صوت فحيح أفعى قرب مسماعيه، جعله يفتح عينيه بهدوء و صعوبة.
"حار...!"
كان هذا كل ما استطاع نطقه، بينما سُلِّطت اشعة الشمس عليه بلا رحمة.
رفع كفّه ليغطي أشعة الشمس، بينما صاح بتوتر و هو يبتعد: "ماذا تفعل الأفعى هنا؟!"
و قبل أن يردف حرف آخر، تبخرت الأفعى في الهواء، بينما قابلته واحة ماء. النخيل يحيط بها، و جمل مربوط بجذعها.
جلس رجلُُ على بساط أخضر بقرب الواحة، بين يديه كتاب يقرءه بابتسامة واسعة.
مقابلة له، فتاة صغيرة تبدو في السابعة من عمرها.
كانت تغني، بصوت جميل مفعم بالحياة، و في كل حرف كانت تنطقه أحس أنها تناديه و تجذبه اليها.
جفَّ الريق في حلقه و التصق لسانه بسقف فمه من شدَّة عطشه و هبَّت نسمات حارة أحسَّ بها تلسعه كلما لامست بشرته.
تقدم لا اراديا، ركض مسرعا حين لاحظ أن المكان يتلاشى، سقط و تعثر لكنه واصل رغما عنه...
استدار الشيَّخ واضعا الكتاب أرضا، و ابتسم للشاب يودعه.
"لا ترحل".
سمع صوتا يناديه، فتوقف الشاب يحدق بما أمامه.
"انه كاذب، قد يساعدك العِلوانُ لا اكثر".
أتاه صوت أنثوي رقيق، ثم ضحكات عجوز و تلاشى كل شيء.
"أنا، مالذي أفعله هنا؟"
لم تتحمل قدماه وقوفه، فسقط أرضا يسترجع ما حصل و كيف وصل...
صارت الرؤية ضبابية، و قد شعر بها... أعين تتربص به في مكان ما، و قد كان آخر ما حصل معه يمر كشريط ذكريات أمام عينيه...
•
سؤال فتاة صغيرة حسناء...
"هل أنت بخير؟"
•
صراخ صديقه على السائق...
"كلا احذر!"
•
توصية صديقه و هو يحتضر...
"انها امانة في رقبتك..."
•
شعور بالطمأنينة...
"لا تقلق، سنصل قريبا".
•
عارض قرار صديقه...
"ماذا؟ كيف لن تذهب؟"
•
تلاشى كل شيء...
•
•
•
في قاعة واسعة، جلستُ أقلّب ورقة بين يدي.
"هيا فقط، لقد أجبتُ على كل شيء..."
همست بتوتر، ثم حسمت قراري.
تقدمت نحو مكتب البروفيسور واضعا ورقة الاختبار هناك.
"متأكد من اجاباتك؟"
سألني رافعا حاجبه، لاومأ له و أستدير حتى أغادر.
كان اليوم عاديا كغيره، و ما ميّزه الاختبار الأخير في الجامعة، و قريبا قد أتخرج.
سرت بهدوء بعد أن غادرت قاعة الاختبارات، و ذهني مشغول بأجوبتي.
كنت متوتر للغاية، و فجأة قطع توتري رنين هاتفي فأخرجته بسرعة حتى قابلني المتصل.
قد كان صديقي، و الذي أجبت عليه بسرور:"أهلا، كيف حالك؟"
أجابني مالك_صديقي_، لأرد عليه و أنا في قمة سروري:
"بخير، مالذي تفعله؟"
سمعت صياح البعض، و قد تبع ذلك تهدئة مالك لهم ليردف:
"نديم، ما رأيك أن تأتي لمنزلي؟ حتى البقية سيأتون!"
لحَّ عليَّ مالك بشأن الأمر، و رغم تعبي؛ وافقت للاجتماع عنده مع البقيَّة.
خرجت من الجامعة و اتجهت مباشرة نحو منزل مالك، و لم أرغب بقيادة سيارتي فقد توقعت من السيَّر أن يساعدني على تهدئة اعصابي قليلا.
بلغة المنزل الضخم، و الأصح تسميته بالقصر.
تفرَّق الحراس أمام البوابة، و فور أن رآني أحدهم_آمن_، أتاني مسرعا بابتهاج.
"كيف حال الجرّاح المستقبلي؟"
كنت أدرس الطب، و بالتحديد الجراحة العامة.
ابتسمت لآمن، و اخبرته أن يبلغ مالك بقدومي.
تقدمت بخطوات متزنة في تلك الحديقة الشاسعة، بينما حدَّثني آمن بالكثير من الأشياء.
"نديم!"
صاحت فتاة تناديني، لأعرف فورا أنها مينا ابنة عمِّ مالك.
سارعت نحوي الفتاة الصغيرة تحتضنني، بينما رفعتها عاليا ألعب معها.
"كيف حالك؟"
سألتها و أنا أنزلها، أعدل شعرها و ابتسم معها.
"بخير، ماذا عنك؟ و أين غفران؟"
سألتني بنبرة رقيقة، لأضحك و أجيب:"لم أجلبها، خفت أن تنحر رقبتي بخنجرها!"
رمش آمن عدة مرات غير مستوعب ما حصل، فضحكت مينا على تعجبه من حديثنا و أجابت دون أن يسأل على فقد لاخظت حيرته البادية: "انها رواية، و طبعا لن تعرفها كعادتك يا عم آمن!"
ضحكتُ على كلامها و أنا استدير للمغادرة، ثم ودعتها و ودعت آمن معها و أخبرته أنني سأتحدث معه بعد أن أنهي الحديث مع مالك، فأبلغني بوصول بقيِّة الرفاق كذلك.
جَلسَتْ على كرسي مقابل للبيانو فتاة في العشرينات، تحركت أناملها برشاقة و أناقة و مهارة في آن واحد تعزف ألحان تريح الآذان و تلهم الأنفاس.
كانت نور و التي تبنتها عائلة مالك حين كان عمرها 13،و بالتحديد بعد وفاة عائلتها أثر حريق، و لم يبقى أحد من اقربائها.
كانت آية في الجمال، و كثيرا ما تقدم لها الرجال لكن بسؤال واحد و اجابة منهم رفضتهم جميعا.
انسدل شعرها البرَّاق على ظهرها، و ركزَّت عسليتاها على عزفها لا أكثر.
رفعت اصبعها بهدوء بعد الانتهاء، و استدارت بابتسامة فخورة من تصفيقاتهم.
"أوو عزفك مدهش يا نور!"
تشكرتهم نور، و قبل أن تغادر دخلت أصفق و أنا أقول:"رائع، علميني العزف يا نور!"
ابتسمت نور و هي ترد:"لا أتقن تعليم احد أي شيء، لكن سأحاول".
بادرتها الابتسام، ثم دخلتُ و قد خرجت هي لتتركنا وحدنا بهدوء. و قد كان مالك يجلس مترئسا طاولة الطعام، و وقف عزيز يحدق بالآلات المسيقية المتنوعة، و عادل الذي نادى فور دخولي: "نديم! كيف كان اختبارك الأخير؟"
اومأ مالك على سؤاله و هو يفرك يديه متابعا:"فعلا، باذن اللّٰه ستصبح جرَّاح ماهر!"
ابتسمت لهم، ثم تقدمت حتى أجلس على أحد الكراسي.
تناولنا الغذاء بهدوء، و قد كان كل أحد يبدي رأيه حيال أمر ما.
تحدثنا عن الكثير من الأشياء، و أخيرا اختتم مالك القول بنبرة مظطربة:"بصراحة، لست مرتاحا هذه الأيام..."
تفاجأنا جميعا من كلامه، فاستفسر عزيز واضعا الملعقة جنب صحنه:"مالذي حصل؟"
زفر مالك، و أغلق عينيه متكئا على الكرسي ليردف:"في الآونة الأخيرة، نور تدرس و ليس لها وقت كثير. مينا لا تأتي كثيرا، و آمن مشغول. لا يسعني البقاء بارتياح أبدا...العمل الذي يحثني عليه والدي، و ظغط أمي للزواج، و غيرهم من الأشياء التي تؤرقني و لا تدعني أرتاح..."
اومأت له بهدوء، و انتظرت اكماله للحديث حتى أواسيه قليلا.
"نحن لا نلتقي كثيرا مؤخرا، ما رأيكم بالخروج؟ منزل عائلتي في الريف، نبقى فيه لبضعة أيام..."
اومأ عادل له، و مرَّر يده في شعره مجيبا:"لا أرى مشكلة في هذا، حتى أنا أحتاج للراحة".
وافق عزيز كذلك، و من ثم نادى مالك على آمن.
كانت اقتراحاتهم عديدة، بينما أنا ضللت صامت.
دخل آمن، و الذي بدوره انبسط فور أن استدعاه مالك، و قال أنه صديقهم و عليه القدوم كذلك.
لم أتفوه بحرف، و حين انتبه لي عزيز قال:"ما رايك يا نديم؟ هل ستأتي؟"
كان عزيز يجلس على الكرسي عاقدا ذراعيه، و نظره مثبة عليَّ. عُرِف بطباعه الغريبة، لكن لمعرفتي به لوقت طويل، فعزيز محلُّ ثقة.
"لا أظن ذلك يا عزيز..."
لم يُظهر مالك أي انزعاج من رفضي، لكنني استطعت معرفة حزنه الذي خبأه.
"مثلما تشاء..."
أنهى مالك الجلسة بوقوفه و انصرافه دون أن ينبس بحرف، فأنبني ضميري على اطفاء شعلة فرحته و اخمادها فور أن بدأ فتيلها بالاشتعال لدقائق معدودة.
"ماذا؟كيف لن تذهب؟!"
عاتبني عادل على رفضي دعوة مالك، فأحسست بغضب عارم و وقفت دون أن أجيبه.
حدَّق آمن فيما يحصل بحيرة لأمره، و وقف عزيز من المجلس بهدوء.
غادرت منزل مالك و سرت بهدوء متجها نحو بيتي.
نعم، و اخيرا بامكاني تسميته بيتي. شقتي التي انتقلت اليها مع بدأ دراستي في الجامعة، و تحرري أخيرا من عادات العائلة السخيفة.
فتحت باب الشقة بهدوء، و تقدمت خطوتان افكر فيما حصل.
قد كان ضميري يعاتبني لنظرات مالك الحزينة، و حتى عزيز و آمن رمقوني بنظرات حادة.
لكن احتراما لمالك الذي لم يستفسر، لم يطلبوا مني شيء. أما عادل بطبعه هكذا، يتدخل كثيرا و لا يعرف ابقاء أنفه لنفسه.
أغلقت الباب من خلفي و دخلت لبيتي بعد أن نزعت حذائي و تقدمت للداخل بتعب.
رفعت الهاتف أحدق فيه، ثم ظبطت المنبه على الساعة 6 مساءاً.
استلقيت على سريري بعد أن اخذت حماما ساخنا و غيّرت ثيابي، و قد قررت التفكير في أمر البيت الريفي بعد استيقاظي.
•
•
---------------
•في أرض قاحلة جرذاء، سكبت فتاة ما الماء في فمي و هي تدندن بلحن ما.
•"جلّنار الهدى في أيام العلى، و عبير مسك في الرّواق قد طغى. انه لأنامل مبدعة..."
هذا كل ما سمعته من صوتها العذب، فقد صمتت و هي تنهض من المكان.
•امرأة منقَّبة، و رجل ملتحي. وقفوا قربي، و استغلوا فقداني لوعيي.
•أحرقوا المكان و رحلوا، و عاد غناء الفتاة من جديد...
•حاولت الركض لكن لم أستطع، و كأن شيء يثبتني.
•هل هذا حلم؟ راودني هذا السؤال، لكنني استسلمت لما يرفعني للأعلى و جفوني تثقل.
---------------
استفقت على رنين هاتفي النقال فانتفضت من مكاني و ظننت لوهلة أنني مقيد في ذلك القفر.
"قد كان حلم، كان حلم..."
هدأت نفسي قليلا، و من ثم مسحت بكف يدي جبيني المتعرق.
جلست على حافة السرير و الهاتف يرنُّ، فمددت يدي و فتحت الخط لأسمع صوت عزيز و هو يقول:"سأرسل لك عنوان مطعم، تعال الى هناك الليلة".
تفاجأت من طلب عزيز، فأومأت مجيبا بتعب:"حسنا عزيز، سآتي".
أتاني رد عزيز يعلمني أنه سيرسل الموقع، ثم أغلق الخط و بقيت أفكر في حلمي، أو بالأحرى كابوسي الحلو المرير.
انه حلو بسبب الصوت العدب الذي هدأني و الطعم الحلو الذي وجدته في الماء، و مرير بسبب انتقالي من سراب البيداء، إلى اليقظة.
اخرجت مذكرة جلد صغيرة من أسفل الوسادة، ثم كتبت عليها بقلم كنت قد وضعته فوق طابلة بقرب السرير:
"ظنننت أنني علقت وسط الحلم، لكن تلك المرأة هدأتني. من تكون؟
في هذه الحياة، أكون في نعيم،و اجرّ نفسي الى الهاوية. سأقبل طلب مالك، لكن ماذا لو كان هذا سبب في حدث شنيع؟
هذا لا يهم، كل شيء قضاء و قدر، و سراب البيداء ليس إلا مجرد خيال. الفائدة في اليقظة، و ما سيأتي من بعدها في الواقع".
Safwa