ظلام....
لا وجود سوى للظلام...
ظلام دامس يكاد يُفقد البصر..
ظلام ما انفك يحيط بالشاب مع كل خطوة، نظر ليمينِه تارَّةً وليسارِه تارَّةً أخرى؛ محاولةً منه ليجد بصيصًا من النور، لكن أنّى له ذلك؟ فكلما انغمس في ذلك الظلام، زادت استحالته على العودة، لا يدري أهذا خيال أم واقعه الذي ما لبث يستمر في إيلامه.
ضجيج عالٍ أحدثته شاحنةٌ مارّةٌ بالخارج جعل فضيَّ الشعر يصدر شهقة عالية إلى حد ما مع غلقه لعينيه ثم فتحهما مرات عدة إلى أن استوعب أن كل ذلك ما هو إلا حلم، وليس مجرد حلم بل كابوس بغيض ككل يوم يتمثل في أشنع مخاوفه واليوم وقع الاختيار على خوفه من الظلام.
ها قد بدأ يومه متثائبًا ملولاً كالمعتاد؛ فاليوم لا يختلف عن أمس شيئًا إلا في أمر واحد ألا وهو أنه سينتقل إلى سكنٍ جديد، فها هو الآن في شقة ضيقة مهترئة تتكون من غرفة واحدة ولكن كل هذا سيصبح من الماضي فالعام هو عامه الأول في الجامعة واليوم يومه الأول في السكن الجامعي أو هذا ما ظنه في البداية.
رنين جرس الباب دخل مسامع فضيَّ الشعر، كان قد دفع إيجار الشقة الشهري مقدمًا لذا فالموجود خلف الباب قد عُرف تزامنت استنتاجاته مع فتحه الباب، ورؤيته للماثل أمامه، ملبيًا توقعاته.
"أهلاً إيثان ،لم تخيب ظني يوما في استجابتك السريعة" ذلك ما قاله الفتى ذو الشعر الأحمر القاتم مع ابتسامته الواسعة التي تكاد تشق أذنيه.
"أوه آلين، أحقًا لم تستطع الصبر حتى أتمكن من الانتهاء" دلف إيثان إلى حجرته برفقة آلين الذي طفق ينظر حوله "يبدو أنك انتهيت من حزم حقائبك، سيارة أبي تنتظرنا بالأسفل؛ سنذهب معًا إلى السكن الجامعي".
تنهد إيثان بضيق "أتعلم آل؟ لقد قرأت أمس رسالة من المسؤولين في السكن الجامعي أنه قد تم ملئه، ولن يتواجد مكان لي" ثم أردف إيثان "يبدو أنهم تحققوا من أي عائلة أنا ولا يريدون للمشاكل أن تحدث" توسعت عينا آلين قليلاً "إذاً ما الحل؟!".
"أرسلوا رسالة أخرى فحواها أنهم يرشحون لي عائلة مضيفة" رفع آلين حاجبيه "كتلك العائلات التي تستضيف الطلاب بمقابل مادي؟"
أومأ إيثان وهو يعدل قميصه "أجل هم بعينهم، لكن بما أنني قد دفعت للسكن الجامعي سلفًا؛ فالعائلة التي سأسكن معها ستأخذ أموالها من الحكومة" تنهد آلين بارتياح؛ فقد كان قلقًا على أموال صديقه؛ فأمواله لا تأتي من السماء أليس كذلك؟!
"إذا هل اخترت العائلة التي ستقطن معها؟!" نفض إيثان رأسه "لم يكن لدي الخيار منذ البداية، فقد أرسلوا بياناتي لأسرة تُدعى 'عائلة ويلسون' واليوم سأذهب لمنزلهم" بعد سماع آلين لاسم العائلة رمش عدة مرات "أليس الاسم مألوفًا؟!!" إيماءة إيثان تزامنت مع تقطيبة حاجبيه "لكن يوجد عائلات كثيرة بهذا الاسم اليس كذلك؟! لا يوجد ما يثبت أنهم من نقصدهم".
احتل الصمت الغرفة إلى أن تحدث آلين بتذمر "لكن أتعلم؟! أنا حزين قليلاً أنك لن تكن معي في السكن".
نظر إليه إيثان بتهكم "والدليل على ذلك ابتسامتك البلهاء" قهقه آلين فاتحًا باب الشقة ليخرج منها " تعلم أني لا أدع حديثًا ذا عمق إلا وأفسده".
ضحكة خرجت عُنْوَة من فم إيثان بعد خروجه من شقته هو الآخر.
بعد خروج إيثان وآلين من مجمع الشقق السكني المهترئ ركب إيثان المقعد الخلفي من السيارة حيث آلين على يمينه بعدما وضعا حقائب إيثان في الحقيبة الخلفية للسيارة "مرحبًا أيها العم جيمس، قد مرت مدة منذ آخر لقاء لنا".
استقبله جيمس بابتسامته التي لا تزول " اشتقت لك بني" رد إيثان الابتسامة بامتنان.
جيمس تايلور رجل ذو شعر بني يتخلله بعض البياض، هو في أواخر الأربعينيات دائم البشاشة، محب لابنه وصديقه إيثان فهو مثل ابنه الذي لم يلده.
شرد ذهن إيثان مراقبًا آلين وهو يفسر لوالده ما تحدثا عنه قبل قليل بابتسامة على وجهه؛ فحبه لمشاهدتهما يتحدثان فاق تصوره.
قاطع آلين أفكار إيثان مادًا يديه يحركها يمنةً ويسرة أمام عيني إيثان "لقد سألك أبي عن عنوان منزل العائلة التي ستقطن معها، أين ذهب عقلك وتركك".
تنهد إيثان معطيًا جيمس ورقة تشرح العنوان بالتفصيل سبق وأن كتبها "يبدو أن قلبي متوتر بسبب دخولي الجامعة وعقلي يحاول تهدئته".
نكزه آلين بيده اليسرى ضاحكًا "ما هذا الذي سمعته؟! أحقًا إيثان وايت الذي احتل المركز الأول في اختبار القبول بكلية الطب في جامعة أكسفورد أصبح متوترًا؟!".
حملق إيثان بعينيه الزرقاء السماوية متهكمًا "أتقصد أنه لا يحق لي التوتر بينما يحق لك؟!" قالها إيثان وعينيه تحدِّق بيد آلين اليمنى التي ما انفكَّت تنقر على باب العربة متوترًا.
قهقه آلين ممسكًا يده اليمنى بيده الأخرى، قبل أن يردف إيثان ضاحكًا "يبدو أن عادتك في إبداء التوتر لن تتغير أبدًا"
نظر جيمس إلى الشابين من المرآة الأمامية باسمًا 'لم يتغيرا أبدًا… منذ ذلك الحين' هذا ما فكر به جيمس متمتعًا بالضوضاء التي يصدرها الشابَّان.
•••
صدى ضوضاء المكنسة الكهربائية في كل أنحاء المنزل؛ مما أدى إلى إزعاج ذلك النائم على مكتبه، فرك عينيه فاتحًا إياهما، ثم همس بضيق "من ينظف في هذا الصباح الباكر".
بالطبع له كل الحق في الانزعاج فها قد أيقظه شخص ما من قيلولته الثمينة، نظر أمامه ليجد الحاسوب المحمول ما زال مفتوحًا على ما كان عليه.
تنهد ثم أغلق الحاسوب، ها هو ذا، قد أنهك نفسه بالعمل مجددًا، رغم كل وعوده لوالده.
أمسك فحميُّ الشعر يديَّ الكرسيّ الذي يجلس عليه والذي يبدو ككرسي متحرك متطور نوعًا ما، بعد ضغطه على زر معين على يد الكرسيّ الأيمن ثم تحكمه بالكرسي بأدوات تحكم في كرسيِّه وصل إلى خارج باب غرفته.
غرس يده في خصلاته السوداء الفحمية ثم تنهد بعد أن رأى الفتاة ذات الشعر الأسود الفحميّ المطابق لخاصته، إذًا فهي من كانت تصنع كل تلك الضوضاء.
"سيلا!! ألا تنوين ترك الناس تنام بسلام؟!" نظرت إليه سيلا شذرًا بعد أن أطفأت المكنسة الكهربائية "إذًا أأتركك تنام بسلام وأترك الضيف القادم اليوم يرى تلك الفوضى التي افتعلتها أمس أنت وصديقك؟!".
نزلت قطرات عرق باردة على جبين الشاب "أكان قدومه اليوم؟!" ازدرد ريقه حَذِرًا "لمَ لم تخبريني إذًا؟".
تنهدت سيلا بيأس محركةً رأسها يمنةً ويسرة بعد أن تذكرت عدد المرات التي أخبرته بها "أحقًا ظننت أنني لم أخبرك".
قاطعهم صوت قهقهة عالية، فنظرت سيلا تجاه مصدر الصوت عابسة "مهلاً أبي علام تضحك؟! لقد أفسد كل ما نظفته سلفًا، وها هو يتذمر" ضحك الأب مرة أخرى "أليكس نظف فوضاك" ثم أردف مثبتًا عينيه على شعر سيلا المبعثر "وأنتِ يا سيلا تجهزِّي لمقابلة الضيف".
قطبت سيلا حاجبيها بعد أن سمعت قهقهة صاحب الفوضى المكتومة.
نظر الرجل إلى هاتفه الذي ما لبث يصدر اهتزازاته التي توحي بأن اتصالًا قد ورد.
•••
وقفت سيارة على جانب الطريق، ومن الواضح أن اصحابها في مأزق كبير "أبي ماذا حلَّ بالسيارة فجأة؟! أحقًا لا يمكننا المضيّ قدُمًا؟" قابل الرجل كلام ابنه الأصهب بتنهيدة، وهو يضرب العجلة الأمامية لسيارته بقدمه "لا أعلم ما الذي حل بها فقد كانت تعمل بكفاءة قبل قليل".
تدخَّل فضيّ الشعر حينما رأى الموقف مناسبًا لتدخله "لا أقصد المقاطعة، لكنني رأيت إعلانًا منذ قليل لتصليح السيارات، وقد حفظت الرقم على الإعلان" استقبله آلين بابتسامة واسعة "حقًا؟! أتعلم إيثان أنت مفيد في هذه المواقف".
ضحك جيمس بعد أن دخل سيارته السوداء مجددًا "حقًا لا يمكن الاستغناء عنك في مثل هذه المواقف، لقد أثبتَّ لي هذا على مر السنين".
مر وقت وقد ظهر رجل ذو شعرٍ رماديّ اللون دليل على شيبه، وقد حاول بالفعل إصلاح السيارة، لكن باءت محاولاته بالفشل " عرفت المشكلة، لكن يبدو أن المعدات التي معي حاليًا لن تفي بالغرض" صمت قليلاً تحت أنظار الثلاثة، ثم أردف "هل لي أن أعرف وجهتكم؟ قد تكون قريبة من مكان عملي".
بادر أكبرهم بإعطاء الرجل الورقة التي أعطاه إياها إيثان سلفًا "هذه وجهتنا حاليًا… " قبل أن يكمل جيمس جملته قاطعه الرجل مندهشًا "من أين لكم بهذا العنوان؟!" صمت ثلاثتهم بريبة فما الذي يدهش هذا الرجل بشدة ثم إنه ليس من حقه أن يستفسر عن أمور مثل لما يريدون الذهاب إلى تلك الوجهة وما إلى ذلك صحيح؟!
ضحك الرجل قليلاً قبل أن يردف "لا داعٍ للقلق لست مريبًا بل هذا العنوان هو عنوان منزلي لذلك كنت متعجبًا فقط".
نظر ثلاثتهم إلى بعضهم قبل أن يستوعب جيمس فحوى كلامه "إذًا لا بد أنك السيد ويلسون أليس !" أومأ الرجل، ثم قال "أدعى ألبرت ويلسون، هل لي أن أعلم ماذا تحتاجون مني؟".
قفز إيثان إلى المحادثة منحنيًا قليلاً "مرحبًا سيد ألبرت أنا إيثان وايت …" قبل أن يكمل إيثان قاطعه ألبرت "إذا أنت من سيسكن معنا من الآن فصاعدًا، يا لها من مصادفة".
ثم نظر إلى جيمس مطولاً "إذا لا بد أنك والده" نفى جيمس برأسه مؤشرًا على آلين "هذا ابني آلين صديق إيثان، برغم ذلك أعتبره ابنًا لي تمامًا" أومأ ألبرت متفهمًا "أفهمك، فهو يبدو لي مثل الابن البار" ضحكة مكتومة صادرة من آلين تزامنت مع قول إيثان "شكرًا على الإطراء" ابتسم ألبرت ابتسامةً واسعةً "ومهذب أيضًا".
كل ذلك حث آلين على الضحك بصوت أعلى؛ فنكزه والده بمرفقه ضاحكًا "يبدو أن ولدي يجب أن يتعلم من إيثان".
نزل أربعتهم من سيارة جيمس التي كانت تجرها عربة نقل كبيرة سبق واحضرها ألبرت.
قال ألبرت لثلاثتهم متحمسًا "تفضلوا للمنزل سألحق بكم بعد أن أصلح السيارة، ولا عليك من تكاليفها" تمنَّع جيمس قليلاً قبل أن يصر عليه ألبرت.
ذهب ألبرت إلى ورشته الصغيرة بجوار المنزل بينما طرق إيثان باب المنزل.
"آتية" ذلك كل سمعه قبل أن تفتح فتاة سوداء الشعر ذات أعين حمراء كلون الدم تبدو مألوفة على نحو مفاجئ ترتدي قميصًا ورديًا وسروالًا طويلاً ذا اللون الأبيض .
اضطربت ضربات قلب إيثان فهذه الفتاة تُذَكِّره بيوم قد سبق وحاول دفنه وتخبئته عن ذكرياته قاطع تفكيره صوتها الأنثوي متسائلاً "معذرةً، هل التقينا من قبل؟!".
Aisarita