السلام عليكم جميعا
صلوا على النبي صلى الله عليه وسلم
لاتنيوا تصوتو وتتركو تعليق لطيف متلكم👈🏻👉🏻✨✨
وقفت نايا أمام باب بيتها مترددة بين الطرق أو العودة أدراجها، لكنها لا تعرف أين ستذهب. طرقت الباب وانتظرت حتى فتحت أمها الباب وهي تمسك سيجارة رفيعة بين أصابعها . شعرها البني المحمر ينسدل على كتفيها ، نظرت إلى نايا بهدوء ثم نفخت دخانها باتجاهها سائلة:
- لماذا عدتِ إلى هنا؟
ترددت نايا قبل أن تجيب:
- لأنني... تنهدت... لأنني لا أملك مكانًا آخر.
- هذا المنزل كبير وجميل، عليكِ أن تدفعي نقدًا مقابل المبيت.
أمها تطلب المال. نايا دفعت بالفعل، لكن العملة كانت قطعًا من نفسها سلفا.
- لكنني لا أملك المال، هل يمكنني أن أنام ليلةً وغدًا سأعم...
قاطعتها:
- عليكِ أن تدفعي مسبقًا.
انهارت نايا التي لم تعد تملك ما يكفي من القوة للاستمرار، فضحكت بصوت مرتفع:
- لقد دفعتُ الثمن غاليًا، ربما ليس نقدًا، لكنكِ سلبتِني قواي العقلية وصحتي النفسية.
ردت أمها ببرود و في عينيها نظرة احتقار وكأنها تنظر إلى حشرة :
- لا يهم، لا تملكين المال، إذاً لا يمكنكِ المبيت.
أدركت نايا أنها تقف على باب بدون عتبة، فاستدارت وغادرت ببطء عسى أن تغير أمها رأيها في لحظة ما، لكنها أغلقت الباب أيضًا.
بقيت نايا تتجول في الشوارع وتبتعد عن الأزقة الضيقة، حتى وصلت إلى الحديقة العامة والتي كانت كبيرة إلى حد ما وفيها الكثير من الألعاب.
هربت من أمها ثم من كاي إلى حديقة أطفال. لأن العالم الكبير لم يترك لها مكانًا إلا حيث يلعب الصغار.
وقفت أمام إحدى الألعاب، كانت عبارة عن مجسم طائرة كبيرة فيها الكثير من الحجرات الصغيرة والتي تؤدي كل منها إلى زحليقة. الحجرات كانت صغيرة لكنها تكفي نايا؛ فهي لا تبحث عن الرفاهية. صعدت واستلقت في إحدى تلك الحجرات ونامت هناك بهدوء، أو على الأقل حاولت...
عند استيقاظها، قررت أن أول ما تفعله هو البحث عن عمل، وهكذا كان. وهنالك دورة مياه في الحديقة، رغم أنها قذرة بسبب استعمال الأطفال، لكنها لم تسأل؛ فهي لا تملك رفاهية التكبر. فكرت بأعمال كلاسيكية: ماذا يمكن لفتاة صغيرة في الخامسة عشرة، بوجه طفولي يُكذب عمرها الحقيقي، لا تملك أي خبرات أو شهادة أن تعمل؟
بالطبع، تغسل الأطباق في أقرب مطعم. وهكذا كان، حصلت على وظيفة سريعة بنصف الأجر لأنها تحت السن القانوني. وافقت فالنصف أفضل من اللاشيء . لفت المئزر حول خصرها وارتدت ملابس العمل وشرعت بغسل الأطباق. كان بإمكانها أن تأكل من المطعم وقت استراحة الغداء بشرط أن يُخصم من راتبها، وهي موافقة. أكلت وعادت إلى عملها.
واستمرت على هذا الحال أسبوعًا: تنام في الحديقة، تقضي حاجتها، وتعمل في المطعم، وتأكل الوجبة الوحيدة التي تحظى بها يوميًا. وبالتأكيد تتجنب الشارع المؤدي لمنزل إيفان أو كاي ، مشكلتها الوحيدة الآن أنها لم تستحم منذ أسبوع. ذهبت وأخبرت إحدى زميلاتها في العمل، كانت سيدة لطيفة جدًا، أخبرتها بأنها لم تستحم منذ أسبوع لأن الحمام معطل وعليها أن تنتظر الراتب حتى تصلحه. كانت كذبة سهلة.
- إذًا،هل يمكنني أن أستحم في بيتك؟ في بداية الشهر سأدفع لك ثمن هذه الخدمة.
ردت زميلتها:
- لا داعي لكل هذا الكلام، قولي سأستحم في بيتك اليوم وأنا سأوافق، يا عزيزتي.
- أشكرك حقًا لذلك.
.
.
.ذهبت نايا للعمل بانتظام. غسلت الصحون. أكلت. نامت في الطائرة. كررت الأمر. هذا يسمى 'البقاء على قيد الحياة'، وهو مختلف تمامًا عن 'العيش'. والفرق بينهما، أيها الأصدقاء، هو الفرق بين العد التنازلي والعد التصاعدي.
.
.
.
عادت من عملها متعبة، رائحة الصابون الخشنة عالقة في يديها، كان غسل الصحون طوال اليوم يعذب بشرتها، غياب المرطبات اللازمة جعل الأمر أكثر سوءاً.
جلست على الكرسي، والحقيبة التي كانت تحملها على كتفها استقرت في حجرها، راقبت الاطفال وهم يلعبون بمرح، حتى غابت الشمس وذهب الجميع إلى منازلهم ،صعدت الى مجسم الطائرة ودخلت حجرة اللعب الصغيرة.
كورت حقيبتها الفارغة إلا من قميصين إضافيين ومشط وهاتف فرغت بطاريته تماما، وضعتها تحت رأسها في محاولة يائسة منها للتأقلم مع البلاستيك البارد الذي اخترقت برودته عظام ظهرها. كل حركة كانت بحثاً عن راحة لن تأتي.
توقفت عن الحركة ونظرت الى السماء من سقف الحجرة المفتوح ، أخذت تحصي النجوم لتقتل الوقت، لكن كل صوت _ حفيف شجرة، أو حركة جرذ _ كان يقطع خيط تركيزها الواهن. غالباً ما كان صوت معدتها الخاوية هو الصوت الأقوى.
ضحكت. لأن المأساة تصبح أحيانًا سخيفة لدرجة لا تليق إلا بالضحك. لكن الضحك خانها، فتحول إلى دموع. الخيانة الثانية في ليلة واحدة. لو ماتت الآن، من سيبكيها؟ لكنها كتمت أنفاسها وتساؤلاتها. فلو أمسكها الحارس، فالمأوى بانتظارها.
كل الطرق مسدودة.
وكل ما تريده حقاً...
**بطانية**.
بعد شهر، عندما قبضت نايا مرتبها الأول، اكتشفت أن المبلغ صغير بالكاد يكفي لاستئجار شقة صغيرة. عندما سألت عن السبب أخبروها ببرودة آلية:
- أنتِ تتناولين الغداء هنا كل يوم.
اعترضت:
- أجل، ولكني لم آكل بهذا القدر.
- إن المقدار ثابت، كان بإمكانك أن تأكلي كيفما تشائين.
حزنت لذلك، لكنها عادت إلى الحديقة، وأدركت أنها يجب أن تستمر بجمع بعض المال حتى تشتري طعامها بنفسها. اقترضت بعض المال من إحدى زميلاتها، ثم استأجرت شقة صغيرة بها غرفة نوم صغيرة، مطبخ، حمام. كان هذا كافيًا.
عندما دفعَت إيجار الشقة الأولى في حياتها، شعرت لأول مرة بأن لها حدوداً يمكن أن تحميها، وأن جدراناً يمكن أن تحتوي أحزانها دون أن تسألها الثمن. نظرت إلى المدينة من نافذتها، كان الصمت يطن في أذنيها، لكنه كان أفضل من صوت كاي. استلقت على السرير ونامت هناك بعد شهر من النوم على الأرضية.
على بعد أميال كثيرة، كان الاثنان جالسان في صمت، يحملان ثقل غيابها، في تلك الشقة التي أصبحت فجأة كبيرة جداً، فارغة جداً.
جلس كاي على الأريكة، وهو يقلب في هاتفه. رسائله لها لم تعد تصل ،كان الحظر كطعنة في كبريائه.
- كيف تجرؤ... همس وهو يضغط على الشاشة حتى كادت تنكسر . وهنا درس في الفيزياء العاطفية: الغضب يتحول إلى قوة ضغط، والخيبة إلى رغبة في تدمير الشيء الأقرب. وكان الهاتف - ذلك الشاهد الصامت - هو الضحية البديلة.
- كيف تجرؤ على معاملتي هكذا؟.
كانت أفكاره تدور في حلقة مفرغة
' أنا الذي أحببتها أكثر من الجميع...أكثر من أي أحد!
قدّمت لها كل شيء!
وهي تختفي دون أن تترك لي تفسيراً!
ألا أستحق على الأقل أن أعرف لماذا؟! '
لكن في أعماقه، كان لديه سؤال يتردد، ' لماذا لم أستمع إليها!؟' ، سؤال كان يرفض الاعتراف بوجوده.
إيفان، كان يقف في شرفة الغرفة، ينظر إلى المدينة التي ابتلعت نايا دون أن تترك أثراً. كل نسمة هواء باردة كانت تقول:
- أنت مذنب ، كنت تعلم أنها ليست بخير.
فكر في نفسه ،
"لو منعتها ذلك اليوم...
لو أجبرتها على البقاء...
لو أني عرفت الحقيفة...
لو لم أصدق الأمر فقط"
كان يحمل هاتفه، يكتب رسائل يحذفها قبل إرسالها. ماذا يقول لفتاة هربت من الجميع، بما فيهم منه هو؟.
في إحدى الليالي، انكسر الصمت بكلمات كاي المرتعشة؛
- لقد كانت هنا! في هذه الغرفة! وكان بإمكاني منعها من الرحيل! ولكنها عرفت ذلك، ولهذا غادرت عنوة!
كانت تعرف أني قادر على إيقافها ، فرحلت في غفلة مني!
كرر كاي ،محاولاً إثبات الأمر لنفسه ولإيفان معاً.
نظر إيفان إليه، عيناه تحملان إرهاقاً أكبر منه؛
- هل تريد حقاً أن تستعيد تلك اللحظة؟ كنتُ أنت من جاء واعداً بإصلاح كل شيء. كنتُ أنا من صدّقك، وهروبها دليل على أنك لم تصلح شيئاً!
صرخ كاي في وجهه:
- إذاً لماذا لا تتركني وشأني؟ لماذا ما زلت هنا؟
خيم صمت على المكان
لأن إيفان، رغم غضبه وخيبة أمله، كان يرى شيئاً في عيني كاي... شيء رآه من قبل، خوف طفل ضائع.
.
.
.
بقي كاي مع إيفان لفترة من الوقت ، كانا يبحثان عنها بشكل محموم، كل بطريقته.
كان كاي يبحث عن "انتصاره المسلوب" .هو يريد أن يثبت أنه كان مهماً ، ومحقاً.
بينما إيفان كان يبحث عن "الطمأنينة" ، يريد أن يعرف أنها بخير، حتى لو كانت بعيدة.
ذهبا للمحطات، للمقاهي التي اعتادوا زيارتها، حتى للمستشفيات. وكان كل فشل في العثور عليها يزيد كاي انهياراً وإيفان هدوءاً مزعجاً.
إيفان لم يجد جوابا لأسئلته،
لماذا هربت، ولماذا اختبأت طويلا، ولماذا الآن تحديداً.
لم يكن يملك دليلا ضد كاي ولكن بالرغم من ذلك لم يكن يستطيع طرد الشكوك من رأسه.
ولكن كاي بقي صامتاً ، لم يتحدث عن الأسباب التي دفعت بنايا بعيداً ، كل ما فعله هو الإستلقاء على أريكة إيفان دون حراك لأطول وقت ممكن. بينما إيفان كان يدرس بجدٍ في الليل، ويحاول أن يكون قريباً من كاي للإطمئنان عليه.
صار روتين إيفان الجديد رتيبا أكثر من قبل، يعد الطعام يغسل الاطباق، الجامعة، النادي، الاعتناء بكاي، الدراسة، والاتصال بخالته، و بالطبع الالتفات لكل ظل عابر ...كل ظل قد يكون هي...
في ليلة ممطرة كان إيفان يتحدث إلى خالته مجدداً، ليلة الأربعاء، ليس لديها أي مناوبات أو دوام إضافي.
...
- مسكين أنت ألا يزورك أحد؟
- لا، كما ترين ابنك مسكين ووحيد أيضاً
ضحكت ليال على نبرته الشاكية ثم أردفت:
- ليس لوقت طويل!
ابتهج إيفان فكر أنها من الممكن أن تزوره ولكنه لم يعقب على ذلك بل تسائل:
- إلا يزوركِ أحدٌ غير صديقاتكي؟
- من سيزورني مثلاً؟
- همممممم لا أعرف، رأيتِ نايا مؤخراً؟
- لا، هي لم تزرني منذ أن سافرت معكم، وكيف ستزورني أصلا
تردد إيفان لثانية قبل أن يجيب؛
- في الحقيقة هي ليست معنا الآن.
- مالذي تعنيه بذلك؟ هي هنا؟؟
- لا أعرف أين هي بالضبط ولكن هذا مجرد احتمال فقط
- يا إلهي، أنتما لا تعرفان مكانها؟! منذ متى؟
- لقد مر شهر ونصف على ذلك.
- وتخبرني بذلك الآن أيها الذكي!
- آسف لإخفاء الأمر عنك ولكن هذا ما حدث.
- أين هي يا ترى؟، لو كانت هنا لرأيتها، غذا سأزور أمها زيارة ودية، أتمنى أنها لن تشك بسبب الزيارة.
- ستشك بسبب الزيارة المفاجأة.
- أنت على حق، سوف أزور الحي بانتظام لأتحقق من ذلك، ولكن لم تخبرني كيف ذهبت دون أن تترك أثراً أو تخبر أحداً!
- لأنها هربت ربما، لا أعرف كيف أو لماذا، كاي يرفض إخباري.
- ذاك الوغد الصغير!، كيف لا يخبرك.
- ليس صغيراً.
- إذاً، وغد كبير .
ضحك إيفان وليال معاً ثم قال إيفان؛
- لا هو ليس وغداً، هو شيء آخر بالتأكيد، أحمق ربما.
...
أغلق إيفان الخط في وقت متأخر، بعد ثرثرة طويلة.
ولأن الوقت قد تأخر، قرر الخلود إلى النوم وتأجيل الدراسة للصباح، وهكذا كان.
بعد أيام من البحث اليائس، عاد كاي إلى شقته الفارغة، تاركاً إيفان وحيداً في غرفته الجامعية. هذا لم يكن سوى هروباً أنيقاً.
كان يجلس في شقته الواسعة، يحدق في الجدران الفارغة.
حاملاً هاتفه كأنه يحمل جرحاً مفتوحاً. كل رسالة غير مقروءة كانت تذكرته بأن بعض الأخطاء لا تُصلح بالكلمات.
تسللت إليه إحدى الذكريات عندما كانا في التاسعة من عمرهما.
كانت القاعة تضج بأصوات الأطفال المتلهفين. كاي يقف في الصف الأول مزهوا بنفسه، بينما يقف إيفان بجانبه في صمت. على المنصة، مدير المدرسة يلقي كلمته.
كان والد كاي جالساً في الصف الثالث، هاتفه على أذنه منذ بداية الحفل. وكاي يحدق فيه منتظرا نظرة فخر منه.
عندما نادى المدير اسم إيفان. تقدم ليستلم جائزة التفوق في العلوم. امتلئت القاعة بتصفيق خفيف. كانت ليال تجلس في الصف الأول، تبتسم بذلك الفخر الحزين الذي عرفه إيفان جيداً.
وفي اللحظة التي عاد فيها إيفان إلى مكانه، فُتح الباب الخلفي للقاعة.
ظهر رجل طويل القامة، بشعر أسود بدأ الشيب يغازل صدغيه، وبدلة سفر مجعدة، وقف عند المدخل متعباً لكن مبتسماً. عيناه تبحثان بين الأطفال.
- أبي!
خرجت الصرخة من إيفان قبل أن يتمكن من كبحها.
ركض عبر الممر، وتلقفه الأب الذي رفعه على كتفيه كما لو كان بوزن ريشة. ضحك الأب و الابن بصوت جهوري.
كان المشهد يقطع القلب جمالاً. ليال تبكي من الفرح. الجميع يبتسم.
كاي لم يحرك ساكناً. نظرة واحدة لوالده كانت كافية، كان لا يزال على الهاتف، يهمس ويخطط لإجتماعاته تجارية. لم ينظر حتى عندما نادى المدير اسم كاي للحصول على جائزته.
عندما نزل كاي من المنصة ووقف أمامه، أخيراً أغلق والده الهاتف وقال:
- آسف، يا بني. كانت صفقة مهمة. لكنك كنت رائعاً.
كاي نظر إليهم. رأى إيفان ووالده يمشيان معاً، يد الأب على كتف الابن. وليال تمشي خلفهما مبتسمة، تحمل حقيبة إيفان المدرسية.
قال إيفان لأبيه:
- ظننت أنك نسيت أمر الحفل.
أجاب الأب بصوت منخفض:
- خالتك ليال أرسلت لي عشرات رسائل. لم أنتبه للتاريخ بدقة. لكن عندما تذكرت هذا الصباح... ألغيت كل شيء.
كانت كلمات بسيطة. لكن لكاي، الذي يسمع هذا الحوار، كانت تعني: كان يكفي تذكير واحد. لكي يأتي من مكان بعيد من أجل ابنه.
في تلك الليلة، بينما كان كاي مستلقياً في سريره، عادت إليه صورة إيفان على كتف أبيه. وظهرت فكرة صغيرة في رأسه: "لماذا يحصل هو على الأب الذي يلغي كل شيء من أجله؟"
ولم تكن غيرته من إيفان نفسه، بل من ذلك الحب غير المشروط الذي وصل متأخراً، لكنه جاء. بينما حب والده كان حاضراً دائماً، لكنه مشروط وغائب.
كان يتفادى إيفان بتلقائية، ليس كرهاً له، بل لأن وجوده يذكره بفشله. وبتلك الصورة القديمة: إيفان على كتف أبيه، وهو يستحق كل ذلك الإلغاء والتغيير في الجدول، بينما هو لم يستحق حتى نظرة. نظرة انتظرها لسنوات طويلة لكنها لم تأت.
كلما حاول إيفان الاتصال للإطمئنان عليه، كان كاي يرد ببرود واختصار، محاولا إنهاء. المكالمة في أقصر وقت ممكن.
في الليل، كان كاي يحدق في السقف الخالي، متخيلاً أسوأ السيناريوهات الممكنة.
"ربما نايا مع إيفان الآن... ربما كانا يتآمران ضده منذ البداية...ربما كان إيفان ينتظر هذه اللحظة ليأخذها منه"
.
.
.
كان إيفان يُجري مكالمة هاتفية مع صديقه لورنس، وبينما هو يتحدث، دخل كاي إلى الشقة وسمع طرفًا من الحديث:
كان إيفان يقول في الهاتف :
- لورنس، صديقي، صدقني: أنت تحترق كشمعة تضيء غرفة أعمى. هل تفهم؟... أجل، هم لا يرونك، لا يتذكرونك، بل ربما تغير الأفراد بعد هذه السنوات. لورنس، يا ذكي، ستجلب نهايتك بيديك..... لا، لست جبانًا، بل أنا أصارحك بالحقيقة. هل تظن أن الساعة التي تمضيها في النادي الرياضي كافية؟ يا رجل، متى؟ رغم كل ما فعلته، لم تنجح بسرقة انتباه فتاة..... أعرف، أنت لا تبحث عن الفتيات، وأنا كذلك. أنا أبحث عن مستقبل أَراك فيه على قيد الحياة. هل تفهم؟... لا؟ لا بأس...... اسمعني يا لورنس: الجميع يرتكبون الأخطاء، وأنا أخطأت في نصيحتي. أنت بالكاد سمعتها. وداعًا.
أغلق إيفان الخط وبدت عليه بوادر الانزعاج.
كانت هذه نهاية المكالمة التي سمعها كاي، والتي دفعه فضوله وقلقه لسؤال إيفان عنها فور انتهائها، ولكن إيفان سبقه :
- كيف دخلت إلى شقتي؟
- هل ستتصل بالشرطة؟ كان الباب موارباً
- أوه، أنا أنسى إغلاق الباب أحيانا.
- ما به لورنس
- لم يتخلَّ عن فكرة الانتقام لوالده.
- ذكرني بالتفاصيل؟
- عصابة "الثلج المحرم"، ينوي الانتقام لأنهم قتلوا والده عندما كان على وشك القبض عليهم.
- أوه، تذكرت ذلك.
- اعذرني يا كاي، لم أسألك لأنني كنت مشغولاً ب لورنس، أخبرني الآن ،ما سر هذه الزيارة المفاجئة؟
- كنت سأسالك هل تزورك نايا أو تتواصل معك؟ أقصد، لا بد أنها تفعل. هي تثق بك.
ضاقت عينا إيفان وهو يحدق به.
- دعني أسالك سؤالاً، وجوابه هو جواب سؤالك، نايا تثق بي، أجل. ولكن أنت، هل لا تزال تثق بي؟
سكت كاي مدركًا الحقيقة المرة.
أضاف إيفان:
- دعني أسالك يا كاي، ما الذي فعلته بها حتى تركتك هرباً، و فقدت ثقتها بك؟
- لو قلت لك أن لا شيء حدث، فسأكذب. ولو قلت أنه شجار، فلن تصدق.
- بل سأصدق ذلك. ولكن لماذا جئت تسأل عنها هنا بالتحديد؟
- إيفان، أنا قلق عليها.
- بل ترفض تركها لك وتخليها عنك. فكرة أنها قد تكون إلى جوار أحد ما، لا أكثر.
خيم الصمت على المكان لثوانٍ، حتى قال إيفان:
- كاي تخلى عن كبريائك الأحمق، وأكمل حياتك بشكل طبيعي، قبل أن أفقد عقلي بسببك؟! وسأسامحك على تصرفك الأهوج لأنك تمتلك نصف عقل فقط. والآن، ابقَ هنا وفكر بذنبك قليلاً. لن أدعك تغادر اليوم.
تردد كاي قبل أن يقول:
- لدي سؤال واحد فقط.
جلس إيفان على الأريكة وأومئ.
- اسأل.
- هل كنت تحبها؟ نايا... هل كنت تحبها كما أحببتها أنا؟
ساد صمت طويل. نظر إيفان إلى كاي، رأى العيون المتعبة واليد المرتعشة.
- هل هذا ما يشغلك الآن؟ بينما هي في مكان ما، ربما جائعة أو خائفة، أنت تسأل عن مشاعري؟
تلعثم كاي:
-أنا... أعلم أنها بخير.
وقف إيفان:
- كيف تعلم؟ هل رأيتها؟ هل أخبرتك؟ أم أنك تخبر نفسك ذلك لتستطيع النوم؟
نظر كاي إلى الأرض، صمته اعتراف بالحقيقة.
✿✿✿✿✿
كان يوم خميس عادي والساعة تشير الى السابعة مساءً، و ماري تدرس لوحدها في غرفتها عندما سمعت طرقاً حاسماً على الباب. فتحت الباب لترى رجلاً طويل القامة يرتدي زي شرطة رسمي، الشارة تلمع على كتفه في ضوء المصباح الخافت.
قال برسمية تامة، رافعاً الشارة أمامها:
- الشرطة. أنا أبحث عن...
توقف فجأة عندما التقت عيناه بعيني ماري. هي ليست الشخص الذي يتوقعه. ظهرت عليه لحظة من الارتباك النادر في مظهره المهيب.
حاولت ماري التماسك رغم ذعرها:
- نعم... هل هناك مشكلة؟
خفض الشارة، صوته لان قليلاً :
- اعتذر يا آنسة... أخطأت العنوان. أبحث عن شقة إيفان. هل تعرفينها؟
أشارت ماري بتردد:
- ثالث شقة على اليمين... الرقم ٣١١.
أومئ الشرطي الغريب شاكراً ثم انصرف بخطوات ثابتة.
اغلقت ماري الباب وأسرعت إلى هاتفها.
"الشرطة تبحث عن إيفان؟ ليس من عادته..."
اتصلت بإيفان. الجوال يرن مراراً قبل أن ينتقل للبريد الصوتي. تحاول مرة أخرى... نفس النتيجة.
"لماذا لا يرد؟"
سمعت فجأة ضحكة مألوفة من الممر، ضحكة إيفان المتعب، لكنها مختلفة هذه المرة، أكثر صخباً. فتحت الباب و رأت إيفان والشرطي واقفان أمام شقة إيفان. إيفان يضحك بينما الشرطي يحاول شرح شيء ما بإيماءات مضحكة.
- إذاً جئت إليّ بزي العمل لتخيفني؟ هذا غير قانوني يا رجل!
- لم أخفك، بل أخفت جارتك الجميلة! للأسف.
خرجت ماري من شقتها واقتربت منهما.
التفت الاثنان إليها. قال إيفان وعلى وجهه ابتسامة عريضة:
- ماري، هذا هو لورنس. صديقي من أيام المدرسة الابتدائية.
انحني لورنس قليلاً، هذه المرة بلا رسمية:
- سامحيني للإزعاج. لم أكن أخطط لإخافتك، لكني اردت مفاجئة إيفان فقط.
حدقت ماري بالزي الذي يرتديه ثم بوجهه الهادئ:
- هل أنت شرطي حقاً؟
أجاب لورنس بابتسامة خجولة:
- ليس بعد مجرد طالب في أكادمية الشرطة.
تدخل إيفان:
- لا تقفا في الخارج لنكمل في الداخل هيا!
دخلوا وجلست ماري على الأريكة وكذا لورنس بينما اتجه ايفان لإعداد الشاي.
انتبهت ماري للفرق بين نبرة لورنس الرسمية الأولى والنبرة الدافئة الحالية مما شجعها على طرح المزيد من الأسئلة:
- ولماذا جئت إلى هنا بملابس الشرطة هكذا؟ بما أنها زيارة صديق؟
ضحك لورنس بارتباك:
- مجرد مقلب يا آنسة.
ساد بعدها صمت مريح ،قطعه عودة إيفان مع الشاي:
- خالتي ليال لمحت لي أن ضيفاً قادماً. ظننت أنها ستزورني.
- كما ترى لست ليال، أنا البديل تعال إلي يا ولدي!
ضحك كل من إيفان وماري على لورنس وهو يفتح ذراعيه لإيفان كي يحضنه لكن إيفان ناوله كوب الشاي قائلا:
- لا أقبل النسخة المقلدة أنا اسف جدا.
أخذ لورنس الكوب منه:
- أنت الخاسر!