حين اختلّ ميزان القدر
🕯️ الفصل الأول: ما بين الحلم واليقظة
---
كانت السماء فوق فاليريا تشبه صفحة رمادية من كتابٍ لم يكتمل، لا ليلٌ ولا نهار، فقط ضوء باهت يشبه الهذيان.
في تلك اللحظة التي تسبق المطر دائمًا، كنتُ أسير في الشارع شبه الفارغ، والريح تتسلّل من بين شعري كأنها تهمس باسمي:
"نيراف…"
توقّفت.
لا أحد خلفي، ولا أحد أمامي.
مجرد ضبابٍ يُطارد نفسه بين الأعمدة الزجاجية، وواجهات المتاجر المطفأة.
كنت أعلم أنني لم أتوهم الصوت — فقد سمعته من قبل، في مكانٍ لا يشبه الأرض.
كل ليلة منذ أسابيع، أرى الحلم ذاته.
سهل رمادي، يمتد بلا نهاية.
ورجل يقف عند الحافة، ظهره نحوي، وملامحه ضبابية كأنه خُلق من الدخان.
حين أقترب منه، يدير وجهه إليّ ويقول بصوتٍ دافئ كهمس المطر:
"لقد تأخرنا على القدر، نيراف."
ثم يختفي، تاركًا خلفه صدىً يختلط بنبضي حتى أستيقظ.
كنت أحتفظ بتفاصيله في دفتري الصغير — دفترٌ أسود أكتب فيه كل الأحلام الغريبة التي تطاردني.
أحاول تحليلها بعقلي الذي درس علم النفس ويكره الغموض، لكن قلبي كان يهمس دائمًا: "هذا ليس مجرد حلم."
في صباح ذلك اليوم، كنت في طريقي إلى الجامعة، حين لاحظت أن شيئًا صغيرًا تغيّر في المدينة.
الساعة المركزية التي تتوسّط الميدان — والتي تتوقف دومًا عند الثانية عشرة — كانت تتحرك.
العقربان يدوران بخفّة، كأن أحدهم أيقظهما بعد سباتٍ طويل.
تجمّد الوقت للحظة، ثم دقّ الجرس اثنتي عشرة دقّة، رغم أن الشمس كانت في منتصف السماء.
توقّف المارّة جميعًا، بعضهم ابتسم، وبعضهم انتفض في مكانه.
أما أنا، فشعرتُ بأن شيئًا ما في داخلي انكسر.
في تلك الدقائق الغريبة، رأيته لأول مرة.
كان واقفًا عند طرف الميدان، معطفه الأسود يلتصق به رغم هبوب الريح.
وجهه نصف مغطّى بظل القبعة، لكن عينيه كانتا واضحتين… عميقتين بلونٍ لا أعرف له اسمًا، خليط بين الليل والفضة.
نظراته التقت بعينيّ مباشرة، كأنه يعرفني منذ زمنٍ بعيد.
ابتسم بخفّة — ابتسامة لم أفهمها — ثم اختفى وسط الزحام قبل أن أتحرّك نحوه.
ذلك اليوم لم يكن عاديًا أبدًا.
بدأت ألاحظ أن بعض الزملاء في القاعة يذكرون أشياء لم تحدث.
صديقتي مايا قالت وهي تضحك:
"نيراف، لا تنسي أننا خرجنا البارحة للمقهى."
لكنني لم أخرج. كنت في البيت أراجع دروسي.
حين أقسمت لها أنني لم أكن معهم، نظرت إليّ بدهشةٍ حقيقية وقالت:
"بل كنتِ معنا، بل كنتِ تجلسين أمامي!"
شعرتُ أن شيئًا ما ينزلق من ذاكرتي.
أن هناك واقعًا آخر يتسلل بين التفاصيل.
في المساء، عدت إلى شقتي الصغيرة، وأشعلت شمعة بدل الضوء — أحبّ الأصفر الخافت لأنه يجعلني أصدق أن العالم أكثر هدوءًا مما هو عليه.
فتحت دفتري، وكتبت:
"اليوم، الزمن تحرك. والعينان الفضيتان ما زالتا تلاحقاني حتى في الضوء."
وضعت القلم، لكنني لم أستطع النوم.
كنت أشعر أن أحدًا يراقبني من الزاوية، من الظلّ.
لم أكن خائفة، بل كأنني أنتظر أن يتكلم.
وعندما أغمضت عينيّ أخيرًا، وجدت نفسي مجددًا في السهل الرمادي.
الهواء بارد، والغبار يدور حولي في دوائر.
وصوته يأتي واضحًا هذه المرة، أقرب من أي حلم سابق:
"نيراف… هل تتذكرينني الآن؟"
نظرت نحوه — هذه المرة لم يكن ضبابيًا.
كان هو نفسه الرجل الذي رأيته عند الساعة في الميدان.
الملامح ذاتها، النظرة ذاتها، والسكينة الغريبة في صوته.
اقتربت منه خطوةً، شعرت بالأرض تحت قدميّ تهتزّ، كأنها ترفض هذا اللقاء.
قلت بصوتٍ خافت:
"من أنت؟"
ابتسم بهدوء، وقال:
"أنا رايين، من حيث كان ينبغي أن تبقي."
قبل أن أستوعب المعنى، مدّ يده نحوي، ولمّا لامست أصابعي أطراف يده، انفجرت الأضواء حولنا.
استيقظتُ فجأة، جسدي يتصبّب عرقًا، والغرفة مظلمة إلا من وهجٍ غريبٍ صادرٍ عن الجدار.
اقتربت ببطء، لأجد شيئًا مستحيلًا:
الصورة القديمة التي على الحائط، تلك التي التقطتها قبل عام، تغيّرَت.
لم أعد فيها وحدي… كان هناك ظلّ رجلٍ يقف خلفي، بملامح مألوفة جدًا.
نفس العينين الفضيتين.
شعرت بشيء يبرد في عروقي.
لم أصرخ، فقط لمست الصورة بأطراف أصابعي، وإذا بها تهتزّ كأنها سطح ماء.
من تلك الليلة، بدأت الأحلام تتكرّر في وضوحٍ مرعب.
بدأ رايين يتكلم أكثر، لا كصوتٍ في رأسي بل كحضورٍ يطغى على الواقع.
يحدّثني عن زمنٍ آخر، عن عالمٍ موازٍ يسكن ظلّ هذا العالم، عن ميزانٍ للقدر اختلّ حين حاول أحدهم تغييره، عنّي، وعن الدور الذي لا أذكره.
كنت أظنّ أنني فقدت عقلي، إلى أن حدث ما جعلني أؤمن بكل كلمةٍ قالها.
في اليوم التالي، وأنا أعبر الميدان ذاته، توقفت الساعة من جديد.
كل شيء تجمّد: السيارات، الطيور، حتى الريح.
العالم كله أصبح صامتًا.
وهو، رايين، ظهر فجأة وسط السكون.
اقترب مني ببطء، نظر إلى وجهي وقال بصوتٍ منخفض:
"الزمن بدأ ينهار، نيراف. وكلّ هذا بسببنا."
ثم لمس يدي، وعاد كل شيء إلى الحركة: الأصوات، الضوضاء، المطر المفاجئ، وضربات قلبي التي تسارعت كأنها تصارع الوقت نفسه.
لم أعرف من أنا وقتها — فتاة من هذا العالم، أم ذكرى من زمنٍ آخر.
لكن شيئًا واحدًا كان أكيدًا:
ذلك الرجل لم يكن غريبًا.
كنتُ أعرفه كما يعرف القلب نبضه، وكما يعرف الحلم طريقه إلى النوم.
---
نهاية الفصل الأول: ما بين الحلم واليقظة
(يتبع في الفصل الثاني: “الظلّ الذي تحدّث باسمي”)
بقلمي نفس الخلود ✍🏻🕊️
كَاتِـبَة أَنَـا ˖ ࣪