الفِداء حق الأقصىٰ

الفِداء حق الأقصىٰ

18 0

. بومضة عين انقلب كل شيء، واهتز شيء بداخلي؛ قد تغير ولن يعود كما كان. حدث ذلك مطلع الساعة الثانية صباحًا في الثامن من أكتوبر، قبل ستة أشهر من الآن؛ كنت مستلقيًا على ظهري في سريري الدا فئ، أعبث بجوالي، أقلب في مواقع التواصل، طوال الصباح والمساء وأنا على هذه الحال دون كلل أو ملل. أشارت عقارب الساعة للساعة السابعة والنصف وأنا بذاتِ الوضعية منذ أكثر من ساعتين، أسمع صوت ضحكات أهلي خارج غرفتي، ضجيج الأحفاد يثقب أذني، وصراخ أخواتي الكبيرات عليهن مزعج جدًا، أعتقد أن الجيران يروننا مجانين. أتسكع بين الصفحات وأتشاجر مع هذا، وأعارض ذاك، وأتحدث إلى هذا، كنت متوترًا إثر ذلك كله، مئات الأفكار المسمومة، والانحياز السلبي اللاواعي في عقلي، ومحاولة إثبات أنني شخص رائع مميز، ولا يجب أن يعارضني أحد، قد سيطرت هذه الأفكار على عقلي الباطن دون إدراك مني. وبسبب تلك الأفكار السامة غرقت في عزلتي عن العالم الحقيقي الذي أعيش فيه، وكرهت كل شيء حتى نفسي، رغم أني كنت أعي أن معظم ما ينشر خطأ وأقول بكل كبرياء « أنا أعرف أنه مجرد هراء لن أتأثر به.» ولكن الحقيقة أن الأمر دمر نفسيتي تدريجيًا، وشتت فكري حتى غدوتُ حساسًا لأي كلمات وأفعال، وأضخم المواضيع. كرهت أهلي، وغدوتُ أراهم مقصرين وقساة، ولم يعطوني الحنان الكافي، متناسيًا أنهم ضحوا بشبابهم وحريتهم ورغباتهم لأجلي، كله لأنهم يقولون أنني سجين غرفتي، ولا أجلس معهم، وحجتي أنهم لا يفهمونني ولا يحبونني، لكن مهلًا! أنا بالفعل سجين هذه الجدران الأربعة. قلتُ كثيرًا غدرني أقرب الناس، حتىٰ الأصدقاء ولكن مهلًا! كيف سيبقون معي إذا كنت لا أخرج لهم أساسًا، هل غدر بي الجميع بالفعل؟ إذا كان الكل يقول تركني الجميع؟ إذا مَن ترك مَن؟ الدنيا أساسها التغيير أليس كذلك؟ عقلي سينفجر، كل هذه الأفكار تجوب بعقلي كل ليلة ولكنني ببساطة أقمعها وأستمر في عنادي. كم ندمت على كل دقيقة قضيتها على ٰهذا الجهاز، أدمنته حد الجنون، والمفترض أن يكون شيئًا ثانويًا فكيف جعلته محور حياتي؟ كالعادة قطع حبل أفكاري دخول أخي الأكبر، وباغتني بسحبه جوالي من يدي، تجمع الدم في رأسي من الغيظ وهو يؤنبني بلهجة لائمة. « يكفي جلوسًا على الهاتف يا فتى، انظر إلى عينيك محمرتين بسببه، ارحمهما.» سحبت هاتفي بعنف وأنا أصرخ كالمجنون عليه، وكأنه قاتل أريد الانتقام منه، نعم أدرك الآن كم ردة فعلي مبالغة فيها « لا علاقة لك، ثم لا يحق لك الدخول دون إذن!» دفعني عنه بقوة، وحدق بي بغضب رغم ذلك تكلم بنبرة هادئة «بل طرقته عدة مرات ولكنك لا تسمع، هذه المصيبة عزلتك عن العالم تمامًا.» لم اهتم له، وعدت لأشغل هاتفي وأكمل محادثاتي مع أصدقائي الرقميين، معظمهم مجرد حمقى، اثنان فقط يستحقان فعلًا اهتمامي، فتفكيرهما جميل ويجعلانك تفهم أشياء كثيرة، ولكن أخي أطفأه وشدني من أذني. « انهض يا ولد إنه وقت صلاة العشاء وأنت كالعادة لم تسمع الآذان بسبب انشغالك بهذه الكارثة.» قرصته ليدعني، وضعت الهاتف جانبًا وذهبت لأتوضأ علىٰ عجلٍ، رافقت والدي وأخي للمسجد ومعنا صهري وأولاده الصغار المزعجين. بعد الصلاة وعودتنا للبيت، ركضت مسرعًا، لأعود إلى عزلتي والدخول في العالم الرقمي الذي أدمنته، حتى استوقفني صوت أمي قائلةً «سينضج الطعام قريبًا، هيا تعال لتجلس معنا قليلًا.» أومأت لها فحسب، واستأذنتها أن أدخل غرفتي قليلًا، حينها لم أجد هاتفي، بلا شك أنه أخي عز فهو كثيرًا ما يخبئه عني، ولو تكلمت سيجحد ولن يقف أحد في صفي ضده، كنت أمقت ذلك بشدة، هذا كله لأنه الأكبر، ولكن الآن فهمت السبب وأتمنى أن أشكره على ذلك، لكم افتقدته. خرجت علىٰ مضض، عاقدًا حاجبيّ محدقًا بأخي بحقد لفعلته، ولكنه لم يهتم وتصرف بعفوية تامة، يدردش مع صهرنا المصون، كم يزعجني أنهما في سنٍ واحد ويتآمران علي، لطالما كان يشجع أخي على قمعي بحسب رأيي فيه حينها. « فداء اجلس يا بني.» أيقظتني كلمات أمي، جلست بجانبها والجميع يتحدثون ويضحكون حولي، للحظة شعرت برغبة في البكاء شعرت بضيق في صدري، تناسيت غضبي ولعبت مع أولاد أختي الصغار، لأول مرة ألاحظ كمية براءتهم ولطفهم، ومدى خفة دم والدهم، لطالما أضحكني كلامه، حتى اليوم رغم انزعاجي منه وإلا أنني ضحكت من أعماق قلبي المضطرب، واليوم لم أشعر بأي ملل من حكايات والدي، كانت رائعة وذكرتني بجدي، يبدو أن والدي كبر فعلًا، وانتهى الأمر باللعب مع أخي وأخواتي اللاتي انقسمنْ في تشجيعنا، ونهاية بدعاء أمي لنا. ودعنا أختي وأولادها، ثم عادت لبيتها، وعندها لم تدم سهرتنا أكثر وذهب كلٌ إلى فراشه، كانت الساعة الحادية عشرة والنصف، من شدة التعب ارتميت على سريري ونمت دون أن أطلب هاتفي من أخي، ومع ذلك لم أشعر بالراحة، شعرتُ بحمل ثقيلٍ على صدري. فجأة سمعت صراخ عائلتي ونداءهم الهستيري باسمي، الظلام يمنعني من رؤية أي شيء، صوت عالٍ أثار الرعب في قلبي، أين أنا؟ لماذا لا أستطيع التحرك؟ أناديهم فلا يردون؟ ألا يسمعونني؟ ما بالهم يصرخون؟ كنت عالقًا لا أستطيع التحرك، المكان مظلم لا أرى شيء، ولكن الدنيا صاخبة، صراخ، صوت مدوي كأنه انفجار! وصوت إنذارات! ماذا جرى؟ يا الله! أنارت الدنيا حولي بالنار، كان وميضًا أحمر مخيف يملأ الغرفة، يليه اهتزاز الأرض بقوة كأنه زلزال، لم أدرك حتى رأيت أخي فوق رأسي، شفتاه تتحركان ولكني لا أفقه قوله، جبينه يتعرق، ويدفع شيئًا ما عني، التفت لأرى أي شيء، لم أفلح ولكني شعرت بسائل ساخن على جبيني. بعدها حملني أخي وركض بي وأنا بالكاد أشعر بما حولي. « إنه ينزف، رأسه ينزف..» « اخرج بسرعة البيت سينهار..» « أين أمي؟» « لقد خرجت..» ماذا يجري؟ لماذا صوت أبي وأخي ثقيلان وحروفهما مرتجفة؟ هل أنا من ينزف؟ ولماذا أمي خرجت؟ لماذا بيتنا سينهار؟ أنا لا أرى شيء، والسائل الدافئ قد ملأ وجهي، ولا أشعر بجسدي. هل ضربنا زلزال؟ لا، الزلزال لا يتبعه صوت مدوي وضوء كالنار، يبدو أن اليهود ينتقمون منا. صحوتُ بالمشفىٰ، لأرىٰ وجه أخي الباسم أمامي، ولكنه مليء بالجروح والرماد، والدموع ملأ جفونه، شعرت بخدر وألم في جسدي، وضعت يدي على رأسي، يلفه ضمادٌ طبي. قَبل أخي رأسي قائلًا. « حمدًا لله علىٰ سلامتك، الحمد لله.» سالت دموعه علىٰ خديه، ورغم ابتسامته إلا أن صوته ثقيل خافت، لأول مرة أراه باكيًا وغير متزن. شعرت بجفاف شديد في حلقي، بصعوبة استطعت إخراج بعض الحروف، وطلبت بعض الماء، ساعدني لاشرب من قنينته. « عز ماذا حدث؟» « قصفنا الصهاينة..» انتفضتُ من مكاني مجزوعًا، انقبضت عضلات جسمي، كان الألم فظيعًا في تلك اللحظة، اقترب أخي مني، وعلى وجهه القلق واضحًا، وضع كفيه على كتفيّ يحثني للاستلقاء ثانية. « أنتَ متعب يا أخي، ارتح قليلًا..» كان يتهرب من اي اتصال بصري معي، يرتجف، ويتعرق بشدة، نظرت له بحدة. « أين أبي وأمي؟ أين أخواتك البنات؟» لم ينظر إلى وجهي، تحاشاني وأراد الذهاب، سحبته من يده رغم كل الوجع الذي أشعر به، وصرخت بملء صوتي وشياطين الأرض تنط أمامي. « أخبرني أين هم؟! ماذا جرىٰ معهم؟ تكلم!» حدق فيّ للحظة، ثم احتضنني وبكى بحرقة، تسارعت نبضات قلبي، وعلقت غصة في حلقي، ارتعبت من بكائه.. « لماذا تبكي؟! تكلم..» « استشهدوا جميعهم يا فداء.. استشهدوا» نزل علي الخبر كالصاعقة، فقدتهم! بلمح البصر فقدتهم! دون وداع! لا أصدق كان ذلك اللقاء الأخير دون أن أعرف. لم أودعهم لم أعتذر عن حماقاتي، لم أخبرهم كم أحبهم، رحلوا دفعة واحدة، لا أستطيع تصور حياتي دونهم، رحلوا دون تدريج، رحلوا لقد رحلوا. بالكاد وقفت على قدمي، إصابتي شديدة، ولكني لن أضيع أخر لحظات الوداع، لولا أخي لما تمكنت من المشي، دخلنا الغرفة حيث جثث الشهداء، صعقت لعددها، لا تجد مكانًا تضع به قدميك، نظرت لأخي بعينين متسعتين، طأطأ رأسه قائلًا بخفوت. « لا يزال المزيد في باحة المشفى» المزيد! كل هؤلاء ماتوا في ليلة واحدة! وبقية المستشفيات وتحت الأنقاض؟! واضح أن عددهم أكبر مما أظن. وقفنا أمام عدة أكفان، جثوت على ركبتيّ وأنفاسي تتصاعد، كشف أخي عن وجوههم، تعلوها راحة غريبة، مع ذلك لم أحتمل سكونهم، وجوههم بيضاء باهتة، باردة جدًا. صرخت، ناديت، لم يجيبوني، أمي أبي، اجيباني، دعواتك يا أمي دعواتك، من أنا بدونها؟ أبي، انهض، وبخني، اضربني لن أشكو، فقط انهض. يا بنات، انهضنّ لن ازعجكن تانية، سأشتري لكنّ ما تشتهينّ، هيا انهضنّ. لا تتركوني وحدي، انهضوا أرجوكم، أنا أريد قضاء المزيد من الوقت معكم، سأترك عزلتي وهاتفي، فقط عودوا إليّ. احتضنت أجسادهم الخاوية من الروح، وقَبلتهم ودموعي تسيل دون إرادةٍ مني، ودعتهم، آخى مرة أرى وجوههم، آخر مرة أشتم رائحتهم، كانت مسكًا خالصًا. أدركت، لقد ماتوا شهداء، إنهم شهداء إن شاء الله، انهرت ساجدًا، شاكرًا لله تعالى. نهضت أصدح بأعلى صوتي. « إنّا لله وإنّا إليهِ رَاجعُون، الحمد لله.» لم يكن هناك أماكنُ شاغرة في المشفى، لاستيعاب هذا الكم من الجرحى، المصابين، الشهداء، خرجت لأعطي مكاني لغيري، وأساعد بما أقدر عليه، ولكن الوضع خلال شهر صار مأساويًا، لا طعام أو شراب، الاحتلال لا يقصف بيوت الأبرياء فحسب، بل يقصف الهاربين في الشوارع دون رحمة، تخيل! تخيل أنك نجوتَ من سقوط جدران بيتك عليك، فتنزل قذيفة فوق رأسك لتمزقك أشلاءً! نحن لا نعيش نحن ننجوا من الموت، من نجا اليوم يموت غدًا، ولا يصلي على الشهداء سوى شهداء مثلهم، نحن شهداء مع وقف التنفيذ. بقينا لاجئين في إحدى مدارس المنطقة، مع قلة الماء والغذاء، تحت القصف المتواصل، نرى القذائف تمر فوق رؤوسنا كمر السحاب. كنت جالسًا أمام تلك المدرسة بصمت منتظرًا عودة أخي، قلبي يرتعش خوفًا أن يصلني خبر استشهاده وتركي وحيدًا. جلس أحدهم بجانبي، رفعت رأسي فإذا به صديقي معاذ، الصديق المقرب لي، طوال الشهر الماضي يواسيني ويطيب خاطري، رغم وجعه كان متفائلًا أكثر مني، ربما فقط لم يبدي ولا مرةٍ حزنه أمامي، أظنه خجل مني، يظن أنه لا يحق له فلم يستشهد من عائلته سوى عشرة أشخاص بينما أنا استشهد ما يزيد عن عشرين شخص، فأخوالي في خان يونس استشهدوا جميعهم قبل عدة أيام. « انهض يا رجل لنجلب الماء معًا، إن لم تسرع لن نحصل على قطرة واحدة.» استجبت له على مضض، لم تكن لي رغبة في فعل شيء، أسير بجانبه أحمل برميلًا صغيرًا في يدي، بينما هو يحمل اثنين متوسطي الحجم، فهو مسؤول عن أسرته بعد استشهاد أبيه قبل أسبوعين. طوال الطريق يدردش مصبرًا إياي. « أمر المؤمن كله خير، ومن أركان الأيمان هو أن تؤمن بالقدر خيره وشره، فكله أمر الله وعلينا التسليم لحكمه سبحانه، وما بعد الضيق إلا الفرج، وقد أكرمنا الله بأن جعلنا مؤمنين به وبحكمه وموتانا شهداء بإذنه.» كلماته لها وقعٌ مختلف في قلبي، تملؤه سكينةً وأمان، إنه من جعلني أرى نورًا رغم كل السواد داخلي، أطفأ وساس الشيطان لي، أطفأ الحقد وأشعل الكرامة، ولكنه لم يمنع شيئًا واحدًا عني؛ الندم، يظنون صمتي حزنًا، ولا يعلمون أنه ألم الندم، تأنيب الضمير يقتلني كل دقيقة. نادمٌ على ضياع وقتي بين صفحات المواقع، والرسائل والمكالمات بشكل مبالغٍ فيه حد الجنون، نادمٌ على صلاتي وبالي مشغول، على التكاسل فيها، على النهوض لها برغبةٍ مهتزة. ضيعت أثمن أوقات مع أثمن الأشخاص على أشياء دون قيمة، علىٰ تراهات الحمقى، يا ليتني على الأقل استفدت من المواضيع الهادفة، أيا حسرةً عليّ، أدركت هذا متأخرًا جدًا، بل بعد فوات الآوان! « أنا لستُ حزينًا، هم عند أرحم الراحمين، أنا حزينٌ، غاضبٌ من نفسي، ضيعت وقتي ولم أقدر وجودهم حولي.» توقفت فجأة، طأطأت رأسي وبكيت بأسى وألم، دموع شخصٍ نادمٍ، ولكن ما ينفع الندم بعد فوات الآوان، أنه كالموت بل أَمَّر. ربت علىٰ ظهري برفق، لم يجد كلمات يواسيني بها أعلم ذلك، فماذا ستقول لشخص دمر حياته بيده، أدمن الهاتف بينما كان عليه إدمان أسرته، ماذا ستقول وقد ماتت أسرته الآن! لم يجد شيء سوى احتضاني بصمت، لا كلمات ستناسب موقفًا كهذا، مع ذلك أنا ممتنٌ له، كان نِعم الصديق هو، الحمد لله، كان صالحًا يأخذ بيدي في طريق الله. لم أتحمل رؤية أطفال تحت سن العاشرة عطشى، ينتظرون فقط شربة ماء واحدة ترويهم، كان الأمر يزيد تعبي وحزني، لم أشعر سابقًا بكل تلك النِعم حولي، ماء، منزل، طعام، سرير، أشياء كثيرة كانت عادية في نظرنا ولكنها نِعم عظيمة. صدق الله تعالى حين قال ﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ تعبت وقتها، ساعدني رفيقي وأوصلني حيث أوتني بعض جدران تلك المدرسة، حرارتي تخطت الثمانية والثلاثين، أتعرق وأرتجف من شدة التعب والانهاك ولم أعد أرى أمامي، ولا قدرة لدي لرفع رأسي، أسمع صوت همس معاذ ويده على رأسي. «اللَّهُمَّ رَبَّ النَّاسِ، أذْهِبِ البَأسَ، اشْفِهِ وأَنْتَ الشَّافِي، لا شِفَاءَ إلَّا شِفَاؤُكَ، شِفَاءً لا يُغَادِرُ سَقَمًا» كان يكررها بسرعة وكثيرًا، وقد بدأ صوته بالاهتزاز ما إن صار جسمي ينتفض من قوة ما بي من داء، أثارت حالي ذعره وذعر جميع الشباب في الملجأ، ارتجف فؤاده وصرخ طالبًا النجدة. هذا كله وأنا كالميت تقريبًا بين يديه، لا أستطيع النهوض ولا الكلام لأطمئنه، شبه فاقد للوعي، كأن جسدي تركته الروح ولم تبقى إلا في القلب تمنع موتي تمامًا. رغبت أن أقول له لا تقلق، ولكنني مع الأسف لم أستطع حتى تحريك شفتي، كثُر الضجيج حولي، لكن لم أفهم حرفًا واحدًا، ثم غرقت في ظلمة شديدة، لا نور فيها ولا صوت، هل مت؟! وجدت نفسي جالسًا في سريري الدافئ، انتفضت مذعورًا، إنه منزلنا، وهذه غرفتي، كيف؟ هل كنت أحلم أم هذا هو الحلم؟ غزة دمرت وهذا حلم؟ أم لم تدمر؟ أعدت للحقيقة أم أنه وهم؟ تجمعت الدموع في عيني، نهضت وركضت بكل قوتي، أريدهم، أريد رؤيتهم وضمهم بقوة، أن اعتذر بشدة لهم، أن أخبرهم أنني طائش، ولكني لا أكرههم بل أحبهم. ظننت أنني سأراهم بخير، وأرى بسماتهم، ولكن حتى حلمي لم يرحمني، لم يرأف بي. اظلمت الدنيا حولي ثانيةً، وجدت نفسي أنظر لنفسي، وأنا منهار يحملني أخي الأكبر ويركض ويدعو الله أن ننجو، كان أبي وأمي يهربان أمامه، أبي يسحب أمي بقوة، غرفة أخواتي البنات دمرت قبل خروجهنّ، لا تريد تركهنّ، ولكن الموت لم يتركهما، تقدمهما أخي يركض بي نحو المسعفين لحظتها وعند ابتعاده بقليل، سقطت قذيفة بالشارع دمرت وقتلت الكثيرين، وراح ضحيتها أمي وأبي. صرخت كالمجنون لرؤية ذلك، وأخي يمسكني بقوة، نزف رأسي، والصدمة التي لم أستعبها بعد أوقفت دماغي عن العمل. تذكرت تلك الليلة القاسية الآن، لا أدري لمَّ؟! فتحت عيني بفزع، وأنفاسي تتصاعد، وجدت أخي عز الدين وصديقي جالسان بقربي، وجهاهما شاحبان جدًا. « حمدًا لله على سلامتك.» قالها صديقي بصوتٍ مرتجف، بينما أخي ممسكًا بيدي لم يتفوه بحرف، بل التفت وأشاح بنظره بعيدًا عني، لا يريدني أن أرى دموعه، ولا يعلم أن ما يقتلني أن ذلك يمنعني من رؤية ملامح وجهه، لا أريد أن أندم لأني لم أرى وجهه بما يكفي، فأنسى وجهه، إني أرى أسرتي فيه، لم يبق لي غيره بعد الله. صديقي لم يتركني تلك الليلة، بقي بجانبي، رغم أني نهرته بقوة، كيف يترك أهله؟ قد يفقدهم بأية لحظة، الندم لتلك الأوقات الثمينة التي ضيعتها على هاتفي بدل الاهتمام بأهلي تلاحقني طوال الوقت، شَكَل هذا الندم نوعًا من الخوف المقيم داخلي، لم أعد أضيع أية لحظة. تقربت من الله أكثر، صرت انتظر الصلاة فقط للوقوف بين يديه، أبكي بحرقة أدعو لهم، وأدعو لغزة، وأدعو لأخي، وأدعو أن يسامحني على تقصيري، إذ كنت أتيها كارهًا، ولم أكن بارًا كما يجب بوالديّ، وقصرت في واجبات أسرتي. وهذا كله والقصف لم يهدأ يومًا واحدًا، قذائف تسقط فوق رؤوس الأبرياء بلا رحمة، قصف للمشافي، والملاجئ. تشردنا من ملجأنا، قُصفتْ المدرسة، دُمرتْ لقد دُمرتْ. ركضت بكل قوتي لأساعد في إخراج الأطفال والعجائز، تعالت الصرخات والآهات، ونحن نقف عاجزين، والقصف لم يهدأ، بل ويطلقون الرصاص أيضًا، أذلهم الله، قلوبهم قاسية جدًا. في كل مرة أفقد الأمل ويأتيني شك في استحالة النصر، يرجعني كلام صديقي معاذ لجادة الصواب. « فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم .. هذا قول الله تعالىٰ من فوق سبع سماوات، كلما زاد البلاء شدة اقترب النصر، النبي ﷺ حوصر ثلاث سنوات، وتحالف ضده المشركون واليهود في غزوة الأحزاب، ولكن بعدها نصرهم الله وانتشر الإسلام، فلا تيأس من الله، لا تيأس.» كانت تلك آخر كلمات أسمعها منه، لا أدري الآن أهو حي أم ميت! بعد قصف المشافي والملاجئ، وجدت نفسي نازحًا إلى مركز غزة وعلى ساحل البحر، فكر أخي كثيرًا في الذهاب إلى رفح ولكن بعدما سمع الأخبار وعدم تمكنهم من عبور الحدود، وعدم وجود الطعام هناك أيضًا، غير رأيه. فلا فرق بين هنا وهناك، لا فرق. في الحالتين موت، جوع، عطش، برد. جعلوا غزة سجنًا كبيرًا يحوي شهداء دفنوا، وشهداء لم يدفنوا، جرحى، أطفال وحبالى، يموتون جوعًا، نموت خوفًا كل دقيقة وكل ساعة. إنه الشتاء، والمطر يهطل بغزارة، ولا مأوى يقينا من الصقيع، غرقت خيمتنا، ونمنا في الشارع على الوحل والطين. كم أشتاق لسريري ووسادتي، ولحافي الدافئ، وللموقد، للطبخ، لأهلي، لضحكات أخواتي، حساء العدس من يديّ والدتي اشتقته أيضًا وأنا من كنت أتذمر منه والعياذ بالله، بدل أن أشكره على تلك النعمة، فهمت معنى كلام أبي أن الحمد لازم لأبسط الأمور التي تراه تافهة وهي هبة عظيمة من الله لك. لم يفارق الحمد لساني من يومها، ولا أي ذكر، الحمد لله رغم القهر والجوع والمرض، كان فيه خير. استشهد بعضنا وهم عند الله الرحيم بهم، وبقي بعضنا حمدًا، شاكرًا، مستغفرًا، صابرًا. الأجر ثابت بإذن الله، ولن تتوحد الأمة ولن تحرر القدس إلا بالتوحيد، وبرؤيتنا لآيات الله في بلداننا. ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ ۝ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ﴾ الحمد لله كنا صابرين إن شاء الله، لم أرى معترضًا، صحيح للموت وقعٌ مرير، وبعضنا لن يكون بكامل قوته عند خبرٍ كهذا ولكنه بعدها يهدأ ويحمد الله، ويسلم بأمره، جميعنا دفنا أحباء لنا، أم، أب، أخوة، أقارب، أبناء. كنت أستحي، من اليافعين الأكثر صبرًا مني، ومن أبٍ يدفن أطفاله وهو يشكر الله، الله أعطى والله أخذ تكررت كثيرًا على جميع الأفواه. قبل أسبوع وصلنا خبر استشهاد أختي الكبرى و زوجها وأولادها ولم يبق منهم أحد، هذه المرة لم أنهار أو أجزع، شكرت الله هذه المرة، فقد تمكنوا من الهرب من مجمع مشفى الشفاء قبل اقتحامه على الأقل وتدميره، ولكن بعدها تقطع قلبي لسماع أخبار بقية النساء، بكيت من كل قلبي، لم أتوقع ذلك ظننتهم سيقتلون فحسب كعادتهم، فإذ بهم ينتهكون أعراضنا. اشتعلت غضبًا لذلك، وحاولت بشتى الطرق الوصول للمقاومين دون جدوى، لم يفدني أحد، فقد أصبحت منطقتنا شبه معزولة. ولكن لم نتمكن بعدها من فعل شيء، هوجم مخيمنا الصغير ونزحنا ثانية، لمخيم آخر والحمد لله بعض الشباب دعونا للبقاء معهم في خيمتهم، وبعدها رأيت طائرة، لم تكن حربية، إنها عربية، لأول مرة أرى طائرة عربية في سماء غزة، شعرتُ بشيء من الغصة، ولكنني حمدت الله. كانت طائرة إسقاط جوي كما قالوا لي، ركضنا جميعنا نحو تلك الصناديق، لم نحصل على الكثير ولكنها أفضل من لا شيء، لا زلت أشتهي الطعام المطبوخ، تعبت من المعلبات، ولكن الحمد لله أفضل من ليالي الجوع. ثم أتى رمضان، وطبخت مع مجموعة من الشباب أكلة أهل فلسطين المفضلة، المقلوبة الفلسطينية، دعونا جميع من في المخيم عليها، كانت بعض مكوناتها ناقصة ولكنها أول طبخة بعد هذه الحرب، ولله الحمد. كنت سعيدًا، كانت الأوضاع هنا هادئة بعض الشيء، ولقد تقربت من الله أكثر، القرآن لا يفارق يدي. وكذلك لا أفارق أخي، عشنا أيام من العطاء نساعد غيرنا، وقد ارتاح قلبي بعض الشيء الحمد لله، لكن .. ليلة الجمعة الثانية من رمضان، فطرنا على صوت "الزنانات" طائرات حربية تحوم فوقنا طوال الوقت، ما هي غير ساعة، وبدأ القصف من جديد، واقتحم بعض الأعداء الصهاينة المخيم، وبدؤوا يقتلون الناس دون رحمة. ركضت أنا وأخي بكل قوانا نهرب، نهرب فحسب فلا مكان آمن، فقط لعلنا ننجو هذه المرة، استغربت وضعه، ممسكًا يدي بقوة، ولم ينادي أحد هذه المرة ولا اهتم، فقط يتمتم بالشهادتين، ويبكي، أول مرة يبكي أثناء الهجوم. ولكن ما عرفته أنه يبكي عليّ، صدقوني لم أستوعب كيف حصل ذلك، في لحظة، مجرد لحظة، في رمشة عين، صرخة أخي، ثم سقوطه أمامي دون حراك. غارقًا بدمائه وبصعوبة قال لي آخر كلمة منه، آخر بسمة وآخر مرة اسمع صوته. « فداء، اهتم بنفسك يا أخي إلى أن نلتقي..» ثم رفع أصبعه ونطق الشهادة لآخر مرة، ثم سلم الروح إلى بارئِها، صعدت روحه الطاهرة إلى السماء، وسقت دماؤه الأرض، فداك يا الله، فدا القدس، فداك يا أقصى. بكيت بصمت، جالسًا أمام جثته لا أحرك ساكنًا، لقد حماني بأن أدخلني بهذا الزُقاق الضيق المظلم، منذ كنا صغيرين، وإلى آخر نفس يلفظه، كان أبي التاني. «إنّا لله وإنّا إليهِ رَاجعُون. اللهم أنزل عليّ الرضا.» ظللت ساعات في مكاني، حتى توقف إطلاق النار، ركضت نحو المسعفين لينقلوا جثة أخي، لم يكن هناك أكفان كافية، تطلب الأمر متابعتي وبحثي، حتى حصلت على واحد له. وظهر الجمعة صلينا على الشهداء، وواريت أخي في التراب بنفسي، ظللت جالسًا بقرب قبره ساعات، أتحدث له، أدعو له، لأهلي. رحل أخي عز الدين، أبي الثاني وهو لم يتجاوز الخامسة والعشرون من عمره، رحل في عز شبابه، كان متفائلًا، محبًا للحياة. مر رمضان بين تقديم مساعدات، نزوح من مكان لآخر، ثم سمعنا بانسحاب الصهاينة من الشمال وخان يونس، وانتقلت مع عدد من الشباب إلى هناك. ساعدتُ في تنظيف المدينة قدر المستطاع، وتنظيم الساحة لصلاة العيد. كان العيد سعيدًا رغم كل شيء، وُزعت علينا بعض حلويات العيد والعصائر بعد الصلاة، ورقصنا على بعض المواويل الفلسطينية. رغم مشاركتي مع الشباب، وعدم شعوري بالغربة بينهم، وإلا أننا جميعًا نخبئ حزنًا في قلوبنا، العيد مع الأهل وعلى رغم كل الضجيج كان له طعمٌ مختلف، لا شيء يعوض الأهل أبدًا. كنت أرىٰ أهلي بكل مكان، حتى في منامي، أشعر بهم حولي ولكني لا أراهم حقًا، لا أدري هل أقول عنها أحلام، أوهام، ذكريات!؟ بعد ذلك بعشرة أيام تقريبًا عدت حيث ولدتُ ونشأت، منزلنا. خفق قلبي بشدة، لكم اشتقت. ركضت بكل قوتي، متلهفًا، ومع ذلك خائفًا، حزينًا، وصلت عنده وعادت إليّ كل الذكريات، أمي، أبي، إخوتي، اللعب والضحكات، التجمعات العائلية لا تقدر بثمن. بيتنا لم يكن سوى دمارًا، لم يبقى منه إلا غرفة متهالكة، لا الديار عادت ولا الأهل، دخلت لتلك الغرفة، المخصصة للجلوس، حيث آخر لقاء بهم، أخر ضحكة، أخر بسمة وكلمة. أزلت بعض الركام، نمت بتلك الزاوية، كان قلبي باردًا، رأيتهم بكل زاوية، بكل شبر ذكراهم، نمت ولم أنهض حتى آذان العشاء. ذهبت حيث مركز المدينة، كانوا يطبخون الطعام، عادت الحياة، رائحة الفلافل في كل مكان، نظرت لها بحنين، كان أبي يشتريها دومًا، وصديقي معاذ كذلك. ترى ما أخباره؟ استشهد أم ما زال معنا يصارع الموت؟ اشتريت القليل وجلست آكلها بصمت، وشبح ابتسامة على وجهي، لفت انتباهي طفل في السابعة ينظر لعربة الفلافل بعيون لامعة، يبدو أنه جائع، ناديته وأعطيته حصة أخي، لقد اشتريت له حصته أعرف أنه يحبها ولكنه لن يتذوقها. جلس الطفل يأكلها وينظر لي بامتنان، تبسمت له برفق، ذكرني بأبناء أختي الأبرياء، راحوا ضحية هذه الإبادة. ربت على رأسه، ابتسامته اللطيفة، البريئة، أعادت لي جزءًا من روحي التي شاخت مما رأيت وعشت، أمسيت كشيخ في الثمانين وأنا مجرد فتى في الثامنة عشرة. عدتُ إلى ما تبقى من بيتنا، ونمت بتلك الزاوية باكيًا، صورهم، وأصواتهم لا تفارقني. استيقظت اليوم التالي، أخذت ساعات أذكر الله واقرأ القرآن، تنفست الصعداء وبدأت بالعمل في توزيع الطعام. حصلتُ على تفاحة، يااه منذ أشهر لم أذق فاكهة واحدة، وحصلت على خبزٍ أبيض وليس خبر علف الحيوانات، وقنينتيّ مياه ولبنة.. الحمد لله واتخذت طريقي عائدًا لبيتي، اتسعت عيناي لرؤيته، لم أصدق نفسي، ناديته بملء صوتي، عندما التفت ورأيته يبتسم متفاجأً، أدركت أنه هو. « معاذ!! » « فداء! أنتَ على قيد الحياة.» ركضت نحوه وبادلني ذلك، احتضنته بقوة، لا أصدق أنه حيٌ حقًا، انهمرت دموعنا دون إرادة منا، جلسنا كل يحكي ما جرى معه، لا أحد فينا يصدق نجاة الآخر، خصوصًا نزوح أسرة معاذ إلى الجنوب، ولكنه رجع حقًا، كنا سعيدين رغم كل الأحزان في قلوبنا، وتمكن من إضحاكي رغمًا عني، كان الوحيد الذي يعرف مفاتيح قلبي. أخرج معاذ هاتفه أمامي ليرد على اتصال أمه، لقد انتفض قلبي عندما رأيته، وتعرق جبيني، طأطأت رأسي، انتبه لحالي الغريبة فسألني، ولكني لم أستطع كتم شهقاتي ودموعي. « أصبحت أكره الهاتف وأمقته، إنه سبب معاناتي لم أعد استطيع النوم من ندمي، أدمنته حتى ضيعت أثمن الأوقات مع أهلي.» مسحت دموعي، وفاجأته بطلب غريب، أن أكتب قصتي على هاتفه، وها أنا ذا أنهيها بعدما سردت بالحروف قصة مدرجة بالدم والفقد، كتبتها باختصار لتكون عبرة للجميع، وهمي أن يفهموا بأنهم إن لم يهتموا بأهلكم فسيندمون على كل دقيقة ضاعت بسبب لا شيء فقط شهوة أو رغبة، أتمنى أن يهتموا بمن يحبون فلن يدوموا للأبد. مددت له هاتفه، وأخبرته بأن ينشر هذه القصة في حال حدث معي مكروه، فلا أحد منا يضمن بقاؤه على قيد الحياة خصوصا في جو كهذا يلوح لك الموت من كل حدب وصوب. أعطيته هاتفه، وثم أضفت مخبرًا إياه أنني طلبت من أحدهم مساعدتي للخروج من غزة، لا أريد لاسم عائلتي أن يمحى، سأخرج للعالم وأدرس وأدرس لأجل رفع اسم غزة أكثر، سأفيدها بعلمي. تحدد موعد خروجي بمساعدة رجل أردني، وجهزت نفسي ووعدت صديقي، للأسف حدث أمر مباغت، وأنا في الطريق، بدأ القصف ثانية، قصف همجي لكل شيء، شعرتُ بشيء ساخن يخترق جسدي، وضعت يدي حيث الألم في صدري، فرأيت دمي يسيل، سقطت على الأرض لا أقدر على الحركة. ركض نحوي صديقي ورفع رأسي عن الأرض، لم يبكي أو يصرخ بل حثني قائلًا. « انطق الشهادتين يا فداء. هيا سأساعدك.» أمسك بيدي ورفع إصبعي وقال بصوت هادئ، وأنا أحاول النطق بصعوبة، حتى تمكنت من قولها. « أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلَّا الله وأنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ ورَسُولُه.» **** سلّم صديقي فداء الروح، سعيدٌ لنطقه الشهادة قبل موته، أغمض عينيه، بدا مرتاحًا رغم كل الألم، ارتاح من الندم الذي كان يقتله كل يوم ألف مرة، سيلتقي بأهله الآن. رغم حزني سعيدٌ لأجله. عدت به لمدينتنا، كُفن، وأتيت لأودع آخر صديق لي، قَبلت جبينه البارد، وهمست بآخر الكلمات له. «سأدعو لك كثيرًا بالرحمة والمغفرة.» كانت رائحته مسكًا خالصًا، الحمد لله، دفن بجانب أهله، وجلست ساعاتٍ بجانب قبره أحادثه، وأدعو له بالثبات. عدت لبيتي لا أكلم أحد، بكيتُ عليه بصمت، دعوت له طوال تلك الليلة، جاءني في المنام متبسمًا، لباسه أبيض نقي وربت على كتفي. صباح اليوم التالي، نشرت قصته هذه بمساعدة صحفي لتنتشر للجميع. وكتبت اسمه واسم أخيه وعائلته على جدار في مركز مدينتنا كي لا يُنسى، ليس مجرد رقم إنه حلم، قصة، ذكرى، روح. رحل فداء تاركًا وراءه قصة مؤثرة، مملؤة بالندم، بالحزن، التوبة، والرضا، واليقين. ترك جرحًا آخر من جراح غزة، فداء كان نِعم الصديق، كان مفعمًا بالحياة، مالم يذكره أنه طَموح، أنه من أوائل الثانوية، وكانت له أحلام كثيرة ولكنه رحل دون أن يحقق أيًا منها، هذا شيء لم يذكره فداء لشدة حزنه وغضبه من ذاته، الحرب أطفأت شمعة قلبه، دمره الندم وجعله يضرب بكل محاسنه عرض الحائط. وآخر وصية له نشر قصته هذه، وكذلك أهم شيء يريد أن يوصله وأكده لي. « اهتموا بمن تحبون فلن يدوموا للأبد.» ***** (( القصة من نسج الخيال وليس حقيقة)) 4000 كلمة نهاية أرجو أن القصة كانت عند حسن ظنكم. هذا لا شيء أمام الحقيقة، حقيقة ما تعانيه غزة. لا أجد كلمات تصف أي شيء، لا تصف المشهد، الاحساس، الندم، العجز.. لا تنسوهم من دعائكم. اللهم النصر لأهل غزة.. كانت معكم وجدان سلامٌ على أرضك يا أقصى.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

فداء

المؤلف وجدان عبده
2024/06/12 مكتملة
قائمة الفصول (2)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة