༺༺༺༺༺༺༺༺༻༻༻༻༻༻༻༻
|بعد أسبوع من الحادثة / السّاعة الثّانية زوالا|
رنّ جرس المعهد معلنا عن نهاية ذلك اليوم..
بدأ الجميع في جمع أغراضهم استعدادا للمغادرة بما في ذلك كيرا الّتي سرعان ما ألقت بحقيبتها على كتفها بإهمال و خرجت من الباب بسرعة دون مماطلة..
لقد كانت كذلك طيلة هذا الأسبوع..
لا حديث..
لا ضحك...
و لا أثر للرّاحة النّفسيّة..
أسبوع كامل و كلّ ما شغل ذهنها هو إزرا الّذي تركته خلفها..
كيف سمحت لنفسها بالمغادرة من دونه..
ليتها حاولت على الأقلّ إيجاد طريقة ليعودا معا بدلا من الرّضوخ لطلبه و الرّجوع بمفردها..
أسبوع كامل و هي تعيش تأنيب الضّمير الّذي ينهشها ببطء من الدّاخل..
سارت كيرا خارج معهد سيليستيا بعد انتهاء يومها الحافل بدروس الفنّ...جسدها يسير بخطوات متثاقلة بينما ذهنها شارد تماما..
أصوات الطّلّاب المرتفعة من حولها لم تكن فعّالة بما فيه الكفاية لإعادتها إلى أرض الواقع..
و لكنّ تلك اليد الّتي استقرّت فوق كتفها قد فعلت..
توقّفت مكانها و من دون أن تلتفت أو تتحرّك خطوة واحدة نطقت بهدوء:
«لا أرغب بالحديث..»
سرعان ما شعرت بتلك اليد تزاح عن كتفها تبعها صوت ببحّة جميلة تبادر إلى مسامعها:
«يا للخسارة، لو كنت أعلم بأنّكِ لن ترغبي برؤيتي لما تكبّدت عناء العودة»
اتّسعت حدقيّتاها بعدم تصديق و التفتت خلفها بحركة سريعة..
«إزرا!»
صاحت بتفاجئ و هي تحدّق به غير مصدّقة بأنّ من يقف أمامها الآن هو إزرا نفسه..
اكتفى هو بإصدار قهقهات متتالية عبّرت عن استلطافه لشكلها و هي تنظر له...لتتمتم هي فور أن خرجت من ذهولها:
«لكن كيف..كيف و متى جئت إلى هنا؟»
«هذا ليس حديثا نخوضه و نحن نقف بين حشود الطّلّاب عزيزتي»
༺༺༺༻༻༻
على ذلك المقعد داخل أحد المقاهي جلست كيرا يقابلها إزرا الّذي كان منشغلا بإخبارها عن كيف نجح في العودة هو الآخر دون أن يتأذّى...
«سيبدو الأمر غريبا لكِ حقّا..»
ضحكت كيرا بخفّة بينما ترتشف من مشروبها ثمّ أردفت:
«متأكّدة من أنّه لن يكون أغرب ممّا مررنا به»
أومأ لها إزرا بهدوء مؤيّدا كلامها:
«أظنّكِ محقّة»
Flashback
فور عبورها و اختفائها عن مرمى بصره...أغلقت البوّابة ليدرك إزرا لحظتها جيّدا بأنّه قد بات الآن من ضرب المستحيل أن يلاقي كيرا مرّة ثانية سوى بمعجزة...
عبس بحزن و هو يحدّق في الفراغ حيث كانت تقف قبل لحظات قليلة ثمّ تمتمت بصوت خافت:
«لماذا جئتِ من الأساس إن كان رحيلك سيكون بهذه السّهولة؟»
كان المكان خاليا و هادئا تماما لدرجة استطاع إزرا سماع صوت نفسه...و هذا ما دفعه للاستسلام و الغرق في تفكيره..
أطلق تنهيدة عميقة لعلّه بذلك يزيح بعضا من ما كان يثقل كاهله، ثمّ و بما أنّ لا خيار آخر له، فقد التفت بنيّة مغادرة المكان و العودة لحياته الّتي باتت الآن أكثر كآبة من ذي قبل..
تقدّم خطوة واحدة فقط، حينما شعر بضوء خافت يشعّ خلفه...
استدار بحركة سريعة ليجد أنّ الوهج قادم من أعماق المياه..
«اللّوحة..»
تمتم بإدراك و هو يتقدّم مهرولا من ضفّة البحيرة ليطلّ برأسه قليلا محاولة منه لرؤيتها..
لمحها في الأسفل تتوهّج بخفوت...و دون أن يفكّر مرّتين، خلع قميصه و قفز إلى داخل المياه..
لحظات قليلة حتّى عاد إلى السّطح باحثا عن بعض الهواء ليملأ رئتيه...ثمّ واصل سباحته إلى اليابسة و بإحدى يديه كان يشدّ بقوّة على تلك اللّوحة..
«لا أصدّق أنّها لا تزال هنا، ظننتها اختفت كذلك!»
صاح بغير تصديق و هو يلقي بها أرضا متبعا إيّاها بجسده الّذي مدّده بإرهاق..
حدّق في السّماء لبرهة و هو يلتقط أنفاسه ثمّ مدّ يده إلى اللّوحة بجانبه و رفعها إلى مستوى وجهه:
«لكن ما الّذي يفترض أن أفعل بها..؟»
بحركة عفويّة، قلب إزرا لوحته ليرى الجهة الخلفيّة لها...فقط ليتفاجأ برؤية شيء غريب لدرجة كبيرة..
لم تكن اللّوحة تتوهّج كلّيّا الآن...و لكن خلفها قد ظهرت بعض الأرقام...
و الأغرب هو أنّ تلك الأرقام كانت تتغيّر و كأنّها عدّ تنازليّ لشيء ما..
اعتدل إزرا في جلسته و ظلّ يقلّب اللّوحة بين يديه باستغراب...ما الّذي يفترض به أن يكون هذا؟
«ألا توجد توضيحات مثلا؟»
نطق بحنق مخاطبا لوحته كما لو كان يخاطب بشرا، و قد بدا أنّ الأمر كان فعّالا...فقد ظهرت فجأة عليها كتابة صغيرة أسفل الأرقام
"تجديد البوّابة"
كان ذلك ما كتب عليها...و لحسن حظّه أنّ العبارة كانت بديهيّة و ليست لغزا يحتاج لفكّ شيفرته.
و رغم ذلك لم يستطع إزرا كبح السّعادة الّتي انتابته لحظتها و هو يدرك بأنّ لديه فرصة للعودة هو الآخر..
كلّ ما يتطلّبه الأمر هو أسبوع واحد..
أسبوع كامل من الانتظار..
لكن لا مشكلة، فالأمر يهون ما دام الطّريق غير مسدود في النّهاية..
سينتظر حتّى تنتهي مهلة تجديد البوّابة، و بعد ذلك سيعود إلى البحيرة و يلقي اللّوحة في المياه كما فعل اليوم تماما..
End Of Flashback
«إذا كان الأمر محض صدفة؟»
«نوعا ما..ربّما لو غادرت أبكر بقليل لما لحقت على هذا الحدث الجميل الّذي تسمّينه بصدفة»
اتّسعت ابتسامة كيرا بسبب طريقة كلامه الّتي جعلته يبدو كشخص يحدّث طفلا صغيرا في الحضانة و ليس فتاة تصغره بعام و نصف تقريبا فقط.
«لا يمكنك تخيّل مقدار سعادتي لعودتك...لقد كان الأسبوع الماضي بمثابة جولة عذاب نفسيّ بالنّسبة لي، فقد ظللت أؤنّب نفسي لتركك هناك»
رقّت ملامحه حينما لمح الحزن و النّدم في صوتها، و سرعان ما ردّ محاولا رفع معنويّاتها:
«كانت إمّا أن تذهبي وحدك أو نعلق معا...فأنا لم أكن لأرحل و أتركك هناك، لذا كان ما فعلته هو الخيار الصّحيح...لكن لا داعي للتّفكير في الأمر بعد الآن يا صغيرة فأنا هنا أمامك الآن و تأنيب نفسك ما من سبب له...أنتِ تقتلين سعادتي برؤيتك فقط»
حاول جعل نبرته حزينة قليلا لأجل استعطافها، و لكن كما يبدو فحيلته لم تنطلي على تلك الّتي هزّت رأسعا بقلّة حيلة و أجابته ممازحة:
«حسنا حسنا، لن أفكّر بالأمر مجدّدا...فقط حتّى لا أقتلك بدلا من سعادتك تلك عن طريق الخطأ»
لم يستطع إزرا التّحكّم بنفسه و أصدر ضحكة مرتفعة قليلا متناسيا أنّهما في مكان عامّ..
«قلتَ أنَّك قد وصلت صباح اليوم، صحيح؟ هل ذهبت لمنزلك؟»
صمت لبرهة و هو يحدّق بها باحثا عن مبرّر مناسب...و ما لبث أن نطق بعدم اكتراث:
«لا، فأوّل ما قمت به كان البحث عن معهدك و انتظارك لساعات»
فتحت كيرا فمها بصدمة غير مصدّقة لما قاله...بدلا من أن يزور عائلته ظلّ ينتظرها خارجا؟
«هل أنتَ أحمق أم أحمق؟!»
صاحت من دون وعي ليبتسم هو ببلاهة و يجيبها قائلا و كأنّ الأمر مزحة بالنّسبة له:
«أحمق بسببك»
«مبتذل...ستذهب لزيارتهم لاحقا، و هذا ليس طلبا بل أمر»
نطقت بجدّيّة و حزم ببنما تراقبه بانعدام رضى، لينحني هو لها كخادم مطيع و يجيبها ممازحا:
«طلباتك أوامر آنستي»
༺༺༺༻༻༻
أمام ذلك المنزل المتواضع وسط ذلك الحيّ الهادئ، وقف كلّ من إزرا و كيرا ينظران له بشرود..
«هذا منزل عائلتك إذا..»
تمتمت بصوت هادئ ليومئ هو برأسه قبولا و يجيب:
«أجل...هنا يعيش والداي و شقيقتي الكبرى»
همهمت بتفهّم ليتقدّم هو أقرب ناحية الباب تتبعه هي بأعينها..
«هل فكّرت بما ستقوله لهم؟ لقد اختفيت فجأة دون أثر و الآن تظهر لهم من العدم»
التفت لها و مرّر أعينه على وجهها بينما يفكّر بعمق قبل أن يردف بثقة:
«الحقيقة و لا شيء غيرها...سيتقبّلونها بعد أن أعيد سرد أسرارهم لهم حيث لا مجال ليشكّوا بي»
«و ماذا ستقول عنّي؟»
«أنّكِ منقذتي؟ ما رأيك؟ أم أقول أنّك جنّية جميلة ظهرت من العدم؟»
رفعت حاجبها بدهشة من كلامه ثمّ ردّت و هي ترسم ابتسامة متكلّفة على ثغرها:
«ما رأيك بسرد القصّة كاملة فقط دون إضافاتك المبالغ فيها؟»
«و إن رفضت؟»
«إلى اللّقاء، سأعود للمنزل...حظّا موفّقا في لقائك مع أسرتك»
لوّحت له مودّعة و التفتت لأجل الرّحيل...لكنّها شعرت بجسد أحدهم يقف كجدار أمامها..
رفعت رأسها بقلّة حيلة لتنظر له بأعين بريئة..
«هلّا تبتعد عن طريقي؟»
«لا»
ردّ باختصار و هو ينظر لها بتحدّ، فقط ليضيف بعدما صمتت هي:
«جئت الآن لأنّك طلبتِ ذلك، و إن رحلتِ فسأؤجّل الأمر»
بدا أنّ كيرا كانت مستمتعة بإغاظته، فقد رفعت زاوي فمها بمكر و أجابته بعد اكتراث:
«و ما شأني أنا؟ ابقَ أو ارحل، لن أتضرّر»
انخفض إزرا بجسده قليلا و قرّب وجهه من وجه كيرا الّتي تورّدت وجنتاها قليلا من شدّة الإحراج:
«ستبقين معي و ستقابلين عائلتي...لست أسألك لذا أنتِ موافقة دون موافقتك»
حدّقت به بصدمة و هي تراقبه يبتعد من أمامها بثقة و يقترب أكثر من الباب مجدّدا
«ألن تأتي؟»
تساءل و هو يرميها بنظرات تساؤل رغم كونه متأكّدا من جوابها..
و كما كان يظنّ، فقد هرولت ناحيته و هي تزفر بانزعاج
«ذكّرني مجدّدا لماذا لم أتجاهلك و أغادر الآن رغم أنّني أستطيع فعل ذلك؟»
رفع إزرا حاجبه باستمتاع و منحها ابتسامة عريضة قبل أن يقول بصوت خافت و هو يقرّب وجهه من وجهها:
«لأنّك تحبّينني»
•••••••••••••••••••••••••••
[°°°°نهاية الرواية°°°°]
•••••••••••••••••••••••••••