين التصدي أمامه أكثر."
سألت إيزابيلا بدهشة: "ولماذا لا يستطيع جاك أن يحزنني؟"
نظر الجميع إليها، ثم تبادلوا نظرات الحيرة قبل أن يعودوا بعيونهم إلى إيزابيلا، فقالت أنستازيا بشك: "أنتِ تعرفين جواب هذا السؤال."
ردت إيزابيلا بإنكار وشيء من الخبث: "ماذا تقصدين؟ أنا أريد أن أعرف."
أجابت كلاري بتحدٍ: "لا تحاولي، يا إيزابيلا، أن تخفي عنا أنكِ تعرفين الإجابة."
أجابت إيزابيلا بإنكار أكبر: "أنا لا أعرف شيئًا. قولو لي ماذا يجري!"
فأجابت روزي بنفاد صبر: "إنه يحبكِ، إيزابيلا! لا، إنه يعشقكِ! حتى هذه الكلمة لا تليق بقصة حبكما. لا تنكري أنكِ تعرفين أنه يحبكِ!"
كررت إيزابيلا إنكارها، بقلق متزايد: "ومن أين لي أن أعرف؟ حتى جاك لم يعترف لي بحبه."
أردفت أنستازيا بغضب: "أنتِ تكذبين! أو أنكِ بالفعل غبية جدًا!"
تابعت كلاري بغضب مماثل: "الكل يعرف أن جاك يحبك، ولا تحتاجين إلى اعترافه لكي تدركي ذلك!"
حاولت إيزابيلا إنهاء الحديث حول هذا الموضوع بصرامة: "حسنًا، حسنًا، لن أعترف بأنه يحبني إلا إذا اعترف لي بحبه أولًا. وأيضًا، لا تتحدثوا في هذا الموضوع مرة أخرى، أفهمتم؟"
فضحك الجميع عليها، مستمتعين بتوتر الموقف.
____________________
في مكان آخر داخل القصر...
ذهب شارل وجيري إلى غرفة جاك، وصعدوا الدرج نحو باب غرفته. طرق جيري الباب، وفتحه جاك، عاري الصدر، وقطرات العرق تتساقط من وجهه، بينما كانت خصلات شعره ملصقة على جبينه بفعل التعب.
دخل جيري وشارل، وجلسوا على الأريكة أمامه، فبدأ جاك الحديث قائلاً: "ماذا تريدون؟"
أجاب شارل محاولاً كسر الجليد: "لا شيء، نحن فقط نريد الجلوس معك. ألا تنوي الكف عن هذه العادة؟! عندما تغضب، تلعب رياضة قاسية! أليس هذا مرهقًا لك؟"
قال جاك بسخرية: "هل جئتم هنا لتروا ماذا أفعل؟"
أجاب شارل بتوتر، محاولًا الدفاع عن نفسه: "لا، أنا فقط..."
لكن جاك قاطعه بحدة: "تريد التعليق على ما قالته إيزابيلا، أليس كذلك؟"
نظر جيري إلى شارل وقال: "أنت ذكي وخبيث لأنك كشفتني سريعًا. ولكن بالنهاية، أنت من حشرني في الزاوية، لذا أريد الجواب الآن..."
____________
أهلاً
كيف حالكم جميعًا؟ هل أعجبكم هذا الشابتر؟
الحقيقة أنه ليس من الضروري أن أُخبركم بمدى روعة قصتي، لكن يجب أن أشير إلى أنكم لا زلتم في البداية. لم تدخلوا بعد في صميم الأحداث الرئيسية. كل ما يُقال في أول خمس شابترات ما هو إلا بداية البداية، وتلميح لما سيحدث في الشابترات القادمة. لذا، عزيزي القارئ، لا تُحكم على القصة من أول الشابترات. تابع القراءة حتى منتصفها، ثم حدد إذا كانت القصة جيدة أم لا. شكرًا لتفهمكم.
أحداث الشابتر؟
إذا كان لدى أحدكم أي استفسار، فأنا دائمًا هنا للإجابة.
أراكم في الشابتر القادم على خير. 🤍
سلام.