صوت الكارت الأمني وهو بيتسحب على الباب المعدني كان كأنه صافرة بداية لحياة جديدة.
الباب اتفتح ببطء، واندفعت منه نسمة هواء باردة، فيها ريحة مختلفة... ريحة معدن مختلط بريحة الخطر.
تالين وقفت عند العتبة، قلبها بيدق بسرعة مرعبة. طول عمرها جريئة، لكن النهارده؟
ده مش امتحان جامعة... ده عالم تاني.
عينيها بتجري على كل تفصيلة:
الجدران الرمادية الصامتة، الكاميرات الصغيرة اللي بتلمع زي عيون وحوش، رجال الأمن اللي واقفين كأنهم تماثيل من حجر.
دينا، اللي ماشية جنبها بخطوات واثقة وكأنها بتتنفس المكان، ضحكت بخفة وقالت بنبرة فيها لمعة سخرية:
ـ اهدّي يا بطّة... لسه ما شفتيش حاجة.
تالين حاولت ترد، لكن ضحكتها طلعت مهزوزة:
ـ أنا هادية... أوي.
مشوا لحد ما وقفوا قدام باب كبير محفور عليه شعار المخابرات. اللحظة دي... كل حاجة جواها اتلخبطت.
صوت داخلي همس لها: "لو دخلتي... ما فيش رجوع يا تالين."
لما الباب اتفتح، المشهد جوه كان شبه فيلم أكشن:
طاولة ضخمة في النص، شاشات مليانة بيانات، خرائط مُعلقة على الحيطان... وفي النص، واقف راجل حضوره تقيل يخلي حتى الهوا يتقل.
اللواء هاني.
شعره أبيض، لكن عينه؟
لمعة نار... راجل باين عليه إنه شاف الدنيا واتداس عليه واتكسّر... لكن واقف.
هاني (بصوت حاد يخترق):
ـ أنتي تالين صفوان؟
تالين وقفت مستقيمة، شدت ضهرها، ورغم رعشة خفيفة في إيدها، قالت بثبات:
ـ أيوة يا فندم.
هاني (نظرة صقر):
ـ عارفة إحنا ليه جِبناكي هنا؟
تالين (بنبرة فيها تحدي صغير):
ـ لأ... بس أتمنى أكون هنا عشان أقدّم حاجة مفيدة.
اللواء قاعد يراقبها بصمت، كأنه بيقرأ أفكارها.
وفجأة... لمحت حركة في الظل. حد واقف هناك، متسند على عمود.
ولما خرج للنور... قلبها وقع في رجليها.
مراد.
طويل... جسمه زي الجبل، عينه سودا تقطع الهوى زي السيف، ملامحه باردة كأنها منحوتة من حجر.
ساعتها فهمت ليه كل الكلية كانت بتحكي عنه كأنه أسطورة.
هاني (ملتفت له):
ـ مراد... استلم.
مجرد ذكر اسمه كان كفيل يخلي قلبها يزيح خطوة لقدام.
مراد اتحرك من غير ما يقول ولا كلمة... بس خطواته كانت كفيلة تخلي الأرض تهتز تحتها.
بصّ لها بنظرة ثابتة، وبصوت عميق جدًا قال:
ـ اتفضلي ورايا.
دينا رجعت لها ابتسامة سريعة، كأنها بتقول: "ربنا معاكي يا بطّة... انتي داخلة نار."
الطريق كان طويل، صوت خطواتها بيتردد في ودنها، وقلبها بيدق أسرع مع كل خطوة.
وأخيرًا، وقفوا قدام باب معدني تاني. مراد مرّر الكارت، الباب فتح، واللي وراه كان...
قاعة تدريب ضخمة: حواجز خشبية، حبال، وأسلحة مطاطية مرصوصة في الجنب.
تالين رفعت حاجبها وقالت بسخرية صغيرة:
ـ هو... ده إيه؟
مراد (واقف قدامها، دراعه متسربل):
ـ اختبار.
تالين (بتوتر):
ـ اختبار يعني إيه؟ أنا لسه داخلة...
مراد (قاطعها ببرود):
ـ في الشغلانة دي... يا تعيشي يا تموتي. مش هينفع تدخلي الميدان وانتي مش عارفة تحمي نفسك.
تالين (بابتسامة متحدية):
ـ يعني لو فشلت... هرجع بيتي؟
مراد (ابتسامة باردة):
ـ لو فشلتي... يمكن ما ترجعيش أصلاً.
الجملة دي نزلت عليها زي حجر... لكن في عينيها؟
النار ولعت.
مراد:
ـ عندك خمس دقايق تجيبي المسدس من الناحية التانية وتطلعي من القاعة قبل ما أوقفك. لو لمستك... انتي خسرانة.
تالين (بضحكة عصبية):
ـ وإنت... هتفضل واقف تتفرج يعني؟
مراد (ابتسامة جانبية... غامضة):
ـ أنا الاختبار يا آنسة تالين.
ودق جرس إلكتروني.
تالين اندفعت للأمام، قلبها بيدق بجنون. قفزت فوق خشبة، زحفت تحت حبل، والعرق بدأ ينزل على جبينها.
لكن فجأة... حست نفس سخن وراها.
التفتت... مراد واقف قريب جدًا، وخلال لحظة، صوته واطي لدرجة رجّفت قلبها:
ـ لو ركّزتي على الهروب... يمكن تكسبي.
حاولت تسبق خطوته، لكنه مد إيده... مسك طرف التيشرت.
صرخت:
ـ لأاا! مش محسوبة...
ضحك... ضحكة قصيرة أول مرة تسمعها منه:
ـ ركزي بدل ما تتكلمي.
قدرت تفلت، اندفعت بسرعة، لحد ما وصلت للمسدس. رفعته في الهوا وهي بتلهث:
ـ جبتُه!
مراد ظهر وراها فجأة، صوته هادي جدًا:
ـ أربع دقايق ونص... مش وحش.
تالين (بغضب):
ـ كنت بتلعب بيّا!
مراد (بنظرة ثابتة):
ـ لو كنت بلعب... كان زمانك دلوقتي على الأرض.
الشرارة بين عيونهم؟ ولّعت أكتر من أي وقت.
بعد الاختبار البدني، مراد قال لها بنبرة مفيهاش أي عاطفة:
ـ مبروك... نجحتي في الأول.
تالين (بابتسامة صغيرة):
ـ وبعدين؟
مراد:
ـ عندك أول مهمة دلوقتي.
المهمة: تراقب هدف في السوق من غير ما يلاحظها.
فاكرة إنها سهلة؟ لكن الهدف كان واحد من رجالة مراد نفسه... بيتلاعب بيها.
وبرغم كده؟ تالين لعبتها صح، دمجت نفسها وسط الزحمة، استخدمت سرعة بديهة مرعبة... لدرجة إنها فاجئت مراد نفسه.
لما رجعت، كان واقف قدامها، عينه فيها حاجة غريبة... حاجة تالين مش عارفة تفسرها:
ـ واضح إنك مش عادية يا تالين.
تالين (بثقة):
ـ قلتلك قبل كده.
مراد قرب منها خطوة... المسافة بينهم بقت سنتيمترات، وصوته نزل لدرجة رجّفت قلبها:
ـ ده اللي هنشوفه في الجاية
وهي خارجة من القاعة، سمعت دينا بتهمس للّواء هاني:
ـ حضرتك شايف إنها هتستحمل؟
هاني (بصوت غامض):
ـ لو نجحت في المهمة الكبيرة... هنكون لقينا السلاح اللي هيكسر "الملك".
تالين سمعت الكلمة... الملك.
والأرض تحت رجليها اتزلزلت.
صوت داخلي همس:
"الملك... الاسم ده هيطاردك في الكوابيس قبل الواقع