لعنة الخلود

لعنة الخلود

34 0

في الليالي البعيدة، حيث تختلط حكايات الملوك بخرافات الرعاة، كانت الأرض تغتسل بدماء لا تجفّ. سيوف ترتفع كالأعاصير، ورماح تصرخ في وجه الريح، وصرير الدروع يعلو على أنين الجرحى. في تلك المعارك الملطّخة بالمجد والخيانة، بزغ نجم رجلٍ قُدّر له أن يُخلّد اسمه، لا بطول العمر، بل بلعنةٍ صارت أغلالًا تقيّده إلى ما لا نهاية.

كان اسمه كيم شين، جنرال المملكة، الرجل الذي جعل من جسده سورًا ومن صوته طبولًا للحرب. لم يخسر معركة قط، وكان الجنود يتبعونه كأنهم يتبعون قدرًا لا يُرد. لكن الملك، الذي كبر على خوفٍ وصغر على حقد، لم يرَ فيه منقذًا بل تهديدًا. خشي أن يُسرق منه التاج، فحوّل نعمة الجنرال إلى لعنة، وأمر بموته كما يُؤمر بسقوط ورقة في الخريف.

سقط الجنرال، لا بهزيمة العدو، بل بخيانة الملك. جسده امتلأ بالسهام، لكن قلبه ظلّ ينبض، وكأن الموت نفسه تردّد في اقتناصه. على تلة مضرّجة بالدماء، وبينما تتكسّر أنفاسه الأخيرة، انفتحت أبواب السماء لعنةً لا رحمةً. سيفه، الذي طالما شقّ به الدروب، غُرس في صدره كأن القدر أراد أن يذكّره بأنه لم يكن يومًا سيّد نفسه.

منذ تلك اللحظة، صار خالدًا. لم يعد للموت سلطة عليه، ولم يعد للزمن معنى في عينيه. جسده يلتئم كما لو كان الزمن يعتذر له، لكن قلبه ظلّ مشدودًا إلى نصلٍ لا يراه سواه، يثقل روحه ويذكّره بخيانته وذنوبه. قيل له إن خلاصه لن يكون إلا على يد "عروس القدر"، التي إن نزعت السيف حرّرته. لكن ما إن يُنتزع السيف حتى يفنى، ويزول مع اللعنة التي كبّلته.

مضت القرون، قرنًا بعد قرن، بينما ظلّ "كيم شين" شاهدًا على عوالم تتغيّر وهو ثابت. حضارات تنهض وتنهار، مدن تُبنى وتُحرق، وجوه تحيا وتفنى. أما هو، فبقي غريبًا عن كل عصر، رجلًا يمشي بين الأحياء لكن عينيه لا تنتميان إليهم.

سكن قصورًا وبيوتًا، رحل عن قارات، شاهد الثلج يتساقط على أراضٍ لم يسمع بها من قبل، لكن الوحدة كانت رفيقه الوحيد. لم يكن الموت غايته، بل الراحة التي لم يجدها. كان كلما مرّ أمام معبد أو صلّى بجوار قبر، تردّد سؤال واحد في داخله: إلى متى؟

ومع ذلك، كان هناك ما يثير فيه أحيانًا دهشةً طفولية لم تمت: زهرات الكرز حين تتساقط في الربيع، ضحكة طفل يركض في الأزقة، قصيدة تُتلى في حانة قديمة. لحظات صغيرة تبقيه متشبّثًا بخيط رفيع من الأمل، وإن كان لا يعرف لمن أو لماذا.

لكن أعوامه الطويلة لم تخلُ من الظلال. أرواح الذين قتلهم في المعارك ظلّت تلاحقه، بعضها يستجدي رحمة، وبعضها يلعنه ليلًا ونهارًا. كان أحيانًا يرى طيفًا من جنديٍ سقط بسيفه، أو طفلة تبكي على حافة الطريق، لا يراها أحد سواه. لعنة الخلود لم تكن في استمرار جسده، بل في أنه صار مرآة للخطايا التي لا تموت.

في إحدى ليالي الشتاء، حين كان القمر يختبئ خلف الغيوم، جلس "كيم شين" على حافة جرف يطلّ على بحر هائج. الريح تصفع شعره والملح يتسرب إلى جروحه القديمة، لكنه ظلّ جامدًا، كأنه تمثال. رفع يده إلى صدره حيث النصل الغائب الحاضر، وهمس:

– متى تأتين يا عروس القدر؟ متى تُنهي هذا العبء؟

كان صوته يتكسّر بين صداه وبين صخب الموج، ولا أحد يجيبه. لم يكن يدرك أن القدر، الذي صمت قرونًا، بدأ يخطّ سطوره من جديد، وأن لقاءً صغيرًا ينتظره، لقاء سيهزّ معناه عن الخلود والموت والحب.

وبينما حلّ الليل، انطفأت مشاعل القرية أسفل الجبل، وبدأت النجوم تتلألأ كأنها شهودٌ على حكاية لم تنتهِ بعد. "كيم شين" لم يعلم أن روحه، التي تاهت طويلًا بين اللعنة والانتظار، على وشك أن تلتقي بمن يجعل قلبه ينبض من جديد.

_انتهي الفصل الأول إلي اللقاء في الفصل القادم

_يرجي ترك تعليقاتكم

سرد، شخصيات، أحداث

SEE YOU IN The FIRST CHAPTER >>

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

عروس العفريت

المؤلف 𝐉𝐮𝐥𝐢𝐚𝐧
2025/09/20 مستمرة
قائمة الفصول (2)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة