رنّ الموبايل بدري شوية عن العادة.
سليم فتح عينه، بصّ في الشاشة… محمود.
ضحك وقال بصوت مبحوح:
– خير يا حودا؟ مش عوايدك تصحيني بدري إلا لو الدنيا ولّعت.
ضحك محمود من الناحية التانية:
– يا عم دي حاجة بسيطة كده، بس شكلها هتحتاج دماغك.
– أخلص وهات من الآخر.
– تعالى القهوة… نفس الترابيزة، أول الشارع.
– يا ساتر، هو كل ما تهدى البلد، أنت تبوّظها؟
– ههه تعالى بس، عندي جثة شكلها انتحار… بس قلبي بيقولي لأ.
سليم شرب آخر رشفة قهوة بايتة من الليل، لبس الجاكيت وقال لنفسه:
> "هو مش دايمًا الغلط في الجثة… أوقات في اللي بصّ عليها."
☕ القهوة على أول الشارع
القهوة كانت زي دايمًا، دوشة شاي وشيشة وريحة نعناع.
محمود قاعد، دخان السجاير مغرق المكان، وعمر جنبهم بيحط سكر في الشاي كأنه بيعمل تجربة علمية.
سليم:
– ها يا حودا، الجثة بتقول إيه؟
محمود:
– فؤاد نجيب… خمسيني، ساكن لوحده، لقوه متعلّق ف أوضته، باب الشقة مقفول من جوه، والمفتاح في الباب. يعني كل حاجة بتقول انتحار.
عمر قال وهو بيضحك:
– خلاص كده احنا خلصنا، نكتبها انتحار ونروح نفطر.
سليم بصله وقال:
– لو الناس كلها زيك يا عمر، كان نص البلد شنق بعضه والنص التاني بيعمل تقارير.
ضحك محمود وقال:
– تعالى بقى، أهو المكان متصور وكل حاجة جاهزة.
🏚️ شقة فؤاد نجيب
الشقة كانت رايقة زيادة عن اللزوم…
اللي يعرف سليم يفهم إن الهدوء دا بيخوفه.
بص حوالين المكان، كل حاجة مرتّبة، إلا إن طفاية السجاير مليانة رماد حديث.
سليم قال وهو بيبص للسقف:
– واضح إنه كان بيستقبل ضيوف كتير قبل الحادث.
محمود:
– ودي هالة، الجارة اللي بلّغت أول ما شمّت ريحة.
نوال (الجارة):
– آه يا بيه، كان فيه ناس داخلة وخارجة اليوم اللي قبله، بس ما خدتش بالي مين بالظبط.
سليم:
– يعني مش واحد، كذا حد؟
– أيوه، يمكن تلاتة، واحدة ست، وراجلين.
سليم لمح حاجة بتلمع عند باب الأوضة، انحنى ورفع حلق دهب صغير.
قال لمحمود:
– ده أكيد مش بتاع فؤاد.
محمود:
– يبقى واحدة ست كانت هنا فعلاً.
سليم:
– يبقى نجيب الكاميرات ونشوف مين كان طالع نازل قبل الحادث.
📹 تسجيل الكاميرات
رجعوا القسم، قعدوا قدام الشاشة.
عمر ماسك ساندوتش كبدة، وسليم قال له:
– يا عم كل وانت ساكت، دي مش حفلة.
ضحك عمر:
– ما أنا لو ما كلتش، مش هقدر أستوعب الجرايم دي.
بدأ التسجيل…
الساعة 4:58 مساءً – هالة داخلة العمارة.
الساعة 6:10 – سمير فوزي (شريكه القديم) طالع.
الساعة 7:00 – ندى طالعة بهدوء، شايلة شنطة صغيرة.
سليم وقف وقال:
– واضح إن آخر واحد خرج قبل ما الجريمة تحصل هو سمير.
محمود:
– استجواب جماعي، كلهم في القسم بكرة الصبح.
🔍 التحقيق
في مكتب التحقيق، الجو مشحون.
محمود بيولّع سيجارة، سليم بيقلب في الملف، عمر داخل بالقهوة.
▪ هالة:
– كنت رايحة أقابله، كنت عايزة أرجّع له فلوس كنت مديونة بيها، بس لقيته ميت… خفت وجريت.
– طيب ليه ما بلغتيش؟
– خفت الناس تفكر إني السبب.
سليم:
– وقع منك الحلق وإنتِ بتجري؟
(سكتت لحظة)
– آه… يمكن.
▪ سمير فوزي:
– كنا بنتخانق على حسابات الشغل، بس ما لمستوش، سبت له المكتب ومشيت.
– الساعة كام؟
– حوالي ستة.
سليم بص لمحمود وقال:
– يعني خرج قبل الجريمة بوقت صغير.
▪ ندى:
– كنت بزوره، كنت شايفة إنه مكتئب.
– هو كان مضايق من إيه؟
– قال إن في حد بيبتزه بصور أو أوراق قديمة.
سليم هنا رفع عينه وقال بهدوء:
– ابتزاز؟ من مين؟
– ماقالش، بس قال إنه هيسيب "كل حاجة تتسجل لو حصل له حاجة".
---
رجعوا القهوة بعد التحقيق، الجو مغيم شوية، صوت المذياع بيذيع أغنية قديمة.
عمر قال:
– يعني إيه رأيك؟ الانتحار فعلاً؟
سليم:
– لأ… هو اتقتل واتعلق بعدين.
– ليه؟
– أولًا: العلامة على رقبته مش مستوية، وده معناه إن الحبل اتشد بعد الوفاة.
– ثانيًا: الرماد في الطفاية حديث، ومعندوش سجائر في البيت.
– وثالثًا: الباب كان متقفل من جوه بس المفتاح في الباب، وده سهل يتعمل بخيط من تحت.
محمود ضرب كف بكف:
– يبقى احنا بندور على حد دخّل المفتاح من تحت.
سليم:
– سمير فوزي. كان عنده نسخة من المفتاح من أيام الشغل.
عمر:
– بس ليه يقتله؟
سليم:
– فؤاد كان ناوي يفضح سمير في قضية نصب قديمة. لقى نفسه هيتسجن، راحله بالليل "يصلّح الأمور"، وخنقه بحبل، وعلّقه يخليها انتحار.
محمود قام وهو بيغلي:
– يعني الراجل ده قتل صاحبه عشان ورقة!
سليم:
– لأ، عشان طمع. الطمع ساعات بيشنق أسرع من الحبل.
..
بعد ما قبضوا على سمير فوزي، واعترف بكل حاجة، وقف محمود وهو ماسك محضر التحقيق وقال لسليم:
– أنا عمري ما هفهمك إزاي بتشوف اللي إحنا بنغفل عنه.
سليم ابتسم وقال وهو بيولع سيجارة:
– ما هو انت بتستعمل عضلاتك، وأنا بستعمل دماغي… الدنيا محتاجة الاتنين.
عمر ضحك وقال:
– واللي بيستعمل معدته زينا يا جدعان؟
محمود:
– دا اللي لازم نعلّقه جنب القاتل في القضية الجاية.
ضحكوا التلاتة، والمشهد قفَل على سليم بيبص في الأرض وبيقول في سره:
> "كل قضية بتنتهي… بس الأسئلة عمرها ما بتخلص."