إزرا

إزرا

14 0

༺༺༺༺༺༺༺༺༻༻༻༻༻༻༻༻

| اليوم التّالي، السّاعة الحادية عشر صباحا |

في إحدى الحدائق العموميّة، كان كلّ من كيرا و إزرا يجلسان على أحد الكراسي الخشبيّة حيث اتّفقا على اختيار مكان غير مكتظّ بالنّاس لكي يتحدّثا حول موضوع اللّوحة بأريحيّة

«حسنا كيرا، أوّل ما يجب علينا فعله هو الوصول إلى البحيرة الّتي رسمتها في اللّوحة»

عقدت كيرا حاجبيها بعدم فهم ثمّ أردفت متسائلة:

«لكن لماذا؟ لا أزال أحتاج توضيحات أكثر حول كلّ ما سيحدث»

همهم إزرا بتفهّم بينما يحرّك رأسه قبولا و أجابها بهدوء و هو يحدّق بالأرض:

«كما أخبرتكِ أمس، فأنا قد انتقلت إلى هذا البعد بعدما انتهيت من رسم اللّوحة...و لا أملك فكرة عن كيف وصلت ليد معلّمك...لكن ذلك أمر جيّد لأنّه و حتّى أستطيع الخروج من هنا، يتوجّب عليّ الوصول للمكان الّذي رسمته»

أوقفته كيرا بحركة من يدها ثمّ تمتمت بحيرة:

«انتظر، إن كان كذلك فلماذا لم تذهب للبحيرة قبلا بما أنّك تعرف أنّها مفتاح العودة؟»

أصدر إزرا صحكة خفيفة عبّرت عن مدى استلطافه لتسرّعها ثمّ واصل موضّحا:

«اصبري حتّى أنهي كلامي يا صغيرة...لسبب أجهله، اللّوحة لم تنتقل معي أنا إلى هذا البعد..و لكنّها انتقلت معكِ، و لهذا لم أفكّر بالذّهاب للبحيرة...لأنّه لا تأثير لها من دون اللّوحة، و بمعنى آخر علينا إلقاء اللّوحة داخل البحيرة حتّى نعود للبعد الّذي جئنا منه»

ثبّت أعينه على خاصّتها ليلحظ اتّساع أعينها و التّفاجئ الّذي طغى على ملامحها..

و لوهلة، ساد صمت طويل بينهما غرق فيه كلّ منهما بأفكاره قبل أن تستوعب كيرا جيّدا كلّ كلمة قالها و تنطق أخيرا بإدراك:

«إذا تحتاج أن أحضر اللّوحة من منزلي، صحيح؟ و بعدها سنذهب إلى البحيرة»

أومأ برأسه قبولا ثمّ ردّ قائلا:

«تماما»

«فهمت إذا، هذا المساء لنلتقي مجدّدا و ستكون لوحتك بحوزتي»

༺༺༺༻༻༻

وصلت كيرا أخيرا أمام باب منزلها، لتفتح الباب و تدخل بهدوء محاولة عدم إصدار أيّ صوت أو لفت انتباه والدتها..

فهي لا تعلم بأنّها لم تذهب للجامعة اليوم كذلك..و إن علمت فعلى الأرجح لن يمرّ الأمر على خير..

أغلقت الباب ببطء و حذر شديدين..و إلى الآن لا صوت لوالدتها..

سارت بخطوات هادئة ناحية غرفتها، و حينما كانت تتخطّى غرفة الجلوس لمحت والدتها تجلس على الأريكة و أعينها مصوّبة ناحية شاشة التّلفاز..

زفرت كيرا بارتياح و واصلت السّير بنفس الخطوات..

«كيرا، تعالي إلى هنا الآن»

تصنّمت المعنيّة مكانها فور سماعها لصوتها الحادّ المخيف يناديها...

لا مجال لأن تخرج سالمة بعد الآن..

تراجعت إلى الخلف ببطء عائدة إلى غرفة الجلوس لتجد والدتها تصوّب أعينها نحوها تماما عوضا عن التّلفاز و أذرعها مضمومة ناحية صدرها بغضب

ابتلعت كيرا ريقها بصعوبة و هي تدخل الغرفة بخطوات حذرة بعدما أشارت لها والدتها بالجلوس على الأريكة المقابلة لها..

فعلت مثل ما طلبت والدتها و لم تجرؤ حتّى على النّطق بحرف واحد..

لذا كانت هي من تحدّثت أوّلا معاتبة ابنتها:

«ما معنى أن تتغيّبي اليوم عن حصصك كيرا؟ و دون أن تعلميني مسبقا كذلك»

رفعت الأخرى حاجبيها متفاجئة و فتحت فمها بعدم تصديق...

من أخبرها بذلك؟

«من قال أنّني تغيّبت؟»

كانت تلك خطّة ذكيّة نوعا ما منها بحيث في كلّ الأحوال تظلّ في منطقة الأمان

«اتّصل بي مدير الجامعة و قال بأنّك تغيّبتِ اليوم كذلك...و ها أنا أراك في المنزل قبل انتهاء اليوم الجامعيّ»

مرّرت الأخرى أعينها حول المكان بتوتّر محاولة البحث عن كذبة مقنعة و سرعان ما نطقت مزيّفة الثّقة:

«متى اتّصل بك؟»

«التّاسعة»

«تماما، و الحصص تبدأ على الثّامنة و النّصف...ما في الأمر أمّي هو أنّني عانيت لإيجاد حافلة اليوم و تأخّرت قليلا بسبب ذلك، فقد وصلت على السّاعة التّاسعة و الرّبع..أستغرب أنّ المدير لم يتّصل بكِ مرّة ثانية...أمّا بخصوص عودتي الآن، لقد تغيّب أحد المعلّمين ففضّلت العودة للمنزل في وقت فراغي»

ضيّقت والدتها عينيها و قد كان الشّكّ جليّا في ملامح وجهها...إلّا أنّ النّبرة الواثقة الّتي تحدّثت بها كيرا جعلتها تقتنع بما سمعته و تجيب باستسلام:

«حسنا إذا، بما أنّكِ قلتِ ذلك فسأصدّقك»

ابتسمت بامتنان لكون والدتها قد اقتنعت بكلامها رغم أنّ الكذب لم يكن يرضيها..

ماذا عساها تفعل؟ لا حلّ آخر لتعود لبعدها سوى هذا..

«أمّي..أريد أخذ قسط من الرّاحة قبل أن أعود للجامعة، لذا هل تسمحين أن أصعد لغرفتي؟»

تمتمت و هي تتمدّد متظاهرة بالتّعب لترقّ نظرات والدتها و تجيب بينما تشير لها بالانصراف:

«بكلّ تأكيد، تخصّصك صعب لذا فلتستريحي جيّدا عزيزتي»

عانقت كيرا أمّها بقوّة ثمّ ركضت تصعد السّلالم متوجّهة ناحية غرفتها...ليكون أوّل ما تقوم به فور دخولها هو وضع اللّوحة داخل حقيبة ظهرها الجلديّة لأجل ألّا تنسى أمرها تماما..

༺༺༺༻༻༻

على الطريق المؤدي إلى البحيرة، كانت كيرا تجلس بجوار إزرا في السيارة، يلفهما صمت ثقيل..

الأفكار كانت تتزاحم في رأسها، تتساءل عن مصيرهما و عن ما إذا كانت هذه المحاولة ستنجح حقّا..

لقد أكّد لها إزرا الأمر مرارا و تكرارا لدرجة أصبح من المستحيل أن تشكّ في كذبه حول كونه هو الرّسّام المفقود..

عدم تجمّده مثل كلّ شيء في المكتبة هو دليل كافٍ أصلا..

«هل سيكون المكان آمنا؟»

التفت لها إزرا بحركة سريعة ثمّ عاود التّحديق بالطّريق أمامه مطمئنا إيّاها:

«لا تقلقي، الوقت الآن عصر و من المستبعد أن نجد أيّ شيء يعرّضنا للخطر...البحيرة تقع في مكان مكشوف لذا لا اتحمال لظهور حيوانات مفترسة أو ما شابه»

همهمت كيرا بتفهّم و واصلت التّحديق بهدوء لينطق إزرا محاولا تلطيف الأجواء:

«أتعلمين؟ الأمر برمّته يبدو غريبا...أشعر وكأننا أبطال فيلم سينمائيّ يحاولان إنقاذ العالم»

أصدرت الأخرى ضحكة خافتة و ردّت ممازحة:

«نحن نحاول العودة لعالمنا، أليس نفس الشّيء؟»

«ربّما..»

كانت بضع دقائق مرّت كألفيّة حينما داس إزرا على فرامل السّيّارة موقفا إيّاها...ليدير رأسه صوب كيرا و يتمتم بابتسامة بسيطة:

«وصلنا...»

ترجّل من السّيّارة بسرعة لتفعل هي المثل و بيدها اللّوحة الّتي كانت تشدّ عليها بإحكام و كأنّها تخشى أن تقع منها و تفسد تماما..

«اسمعي كيرا، الحيرة تقع على بعد بضع أمتار من هنا...لذا سنواصل سيرا»

«حسنا»

تقدّم إزرا أوّلا يقود الطّريق لتتبعه الأخرى الّتي كانت أعينها تجول في الأرجاء و هي تحدّق بشرود في الطّبيعة من حولها..

أشجار، نباتات، ورود و أزهار...

كانت كلّها تشكّل لوحة طبيعيّة شدّت أنظارها و سلبت منها عقلها بعيدا عنها..

فجأة، اصطدمت كيرا بشيء صلب لترفع رأسها قليلا و هي تدعك جبينها متذمّرة:

«إزرا، لماذا توقّفت؟ ليتك نبّهتني على الأقلّ حتّى لا أضرب رأسي بظهرك!»

أشار لها بالتزام الهدوء دون أن يلتفت لها ثمّ تمتم بصوت شبه مسموع:

«ها هي البحيرة...جميلة حقّا»

أطلّت كيرا برأسها من خلفه لتلمح هي الأخرى منظر البحيرة الخلّاب..

و على عكس ما تخيّلته...فلقد كانت آسرة حقّا، خصوصا مع ذلك الشّعاع الّذي انعكس على سطع مياهها الرّقراقة..

«يا إلهي ما أجملها !»

التفت إزرا بجسده نحوها ثمّ أجاب مؤيّدا كلامها:

«أتّفق معك...و الآن آنستي، هلّا باشرنا في ما جئنا لأجله؟»

لحظتها فقط، تذكّرت كيرا الهدف الأساسيّ لقدومهما هنا...فقد أنساها سحر البحيرة بأنّ عليها العودة للبعد الّذي جاءت منه..

من يدري؟ لعلّها تزورها مجدّدا عندما تعود...فهي حتما لن تختفي على سبيل المثال..

اقتربا بخطوات حذرة من ضفّتها، ليمدّ إزرا يده نحو كيرا الّتي نظرت له باستغراب للحظات قبل أن تدرك بأنّه يطلب منها أن تعطيه اللّوحة..

«تفضّل..»

نطقت بهدوء بينما تعطيه إيّاها ليردف هو الآخر:

«لنعدّ معا إلى ثلاثة، و سأقوم بإلقائها..»

أومأت كيرا برأسها قبولا، ليمدّ إزرا يده الممسكة باللّوحة و يقرّبها من المياه...و ما هي إلّا ثوان قليلة حتّى بدآ في العد بشكل متزامن بينما يحدّق أحدهما بالآخر بقلق:

«واحد...»

«اثنان...»

«ثلاثة...»

و مع نهاية الرّقم ثلاثة...أفلت إزرا اللّوحة لتسحبها المياه إلى الأسفل و تغرق في قاع البحيرة..

ثانية...ثانيتان...و لا شيء قد حدث..

«ألم ينجح الأمر؟»

تمتمت كيرا بقلق و هي ترمق إزرا بنظرات غير مطمئنّة، ليعقد هو حاجبيه بحيرة و يردّ قائلا:

«لا أعلم، يفترض أن يحدث شيء ما بعد إلقاء اللّوحة...أيّ شيء..»

«لكن لم يح...»

لم تنهِ ذات الشّعر البنّيّ جملتها لأنّ ضوءا قويّا ظهر فجأة منعها من ذلك...جاعلا من الاثنين يغطّيان أعينهما من شدّة توهّجه..

بضع ثوانٍ حتّى خفّت شدّة الضّوء ليزيحا أيديهما و يحدّقا في ذلك الشّيء الغريب بذهول..

«إنّها بوّابة..»

تمتمت كيرا بذهول و هي تحدّق بها بفم مفتوح ليضيف إزرا بنفس الدّهشة:

«هذه هي بوّابة العبور للبعد الآخر من دون شكّ..»

«إذا كلّ ما علينا فعله هو عبورها؟»

«أظنّ ذلك..»

كانت كيرا على وشك التّقدّم منها..و لكن ما أن خطت خطوة واحدة ناحيتها حتّى تبادر إلى مسامع الاثنين صوت عميق حملته نسمات الهواء الّني مرّت بهما:

"شخص واحد فقط يمكنه العبور.."

تصنّم كلّ من إزرا و كيرا مكانهما بعد العبارة الّتي طرقت آذانهما..

هل قال الصّوت أنّ شخصا واحدا فقط يستطيع العبور؟ هل هناك شيء سيّء سيحدث مثلا إذا ما حاولا العبور معا؟

«أسمعتَ ذلك؟»

تساءلت كيرا بخوف ليهزّ الآخر رأسه إيجابا و يتمتم بنبرة جادّة:

«على أحدنا التّنازل كما يبدو..»

«ألا يمكن لكلانا العبور فحسب؟ ما أسوأ ما قد يحدث؟»

"شخص واحد فقط يمكنه العبور...و إلّا فالثّاني سيموت"

سرت رجفة خفيفة في جسدي الاثنين اللّذين تبادلا نظرات الاستسلام و نطق كلاهما في الوقت ذاته:

«أنا سأبقى»

اتّسعت أعينهما بتفاجئ ليضيفا بشكل متزامن كذلك:

«لا، قلت أنا»

عضّت كيرا على وجنتيها من الدّاخل محاولة كبت انزعاجها بينما زفر إزرا باستياء قبل أن ينطق بحدّة و جدّيّة محاولا إنهاء النّقاش:

«أنتٌ من ستعودين كيرا»

وجّهت المعنيّة أعينها بسرعة ناحيته بغير تصديق و صاحت في وجهه بانفعال دون أن تدرك ذلك:

«من أنتَ لتقرّر عنّي؟! لا، لن أفعل! أنتَ من ستعود!»

«لن أفعل كيرا...افهميني أرجوكِ، لا يمكنني العودة و ترككِ هنا بمفردك...على الأقلّ مرّت عليّ أكثر من سنتين و أنا في هذا البعد لدرجة اعتدتّ على حياتي هنا على خلافكِ أنتِ»

كانت نبرة صوته هذه المرّة أقلّ حدّة و أقرب إلى التّرجّي...و قد بدا أنّ أعينه تتوسّل لها لكي تستسلم و توافق على العودة بمفردها..

«حسنا...أنتَ لا تترك لي خيارا آخر»

نطقت بتلك العبارة بصوت مختنق و كأنّها مرغمة على القبول فحسب...أمّا إزرا، فقد اتّسعت ابتسامته و هو يراها تسير بخطوات مثقلة و تقترب أكثر من البوّابة..

حالما أصبحت أمامها تماما، التفتت له بحركة سريعة و خاطبته بعتاب:

«أظنّ هذه ستكون آخر كلمات لي لك رغم أنّنا لم نلتقِ سوى قبل يومين على الأكثر...إزرا، أنتَ شخص مميّز حقّا و قد شعرت بذلك لحظة لقائي بك...و لهذا السّبب تحديدا فلتعلم أنّني مستاءة منك لأنّك ضحّيت بفرصتك الوحيدة للعودة بسببي»

رغم أنّها أخبرته بصريح العبارة في آخر لقاء لهما بأنّها مستاءة منه، إلّا أنّه قابلها بابتسامة واسعة و هو يضحك بخفّة قائلا:

«و لتعلمي أنتِ بأنّني لم و لن أندم على قراري هذا...تستحقّين التّضحية يا عزيزتي»

جاهدت كيرا نفسها لتبقى ثابتة رغم الدّموع الّتي تجمّعت حول مقلتيها...و التفتت دون أيّ كلمة إضافيّة صوب البوّابة..

بضع ثوانٍ أخرى...و لم تكن هناك..

أغلقت البوّابة...

و عادت كيرا إلى البعد الّذي جاءت منه...

و انتهت قصّة الرّسّام و طالبة الفنون الّتي بدأت لتوّها...

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

الرسام المفقود

المؤلف _aerithra_
2025/10/31 مكتملة
قائمة الفصول (5)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة