البارت الثاني

البارت الثاني

12 0

انقضى النهار، وبدأت الشمس تنسحب بهدوءٍ إلى حضن الغروب، صار لونها البرتقالي مائلًا إلى الاحمرار، كأنها توّدع الأرض بنظرة أخيرة قبل أن ترحل.

الهواء صار أهدأ، والضوء أخف، وتلك اللحظات من اليوم كانت الأحبّ إلى قلب يوسف… اللحظات التي يشعر فيها أن كل شيء انتهى، وأن تعب الساعات الماضية صار خلفه.

كان عائدًا من العمل، خطواته بطيئة بعض الشيء بفعل الإرهاق، لكنه يحمل على وجهه تلك الابتسامة التي لا تُفارقه، الابتسامة التي يقول بها لعائلته: "أنا بخير… عشانكم."

وصل إلى باب المنزل، طرقه طرقته المعتادة، يعلم أن الصغيرة ستُميّزها فورًا، وحين فُتح الباب، دخل بخفة وهو ينادي بصوتٍ خافت لكن مفعم بالحياة:

–رنااااا... حبيبتي تعالي شوفي أنا جبتلك إيه.

وما إن سمع وقع خطواتها الصغيرة تُسرع نحوه حتى فتح ذراعيه، لتندفع نحوه الطفلة بضحكةٍ تملأ البيت.

ضمّها بقوة، وشدّ عليها كمن يحتضن جزءًا من روحه، ثم قال ضاحكًا:

–طب مش عاوزة تشوفي جبتلك إيه؟

قفزت من بين ذراعيه بحماس، وعيناها تتلألأ كمن تنتظر مفاجأة العمر:

–آيوه آيوه وريني جبتلي إيه؟

ابتسم بمكرٍ محبّب، وقال:

_مش قبل ما تدفعي الضريبة… ولا نسيتي؟

ضحكت رنا، وسحبت طرف قميصه، فهم يوسف الحركة فورًا، فانحنى قليلًا، فوضعت قبلة على خده الأيمن، ثم الأيسر، قال وهو يضحك بصوتٍ عال:

–كده تمام… الضريبة اتدفعت.

احتضنها مرةً أخرى، لكنها تملصت بسرعة:

–هاااا، قول بقى، جبتلي إيه؟

أخرج كيسًا كبيرًا من حقيبته، وأعطاها إياه، وما إن فتحته حتى انفرجت أسارير وجهها، وارتسمت على شفتيها ابتسامة من القلب:

–يااااه! شكولاتة كتير… ونوعي المفضل! أنت دايمًا بتفتكر أنت أحلي أخ في الدنيا.

قال وهو ينظر إليها بعطفٍ حقيقي:

–إنتِ تؤمري يا حبيبتي… بس اسمعي، مش هتاكلي منها غير بعد العشا، وواحدة بس، علشان معدتك.

هزّت رأسها بحماسة:

–حاضر… واحده بس والله، زي ما اتفقنا.

ربّت على رأسها برفق:

–يسلم لي الجميل اللي بيسمع الكلام… طيب قوليلي، ماما وبابا جوه؟

–آه، قاعدين جوه.

ذهب يوسف إلى الداخل، وعلى وجهه نفس الابتسامة التي لا يراها الغرباء، بل تحتفظ بها عائلته وحدها.

دخل وقال بصوته العميق:

–السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

ردّ الوالدان السلام بمحبة، فاقترب يوسف وقبّل يد أبيه، ثم جبين أمه، لأنها لا تحب أن يُقبّل يدها.

–عاملين إيه؟ كله تمام؟

قال صلاح "الأب":

–كله تمام يا حبيبي، اقعد، أكيد تعبان.

قالت أسماء "الأم" برقة:

–أقوم أعملك أكل، تلاقيك جعان من الصبح، يا عيني.

ابتسم يوسف وهو يجلس:

–ما تتعبيش نفسك يا ماما، أنا لو جعت هاكل، ولسه بدري على العشا، ناكل كلنا سوا، ما فيش داعي لتعبك.

رفعت الأم حاجبيها وقالت بحزن مصطنع:

–تعب إيه بس يا حبيبي… إنت هتزعلني منك؟

_وأنا ميهونش عليّا زعلك مني يا ستّ الكل… بس والله مش جعان.

نظرت أسماء له وهي تبتسم برضا:

–اللي انت عاوزه يا حبيبي، ربنا يرضى عنك.

تحدث يوسف وهو يقوم من مكانه:

–أنا هدخل أغيّر هدومي وأريّح شوية قبل صلاة العشا، عشان أروح الجامع.

نظر صلاح إليه بقلق وقال:

–لو تعبان يا يوسف، صلّي هنا النهاردة… ما فيش مشكلة.

قال يوسف بنظرة هادئة وصوت واثق:

–مستحيل يا بابا… دا أكتر شيء بحبه. إني أؤم الناس في الصلاة بيخليني أحس براحة جوّا قلبي، راحة مش بلقيها في أي مكان تاني، حتى لو كنت تعبان.

وانت اللي علّمتني من صغري إن الواحد لما بيقف بين إيدين ربّه، التعب كله بيروح… وبييجي مكانه سكون كده، وسعة صدر.

ابتسم صلاح برضا وفخر:

–ربنا يقدرك يا حبيبي… وتفضل دايمًا تؤمّ الناس وتحقق اللي بتحلم بيه.

بابتسامة صادقة ارتسمت علي وجهه قال:

–أنا مش عاوز منكم غير دعواتكم يا حجّوج… إنت وماما، ربنا يقدرني على فعل الخير.

دعت أسماء وهي تلمس كتفه بلطف:

–ربنا يجبر بخاطرك يا ابني… ويطمن قلبك… ويحفظك بعينه اللي ما تنام… ويحبب فيك خلقه ويزيدك من نوره.

نطق يوسف بنبرة تحمل الهدوء:

– اللهم آمين.

ثم مشى يوسف نحو غرفته، يغمره شعور غريب من الراحة، وكأن كل ما في الدنيا قد هدأ.

فتح باب غرفته، ودخل بهدوء، خلفه ترك أباً وأماً قلوبهم مملوءة بالرضا والدعاء، يرون ثمرة تعبهم تكبر أمام أعينهم، ويهمسون بدعوة صادقة أن يثبّت الله خطاه، ويحفظ له ذلك النور في قلبه.

                  

                    •••••••••••••••••••

في ذلك البيت، الذي إن اقتربتَ منه سمعتَ صوت القرآن يتسلل من نوافذه، كانت تقف في المطبخ تُعدّ طعام العشاء، تردّد مع التلاوة بطمأنينة، وشيء من الراحة يحتل قلبها ويُنعش روحها.

ما هي إلا دقائق حتى انتهت، خرجت من المطبخ متجهة إلى الصالة، حيث كانت أختها سارة تجلس وتلعب. اقتربت منها وقبّلت خدّها، فارتفع صوت ضحكة سارة ببراءة وسعادة من تصرُّف أختها.

قالت بلطف وهي تجلس بجانبها:

–ها، قوليلي بقى، صليتي المغرب ولا لأ؟

سكتت سارة، ونزلت بعينيها إلى الأرض، ثم قالت بتردد:

–لأ… كنت هصلِّي دلوقتي.

نظرت إليها "ليل" بعينٍ حانية، ثم فتحت ذراعيها، فركضت سارة نحوها وارتمت في حضنها.

قالت "ليل" بابتسامة هادئة وهي تُربّت على ظهرها:

–هو دا ينفع يا سرسور؟

سارة بحزن:

–لأ.

استفسرت "ليل" منها :

–وعملتي كده ليه؟

سارة بخجل:

–قلت أستنى وأتوضّى مرة واحدة، وأصلي المغرب، ولما العشا يأذّن أصليها…

ضحكت "ليل" بخفة وهي تشد على حضن أختها الصغيرة، قائلة:

–بُصي يا سرسور يا حبيبتي، ما ينفعش نأجل صلاتنا، عشان كده لازم نصلّي الفرض أول ما الأذان يِأذّن، ما نقولش لأ، هستنّى عشان أتوضّى مرة واحدة. لازم نحاول نقرّب من ربنا عشان يحبّنا. مش انتي عايزاه يحبّك؟

رفعت سارة وجهها إليها وسألتها بصوت خافت:

–أيوة عاوزاه يحبني.

تحدثت "ليل" بصوت دافئ وهي تمسك وجه أختها بين كفيها:

–طب وهيحبك إزاي وانتي معملتيش حاجة؟ حتى الصلاة ما صلّيتيش! ما ينفعش كده، فهمتيني؟

هزّت سارة رأسها بالإيجاب، ثم قامت بسرعة وهي تقول بحماس طفولي:

–طب أنا هقوم أتوضّى وأصلّي حالًا.

راقبتها "ليل" وهي تجري بخفة نحو الحمّام، وارتسمت على وجهها ابتسامة رضا هادئة. كانت لحظات بسيطة، لكنها تملأ قلبها بالسكينة. رؤية سارة وهي تحاول أن تلتزم، جعلتها تتذكّر نفسها وهي صغيرة… نفس البراءة، ونفس المحاولة.

تنهدت بعمق، واتجهت لترتيب السفرة البسيطة للعشاء. وفي قلبها دعوة لا تُقال، أن يديم الله هذه الطمأنينة في بيتهم، أن تبقى سارة كما هي… وأن تظل هذه الروح العامرة بالإيمان، ملاذًا لا يُهدّده تقلب الأيام.

مرّ الوقت، واجتمع الجميع حول السفرة. جلسوا يتعشّون سويًا في جوّ دافئ.

قال ياسر "الأب" وهو يمدّ يده للطعام:

–أنا يدوب هاكل لقمتين وبعدين أروح الجامع أصلي.

صفية "الأم" رفعت نظرها إليه بلطف وقالت:

–تروح وتيجي بالسلامة يا حاج.

نظر إليها ياسر مبتسمًا، ثم التفت إلى "ليل"، واتسعت ابتسامته:

–تسلم إيدك يا ليل… الأكل يفتح النفس! دايمًا أكلك جميل.

ليل، بابتسامة راضية:

–بالهنا والشفا يا حبيبي.

تدخلت صفية مازحة، وقد رفعت حاجبها:

–يعني هو أكلها حلو ويفتح النفس، وأنا أكلي إيه؟ يسد النفس يا حاج؟

ضحكت ليل وقالت بسرعة:

– لا طبعًا! هو في أكل زي أكلك إنتي يا ست الكل؟ دا إنتي اللي معلماني من أصله.

صفية هزّت رأسها برضا وقالت:

–ربنا يخليكي ليا يا حبيبتي… بس الحاج عنده حق، أكلك بسم الله ما شاء الله يفتح النفس.

ابتسمت ليل بسعادة، ونظرت إلى والديها بامتنان عميق. كلماتهم البسيطة كانت كفيلة تُفرّح قلبها.

أكملوا العشاء وسط جوّ مليء بالمحبة والسكينة.

وما إن انتهوا، حتى قام ياسر سريعًا ليتوضأ ويستعد للذهاب إلى المسجد، بينما ليل وصفية بدأتا في رفع الطعام وتنظيف المائدة.

خرج ياسر من البيت، متجهًا إلى الجامع، بالتزامن مع بداية الأذان.

كان صوت "يوسف" هو الذي يصدح من المئذنة… صوته الهادئ الواثق.

وما إن سمعته "ليل"، حتى شعرت براحة دافئة تسكن قلبها… راحة غير مبررة. فكّرت فيه رغمًا عنها، دون أن تراه، فقط بصوته.

همست لنفسها بخجل:

– استغفر الله العظيم… إيه اللي بفكر فيه دا؟!

سارعت لتدخل وتتوضأ، محاولة أن تُبعد تفكيرها عن يوسف، لكن… يا ترى، هل ستقدر أن تبعده عن قلبها فعلًا؟

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

وبين الظلام استجيبت دعواتي

المؤلف nada Fathy
2025/10/19 مستمرة
قائمة الفصول (2)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة