الفصل الأول

الفصل الأول

15 0

توقفت سيارته على بعد مليح من منزله، سبقته عصاه بالخروج فاِتّكىء عليهَا ووقفَ قُربَه، كانَ خالٍ من الأضواءِ، كأن لا حياةَ تنبُض به. دخلَ أرضَه كغريبٍ واِستقبَلَه وجهٌ غاشِم، صبيّة ما أرتُه عَطفًا، غضبًا وحِقدا أغدقته بِه، صاحَ صوتُ الحقّ كما تُسمّيه-المسدس- وما أصابَته رصاصَة الغدرُ وما قُتل كما تمنّت، خُدِش وجهه البهيّ وشوّه خدّه. كان من العسيرِ عليهَا رؤيَته هادىءَ السّحنة، تكرَه رؤيَته عقيمَ المشاعِر، حينَ لا يُبدِي أيّ تعابير عن ما يخالجه بأي موقف صعبٍ يُحاكي هذا الموقف، تكرَهه ولو كان بيدِها لقَتلته. سقطَ سِلاحُها أرضًا واِفترشتها من بعدِه، دمعُها علِق بمآقِيهَا وتعاضدَت يديها حولَ نفسِها، فرصة أخرى صارَت مطوية مع شقيقاتها الضائعاتِ. تحسّس دمائه وألمٌ طفيفٌ ألمّ بِه، سوفَ يسَامِحها ككلّ مرّة، ما له غيرُ مسَامحة طفلَته المليحَة؟. لم يسألها حبٌا! نواه لا يسألُ حبًا، هو يُري الحبّ ويفعلُه، يُعطيها صبرًا، حينها سوفَ تُهديه سبائك حبٌ مجانيّة ولو بعدَ حين. «ثكِلَتك أمّك، نواه.» تجاوزَها إلى غُرفته وتركَها هائمة بالبُكاء، لا تصمُت عن البكاء منذ سنَة، لم يجفّ ينبوعُها ولم يَخمد بؤسُها. شاءت لو تَحمل فأسًا وتحفِر به إلى لبّه عسى أن تعرِف ما طِينته؟ هل ينتمي إلى البَشر؟ البشر لا يشترون بشرًا ولا يستعبدون بشرًا ولا يقتلون بشرًا!. ناجَته أن يعتِقها، ويُخلي سبيلَها، هو لا يحبّها، أيقنت وما كانَ إلا خطئا ما أيقنَته، وكيفَ لا وهو يُشعِرها أن كلامَها أينقُ، وعطفُها رُخص، ووجودُها مذلّة؟. ••• تداعَت علَى كرسيّ متحرّك تحدّق بالسّماء بالشّرفة، حالِكة البال كأنّ ما نابَتها نائبَة. تقدّم نواه منها وجلَس على الكرسيّ المُقابلِ لها، اُضطرّت لأن ترنو إليه، فأمرَها أن تصبّ له بعضًا من الشايّ مثلَها، وكأنه يدعُوها إلى هُدنة؛ هدنة على دخن. على خدّه علامة خيانَتها-كما سماها- على عكسِ صاحبتها فتسميها علامة بعد كفاحِها لأجلِ الحريٌة. فورَ أن اِنتهت أعادت بصرَها حيثُ كانَ، أرادَ أن يناديها بأن تنظُر إليه، حتّى يتدبّر في خِلقتها إلى أمدٍ طويل، أفترضى هذا الطٌلب الأناني؟. كادَ أن يفعَل لكنّها سبقتهُ باِستقامَتها عن كرسيّها، تنهّد بداخِله واِحتسى رشفة من كأسِه، لم يدُم غيابُ شمسِه عنه، فقد سمع خُطاهَا تعودُ وبينَ يديهَا ضمادَة تُلصق. لم يَتفاجىء قُربِها ولم يصدّ عطفَها هذِه المرٌة، معتاد هو على تقلّب مزاجِها، وإن كانَت قد رفعَت بوجهه سِلاحٌ قاتل وقتلَته، فهي ستبكي عليه لا على نفسِها القاتلة. «يا راحَتي بين تعبِ أيامي.» اِستجابت للنّداء وكم هلّل قلبُه فرحًا، جمالُها الهادىء ما فتىء يُبهرُه بكلّ مرّة ولا يتعَب، وبكلّ مرّة يقولُ في طياتِه؛ أنّى للمرء أن يُلحَد بربٍ خلق هذا الجمال؟ ومن خلَق هذا الجمال غيرُ الرب الواحِد؟. «فِيّ.» أحبّ تقلّب ملامِحها واِنزعاجُها من لقبٍ لا تُحبّه، ولا يَعلم أنّها لا تكرَه اللّقب بل صانِع اللّقب. «ماهذا الاِسم؟ أدعى صُوفي، هل أنت أخرقٌ في التّهجئة؟» «أخرقّ في تهجئتك.» :: الفصل الأول ✔️

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

فتمتم الهوى

المؤلف Poissondavri1
2024/06/22 مستمرة
قائمة الفصول (2)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة