---
الفصل الثاني: اسمٌ لا يمكن إخفاؤه
في الليلة التي سبقت ما حدث، كانت سُمى قد حاولت أن تقنع نفسها بأن مدينتها — غزة — ليست كما يقولون.
لكن الحقيقة كانت واضحة كالشمس التي لا تظهر إلا قليلًا خلف الدخان.
غزة…
مدينة لا تحتاج إلى اسم كي يعرفها العالم.
يكفي أن تسمع صوت البحر مختلطًا بصوت الانفجارات لتعرفها.
يكفي أن ترى الأطفال يركضون بين الركام بابتسامة نصفها طفولة ونصفها تحدٍ لتعرفها.
ويكفي أن تشم رائحة الخبز المحترق على نوافذ البيوت لتتأكد أنك هنا… في المكان الذي يقاتل لأجل اليوم القادم.
سارت سُمى في الشارع نفسه الذي رافق طفولتها.
لكن الشارع تغيّر…
البيوت لم تعد بيوتًا، بل ذاكرة ملقاة على الأرض.
والأزقة صارت أضيق، كأن الخوف جعلها تنكمش.
كانت تسمع الناس يتهامسون:
– "سمعتي؟ اليوم صار قصف عند الميناء…"
– "لا كهربا ولا مي من امبارح…"
– "حكوا إن الحدود انسدّت…"
هذه ليست مدينة بلا اسم…
هذه غزة بكل وجعها وكرامتها وناسها الذين يعرفون كيف يقفون حتى لو سقطت كل الأشياء من حولهم.
وصلت سُمى إلى المدرسة مرة ثانية، لكن هذه المرة لم يكن الباب مفتوحًا.
كان مغلقًا بقفل كبير، وفوقه ورقة مكتوب عليها بخطٍّ مرتجف:
“الدوام معلّق… حفاظًا على سلامة الطلاب.”
تنهدت.
في غزة، كل شيء يُعلّق: المدرسة، الأحلام، الرسائل، وحتى الصوت…
لكن الحياة نفسها كانت ترفض أن تُعلّق.
سمعت صراخًا قريبًا.
طفل صغير كان يبكي وهو يمسك بيده قطعة من حقيبته المدرسية المحروقة.
ركضت نحوه:
– "شو صار؟ مين معك؟"
– "أمي كانت بدها توديني المدرسة… بس وقع صاروخ قريب… وأنا ركضت… وهي…"
وتوقف الطفل.
لم يكمل.
لكن سُمى فهمت…
في غزة، الطفل لا يحتاج أن يشرح ليُفهم.
جلست بقربه، وحاولت تهدئته، لكن صوتًا آخر اخترق اللحظة.
هزّ الأرض، وتدحرج عبر الأزقة كزئير مخيف.
ارتجفت الأرض تحت قدميها.
ورأت دخانًا أسود يتصاعد في جهة البحر.
همست لنفسها:
– "غزة… ما بتتغير… بس بتوجّع أكتر."
رفعت رأسها نحو السماء.
الطيور التي كانت تراها من شقتها لم تعد موجودة.
لكن أصواتها — أو ما تبقّى منها — ظلّت تدور في الهواء.
أصواتٌ تريد أن تصل…
لكن غزة، هذه المدينة المحاصرة بالقهر والصبر،
تعرف جيدًا أن كل صوت فيها يحتاج أن يصرخ مرتين كي يُسمع:
مرة من الأرض… ومرة من القلب.
ومع ذلك، كانت سُمى تشعر بشيء غريب…
شيء يخبرها أن ما حدث اليوم ليس النهاية،
بل بداية شيء أكبر…
شيء يجعل الأصوات تصل… ولو بعد حين.
---
فـــاطــــمــــه👽💋