"همسات دعاء"

"همسات دعاء"

14 0

كان سكون الفجر ينسدل على الحيّ كوشاحٍ من نورٍ باهت، يغمر الجدران القديمة برقةٍ لا تُشبه إلا رحمة الله.

كان الهواء باردًا قليلًا، يوقظ في النفس يقينًا بأن هذا اليوم يحمل شيئًا خاصًا.

في الطابق الثاني من أحد البيوت، جلست "ليل" على سجادتها، تستقبل القِبلة، وقلبها يسبق لسانها في الدعاء.

كانت قد أنهت ركعتي السُّنَّة، وتنتظر إقامة الصلاة، وذهنها معلّق بالصوت الذي باتت تحفظ نبراته أكثر من اسمها.

"الله أكبر"

كان صوت الرجولة، رخيمًا، يصدح في الأجواء بخشوعٍ نادر، وكأنه يخرج من قلبٍ موصولٍ بالله.

يوسف...

ذلك الشاب الذي لم تلتقِ عيناها بعينه يومًا، لم يتبادلا السلام قط، ولم يجتمعا في مجلسٍ واحد.

لكنها تحفظ صوته، تعرفه...

صوته حين يقرأ القرآن، وهو يؤمّ الناس في المسجد المجاور، كان يتسلّل من مكبّر الصوت على المئذنة، يتسلّل كما يتسلل النسيم بين شقوق الأبواب الخشبية، فيدخل إلى قلبها بهدوءٍ محبّب.

أكملت صلاتها بخشوعٍ يزور قلبها دائمًا عند الوقوف بين يدي الله، وختمتها على صوته وهو يقول:

"السلام عليكم ورحمة الله"

فردّت خلفه السلام، ودعت من قلبها أن يُلهمها الله السكينة، وهدوء القلب، وراحة البال.

ثم أمسكت بالمصحف، وفتحته على سورة يوسف. لطالما أحبّت قراءتها، وخصوصًا في هذا الوقت من اليوم.

وبعدها بدأت بالتسبيح وقراءة الأذكار اليومية، كانت تلك الطقوس... أجمل ما في اليوم.

انتهت من صلاتها، طوت سجادتها برفق، وقلبها لا يزال معلقًا بذلك الصوت الذي سكن روحها قبل أذنيها، وكأنها توضأت به قبل أن تصلي…

خرجت من غرفتها على أطراف قدميها، لا تريد أن توقظ أحدًا. كانت تحب لحظة الصباح الباكر حين يكون البيت نائمًا، والدنيا هادئة، والهواء نقيًّا كأن الليل غسل روحه قبل أن يسلمها للفجر.

دخلت المطبخ بهدوء، أشعلت نورًا خافتًا، وبدأت تُعد الشاي. فوالدتها تحب الشاي الثقيل في الصباح، ووالدها لا يبدأ يومه إلا برغيف عيش بلدي طازج، وغالبًا ما ينزل يحضره بنفسه، لكن "ليل" كانت تحب أن تسبقه إليه كلما استطاعت.

فتحت النافذة الصغيرة، فدخل نسيم لطيف داعب خصلات شعرها المتسللة من طرحتها، وأخذتها لحظة من الصمت… لحظة تأمل، ثم همست في سرّها:

«اللهم كما أنعمت عليّ بسماع صوته، ارزقني يومًا بسكينة قربه، أو انساه إن كان البلاء فيه.»

وقبل أن تسرح أكثر في أفكارها، دخلت والدتها وهي تقول بصوت ناعس:

–صباح الخير يا لولو… إنتِ صحيتِ بدري أوي.

ابتسمت "ليل" وهي تملأ الكوب:

–صحيت صليت الفجر… وما عرفتش أنام تاني.

جلست والدتها على الكرسي الخشبي، وقالت وهي تأخذ الرشفة الأولى:

–البركة في الفجر، ربنا يبارك فيكِ يا بنتي.

مرّت دقائق دافئة بينهما، حتى بدأ البيت يستيقظ تدريجيًا… والدها خرج من غرفته وهو يمسح على لحيته القصيرة، وسارة الصغيرة دخلت المطبخ تفرك عينيها، تبحث عن حضن "ليل" أكثر من الإفطار.

كانت "ليل" تُحدّق في عائلتها الصغيرة بفرحةٍ تملأ قلبها، تدعو الله في سرّها أن يحفظهم لها من كل سوء وشر. ثم التفتت إلى شقيقتها الصغرى، التي كانت تتوسط حضنها، تنظر إليها ببراءةٍ وتنتظر أن تُطعمها بيديها. لطالما كانت "ليل" الأخت الحنون، والابنة البارّة، لم تتمنَّ في حياتها أكثر من عائلةٍ محبة، وقلبٍ صادقٍ نقيّ، يفهمها بصدق، ولا يعرف للحقد بابًا.

                   •••••••••••••••••••••

علي بعد بيتين كان ضوء الصباح يتسلّل عبر ستائر الشرفة المنزل، يغازل الجدران بهدوءٍ رقيق. جلست الأم على الطاولة الصغيرة في المطبخ، تُحضّر الفطور بيدٍ خبِرة اعتادت أن تُربّي وتطعم وتُحب دون ضجيج.

دخل يوسف وهو يرتدي بدلته الرمادية، يمسح بيديه شعره المبلل، وعلى وجهه ملامح التركيز المعتادة.

قال وهو يجلس إلى الطاولة:

_صباح الخير يا ماما… الريحة تجنن، أكيد فيه فول بالسمنة؟

ضحكت الأم وهي تضع الطبق أمامه:

_وإيه يعني صباح من غير فول؟ كلّه عشان ترجع من الشغل تقوللي نفسك في أكل البيت.

ابتسم يوسف، وأخذ أول لقمة:

_ده حقيقي… أكل البيت حاجة تانية.

ثم أطلّ والده من الباب، يحمل الجريدة كعادته:

_ها يا سي يوسف، نويت تخلّص المشروع النهارده؟ ولا لسه؟

رد يوسف وهو ينظر في فنجان القهوة:

_إن شاء الله… لو ربنا سهّل، هقدّم الجزء الأخير للمدير، بس الدعوة منك بقى.

هزّ الأب رأسه:

_ربنا يفتحها في وشّك يا بني… بس متنساش تصلّي الظهر وانت هناك.

هزّ يوسف رأسه بثقة:

_حاضر يا بابا… متقلقش.

وفي تلك اللحظة، دخلت "رنا" أخته الصغيرة، تجرّ حذاءها الرياضي خلفها:

_يوسف… خُدني معاك الشغل!

ضحك وهو يربّت على كتفها:

_تشتغلي إيه في المكتب؟ تسوّقي العقارات ولا تعمليلي قهوة؟

قالت بجدية طفولية:

_أنا هقعد على اللابتوب وهشتغل أحسن منك.

ضحكت الأم:

_طب سيبوه يروح شغله يا جماعة بدل ما يتأخر.

نهض يوسف من على الطاولة، وقبّل رأس أمه ثم سلّم على والده، وانحنى ليشد خد أخته الصغيرة مداعبًا:

_خلي بالك من ماما، ويلا اعملي الواجب بدل الهري دا.

ردّت الطفلة بحماس:

_خلاص، بس هاجي معاك بكرة.”

ابتسم لها يوسف ثم خرج من الباب وهو يحمل حقيبته، تنفّس بعمق وهو ينزل السلم… اليوم مزدحم، لكن داخله حنين لشيء لا يعرفه بعد… شيء له طيف هادئ كالحلم، ظلّ يلاحقه في صمت.

كان يوسف رجلًا يَسكنه الصمت أكثر مما يسكنه الكلام، يحمل في ملامحه وقارًا سابقًا لعمره، وفي عينيه شيء يشبه الحنين… لكن الحنين إلى ماذا؟ لم يكن يدري.

هو من أولئك الذين تعلموا أن يكونوا السند لا المُرتَكَن عليه، فكبر قبل أوانه، واعتاد أن يُخفي ضعفَهُ في جيب قلبه الأيسر، يُطويه بعناية حتى لا تلمحه العيون.

لم يُجيد الشكوى قط، حتى حين تنهشه الأيام من كل صوب، كان يكتفي بابتسامة باهتة، وعبارة يرددها دائمًا "الحمد لله.. كله يعدّي إن شاء الله."

كأنما بينه وبين الله عهدٌ لا يُفصح عنه، لكنه حاضرٌ في سكونه وصبره، وفي كل نظرة تطمئن من حوله.

يوسف لم يكن مثاليًّا، لكنه كان رجلًا يعرف قيمة "الستر"، ويقدّس لقمة العيش الحلال، ويضع كرامته فوق كل اعتبار تراه بسيطًا، لكنه حين يتحدث، تنصت له القلوب قبل الآذان، فلكلماته وقعٌ خاص، نابع من صدق داخله لا من بلاغة اللسان.

في بيته، هو الابن البار، والأخ الكبير الذي لم يقصّر يومًا، وإن قصّر في حق نفسه.

وفي الخارج، هو العامل المجتهد، الذي يستيقظ على أول ضوء، ويرتدي ملابسه بنفس الرتم، كأنها طقوس مقدسة، يربط ساعته، يضبط حقيبته، ويخرج بخطوات واثقة، فيها من التعب ما فيها من الإصرار.

وحده يوسف يعرف أن الرجولة ليست بالصوت العالي، ولا بالمظاهر، ولكن بتحمُّل المسؤولية، والسعي الكريم، والنية الطيبة اللي بيبدأ بيها كل يوم.

في الحقيقة، لم يكن ذلك الروتين حكراً على يوسف وحده، بل هو حال كثير من الشباب الذين يقاتلون بصمت لأجل لقمةٍ كريمة، يركضون في دروب الحياة لا طمعًا في رفاهٍ ولا لهثًا وراء متعة، بل فقط كيلا يمدّوا أيديهم لأحد، كي تظل كرامتهم صلبة، ورؤوسهم مرفوعة، حتى وإن أثقلهم التعب وأحنتهم المسؤوليات.

******************

أتمني البارت يكون عجبكم 🥺؟

دا لينك حسابي انستا تعالوا يلا

https://www.instagram.com/nadousha6483?igsh=cWtrNDY2dnByb3Bp

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

وبين الظلام استجيبت دعواتي

المؤلف nada Fathy
2025/10/19 مستمرة
قائمة الفصول (2)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة