في ليلة موته، حين غرز الملك خنجره في قلب الجنرال كيم شين، لم يكن أحدٌ في بلاط غوريو يتخيل أن تلك اللحظة لن تكون نهاية، بل بداية أسطورة ستُروى قرونًا طويلة. سقط جسده مضرّجًا بالدماء، لكن السماء لم تسمح لروحه بالراحة. لم يُدفن كإنسان، ولم يُبعث كميت، بل حُكم عليه أن يكون خالدًا، يحمل في صدره سيفًا لا يراه أحد سواه، ينتظر عروسًا بشرية وحيدة قادرة على نزعه.
حين نهض من بين الأموات، كان الليل كثيفًا، والقصر غارقًا في رهبة. الجنود الذين شهدوا موته تراجعوا مذعورين، والملك نفسه اختبأ خلف عرشه كطفل، وعيناه لا تصدّقان. خرج كيم شين ببطء، خطواته تُدوّي كالرعد، وملامحه تحولت من مجد الجنرال إلى صرامة العفريت. ومنذ تلك الليلة، صار غريبًا عن العالم.
مرت السنوات، ثم العقود، ثم القرون. الأرض تغيّرت، الملوك تعاقبوا، المدن انهارت وبُنيت من جديد، لكن كيم شين ظل ثابتًا في مظهره، لا يشيخ، لا يضعف، كأن الزمن يدور حوله لا فيه. كان يمشي في الأسواق غريبًا طويل القامة، لا يعرفه الناس إلا بصفاته الغامضة: رجل لا يتغير، يختفي ويظهر، عيناه تحملان أثقالًا لا تُفهم.
عاش في العصور كلها، رأى وجوهًا لا تُحصى، أحبّ أناسًا قليلين ثم خسرهم جميعًا. كان يحاول أحيانًا أن يتقرب، أن يكون جزءًا من حياة بشرية عادية، لكنه سرعان ما كان يتذكر لعنته. فكل من اقترب منه يرحل سريعًا، إما بالموت، وإما بالقدر. ولذا صار الانسحاب عادته، والعزلة موطنه.
لكنه لم يكن قاسيًا. على الرغم من جراحه، ظل قلبه نقيًا، يساعد الغرباء بلا سبب، يمنح رغيفًا ليتيم، يحمي ضعيفًا من ظلم، يمسح على رأس طفل في سوق مزدحم ثم يختفي كأنه حلم. لم يعرف أحد اسمه، لكنه كان حاضرًا كظل في حياة الكثيرين. ومع ذلك، كلما عاد إلى وحدته، كان يبتسم ابتسامة مرة ويقول لنفسه:
"ما أطول هذا العقاب… ما أقسى أن تحيا بلا نهاية."
في الليالي الماطرة، كان يجلس أمام نار موقد قديم، يتأمل السيف المغروس في صدره عبر انعكاس المرآة. لم يجرؤ يومًا أن يلمسه. كان يعلم أن هذا السيف هو سرّ خلوده ولعنته في آن واحد. كان القدر قد أخبره ذات ليلة، بصوت بارد لا يعرف الرحمة:
"لن تنجو إلا حين تأتي عروس العفريت. وحدها تراها، ووحدها تستطيع أن تنتزعه."
ومنذ تلك اللحظة، صار الانتظار جزءًا من كيانه.
انتظر طويلًا، حتى صار الزمن بالنسبة له بلا طعم. لكن في أحد أيام الخريف، على شاطئ هادئ، بينما كان يستمع إلى صخب الموج، حملت الريح ضحكة طفلة بعيدة. التفت حوله فلم يجد أحدًا. كان مجرد صوتٍ مرّ، لكنه دخل إلى قلبه كوميض. لم يعلم أن تلك الضحكة ستكون أول خيط يربطه بقدر جديد، وأنها تنتمي لفتاة وُلدت لتكون عروسه المنتظرة: إيون تاك.
أما إيون تاك، فقد كانت منذ ولادتها تحمل علامة الغرابة. وُلدت في ليلة عاصفة، وأول ما فعلته أن جعلت الأرواح تلتفت إليها. منذ طفولتها، لم تكن مثل بقية الأطفال. كانت ترى ما لا يراه غيرها: أشباحًا تهمس، أرواحًا تقترب وتبتعد، عيونًا غامضة تحدّق بها من وراء ستائر العالم. لم تفهم في البداية، لكنها أدركت بسرعة أن حياتها ليست عادية.
كبرت إيون تاك يتيمة القلب. فقدت أمها في سن صغيرة، وعاشت بين أقارب لا يعرفون الحنان. لكن وسط القسوة، كانت تضحك، تحمل كتبها وتمشي وحدها في الطرقات، كأنها تعاند العالم الذي أراد لها أن تكون ضعيفة. وحين كان الليل يثقلها بأشباحه، كانت تهمس:
"لابد أن هناك من ينتظرني… لابد أن هناك سببًا لِما أراه."
وفي يوم عيد ميلادها التاسع، جلست قرب الشاطئ نفسه الذي مر به كيم شين، وأشعلت شمعة صغيرة لتتمنى أمنية. رفعت عينيها إلى السماء وقالت:
"أتمنى أن يظهر لي شخص… يأخذني من هنا، شخص يُنقذني."
وفي البعيد، كان العفريت يسمع، دون أن يدري أن كلمتها كانت نداءً موجّهًا إليه.
هكذا بدأت الحكاية: عفريت خالد يحمل لعنة سيف، وفتاة صغيرة قدّر لها أن تكون مفتاح نهايته. طريقاهما يسيران نحو اللقاء، وإن كان لا أحد منهما يعرف كيف ولا متى. لكن السماء كانت قد رتبت الأمر منذ زمن بعيد.
_انتهي الفصل الثاني إلي اللقاء في الفصل القادم
_يرجي ترك تعليقاتكم
سرد، شخصيات، أحداث
SEE YOU IN The FIRST CHAPTER >>