بارت 1

بارت 1

11 0

المقدمة

الحمد لله الذي كان معي في كل خطوة، في كل لحظة ضعفٍ أو حيرة، فمدّ لي من نوره طريقاً، ومن رحمته أملاً.

هذا الكتاب لم يولد من فراغ، بل من صبرٍ طويل، وسهرٍ عميق، ومن إيمانٍ بأن الحلم مهما تأخر فهو قادم.

أفتخر بنفسي اليوم، لأنني لم أستسلم حين كان الاستسلام أسهل خيار، ولأنني آمنت أن القوة ليست في الانتصار فقط، بل في الاستمرار.

شكرًا لله أولاً وآخراً، ثم لكل لحظة جعلتني أقف على قدميّ من جديد.

هذه الصفحات هي ثمرة تعبٍ طويل، وزهرة أملٍ نمت في قلبي… “بذور عباد الشمس”.

1

حاضنت ليلى تضع اللمسات الأخيرة على بثها المباشر. لم يكن بثاً رسمياً، كان شيئاً عشوائياً كعادتها. جلست أمام الكاميرا، ضوء الهاتف يرتد على نظارتها الدائرية الكبيرة. في يدها، كان هناك عرنوص ذرة مشوي مغطى بطبقة سخية من البهارات الإيطالية. هذا هو سر شهرتها: تناول العرنوص بجدية مفرطة أثناء الحديث عن أكثر المواضيع تفاهة.

​"أهلاً بكم يا أهل الذرة!" قالت ليلى بصوتها المميز الذي يجمع بين السخرية واللامبالاة. "اليوم سنتحدث عن: كيف تتخلص من ندم تناول شطيرة في الثالثة صباحاً؟"

​أخذت قضمة مدوية من العرنوص، الصوت كان عالياً جداً في الميكروفون.

​"النصيحة الأولى، وهي الأهم: لا تعتذر للمعدة! فقط اعترف أنكِ كنتِ تحت تأثير 'شطيرة الدجاج الوهمية' التي تظهر في الساعات المتأخرة. ثم تناولوا عرنوصًا، لكي تعيدوا الذاكرة الغذائية إلى مسارها الصحيح. العرنوص لا يخون، العرنوص هو الصديق الأبدي."

​بينما كانت ليلى تواصل فلسفتها العميقة عن الذرة والندم، دخلت ندى.

​ندى هي صديقة ليلى المقربة، لكنها تبدو وكأنها أتت من عالم آخر. ندى محققة جنائية في قوة أمنية مهمة، تتنفس الجدية والرسمية. لكنها صديقة ليلى، وهذا هو لغز حياتها الأكبر. ندى كانت تبدو اليوم وكأنها لم تنم منذ ثلاثة أيام، وجهها شاحب، وتحمل كوب قهوة ضخم ومفرط السواد. ندى لا تحشش، هي فقط تشرب كميات مهولة من الكافيين والدهون لتبقى على قيد الحياة بعد رؤية الجثث يومياً. هذا هو "تحشيشها": سخرية سوداء ناتجة عن التعب المزمن والكافيين الصافي.

​ليلى كانت تعتبر ندى مثل الضوء الأزرق الذي تراه في غرف التشريح؛ ضروري للرؤية بوضوح لكنه قاتم ومحبط للنظر إليه طويلاً. ندى في اللهو صديق يضع لكِ خطة هروب من الحفلة قبل بدايتها، وفي مطاردة المجرمين هي شريك لا يخطئ أبداً. هي تجمع بين الجدية المفرطة والقدرة على الرد الساخر والجاف في اللحظة المناسبة، مما يجعل التعايش معها صعبًا ومسليًا في آن واحد.

​"ليلى، هل يمكن أن تنهي هذا السخف؟" سألت ندى بصوت جاف كصحراء، وهي تحاول أن تمر خلف الكاميرا. "هناك بلاغ طارئ، ورائحة الزبدة والذرة في هذا البيت تجعلني أفكر في اعتزال العمل والعيش في مزرعة."

​ليلى أشارت بالعرنوص نحو ندى دون أن تنظر إليها.

​"انظروا! هذه هي ندى. وهي مثال للنصيحة الثانية: تجنب الأشخاص الذين رائحتهم تشبه رائحة القوانين المطبوعة والحسرة. هي محققة، وهذا يعني أنها تعرف كيف تجعل الجريمة تبدو مملة. هي تواجه العالم بالعمل الجاد، وأنا أواجهه بالعرنوص."

​ندى، وهي تسحب رشفة عميقة من القهوة، رفعت حاجبها. "على الأقل أنا لا أواجه العالم بعادة غذائية يمكن أن تسبب لي الاختناق في أي لحظة. وأيضاً، لم يسبق أن وجدت بصمة فم على مسرح جريمة."

​لم يكن لديها وقت للمناقشات التفاهة اليوم. وضعت هاتفها على وضع الصامت.

​"انتهى بثكِ يا ليلى،" قالت ندى وهي تمسك حقيبة يدوية صغيرة. "لدينا عمل، وهذا العمل يتعلق بالجثث والدم. عليكِ أن تأتي معي."

​"جثة؟" سألت ليلى وهي ترفع عرنوصها. "هل هي جريمة قتل غريبة؟ أريد جريمة قتل غريبة، لا أريد أن أضيع وقت عرنوصي على حادث مرور ممل."

​"هي غريبة بما فيه الكفاية،" قالت ندى وهي تسحب ليلى من ذراعها. "هي جريمة قتل متعلقة بـ عصير الكركديه المركز."

​ليلى تجمدت للحظة. هذا لغز يناسبها تماماً. "عصير الكركديه المركز؟ هل جربتم أن تسألوا بائع الكركديه؟ ربما كان حامضاً جداً فقتل الضحية من الغضب!"

​"لن أكرر السؤال مجدداً، ليلى. الأستاذ الجامعي الثري 'أحمد القحطاني' وُجد مقتولاً في مكتبه. كل شيء في المكتب مرتب ومغلق، لكن السائل الوحيد الموجود بالقرب منه هو كوب من عصير الكركديه المركز. الرائحة هي رائحة الكركديه، لكن الفحص الأولي أشار إلى التسمم بمادة لا لون ولا رائحة لها، لكنها تتفاعل مع صبغة الكركديه. وعلينا أن نذهب إلى مسرح الجريمة ونرى إذا كان لديكِ أي 'نصائح عرنوص' تساعد الشرطة."

​2

​بعد ثلاثين دقيقة، كنا في مكتب الأستاذ الجامعي. المكتب كان يقع في الطابق الثاني من مبنى عتيق في الجامعة. كان الجو في الخارج مشرقاً، لكن داخل المكتب كانت الأجواء هادئة بشكل مخيف.

​الغرفة كانت عبارة عن مكتبة ضخمة مليئة بالكتب القديمة. الأستاذ، أحمد القحطاني، كان جالساً على كرسيه الجلدي الضخم خلف المكتب. لم يكن هناك أي علامة على مقاومة أو عنف.

​"إذن، الوفاة بسبب التسمم بمادة 'ك.ت.5'،" قالت ندى، وهي تقف على بعد مترين من الجثة، وتضع قفازات بلاستيكية. "المكتب مغلق من الداخل. لا توجد نوافذ مفتوحة، والباب الرئيسي مغلق بالمفتاح من الداخل. لا توجد بصمات غريبة، ولا يوجد أي دليل على دخول أي شخص."

​ليلى كانت تسير في الغرفة، تتجنب لمس أي شيء، لكن عيناها كانت تلتقط التفاصيل العشوائية التي تفشل الشرطة في رؤيتها. كانت تحمل عرنوصها المشوي (أحضرته معها في الحقيبة) وتأخذ قضمة صغيرة.

​"انظري يا ندى،" قالت ليلى، وهي تشير إلى مجموعة من الأقلام المرتبة بدقة على المكتب. "من يقتل نفسه ببطء ولا يترك أي فوضى؟ المنتحرون يتركون رسائل طويلة أو فوضى عارمة. هذا الأستاذ كان مشهوراً بعصبيته، وهذه الأقلام مرتبة كأنها في عرض عسكري. هذا ليس انتحاراً، هذا عمل فني للمجرم."

​ندى رفعت حاجبها بنظرة جافة. "بالتأكيد. لنفترض أنه ليس انتحاراً. إذاً كيف دخل المجرم وخرج والمكتب مغلق من الداخل؟ نحن لا نتحدث عن السحر، ليلى. نحن نتحدث عن جريمة قتل."

​"ربما لم يخرج المجرم!" قالت ليلى، وهي تنظر تحت المكتب. "ربما هو قطعة أثاث متنكرة!"

​ندى تنهدت، تنهيدة عميقة يمكن أن تُسمع عبر المبنى. "كفى هراء. ركزي. نريد أن نعرف كيف تم إدخال السم. لم يتم العثور على أي طعام آخر مسموم، والسم تم العثور عليه بتركيز عالٍ في كوب الكركديه هذا."

​ندى بدأت تتفحص المكتب بدقة. هي لم تنظر إلى الجثة، بل نظرت إلى الأشياء التي تحيط بالجثة. كانت تتفحص كل ورقة، كل قلم، وكل كتاب في الغرفة.

​توقفت ندى عند مجموعة من المنشورات الأكاديمية على الرف. كانت المنشورات كلها تحمل توقيع الأستاذ بخط يده، باستثناء واحد.

​"ليلى،" قالت ندى، وهي تشير إلى إحدى المنشورات. "هذا المنشور هنا لا يحمل توقيع الأستاذ. كل المنشورات الأخرى موقعة ومؤرخة."

​ليلى اقتربت، ورفعت نظارتها. "منشور غير موقع؟ هذا يعني أن المجرم كان كسولاً جداً لدرجة أنه لم يستطع توقيع منشور واحد. أو ربما كان المجرم يكره هذا المنشور بالتحديد."

​ندى لم تستمع إليها. سحبت المنشور غير الموقع. خلفه، كان هناك شريط لاصق قديم جداً على الجدار.

​"هذا يختبئ خلف الكتب،" قالت ندى ببرود. "هذا ليس شريطاً لاصقاً يا ليلى، هذا مكان لإخفاء شيء ما."

​ليلى توقفت عن الكلام، هذه المرة عن قناعة. ندى كانت جادة جداً، وهذا جعل الأمر مثيراً.

​نزعت ندى الشريط اللاصق بعناية. خلفه، كان هناك ثقب صغير جداً في الجدار، بالكاد يُرى.

​"يا إلهي..." همست ليلى. "هل هذا... عمل فني جديد؟"

​ندى أدخلت إبرة رفيعة جداً كانت في حقيبتها الخاصة بالتحقيق. الإبرة مرت عبر الثقب إلى الجانب الآخر من الجدار.

​"لقد تم حقنه،" قالت ندى بصوت يفتقر لأي عاطفة. "المجرم لم يدخل الغرفة. لقد كان في الغرفة المجاورة، واستخدم ثقباً دقيقاً لإدخال السم الذي تفاعل مع صبغة الكركديه. هذا يفسر لماذا لم يترك أي أثر داخل الغرفة."

​ندى التفتت نحو ليلى. "الجريمة ليست دائماً عنيدة، ليلى. هي فقط تتطلب النظر إلى التفاصيل. الآن، علينا الذهاب إلى الغرفة المجاورة. لنرَ من كان يجلس هناك ومعه إبرة مليئة بالسم."

​ليلى كانت قد أخذت قضمة من عرنوصها، وبدأت تمضغ ببطء.

​"حسنًا،" قالت ليلى. "لقد أصبحت هذه الجريمة مشوقة. مجرم يخترق الجدران بالسم؟ هذا يتجاوز تفاهة مقابض الأبواب. اتبعوني، يا أهل الذرة، فالتحقيق الحقيقي يبدأ الآن."3

​خرجت ندى وليلى من مكتب الضحية. كانتا متجهتين إلى الغرفة المجاورة، الغرفة التي تحمل سر الجريمة المخفي خلف الجدار.

​"لقد أصبح الأمر مثيراً للاهتمام،" قالت ليلى وهي تأخذ قضمة من عرنوصها. كانت تمضغ ببطء، وتنظر إلى الممر المليء بالطلاب المتجولين. "مجرم لا يدخل الغرفة لكنه يقتل بالحقن عبر الجدار. هذا يتطلب الجبن والاحتراف في آن واحد. ربما كان بائع ساندويشات متنكر بزي أستاذ."

​"لا يا ليلى،" ردت ندى وهي تسير بخطوات سريعة وثابتة. "هذا يتطلب معرفة دقيقة بالهندسة المعمارية للمبنى وتوقيت وجود الضحية. والمادة السامة هي مادة نادرة تُستخدم في معامل الأبحاث الكبرى لتثبيط نمو الخلايا العصبية. ليست شيئاً تشتريه من السوق."

​توقفت ندى أمام غرفة عليها لافتة كتب عليها: "مختبر الأبحاث الميكروسكوبية - لا دخول". فتحت ندى الباب بمفتاحها الخاص.

​"هذه الغرفة المجاورة مباشرة لمكتب الضحية،" همست ندى. "وهي مغلقة دائماً. من يمتلك مفتاحها؟ مدير المختبر، أو الأستاذ القتيل نفسه، أو ربما المشرف المساعد."

​دخلت ليلى الغرفة أولاً، وهي تمسك بعرنوصها كأنه درع. كانت الغرفة بيضاء بالكامل، مليئة بأجهزة معقدة ومناضد مختبرات. رائحة الكركديه كانت هنا أقوى قليلاً، ممزوجة برائحة مواد كيميائية حادة.

​"يا إلهي،" قالت ليلى وهي تنظر حولها. "هذا المكان يبدو وكأنه صُنع خصيصاً لقتل الناس. كل هذه الأنابيب والأجهزة. أين الثقب؟"

​ذهبت ندى مباشرة إلى الجدار الفاصل بين الغرفتين. كانت هناك منضدة عمل كبيرة مغطاة بمجموعة من الميكروسكوبات والأدوات الدقيقة. حركت ندى الأجهزة جانباً ببرود، وكشفت عن بقعة صغيرة على الحائط.

​"هنا،" قالت ندى. "في مستوى كتف الضحية عندما كان جالساً. الثقب دقيق جداً، لكنه مرئي بوضوح من هنا. المجرم كان يقف هنا، بين جهاز الطرد المركزي ومبرد العينات."

​بدأت ندى تتفحص المنطقة بحرفية شديدة. أخرجت عدسة مكبرة وبدأت تبحث عن أي شيء.

​"لا توجد بصمات واضحة على المنضدة،" قالت ندى ببرود. "لكن هنا... على مبرد العينات. قطعة قماش صغيرة جداً، وكأنها تمزقت عن طريق الخطأ عندما كان المجرم يستند على الجهاز."

​التقطت ندى قطعة القماش بالملقط. كانت قطعة صغيرة من نسيج سميك جداً، لونها أسود.

​"هذا نسيج غريب،" علّقت ندى. "ليس قطناً أو صوفاً عادياً. سأرسله للمختبر. ربما يعود لمعطف أو قفاز خاص."

​ليلى كانت لا تزال تمضغ العرنوص، لكن عينيها كانتا تحدقان في زاوية الغرفة. كانت هناك سلة مهملات كبيرة مخصصة للمواد الخطرة.

​"ندى،" قالت ليلى. "إذا كنتِ ستقتلين أحداً بسم نادر وخطير، فهل ستتخلصين من الإبرة والمادة السامة في سلة مهملات عادية؟"

​"بالتأكيد لا،" أجابت ندى دون تردد. "المادة خطيرة جداً. يجب أن توضع في حاوية المواد الحادة للتخلص منها بشكل آمن."

​ليلى أشارت بالعرنوص إلى سلة المهملات المخصصة للورق. "إذاً لماذا توجد بقايا بذور عباد الشمس المقشرة في سلة المهملات العادية؟"

​ندى التفتت نحو السلة. لم تكن تهتم ببذور عباد الشمس.

​"ما شأنها يا ليلى؟"

​"شأنها كبير،" قالت ليلى وهي تقترب. "هذه بذور عباد الشمس المقشرة حديثاً، بكثرة. من يجلس في مختبر الأبحاث ويزرع ثقباً في الجدار ليقتل أستاذه، ثم يقرر أن يأكل بذور عباد الشمس بهدوء؟ هذا تناقض. المجرم كان ينتظر في هذه الغرفة. ربما كان يقضي وقتاً طويلاً هنا، وكان يأكل البذور لتمضية الوقت."

​ندى لم تعلّق. لكنها سحبت السلة ونظرت إلى محتواها. كان هناك بالفعل كمية كبيرة من قشور بذور عباد الشمس. أسفل القشور، كانت هناك ورقة ممزقة كتب عليها بعض الأرقام والمعادلات.

​"المجرم شخص لديه وصول إلى هذه الغرفة وقضاء وقت طويل فيها،" قالت ندى وهي تشرب من قهوتها الساخنة. "لدينا قائمة بالأسماء: مدير المختبر، الأستاذ القتيل نفسه، والمشرف المساعد يوسف العراقي."

​"يوسف العراقي؟" كررت ليلى الاسم. "هل لديه حساسية من الذرة؟"

​ندى تجاهلت السؤال تماماً وبدأت تتفحص الأوراق الممزقة في السلة. "هذه ليست معادلات عادية. إنها تتعلق بدراسة تأثيرات السكر على الخلايا العصبية لذبابة الفاكهة."

​"سكر؟" قالت ليلى. "إذن المجرم يكره السكر! أو ربما يحبه لدرجة أنه يريد منع دراسة تأثيراته على الذباب."

​"الشيء العجيب،" قالت ندى وهي ترفع إحدى القشور. "أن قشور بذور عباد الشمس هذه تحتوي على بقايا مادة لزجة أرجوانية اللون."

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

قضيه بذور عياد الشمس

المؤلف Ayat Ail
2025/11/13 مستمرة
قائمة الفصول (2)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة