وقفت مقابلا للمرآة أراقب ملابسي لآخر مرة قبل أن افتح الهاتف و أرى رسالة عزيز.
"قد أرسـل الموقع..."
تمتمت و أنا اهمُّ بارسال رسالة صوتية ابلغه فيها بقدومي من ثمَّ خبأت الهاتف في جيبي مبتعدا عن المرآة.
فتحت باب غرفتي و سرت بخطوات متزنة تاركا اياه مفتوحا.
تذكرت ساعة اليد حين كنت على وشك مغادرة المنزل، فعدت ادراجي و بالي مشغول بسبب كثرة نسياني.
"السمكة أفضل مني..."
فور دخولي الغرفة التي تركت بابها مفتوح، جلست احدق بساعة اليد اصغي الى صوت يشغل تفكيري لا ينفك يتردد على مسمعيَّ.
لم يكن شخص مجهول، بل لم يكن شخصا من الأساس. انه شعور ينتابني أو بالاحرى احساسان متضاربان واحد يؤَيد قراري و الآخر يعارضه.
لا أجد اجابة لكلاهم، فاكتب ما يبلغني به عقلي عن المعارضة و عن المواقفة. و كلما خفق قلبي اكثر، اعتمدت هذا لأحدد قراري. أغلبية الأوقات أصيب، و احيانا العكس.
لكن هذا اليوم و بالذات، و فور أن جلست على السرير، قطع حبل افكاري و تركيزي حول احساسي رنين جرس المنزل.
انتفضت من مكاني بفزع و قد سقط الساعة من بين يديَّ.
أنزلت عينيَّ ارضا اراقبها فكانت مكسورة و تناثر زجاجها على الأرضية.
وقفت تاركا المكان فوضوي خلفي، و سارعت نحو الباب حتى افتحه.
فتحته بهدوء و حذر، ليقابلني شاب يبدو أنه يناهز العقد الثالث من عمره.
ببشرته السمراء الجذابة، و عيونه السوداء الحالكة، و شعره البني اللامع، وقف يحدق في لاتفاجىء من منظره. لا أنكر أنه كان وسيم، لكن لباسه الأنيق القديم،جعله يبدو
كأنه من العصور الغابرة. أما عن ملامحه، فقد جعلتني أشك بأنه أوسم شخص خرج من عصر الجاهلية؛ فرؤيته أحسستني أنني قابلت عنتر لا رجل من زمننا هذا، و خشيت لو تحدثت معه أكثر من اللازم فيقول لي خسئت يا حثالة و يعطني بيت شعر بدل صباح الخير.
"هذا الذي يعرفه الخيل و الليل و البيداء..."
تمتمت أحدق بشبيه حرف «ض»، لحسن حظي لم يسمعني...
"حسنا اذا، غريب قدومي... أليس كذلك؟"
سألني الرّجل لأتراجع خطوتان للوراء و ارفع حاجبي أحدق به.
"من أنت؟"
نظر إليَّ قليلا ثم مدَّ لي ورقة صغيرة.
أمسكتها أقلبها بين يديَّ لاقرء ما كتب عليها بذهول.
رفعت نظري أحدق بالرجل الذي مازال واقفا أمامي فسألته:"ما هذا؟"
اجابني ببساطة و هو يغادر:
"ورقة".
"لو لم تخبرني لظننتها كرة سلة!"
الرجل بتذمر و هو يلتفت ناحيتي من جديد:"كرة سلة تكسرلك راسك"
نظرت اليه بحيرة و ضجر في آن واحد فأجاب:"لست مجبور لكن، والدك أرسلها لك."
حينها عرفت ما قصده بالرسالة، فأومأت، ثم أغلقت الباب بينما الرَّجل غادر باب الشقة و قد نزل بسرعة درج العمارة.
"عد الى المنزل، عليك استلام الشركة. لقد سمحت لك بالدراسة من أجل والدتك، لكن في الوقت الحالي عليك القدوم".
رميت الورقة أرضا، ثم غادرت شقتي فقد تأخرت على عزيز.
اخترت ركوب دراجتي هذه المرَّة، و بعد أقل من نصف ساعة، انعطفت في أحد الشوارع المنيرة بأعمدة الانارة و المصابيح التي وزِّعت في كل مكان فبدى المكان كأنني في موسكو.
وصلت نحو العنوان و أخيرا، و حدَّقت في المطعم الفخم و أنا اتمتم:"العزيز غني و انا لا أدري..."
لم أحسده، فقط مزحت كما اعتدت معهم.
صعدت ذلك الدرج بهدوء و ثبات، اتصرف كشخص راقي ارستقراطي اعتاد على هذه الأماكن الفخمة.
"لم اذهب الى مطعم فخم في حياتي".
قلت ذلك في قرارة نفسي، و قد كان الامر المضحك المبكي في آن واحد.
استوقفني حارس الأمن قائلا:"بطاقة الحجز؟"
هبط الخبر كالصاعقة على قلبي، و تمنيت لو أن الأرض تنشق و تبلعني.
لم افسد تمثيلية الطبقة الارستقراطية، بل ضحكت ضحكة الطبقة المخملية.
"ـهـ هـ هـ هـ"
و سرعان ما كتمت بعدها ضحكتي الصدئة، ثم حمحمت قائلا:"هل تعرف أرلون برولنو؟"
حدّق حارس الأمن باستغراب من الاسم، و بقيَ يفكر في ان كان شخصية معروفة.
استغللت هذا الوقت في الدعاء حتى يتّصل عزيز، بينما كنت أنا من اخترع ذلك الاسم و لم يكن صحيح أساسا.
"كلا".
اجاب و الحيرة تعتريه، بينما اتصل الهاتف و انقذني في الدقيقة التسعين.
"انه هو المتصل"
اجبته باعتزاز، بالرغم من أن المتصل نور.
اجبت عليها و انا أضحك ضحكة الطبقة المخملية المصتنعة، ثم أردفت بصوت البارون الذي يفسد الاجواء في كل مانهوا:"ظننتك ستأتي! ماذا؟ للأسف، اردت تجربة المكان معك! حسنا حسنا، إلى اللقاء. غدا نلتقي"
ثم أغلقت الخط متجاهلا شتائم نور و استفسارتها المتكررة و تقدمت أمضي فيه سبيلي.
اتصلت بنور من جديد بعد أن ارسلت رسالة صوتية كان محتواها:"آسف لكنني مجبر، اخبريني بما تحتاجيه الآن".
اعادت الاتصال بعد رؤية الرسالة، و قد بادرت بقول: "مرحبا نديم، احتاجك في امر ضروري..."
و قبل أن اجيبها، ناداني شخص من بعيد قائلا:"انا هنا، نديم!"
قد كان عزيز الذي خرج من المطعم الفاخر و هو يَلوِّح لي بيده، ففور أن سمعته نور أغلقت الخط بعد أن قالت:"لن ازعجك الآن، أتصل بي في وقت آخر. ليلة سعيدة..."
خبأت الهاتف عائدا ادراجي نحو المطعم، و قد كان الرجل الحارس يرمقني بنظرات حادة بعد أن اكتشف كذبي عليه.
عزيز و هو بالكاد يتمالك نفسه من ضحكه:"إذا جئت لتقابل أرلون برولنو؟"
استقام في وقفته و هو يقودني للداخل مكملا:"صديقي يعمل هنا، هو من استضافني. لا تقلق، لقد أجبته أن رونو أو أيا كان صديق قديم".
تهندت باطمئنان، فقد محي موقف من قائمتي السوداء.
دخلنا للمطعم، و تجنَّب الجلوس وسط الطاولات الاخرى فقد كان هناك حفل موسيقى.
لم أركز في المكان، فقط طاولتها كانت منظمة و العديد من الناس يجلسون فيها و بعضهم يرقص في ساحة مخصصة. أحسست بالمكان خانق، فلم اكترث له و امضيت مع عزيز لطاولة خاصة.
جلسنا في ذلك المكان المنفرد، و قابلتنا النافذة المطلة على أرجاء عدة من للمدينة بسبب الموقع الاستراتيجي للمطعم أو بالاحرى للفندق الضخم الذي كان تابعا له.
"أولا، اتصلت بك لأمر الوليمة التي اقامها مالك. لماذا رفضت طلبه؟ حسنا لا تقل أنني اتدخل فيك، لست عادل. لكن مالك لم يرغب بالحديث عما حصل معه. حتى أنا، اخبرتني نور صدفة".
تقبلت استفساره فقد كان قلق على مالك، لكن راودني سؤال لم أتردد بالبوح به.
"كيف اخبرتك نور صدفة؟"
صمت قليلا، و كأنه يحاول اخفاء شيء. ابعد نظره عني ليقتني الكلمات الملائمة، ثم أجاب بتردد:"قصة طويلة، سمعتها تتحدث عبر الهاتف، و هكذا عرفت".
لم اسأله اكثر، انتقلت للسؤال الثاني مباشرة.
"ماذا حصل لمالك؟"
أجابني عزيز معيدا عينيه لي و قد اختفى التردد و اكمل حديثه بشكل طبيعي فتأكدت من أنه يخفي شيء في أمر سماع الحديث من نور.
"أخاه اتهمه بالسرقة في الشركة، و قد اثبت براءته و تفرّد ببيته الخاص. لكن الأمر لم يتوقف هنا، فبعد ذلك أخاه لم يتركه و شأنه".
اتسعت عيناي صدمة مما سمعت، فصحت فيه بانفعال: "كيف يخفي مالك أمرا كهذا؟!"
عزيز محاولا تهدئة الوضع:"هو لم يرد ازعاجنا، لا تنسى أننا مررنا بمشاكل عديدة. اخبر نور و حسب، و أظن أنها وجدت الحل".
اومأت بهدوء منتظرا الحل الذي توصلت إليه نور.
"رهنت نور أسهم مالك في الشركة، لم يعرف أحد و قد صارت تلك الأسهم ملكا لأخيه. الآن مالك ليس عليه ديون، فقط معظم الشركة حاليا و مالكها هو والده و أخيه فقط".
صمتت محدقا بابتسامته العريضة، و ملامح الثقة التي كست محياه.
عقد ذراعيه يراقب ردة فعلي، فبقيت متفاجئا غير قادر على اجاد جواب مناسب، فاتكأت على الكرسي بحيرة.
"مهلا، إذا نور أقحمت أخ مالك في الديون؟"
"نعم، علاوة على أنها أجبرت والده على تقديم عدة ميزات له كعربون اعتذار، هكذا استطاع مالك أن ينفرد بأملاكه الخاصة و أن يبتعد عن مشاكل عائلته!"
لم أجد رد مناسب، فصمتت محدقا بالمنظر الذي امامي.
"فعلت كل هذا و أنا اتأكد من واحد زائد واحد في الاختبارات؟"
أنبست في قرارة نفسي، فقد كان ذكاء نور أفضل بألف مرة من الكثير الذين يترأسون المناصب العليا.
خلال طعامنا، عدنا للموضوع الأساسي. الوليمة...
"صدقني لدى مالك شيء مميز، تعال معنا و سيكون الأمر رائع!"
لم أجبه، اكتفيت بالصمت ثم باشرت بفتح المواضيع واحدا تلو الآخر حتى ألهيه عن الأمر قليلا.
انتهت سهرتنا بعد ساعتيتن تقريبا، قضيت فيهما وقتا ممتعا مع رفيقي القديم. نعم قديم، فكل هذا حَدَثَ و انتهى.
أثناء نزولي الدرج الخارجي للمطعم، حاولت قدر الامكان تجنب نضرات حارس الأمن حتى أنه حين قال:"أتمنى أن ينال المكان اعجابك! شرِّفنا من جديد!"
أجبت بثقة:"يَجدُّ شرفك!"
و تصرفت كأنني منحتهم مقالة فلسفية و سرت مشية من سيذهب لمنصة التكريم و تداركت قولي و أنا أفتح باب السيارة.
"كيف يَجدُّ الشرف؟"
سأل عزيز ساخرا و هو يكتم ضحكته، لكنني فتحت السيارة مصتنعا اللامبالاة فأنا معتاد على المواقف المحرجة كهذه.
مرّ الوقت بسرعة، و قد أوصلني عزيز أمام باب بيتي مباشرة.
"بالمناسبة، سآتي معكم...أبلغ مالك سيفرح قليلا..."
أبلغت و أنا أدخل، دون دراية أنني أحفر قبري بنفسي.
_
_
يرن الهاتف، قد حلَّ الصباح. أفتح عينيَّ ببطىء، و أطيل التحديق بالسقف.
"لا شيء لفعله..."
لم يكن لي شيء هذا اليوم، فبكل غباء قررت أن أكمل تجهيز الجنازة بعد أن حفرت قبري بالأمس.
غيَّرت ثيابي، و عدَّلت أكمام القميص. فكما جرت العادة، أرتدي مثل شخصية من روايات مهما كان الفصل و الجوُّ، فالمظهر اللائق أهم.
"الذَّهاب لمالك، اجل اقتحام بيت مالك!"
كل مرة، أدخل على مالك دون اخباره. و ذلك الصديق، سيتقبلني بكل كرم.
لكن قبل ذلك، تذكرت أمر نور فقررت الاتصال بها. كان فضولي يقتلني حيال أمرها، فانتظرت بفارغ الصبر اجابتها.
"هل سأضيف فعلا لقائمة الأحداث التي أتمنى ان تنشق الأرض و تبلعني فيها اليوم؟"
Safwa